حكاية كركوز و ست الحسن أو مأساة كركوز - محمد جهاد الكاتب

مسرحية في ثلاثة فصول - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد الثاني

( السلطان في قصره مع بعض حاشيته )‏

الحاجب : مولاي السلطان، رجلٌ غريب يُلح على مقابلتك‏

السلطان : في مثل هذه الساعة من الليل؟!‏

الحاجب : إنّه يدّعي أنْ أمراً هاماً دفعه إلى طلب المقابلة‏

السلطان : دعه ينتظر حتى الصباح‏

الحاجب : أعلم يا مولاي أنّ السلطانة (الغناجة) تنتظرك منذ ساعة تقريباً، ولكنّ الرجل الغريب يدّعي أنه صديق قديم وأنّك ستسعد بلقائه‏

السلطان : صديق قديم.. عجيب! دعه يدخل (يهمس) صديق قديم أرجو ألاّ يصدق حدسي، ويصح الحلم الذي رأيته منذ يومين‏

(يختفي الحاجب ثم يعود مسرعاً وهو يقود خلفه كركوز)‏

الحاجب : قف هنا أيها الرجل، ولا تقترب أكثر من مولاي.. هيا انحنِ للسلطان.. انحنِ يا رجل.‏

كركوز : (ينقـضّ على رأس السلطان) صديقي عيواظ.. كم أنا في شوق إليك.. هات رأسك أقبله..‏

الحاجب : ابتعد عن مولاي، وخاطبه باحترام.. تأدّب أيها الغريب.‏

السلطان : (متجاهلاً) ماذا تريد أيها الرجل الغريب‏

كركوز : أنا كركوز يا عيواظ.. صديقك القديم.. لا يمكن أنْ تنساني‏

السلطان : ليس مهماً أنْ أتذكر من أنت، قلْ ماذا تريد.. وانصرف‏

كركوز : أنا كركوز الذي سافر إلى جزيرة القرود.. من أجل ألف ليرة ذهبية؟‏

السلطان : قلْ يا رجل هل اعتدى أحد على تجارتك؟‏

كركوز : أرجوك يا سيدي، أطلب أنْ نكون وحدنا، لا أستطيع أنْ أفتح فمي وهؤلاء الحراس أكفهم على مقابض السيوف!‏

السلطان : أيها الحاجب، دعنا وحدنا.. وليخرج كل الحراس.‏

(يخرجون)‏

كركوز : أكاد أجن، ماذا حدث لهذه المدينة؟!‏

السلطان : صديقي كركوز الطيب! (يتعانقان) تعال اجلس بجانبي.. كيف أنت ومتى وصلت؟!‏

كركوز : ولكنك تظاهرت قبل قليل بأنك لا تعرفني.. بيني وبين الجنون شعرة واحدة!‏

السلطان : لا تضيّع الوقت يا كركوز.. كنت أحسب لهذا اليوم ألف حساب سنواجه معاً محنة كبرى!‏

كركوز : أنا لا أفهم شيئاً.. الحمد للّه أنني أحضرت معي (سراج) ليقرصني بين حين وآخر.‏

السلطان : ومن سراج الذي يقرصك، ولماذا؟‏

كركوز : تابع أمين احضرته معي من جزيرة القرود.. مخلص.. ومنذ وصولي إلى المدينة.. وأنا أطلب منه أنْ ينخزني بالمسلة أو يضربني أو يقرصني كي أتأكد أنني لا أعيش حلماً.‏

السلطان : يا كركوز.. غبت عشر سنوات، وعدت كما أنت.. الدنيا تغيّرت والمدينة تغيّرت..‏

كركوز : صديقي عيواظ سلطان، بكري قائد الشرطة، المدلل قائد الحرس، الغناجة زوجة السلطان، حنبوج وزير المال. كل هذا وتريد مني ألاّ أصحب معي تابعاً يقرصني؟ ولكن كيف حدث ذلك؟ الحكواتي لا يستطيع أن يُؤلف مثل هذه القصة لأن السامعين سوف يتهمونه بالجنون.‏

السلطان : لا وقت لدي لأشرح لك في دقيقة ما حدث في عشر سنوات حتى لو فعلت فإنك لن تستوعب ما جرى..‏

كركوز : كيف يقفز صاحب المطحنة ليكون سلطاناً؟‏

السلطان : ولِمَ أنت ثائر هكذا؟!! إنْ لم أكن أنا السلطان فسيكون رجلٌ غيري سلطاناً بعد كارثة الطاعون التي حلت بالمدينة وأخذت أكثر أهلها.. ومن بينهم سلطاننا العادل وأسرته، وزعماء المدينة وقوادها.. خلت الساحة.. وتسابق الناس إلى الكراسي.. وقد نسوا كارثة الطاعون ومن دفنت معها..‏

كركوز : والآخرون؟ من اختار هذه الحثالة لتتزعم المدينة؟!‏

السلطان : كل واحد منهم صعد بطريقته واستغلّ ظروف المدينة الصحيّة الصعبة.. واستغّل المجاعة التي حدثت.. وحاجة الأهالي إلى المال والطعام.. وفي مثل هذه الحالة يصعد النصابون والمحتالون ويتربعون على الكراسي..‏

كركوز : وأنت!! كيف تقودهم وتحكمهم؟ وهم يملكون القوة والمال!‏

السلطان : دعك من هذا الآن، واسمعني جيداً..‏

كركوز : أقبل كل شيء إلاّ أنْ تتزوج (الغناجة)!! الغناجة!!‏

السلطان : قلت لك يا كركوز لا وقت لدينا الآن للعتاب واللوم.. المدينة كلها تعرف أنك سرقت صندوق (حنبوج)..‏

كركوز : كذب.. وأنت تعلم أنني لا أفعل ذلك!‏

السلطان : المشكلة، كيف تُقنع مدينة بأسرها أنك بريء.. وقد أدانتك منذ عشر سنوات!!‏

كركوز : بصراحة.. السلطنة تليق بك.. من إدارة مطحنة مائية إلى كرسي السلطنة..‏

السلطان : يا كركوز افهمني.. لن يرحمك أحد.. أنا أعلم أنك فوق كل شبهة.. ولكن لو وقعت بين يديّ بكري فلن يرحمك أبداً!‏

كركوز : عجيب.. عجيب.. عجيب!! سلطان الزمان يخشى من لص حقير! حين كنت صاحب مطحنة كان بكري يحسب لك ألف حساب، والآن وأنت سلطان المدينة تخشى من سارق نصاب!!‏

السلطان : أنت الآن في نظر الجميع، لص هارب.. ولن يقنع أحدٌ أنك شاب طيب.. هذا لا يعني أحداً..‏

كركوز : وأنا أريد أن أقول الحقيقة.. وعليك أن تساعدني!‏

السلطان : ليس أمامك إلاّ أن تغادر المدينة فوراً وتنجو بجلدك ومالك.. اسمع نصيحة صديق لا يزال يحبك.‏

كركوز : وحبي الذي بعت من أجله عشر سنوات من عمري!! أتظنني كنت ألهو مع الفتيات في جزيرة القرود!؟‏

السلطان : اختر أحد أمرين إما الهرب وإما الاختفاء حتى يقضي الله أمراً!‏

كركوز : ويْ، ويْ، ويْ. هذا ما تقدمه لي أيها الصديق، الهرب؟!‏

(يدخل الحاجب متلهفاً)‏

الحاجب : مولاي السلطان.. سيدتي السلطانة قادمة إلى هنا غاضبة!‏

السلطان : (بصوت خافت) هيّا انصرف يا كركوز ستكون مصيبة عظمى لو عرفتك‏

كركوز : ولكننا لم نتفق على حلٍ لمشكلتي.‏

السلطان : أرجوك انصرف الآن.. وسأرسل رسولاً إليك لنلتقي مرة أخرى‏

(تدخل الغناجة مسرعة قبل أن ينصرف كركوز)‏

السلطان : (متصنعاً الغضب) قلت لك انصرف أيها الغريب.. فرجال السلطنة سوف يقبضون على اللصوص الذين اعترضوا طريق قافلتك.‏

كركوز : أشكرك يا مولاي.. ولي رجاء واحد فقط هو أن تكشفوا اللص الحقيقي قريباً فإن هذا يجعلني أنام قرير العين، ولن أنسى لكم ذلك ما حييت.‏

الغناجة : ما خطبك يا رجل، تشغل سلطان البلاد في هذه الساعة المتأخرة من الليل..‏

كركوز : عفوك مولاتي.. سمعت عن عدلكم في هذه المدينة وحسن معاملة الغرباء.. أهنئكم يا مولاتي.. لقد جبت الدنيا وعبرت الممالك البعيدة والقريبة فلم أرَ مثل عدلكم.‏

الغنّاجة : ما نعرفه أيها الغريب.. أنّ من يزور السلطان يُقدم له الهدايا الثمينة.. فماذا أحضرت لسيدك السلطان ولي؟!‏

كركوز : آه! ما أشد غبائي! وما أكبر جهلي! عذراً يا مولاتي فالمرء يتعلم في كل يوم درساً جديداً.‏

الغناجة : قلْ لي أيها الغريب.. أنت تتقن لهجة مدينتنا.. ومن يتقن لهجتنا يجب أنْ يكون منّا.. وأنت كما تدعي غريب عنّا؟!‏

كركوز : (مرتبكاً).. لن تصدقي.. إنْ قلت لك.. إنني حضرت إلى المدينة مع والدي التاجر (سقعان) أكثر من مرة.. وأقمنا طويلاً.. ولكن أقول لكم الحقيقة المدينة الآن في أبهى حلتها.. عليها سلطان قوي، وسلطانة حسناء..‏

الغناجة : هيّا انصرف أيها المراوغ‏

(ينحني كركوز وينصرف)‏

الغناجة : هذا الوجه ليس غريباً، ثم إن حركاته وكلماته تذكرني برجل أعرفه‏

السلطان : إنه يدعي أنه من جزيرة القرود.. وتلك جزيرة في أقصى الأرض‏

الغناجة : أغرب أيها الحاجب.. (للسلطان) أرسلت في طلبك مرتين، وأنت لا تأبه بي لم تعد تنفذ ما أريد!‏

السلطان : غناجة!!‏

الغناجة : السلطانة غناجة!‏

السلطان : السلطانة غناجة تريدني سلطاناً "عاجزاً" أمام الحاشية.. خاتماً في إصبعها كما يهمسون.. وأنا أرفض أن أكون شرابة خرج!‏

الغناجة : عليّ أن أذكرك دوماً "أنني فعلت المستحيل لينصبوك سلطاناً".‏

السلطان : ولعن الله ذلك اليوم الذي قبلت فيه أن أجلس على هذا الكرسي لأكون خادماً لأهواء امرأة!‏

الغناجة : عيواظ!.. لا تدعني أغضب منك.. ستلقى مني ما لا تحب!‏

السلطان : وأنا لا يهمني بعد الآن غضبك أو رضاك.. ألا تفهمين؟‏

(يخرج السلطان. تلحق به الغناجة ببطء)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244