مسرحيتان للشمس لا للوهج - محي الدين السياري

مسرحية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:05 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المـــــــــنـظر

(ثلاثة كتب كبيرة الحجم، كل كتاب يحمل عنوانه على قفاه، وهي: رواية قلقامش، رواية سالومي، رواية عبد الله الأخرس، تفتح الرواية الأخيرة يظهر منها حسن مع منظر فرن عتيق وسلّم متدلّ).‏

حسن : ارفع قلمك عن رقبتي أيها المؤلف.‏

الأم : اللهمّ أَبْرِئْ ولدي من هذا الكابوس، وأَرْجِعْ عقله إلى الصّواب.‏

حسن : أيّ صواب يا أمّي....‏

الأم : أرجوك أن تهدأ قليلاً يا حسن، ارْحَمِْني من عذابك.‏

حسن : المواجع تركبني ولا تريد أن تترجّل من على ظهري يا أمي.‏

الأم : ما الذي جرى لولدي أيها الناس؟ لقد كنتَ صبياً هادئاً يا حسن.‏

حسن : حليبك كان مهدّئي أيتها الأم.‏

الأم : ويحي ما بالك لا تناديني بأمّي يا حسن؟!‏

حسن : مللت الاختباء وراء الكلمات الحنونة، دعيني، دعيني أتنفس رجولتي.‏

الأم : خَسِئَ من يقول إنك لست رجلاً يا ولدي، ونِعْمَ الرجال أنت يا حسن، غدا أيها العزيز ستملأ هذا الـْ.. فُرْن أطفالاً عندما تتزوج صبريّة..‏

حسن : هذا ما أنتِ فالحة فيه يا أمي، أطفال وفُرْن، عائلة الفُرْنِ السعيد، ومِمَّن؟... من صبرية البلهاء أيضاً، لماذا لا تقولين سعدية مثلاً أيتها الأم العزيزة، أَمْ أنَّ هذا كثير على أمثال حسن؟...‏

الأم : سعدية ذات العينين الزرقاوين مرة واحدة يا حسن؟ هداك الله يا ولدي، كُلٌّ يمدّ رجليه على قدر غطائه...‏

حسن : لا أريد غطاء قماشُهُ صبر ودموع وحرمان أيتها الأم، اتركوني عرياناً وأنا كفيل بغطائي، اترُكْني عرياناً أيها المؤلف و سأصنع غطاء يدفئ كل قرّاء خيالك الخَرِف.‏

الأم : ويلي على خراب البيوت من طيش الفئران المشاكسة.‏

حسن : لابد أن تنجب الفئران قطاً يوقف زحف خوفها الأزلي أيتها الأم.‏

الأم : أهذا آخر الكلام يا حسن، أمك فأرة أيها العاق؟... واحسرتي على سنين التعب، أين ذهبت يا أبا حسن، لماذا لا تأخذني معك من جحيم هذا البقاء؟...‏

حسن : هكذا نحن دائماً أيتها الأم نهرب من جحيم الحياة إلى سكون الموت، أليس من الأفضل أن نبحث عن حلّ آخر؟...‏

الأم : حلَّ عني أنت وسوف أموت بسلام يا حسن.‏

حسن : قولي أعيش بسلام يا أم حسن.‏

الأم : لا أريد العيش يا ابن الحلال، أنت لست حسن، كان عليّ أن أسمّيك بَلْوَى، اتركني، اتركني وإِلاَّ رميت نفسي في الفرن.‏

حسن : مهلاً يا أم حسن، أَلَمْ يقولوا إن قلب الأم كبير... مالي أَرَاه حبّة حمص.‏

الأم : إنك لم تبق لي شيئاً منه يا حسن... واَشَقاءكِ يا سكينة على عمر لم ينجب غير بذرة جافّة، عاقّة.‏

حسن : هكذا مَرَّة واحدة يا أم حسن؟!...‏

الأم : وثالثة ورابعة يا حسن، أنت إبرة جلبها حظّي... كي توخز النائم من آلامنا.‏

حسن : ولماذا تنام هذه الآلام يا أمّي؟.....‏

الأم : اسكت يا حسن، اسكت، لِسانك سوط قاس لا يرحم... قاسٍ يا حسن.(دامعة).‏

حسن : دموعك هذه قيود أخرى يا أمّي، قيود ثقيلة جداً على هذا الجناح، إلى أين تريدين بي يا أمي؟(دامعاً).‏

الأم : أنت تبكي يا ولدي؟ لا عاش من يبكيك يا ولدي.‏

حسن : أنا لا أبكي يا أمّي، إنما أقلّم أجنحتي بسكين رغباتك أنتِ يا أمّي.‏

الأم : جناحك على ظهرك أيها العزيز، سأحميه بكفّي المجعّد هذا..‏

حسن : لكنه سيقودني إلى هواء آخر، إلى فضاء آخر يا أمّي، فضاء آخر....‏

الأم : هواجسك هذه تثقل أنفاسي أيها الشقي، أبوك أَفْرَدَ جناحيه تحت هذا السقف يا ولدي.‏

حسن : سقف الفرن؟...‏

الأم : طلب الرزق يا ولدي.. الرزق...‏

حسن : هذا سقف احتراقنا، وهو مكان لَمْ نَخْتَرْه نحن يا أمّي... ( يظهر عود ثقاب)... ما هذا؟....‏

الأم : عود وقيد.‏

حسن : (يشعله) ما الذي يحرقه الآن.‏

الأم : النار يا ولدي.‏

حسن : (يطفئه) ما الذي أطفأه الآن.‏

الأم : نفخة الهواء يا حسن.‏

حسن : انفخي عليّ قليلاً من الهواء أرجوك.‏

الأم : بل أنا التي ترجوك أن تمسك هذه المواجع يا حسن.‏

حسن : أَمَسَكَهَا أبي وهو شاب يتوهَّج اشتعالاً، فأطفأته نار هذا الفرن، لا أريد السير على خطى عود اشتعل ولم يَقُلْ آه.‏

الأم : من أجل رزقنا اشتعل هذا العود.‏

حسن : أيّ عيش، وأيّ رزق هذا الذي يفرض أن نخبز لصاحب الفرن أَرْغِفة! ولا يحق لنا حتّى أكلْ المحروق منها، أَهُوَ فرن هذا أَمْ محرقة.(يظهر من على شرفة حمّاد صاحب الفرن وقد سمع ما دار).‏

حمّاد : مَالَهُ الفرن يا ابن سكينة؟‏

حسن : حَرَقَ أعمارنا يا ابن العرجاء.‏

الأم : حسن... حسـ......‏

حسن : لا إحسان مع من لا يُحسن الكلام يا أم حسن..‏

حمّاد : هكذا هم الخبازون، دائماً يتعكّزون على ألسنتهم يا سكينة. دعيه يجرّب هذا، دعيه....‏

حسن : ويضربون بها الوجوه القبيحة أيْضاً يا سيد حماد.‏

الأم: اعذره يا سيدي وَامْسَحْ ما قال في وجهي.‏

حسن : لا داعي لهذا يا أمي، هو على معرفة جيدة بالوجوه التي تستحق مثل هذا الكلام.‏

حماد : تقصد وجه وليّ نعمتك يا حسن؟‏

الأم : إنه شاب طائش يا سيدي، أتوسل إليك أن لا تأخذ كلامه على محمل الغضب.‏

حماد : من أَرْضَعَه هذا الكلام يا سكينة؟‏

الأم : حظّي الأسْود هذا ياسيدي.‏

حسن : هو بيتك هذا الذي أرضعنا كلاماً لَمْ نتقيّأْهُ بعد أيها السيد.‏

حماد : زمان، والله زمان، ابن عبد الله الأخرس خطيب في مكان أَخْرَسْ؟‏

حسن : انزل إلى هنا اسمع كلام هذا المكان الأخرس يا حماد.‏

حماد : أوصاني المؤلف أَلاَّ أنزل إلى القاع يا أهل القاع، اصعد أنت... إن استطعت، وأسمعني الكلام يا بن سكينة...‏

حسن : لن يصلك إلا مِحْماش التنّور يا ابن العرجاء... (يحمل حديدة التنور ويهمّ بقذفها عليه، فتمسكه أمّه).‏

الأم : أمسك يدك أيها الغبي..‏

حسن : دعيني أحطّم رأسه.‏

الأم : الويل لك أيها الأحمق... (تصفعه)..‏

حماد : جاءتك من الأسفل أيها الشاطر، لا تأكل العقارب إلاّ العقارب..‏

الأم : سيدي!!...‏

حماد : ما وراءك يا سكينة، أَمْ أنها عدوى الكلام؟‏

الأم : أرجوك يا سيدي... أن لا يتكرر هذا ثانية..‏

حماد : أَوَعِيدٌ هذا أَمْ نَذِير أيتها الخبَّازة؟‏

الأم : بل رجاء يا سيدي.‏

حماد : ما كنتِ هكذا يا سكينة، استبشرنا خيراً عندما ولدت خبازاً صغيراً، كان أفضل لو ولدته أخرس مثل أبيه، أَمْ أنها طفرة وراثية في خراب البيوت، فاللّسان مهما طال يمكن أن يطرب النفوس بأغنية أو نواح، لكنه لا يصلح أن يكون سلماً إلاّ لمن يحسن القول به يا أُمّ الصغير، لقّنيه هذا جيداً، وإِلاَّ أَرَّثْنَاهُ إِرْثَ أبيه.الناس تنتظر في الخارج، لقد دفعوا ثمن الخبز ولا وقت للكلام...‏

حسن : لاَ خُبْزَ بعد اليوم يا ابن العرجاء..‏

الأم : حسن...‏

حماد : لا تخافي أيتها المرأة، هذه رغوة من كلام تطفو على السطح قليلاً ولا تلبث أن يحرقها أتون الفرن، أوقدي الفرن الآن يا أم حسن..‏

حسن : لا توقديه يا أمّي...‏

حمّاد : أيها الشقّي، انظر إلى ذراعي هذه، إنها قادرة... وهي في كتفي، أما إذا انفصلت عن الجسم فلن تستطيع قطف زهرة.‏

حسن :رأسي على كتفّي أيها المصلح النبيل، لا خبز بعد اليوم.‏

حمّاد : هذه وظيفتك أباً عن جد أيها الشاطر.‏

حسن : وأنا لا أرتضيها لنفسي أيها السيّد.‏

حماد : المؤلّف أراد لك هذا يا عزيزي.‏

حسن : سأخرج من رواية هذا المؤلّف وأتركها لك يا حمّاد.‏

حماد : (يغرق في الضحك) أضحكتنا يا هذا ونحن صيام عن الضّحك منذ زمن، حسن الذي خرج عن الرواية، حكاية مثيرة والله، اضحكي، اضحكي يا أم حسن، أو ابكي على جنون الوحيد الذي سيخرج من الرواية، إيه، تخرج، وماذا بعد أيها الشاطر؟!...‏

حسن : هناك سأراه يا ابن العرجاء.‏

حماد : ترى من أيها الخائب؟..‏

حسن : الزمن الذي لا تطوله عصا حماد.‏

حماد : قولي لـه يا سكينة أَنْ لا شَيْءَ هناك خلف هذا الباب.‏

الأم : ولدي يا حسن قد ضحكنا كثيراً، أرأيت كيف كان لطيفاً معنا السيد حماد، هيا الآن يا ولدي، لم يبق وقت على الخَبْزِ، قد طفح العجين.‏

حسن : أنا الذي طفحت يا أمي، الأَخرس الذي مات أَوْرَثَنِي كلاماً لم أَقُلْه بعد.‏

الأم : (وقد لاحظت شرود حسن إلى الباب)... بسم الله، ولدي ماذا هناك... إلى أين تنظر يا عزيزي؟..‏

حسن : إلى رواية بلا فرن يا أمّي.‏

حماد : خفَف الله عن هذا المصاب يا سكينة، والله لو كان المال تحت يدي لأرسلناه إلى الحكيم.‏

الأم : بُنَي حسن، ولدي يرتجف يا حماد، أنجدني ، أنزل إلى هنا أرجوك...‏

حماد : هذه الحالة لم تكتب في الرواية يا سكينة، أوصاني المؤلّف ألاّ أنزل إلى الفرن.‏

الأم : ولدي،ولدي، ساعدوني أيها الناس، سيموت وحيدي بين يدي.‏

حسن : الموتُ هو أَلاَّ نعرف سبيلاً لأحلامنا يا أمّي.‏

الأم : كلنا نحلم في الليل ويوقظنا الصباح إلى أرزاقنا يا حسن.‏

حسن : لابدّ أن أمسك بحلم هذا الصباح. لابدّ...‏

الأم : من أين لي بحلم الصباح كي أروي عطشك، عطش روحك الهائمة يا ولدي.‏

حماد : دعيه يعمل بالليل وينام في الصباح، وستأتيه الأحلام بلا حيرة ولا ارتخاء أيتها العجوز.‏

حسن : الدجاج لا يعرف معنى لهذه الأحلام أيها الديك الأجرب.‏

حماد : أدّبيه يا أُمّ حسن، وإلا نزلت إلى الفرن.‏

حسن : المؤلّف لا يسمح بذلك أيها الذكي.‏

حماد : آه من قيدي، جملة واحدة في هذه الرواية القاسية، جملة واحدة تمنحني النزول فأهشّم بها رأسك الوسخ هذا.‏

حسن : سأمنحك هذه الجملة إلى الأبد يوماً يا ابن العرجاء.‏

حماد : (مستهزئاً)... أحلام، أحلام... يا حالم يا ابن الحالمة.‏

حسن : أوصيك بالصبر يا أمّي.‏

الأم : عن ماذا يا حسن؟‏

حسن : أنا راحل عن هذه الرواية.‏

الأم : بعدها الضياع يا حسن، لا تفجع أمك يا حبة قلبي.‏

حسن : لابدّ أن نمسك بالقلم كي نكتب ما نشتهيه نحن يا غالية.‏

حماد : واجلب معك الحبر والأوراق إن استطعت يا سيد حسن.‏

الأم : لا، هذا جنون، ستحكم عليّ بالموت أيها الهارب.‏

حسن : لا أريد أن أسلّم جسدي لنسيان المؤلّف... سأعود يوماً يا أمي...‏

الأم : حسن...........‏

حسن :وداعاً يا أمّي...(يخرج حسن من الرواية، يغلق الكتاب خلفه، تبدو الأجواء في المكان غريبة بعض الشيء).‏

الأم : (تأخذ بالغناء) ..........................................‏

حسن : (لا يزال غناء أمه يتردّد، يندمج صوته مع صوت الأم حتى يعلو عليه....) سأعود بالقلم يوماً ما أيتها الأم الطيبة..... آه رأسي آه... أين غناؤك أيتها الأم الطيبة، لماذا سكت؟... ما هذا؟.. هل أنا في مكان أم لا مكان!... أهو فرن آخر، أجل فرن بارد، أريد قليلاً من الحطب يا أمّي... هل هو فرن للروايات!... أجل هذه تشبه روايتنا، يبدو عليها أنّها قديمة جداً... أزلية جداً... هل يموت سكان الروايات؟... كلاّ، لابدّ أنهم أنجبوا أحلاماً.... أنتم يَا مَنْ هُناك، افتحوا الأبواب...‏

المؤلف : (وهو يتدلّى بأرجوحة في أعلى المسرح)... أرأيت كم أنت صغير يا ولدي...‏

حسن : من.... من أنت؟!...‏

المؤلف : أنا قارئ دروب هذه الروايات، وشارب ضوضائها حتّى الثمالة.‏

حسن : هل ضاقت روحك من روايتك فخرجت إلى هنا؟‏

المؤلف : أنا لم أغادر روايتي أيها الشاطر.‏

حسن : تعني أني خرجت من روايتي إلى رواية أخرى؟‏

المؤلف : هذه رواية الروايات يا حسن.‏

حسن : كيف عرفت اسمي؟‏

المؤلف : قرأت حكايتك يا حسن.‏

حسن : إِذَنْ ستشهد معي أمام المؤلف.‏

المؤلف : أشهد عن ماذا؟‏

حسن : عن لعناته التي أفرغها على رأسي دون أن يغير حرفاً واحداً منها..‏

المؤلف : هكذا أراد لك أن تكون.‏

حسن : ما هكذا أردت أن أكون، لماذا أنا بالذات، هل تمعنّت جيداً في سطور شقائي...‏

المؤلف : لو لم تكن أنت لكان غيرك، لكلّ رواية قربان يا حسن.‏

حسن : سأكتب رواية بلا قرابين..‏

المؤلف :أنت حالم يا حسن.‏

حسن : سأمسك هذا الحلم، دلّني على المؤلف، سأفتكّ منه هذا السيف، الفرن، القلم الذي نام على أكتافي دهوراً..‏

المؤلف : (يرمي إليه القلم)... خذ.‏

حسن : ما هذا؟‏

المؤلف : السيف، الفرن، القلم واكتب حياتك كما تريد.‏

حسن : أمن هذه العصا الصغيرة كلّ هذا الشقاء الذي يعصف بنا إلى ما لا ندري.... (يخاطب القلم) أهذا أنت يا عزيزي، تعال إليّ يا نكد حياتي، سأشطب بك كلّ سطر يحمل اسم حماد حتّى يجفّ حلقك واملأه من لعابي... طوبى لك يا أم حسن ها هو القلم... ولكن قل لي يا سيدي، كيف يكتبون بهذا القلم؟..‏

المؤلف : أرأيت كيف وقفت عند المعنى الأول فقط يا حسن.‏

حسن : ما جئت هنا بحثاً عن المعاني أيها السيد.‏

المؤلف : أو تريد جنة بلا معرفة أيها الأمّي.‏

حسن : أو تريد جنة بلا معرفة أيها الأمّي.‏

المؤلف : وهل كان حمّاد عارفاً كي يمنح الجنة وحده ويلقي بي أنا في الفرن.‏

المؤلف : (ضاحكاً) أنت طيب وساذج يا حسن.‏

حسن : وأنت لعنة أخرى تتلاعب بالألفاظ على حساب الخائبين منّا، انزل إلى هنا حدثني، أينما ذهبت تصادفني شرفة وعلوّ فكلام..... عمودي يلطّخ رأسي بأقدامه قبل أن يهتدي إلى هذه الأذن التي سمعت الكثير.‏

المؤلف : أنا عاجز عن مجاراتك يا حسن، أنت متحمّس وذكي، لكنك مندفع وغبي... فلا ترفع يدك بوجهي ثانية أيها النرجسي، حمّاد يُمنح الجنة لوحده، نار فرنك أهون من جحيم جنته أيها الشاطر حسن.‏

حسن : جَبْر الخواطر هذا لا يُلغي اشتعالنا أيها السيد، أنا ذاهب....‏

المؤلف : إلى أين؟...‏

حسن : إلى من يعلمني الكتابة بهذا القلم.‏

المؤلف : خذ منّي حَرْفَاً تتكئ عليه..‏

حسن : حروفك لا تقوى على حلم همّي مادمت تعتقد بأن السيد حماد في جحيم..‏

المؤلف : هذه حقيقة..‏

حسن : احتفظ بها لنفسك؟‏

المؤلف :ليس قبل أن تراها بأم عينيك يا حسن... انظر(يفتح المؤلف باب رواية عبد الله الأخرس حيث يبدو المشهد في غرفة نوم السيد حماد وزوجته تجلس إلى المرآة).‏

حماد : (يقفز من نومه) أحلام... أحلام... أين أنتِ يا أحلام...‏

أحلام : مابالك تُصَرْصِرُ بأذني كأنك في فرن معطوب يا حماد،... آه، ما الذي تريده منّي في هذه الساعة؟... ألا تعرف أن هذا موعد حمّامي يا رجل؟‏

حماد : أحلام، هل رأيت زوجة لا تجلس قرب زوجها حتّى على الطعام، ستقتلني قسوتك هذه يا امرأة، اقتربي مني أرجوك.‏

أحلام : مَلَلْتُ من هذه المداعبة الفارغة يا حماد، لماذا لا تذهب إلى حكيم يا أخي؟‏

حماد : الحكيم قال... إنني سوف.........‏

أحلام : سوف تنجب أطفالاً عندما تتزوج المرأة الثالثة، أليس كذلك يَا ابْنَ أُمّك؟.....‏

حماد : أحلام... أنا لست أول رجل لا يُنجب.‏

أحلام : من لا ينجب أطفالاً، ينجب كلاماً طيباً، ينجب الحبّ ليعوض به زوجته ما فاتها.‏

حماد : أنجب لك ثروةً وذهباً يا أحلام.‏

أحلام : قل اشتريتُ بها شبابكِ يا أحلام.‏

حماد : بل اشتريتُ تعاستي، أي رواية مضجرة هذه التي يعيشها حماد.‏

أحلام : لماذا لا تشتري امرأة باستطاعتها أن تقاسمك ضجرك هذا يا حَمَّادْ؟...‏

حماد : إلى أين يا أحلام..‏

أحلام : أشمّ هواء لا يُشترى يا حماد.‏

المؤلف : (يغلق الرواية)... وسوف لن تجدّ هذا الهواء مادَامَتْ لا تعرف الاختيار..‏

حسن : ولماذا يكتب هذا المؤلف شخصياته مادامت كلّها لا تعرف؟‏

المؤلف : لأنه لا يعرف أيضاً..‏

حسن : لا يعرف!!؟‏

المؤلف : قرأ كلّ هذه المخطوطات وما زال يبحث عن المعرفة.‏

حسن : تعني.. عليّ أن أقرأ كلّ هذا؟‏

المؤلف : وربّما لن تعرف يا حسن، فالمعرفة جواد أصيل، إن لم يُحْسِن طالبه الصّعود عليه، يصبح ذكرى حافر حصان.‏

حسن : سأركبه أيها السيّد.‏

المؤلف : هذه مغامرة.‏

حسن : أفضل من عقل في فرن.‏

المؤلف : عودك طريّ يا حسن.‏

حسن : ستصلبه الرّيح.. ادفع معي..‏

المؤلف : أدفع ماذا أيها الطائش..؟..‏

حسن : هذا الباب.....(يحاول حسن فتح باب رواية ملحمة قلقامش)‏

المؤلف :اخترتَ المرْكَبَ الصّعب يا حسن.‏

حسن : لا أريد أن أعود لأمّي دون صيد أيها السيد.(يدخل حسن أجواء ملحمة قلقامش، أصوات وحوش وزئير أسود في غابة).‏

حسن : يا إلهي، ما هذه الأصوات؟... هَلْ كُتِبَ عليّ الموت فريسة للوحوش... آه فَاتَني أن أسأل السيد... أيها السيد..... هل تسمعني؟ أَيَحْدُث أن يموت شخص في رواية أخرى؟... أجبني أيها السيد...(تداهمه أشكال غريبة من الوحوش).....لا..... إليك عنّي... دعوني أكلمكم..... هل تنطقون؟.... أَمْ أنكم... (يداهمه أربعة من رجال العقارب كما في أصل الملحمة)... ما لكم تحدقون فيّ... أبي كان أخرس أيضاً لكنه يفهم الإشارة..يا إلهي ماذا أفعل، هل أختبئ، لكنهم سيجدونني، أجل يشمّونني وإلاّ لما كانت لهم هذه الأنوف الطويلة... الأفضل لكَ يا حسن أن تتظاهر بالهدوء، وإلاّ ضاع منك كلّ شيء....‏

 

يتبع...

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244