مسرحيتان للشمس لا للوهج - محي الدين السياري

مسرحية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مســــرحية -- الضحــــــــــاك -

ملاحظة لا بد منها‏

* من المحبذ في توزيع الأدوار، أن يكون الممثل المسند له دور الخادم الأول أن يكون هو نفسه من يقوم بتشخيص الوزير الثاني، ومن يؤدي الطبيب الأول هو من يقوم بدور الخادم الثاني، في الإمكان أيضاً لمن يتبع هذا الخط أن يسند دور الطبيب الثاني إلى شخصية نسائية، ويصبح الدور "الطبيبة".‏

* أخذت فكرة هذه المسرحية عن أسطورة "كاوة الحداد" الكردية العراقية.‏

اســـــــتهلال‏

أحدهم : هذه القصة صادقة إلى حد ما، لأنها كاذبة إلى حد ما، ولئن كانت بعض الأحداث من وحي الخيال، إلا أن كلمات الملك الضحاك ترد في السياق بنفس الروح التي صدرت بها، وهذه الروح تنطلق معنا اليوم.‏

آخر : ماذا يحرك فيك الروح يا أخري؟‏

هل أنبئك يا أخي؟.. ماذا يحرك فيك الروح؟..‏

إن الروح من عند الله.. والروح تولد حرة طليقة.‏

الطبيب 1 : يوم مت أذكر أني سمعت بكاء لأني لم أخلف ولداً، ولقد أخطأ من بكى، فرغم أني أرقد ميتاً تحت الثرى إلا أنكم تقفون أحياء من فوقه، وقد امتدت التربة من أمامكم خضراء يانعة، هذا ما أعلمه، وأعلم الكثير غيره.. إني لأعلم الكثير من الأشياء، بيد أن أبلغها لدي، هو أني أحبكم فأياً كنتم فأنتم ولدي، وأياً كان الاسم الذي تلقبون به، فأنتم اسمي. قفوا إلى جواري ولا تبتعدوا عني ابقوا بقربي هذه الآونة العابرة من عرض المسرحية، واستمعوا إلي إذا سمحتم فإن لدي ما أقصه عليكم.‏

أحدهم : هذه قصة صادقة إلى حد ما، لأنها كاذبة إلى حد ما. بعض هذه الأحداث من صنع الخيال، إلا أن كلمات الملك الضحاك ترد في السياق بنفس الروح التي صدرت بها وهذه الروح تنطلق معنا اليوم.‏

آخر : هل أنشد لكم؟.. هل أنشد لكم أن الصدق يعادي الكذب؟‏

ولكن لا، لن أنشد هذا، فلا بد للدعابة من بقاء.‏

وإلاّ مَلّ العقل ومات.. إن الصوت القادم من الماضي ليستطيع أن يتحدث عن عِلْمٍ، عن الأشياء التي سلفت، أما إذا كانت التجربة في أيامكم هذه قد انقضت واستتبت غايتها.. فالحكم لكم أنتم..‏

(موسيقى قلق واضطراب تعم المسرح، والضوء ينير لنا شيئاً فشيئاً عرش الضحاك وسط جدران مغطاة بالحرير الملون. الضحاك يتلوى على عرشه غير قادر على الاستقرار)‏

الضحاك : (قلق غير مستقر على كرسيه وهو يضرب على أجزاء من جسده صعوداً ونزولاً كأن به النقرص).. أح، أح، أح، أح، أح، .. أح،‏

أح ................أي ألم هذا الذي يعم جسدي؟.. كيف سأواجه سفير الجنوب وأنا على هذه الحال؟.. لا بد لي من مسكن لهذا الطارئ.. أي ضحاك أنا ودمي يرقص داخلي على غير عادة دماء الناس.. هو حقاً أنقى وأشرف وأنبل، ولكن وما هذا الذي يخزني فيه؟.. يؤرقني في ليلي ويقلقني في نهاري.. تبا لهذا الشعب الجاهل الذي لا أعرف فيه طبيباً أرسل إليه لمداواتي.. (يصفق، يدخل رجل عاري الصدر ذو سروال أحمر قانٍ عريض يتمنطق بحزام جلدي، يحمل سيفاً طويلاً عريضاً) (الضحاك غاضباً) عشر مرات أنادي على صعاليك مملكتي دون أن يجيبني أحد منكم يا حثالة..‏

الرجل : (بانحناءة طويلة يتكلم بعيوب كثيرة في النطق كالبأبأة) مولاي الضحاك.‏

الضحاك : (يبدو أنه سيصاب بالحالة السابقة) من أنت.. أح، أح..‏

الرجل : (ينهض من انحنائه ببطئ) خادمكم المطيع يا سيدي.‏

الضحاك : أي خادم مطيع أنت وكرشك كاد يمس الأرض.. من أين لك هذا؟‏

الرجل : (مندهشاً بمقارنة كرشه بكرش الملك يتلعثم في الكلام بالبأبأة)..............‏

الضحاك : اذهب قبل أن أفري كرشك (ينحني الرجل ويخرج) أح، أح، أح...................‏

ما هذا الذي يصول ويجول في داخلي دون أن أستطيع مسكه (ما زال يحاول مسك مواطن الداء المتنقل في كامل جسده).. بئس البرغوث أنت.. قل لي ماذا تكون وأنا كفيل بالقضاء عليك.. إن لم تخرج سأستل سيفي وأفصل الرأس عن الجسد وأرتاح منك.. أح، أح.. من أنت، قل لي أح، أح، أح، أح.. (يصفق بتشنج وجسده يتمايل كالهارب من لسعات، وكأنه يرقص ويصفق لنفسه يدخل الرجل وينحني عند الباب، وحين يرى الضحاك على تلك الحال يقف مصعوقاً).‏

الرجل : (مبهوتاً) سيدي الضحاك.. مولاي، هل طلبتني؟‏

الضحاك : (ما زال على حالته دون أن يرى الرجل) أح، أح، أي لعين أنت.. آه لو تخرج، لو تخرج، لو تخرج ولو مرة (يدور حول نفسه يضرب جسده هنا وهناك. يصطدم بالرجل، يصفعه على وجهه دون أن يدري) أح، أح، أح.. أنت؟ ما الذي جاء بك إلي؟‏

الرجل : (مستغرباً، متوسلاً وكأنه سيبكي).. أنا، أنا، يا سيدي.‏

الضحاك : أجل، أنت، يا سيدك.. ما الذي أتى بك إلى هنا؟ (يضربه ثانية)‏

الرجل : أنـ.. أنـ.. أنت يا مولاي من طلبني..‏

الضحاك : أنا.؟ أنا يا مولاك من طلبك؟‏

الرجل : أجل يا مولاي.‏

الضحاك : (يمسكه من خناقه ويجره وسط القاعة).. أنا من طلبك، ها؟‏

أنا؟ .. (يضربه)‏

الرجل : نعم، أنت يا مولاي‏

الضحاك : ولم طلبتك ها؟‏

الرجل : (يلتفت مستغرباً).. ماما.. ماذا.. أأأقـ.. ول؟..‏

الضحاك : هل رأيتني وأنا.. وأنا.. وأنا جالس؟‏

الرجل : أنت أكبر من هذا يا سيدي، أنت، لا ترى وأنت جالس.‏

الضحاك : إذن، رأيتني وأنا واقف.‏

الرجل : (متحيرا) ولكن، ولكن يا مولاي.. يبدو..‏

الضحاك : (تبدو عليه علامات عودة الحالة) أح، أح، أح.. إذن رأيتني وأنا، و،و،و، وأنا أرقص.. أح، أح، أح.. سأجعلك ترقص مثلي، أح، أح،‏

الرجل : (يقلد الضحاك) أح، أح، أح..‏

الضحاك : (يوقت ضربته في نهاية رقصة الرجل) ماذا تفعل يا هذا؟‏

الرجل : لقد طلبت مني أن أرقص مثلك يا مولاي.‏

الضحاك : أنا؟ أنا طلبت منك أن ترقص مثلك يا مولاي؟.. ها؟‏

الرجل : نعم أنت طلبت مني أن أرقص مثلك يا سيدي (مؤكدا)‏

الضحاك : وهل أنا، كنت أرقص يا سيدك؟‏

الرجل : لا أعرف بالضبط ما كنت تفعل يا سيدي، ولكنك قلت لي سأجعلك ترقص مثلي..‏

الضحاك : وهل تفعل كل ما أشتهي أن أفعله؟‏

الرجل : هذا ما يجب علي أن أفعله يا مولاي..‏

الضحاك : حتى وإن طلبت منك أن تقتلني؟؟‏

الرجل : (باستعداد تام) حتى وإن طلبت مني أن أقتـ (قبل أن يكمل الكلمة يستدرك) أن أقتـ، أن أقتلني (يؤشر على نفسه بعد أن كان إصبعه نحو الضحاك).. يا مولاي..‏

الضحاك : (مقهقهاً) أمثالك من تسقط الدول بسببهم (مواصلاً ضحكه) يا لك من لعين.. أقتلني .. ها.. أقتلني.. اذهب (مؤشراً نحو الباب ومهددا) اذهب قبل أن أقتلـ (يستدرك ضاحكاً ومؤشراً نحو نفسه) قبل أن أقتلني (يركله)‏

الرجل : (يخرج راكضاً وهو يضحك ويهز بيديه)..‏

الضحاك : (ما زال يتهدج بضحكة) أمثال هؤلاء من يعيشون أكثر.. جرذان قادرة على أن تنخر أساس ملكك، حتى ينهار عليك ويقتلك، أو أن تصبح شريداً يجوب الفلوات، أو أن تتسكع باحثاً عن فتات الموائد في المزابل.. أي صعلكة هذه وسط باحة قصر عامر ودولة واسعة (يتألم حزيناً من مرضه) أح، أح، أح، أي هم جديد هذا؟ ما عدت أطيق صبراً عليه (يصفق بقوة)‏

الرجل : (يدخل ضاحكاً راقصاً) أح، أح، أح، أح.....‏

الضحاك : (واجماً في مكانه، ينظر إلى الرجل بغضب) ما هذا أيها الرجل البذيء الأخلاق؟‏

الرجل : (مصعوقاً) أنا يا مولاي؟‏

الضحاك : نعم أنت أيها الرعديد.‏

الرجل : كنت، كنت أظن أنني سأسعدك بهذا يا سيدي..‏

الضحاك : من قال لك أن هذا السلوك سيسعدني؟‏

الرجل : لقد رأيتك قبل قليل وأنت ترقص على هذه الشاكلة؟‏

الضحاك : عجباً.. أرقص بتلك الشاكلة؟.. (مستغرباً كأنه نسي ما بدر منه، ثم مستدركاً).. هم.. قل لي.. ماذا تفعل (ببطء) لو وجدتني أبكي؟‏

الرجل : لو، لو وجدتك تبكي يا مولاي (ينخرط في البكاء واللطم ويواصل الكلام بطريقة مضحكة جراء البأبأة والفأفأة)، لبكيت حتى تتقرح عيوني، وللطمت وجهي أسويه بالجدران، ولمرغت جسدي بالتراب حتى يمتزج الدمع به ويصبح بستاناً أغرس لك فيه نباتاً يسرّي عنك يا مولاي، أو أن ترى دمعي ينهمر.. على الأرض حتى يحفر قبري.‏

الضحاك : أ، آ، أتموت من أجلي يا هذا..؟‏

الرجل : وما حاجتي للحياة إن كنت أنت لست فيها.‏

الضحاك : ومن قال لك أني سأموت؟‏

الرجل : حاشاك يا مولاي، ولكني كنت أظن ذلك.‏

الضحاك : وإن ضحكت ثانية؟‏

الرجل : سأضحك حتى أستلقي على قفاي، وأصرخ حتى أوقظ الناس جميعاً ليشاركوني فرحي.‏

الضحاك : وإن غضبت؟‏

الرجل : أغضب معك.‏

الضحاك : وإن صرخت؟‏

الرجل : أصرخ حتى أملأ الدنيا صراخاً، مبايعة وطول عمر.. أصرخ وأصرخ‏

الضحاك : وإن عاركت الأرض؟‏

الرجل : أعارك السماء من أجلك يا مولاي‏

الضحاك : وإن زرعت الأرض زيتوناً؟‏

الرجل : أزرعها لك نخلاً وتيناً.‏

الضحاك : وإن ضربتك وقسوت عليك؟‏

الرجل : اضربك وأقسو عليك، وأمرغ وجهك بالتراب، وأسوي الأرض بك يا مولاي.‏

الضحاك : (يمكسه من عنقه فجأة) ماذا قلت؟ ما ماذا..‏

الرجل: (متحيراً) ما.. ماذا.. قـ.. قلت، يـ يـ مولاي؟‏

الضحاك : أعد علي ما أجبتني به قبل قليل.‏

الرجل : أمن الممكن أن تعيد علي سؤالك حتى أجيبك يا مولاي؟‏

الضحاك : لقد سألتك، ماذا تفعل، لو ضربتك وقسوت عليك.‏

الرجل : آه، آه، سأنزع عن ظهري ملابسي يا مولاي، وأختار لك سوطاً غليظاً، وأقيد يدي وقدمي حتى لا أهرب من أمامك يا سيدي، وأتركك تضرب وتضرب وتضرب حتى تكل يداك، وإن كلت يداك يا مولاي، سأنادي وزراءك وقوادك ليواصلوا الضرب والقسوة حتى تأمرهم بأن يكفوا عن ذلك.‏

الضحاك : هكذا إذن؟‏

الرجل : هكذا يا مولاي، فما وجودي إلا من أجل أن أرضيك يا مولاي، وأوفر لك الحياة الهانئة.‏

الضحاك : أكل من يحيط بي على شاكلتك، في تفانيك وإخلاصك؟‏

الرجل : (يقاطعه مسرعا) الجميع.. الجميع يا مولاي من الأسفل إلى الأسفل الأعلى.‏

الضحاك : (مكملا) ونفاقك وسوء سريرتك؟؟‏

الرجل : عفوك يا مولاي.. إن كنت منافقاً وسيئاً فليس الجميع على شاكلتي في هذه الحالة‏

الضحاك : اذهب، اذهب وأخبر الوزير أن يأتي حالاً.‏

الرجل : (يخرج ببطء حاني الرأس) حالاً، حالاً يا مولاي.. حالاً يا سيدي.‏

الضحاك : (يعود إلى عرشه كئيباً، يضرب جسده في أماكن متفرقة بشكل مفاجئ)‏

الوزير 1 : (يدخل ببطء، يحاول أن يفهم الحال التي عليها الضحاك كي يداريه).. مولاي، سيد الملوك وقاهر الجبابرة، الوزير الأكبر بين يديك..‏

الضحاك : (صمت طويل، يرفع رأسه ببطء).. أي وزير النحس، أي يوم مشؤوم هذا اليوم الذي أنا فيه؟‏

الوزير 1 : سأوقف دورة الزمن، وأعيد الأيام السعيدة، ولن أمنح الأيام فرصة لتجعلك كئيباً‏

الضحاك : (ما زال يضرب جسده) ائتني بخير طبيب في البلدان.‏

الوزير 1 : ما المرض الذي يشكو منه مولاي الضحاك؟‏

الضحاك : لا أعرف‏

الوزير 1 : وماذا أقول للطبيب؟‏

الضحاك : هذا شأنك فتدبر ذلك، أتحب أن أبحث أنا عنه؟‏

الوزير 1 : عفوك مولاي.. ولكن.. سآتيك بطبيب عام كي يكشف عن مرضك، وحين يتم تشخيص المرض نأتيك بطبيب مختص.‏

الضحاك : افعل ما تراه مناسباً أيها الوزير‏

الوزير 1 : كنت سآتيك بمجموعة من الأطباء يا مولاي، ولو لا أن خزينتك قد خلا منها الرصيد، ولم يبق في الأكياس ولو فلسٌ واحدٌ.‏

الضحاك : ويلك، وأين ذهبتم بالأموال الكثيرة التي جمعناها من الفلاحين ومنتوجات الأرض؟.‏

الوزير 1 : صرفناها يا مولاي، صرفناها على الأيام التي جعلناها أعياداً دائمة لك.. يا مولاي‏

الضحاك : أما كان بوسعكم أن تقوموا بجباية حصة السنة القادمة.. يا كسالى..‏

الوزير 1 : فعلنا ذلك يا مولاي.‏

الضحاك : إذن، اجمعوا حصة السنة الموالية‏

الوزير 1 : فعلنا ذلك يا مولاي والله فعلنا‏

الضحاك : (بغضب) والسنة التي بعدها؟‏

الوزير 1 : فعلنا ذلك ولخمس سنوات قادمة يا مولاي، وما عاد الفلاحون بقادرين على دفع أكثر مما دفعوا لك. لقد فرغت مخازن محاصيلهم ولم يعد لديهم ما يكفيهم لتحمل الجوع حتى يستقبلوا الموسم القادم، فالمجاعة ستعم بعد يوم أو يومين.‏

الضحاك : (بغضب) ويلكم.. والنبلاء، هل دفعوا ما عليهم؟‏

الوزير 1 : لقد أبدلنا قلائد نسائهم بقلائد من خشب وكتبنا عليها اسمك كي نوازن قيمة الخشب بالذهب يا مولاي.‏

الضحاك : وأفراد عائلتي؟‏

الوزير 1 : فطورهم اليوم كان فطورهم ليوم أمس.‏

الضحاك : ليت ما تقوله الكذب.. اكذب علي ولا تسمعني ما قلت (ينتحي به جانباً) وسرايا الغزو، أما عادت بأسلاب؟‏

الوزير 1 : مولاي، سيد الأرض والماء، ملك النار والهواء، لسرايا الغزو قصة، كنت أتحدث عن أحداثها يوماً بيوم، وما كنت يا مولاي ممن يصغي إلي.. حتى تشابكت اليوم خيوطها وما عدت بقادر على فك بعضها عن بعض لا أنا ولا وزراء المملكة ولا حكام المقاطعات، وكل منهم بدأ يخشى سرايا الغزو من أن تغزوه.. لقد قويت شكيمتهم، وما عاد حتى الجنود بقادرين على ردهم عن غيهم وعدوانهم. فالجنود أصبحوا هياكل عظمية لا روح فيها ولا جسد قادر على الوقوف.. مولاي، وأنا أدخل اليوم قصرك، لم أستطع التمييز بين الرمح وبين الجندي الذي يتكئ عليه.. فكلاهما مسلوب طويل، في حين أن سرايا الغزو يا سيدي انتفخت كجرذان البيت، وما عادت قادرة على مغادرة الدار. فالأبواب ضيقة، وهي ليست بقادرة على اختراقها إلا بفري كروشها المتخمة بالأسلاب.. لم يعد يدخل خزينتك من أسلابهم شيئاً. والممالك المحيطة بنا سحبت حدودها عنا بعيداً وقطعت العلاقات فالديون المتراكمة علينا لصالح خزائنها لم نعد قادرين على دفعها، وسرايا الغزو لم تبق لنا حتى ماء الوجه ليساعدنا على أن نذهب إليهم به ونطلب مساعداتهم مرة أخرى.‏

الضحاك : حسناً يفعلون، اتركهم هكذا حتى لا تطالبنا المماليك بديونها والآن اذهب، أريد طبيباً، وسأتحدث إليك بعد حين (يهم الوزير بالخروج فيصادف الرجل عند الباب)‏

الرجل : مولاي الوزير.. الطبيب المخبول يطلب مقابلة مولاي ملك الملوك.‏

الوزير 1 : اذهب رحب به للدخول.‏

الرجل : حسناً يا مولاي.‏

الوزير 1: (عائدا إلى الضحاك) مولاي الملك..‏

الضحاك : نعم أيها الوزير‏

الوزير 1 : الطبيب الفيلسوف بين يديك بعد لحظات..‏

الضحاك : (مزمجراً حول العرض) الطبيب المجنون؟.. أنا أريد طبيباً، لا أريد الطبيب المجنون، إنه يخيفني، يرعبني، له لسان سليط وأفكار مجنونة كجنونه.. حين أنظر إلى حدبته، أرى الشر المستطير يختبئ فيها، وشعره المستعار أحسه خيوطاً معقودة مع بعضها لتصبح حبلاً يشنقني، لا أحب أن أرى وجهه الدميم لا أرغب أن يكون هذا من أفراد شعبي. كم طلبت منك أن تشنقه، إلا أنك تعتذر لي بشتى الأعذار كي أبقي عليه، لا بد أن تكون متواطئاً معه من أجل أن تصيبني بالجنون مثله. إني أمقت أن أراه، أمقت أن أسمع صوته، أمقت مشيته المعوجة.. .. حين يتحدث يحاصرني من كل جهة ومكان، كلما أشحت عنه وتلافيته أراه واقفاً منحني الظهر يحملق في وجهي بعينه المخلوعة وكأنه يملك آلاف الأعين، إنه يراقب كل خلجة من خلجات نفسي ويحصي علي أنفاسي.. (لحظة صمت وتسمع) إني أسمع خطواته قادمة، أرجوك أن تساعدني على تحمل كلماته المقيتة وإلا قتلته في الحال.‏

الطبيب 1 : (وهو داخل بابتسامة خبيثة) لن تستطيع قتلي يا مولاي.‏

الضحاك : (ملتفتاً كالمرتعب) من؟.. أنت يا وجه النحس..‏

(للوزير) أرأيت، ألم أقل لك أنه يقف بوجهي كصعلوك يصفع سيده؟‏

الطبيب 1 : إنما النفس تصفع صاحبها يا مولاي..‏

الضحاك : وهل النفس تصفع وتقرص الجسد حتى جعلتني لا أستطيع الاستقرار لحظة؟‏

الطبيب 1 : وأكثر من هذا يا سيدي، فالنفس تشغل الضمير، والضمير يحفر في القلب والعقل والجسد.. وبعد أيام تجد كومة من فحم أسود محروقة بجانبك.‏

الضحاك : ومن أين تأتي هذه الكومة يا هذا؟‏

الطبيب 1 : من حفريات ضميرك يا مولاي.‏

الضحاك : (إلى الوزير) قل له أن يبسط في لغته كي أفهمها..‏

الوزير 1 : مولاي ملك الملوك، لغته بسيطة وسهلة ولا أجد بي حاجة كي أوصيه لتبسيطها‏

الضحاك : (صارخاً بوجه الوزير) ألم أقل بأنكما متفقان على أن تجعلا عقلي مختلا (ثم بهدوء) اجلس أيها الطبيب، اجلس وتحدث إلي، إنني أشكو أرقا يصاحب ليلي وهماً يحيط بنهاري ولا أعرف ما هو الشيء الذي يتحرك داخل عروقي، يقرصني في كل مكان، وحين أضربه ينتقل بسرعة حصان جامح إلى مكان آخر.. إنه، إنه لا يتركني أتحدث مع ضيوفي بشكل متزن.. فأنا لا أستطيع تحمله وأدعوك إلى أن تقضي عليه وبسرعة يا طبيب الألم.‏

الطبيب 1 : (يضحك متهدجاً ويتوجه للجلوس بجانب الضحاك) قبل أن أتحدث عن نوع مرضك وعلاجك، أطلب منك أيها الملك الجبار أن تستمع لقصة أرويها لك ولمولاي الوزير المبجل.‏

الضحاك : لا تظنني غبياً يا طبيب الألم والقسوة، فأمثالك وقصصك مفهومة بمراميها.. إنك تريد مني أن أترك عرشي لك أيها الأحدب الشرير، هل هذا همس كربتك؟‏

الطبيب 1 : ليس هذا ما أرمي إليه يا مولاي، إنما أطلب منك أن تستمع إلي فحسب.‏

الضحاك : تحدث، فأنا لا أريد أن أطيل من وقت استماعي إليك‏

 

يتبع...

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244