قد يأتي الخريف.. ربيعاً - عائدة الخالدي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

****

كان أخوتي مجتمعين هناك يتبادلون الأحاديث.. سألوني عن أحوالي؛ فأجبتهم باقتضاب، ولذت بالصمت، سألتني أمي:‏

-ما بك يا ابنتي؟‏

-متعبة.. متعبة يا أمي، لقد سافر بيتر، وليلى تتعبني، خاصة عندما يسافر والدها، ومعالجة الطبيب النفساني لم تعط نتيجة حتى الآن.‏

(كان هناك سبب آخر.. سبب مباشر لا أجرؤ على البوح به).‏

-إنها فترة ما قبل المراهقة، وعليك أن تتحلي بالصبر.‏

-أعرف يا أماه.. أعرف؛ ولكن طاقتي تنفذ أحياناً.‏

عاد أخوتي إلى بيوتهم..‏

فتحت أمي خزانتها لتريني ما أشترته من جديد الثياب، ثم سألتني بحذر:‏

-كارمن.. لماذا لا تتجمّلين من أجل بيتر؟.. أنت لا تهتمي بأدوات التجميل والعطور‍!‏

-إن بيتر لا يحبها.. إنه يسخر مني إن وضعت أحمراً للشفاه قد يراه فاقعاً.‏

-تجمّلي إذن من أجلك.. كما أفعل أنا.‏

-...‏

-.. كما أن ثيابك دائماً "سبور".‏

-أنا أحبها هكذا.‏

-ولكن يا ابنتي على المرأة أن تتجمّل من أجل رجلها.. إنه يحب أن يراها في ثياب جميلة.. في ثياب مثيرة!.‏

-عن أي رجل تتحدثين يا أمي؟!‏

بوغتت أمي المسكينة بردة فعلي المفاجئة، وبوغتّ أنا..‏

لقد أخرجتني ملاحظتها عن طوري، وقد عدت من عندك متعبة النفس..‏

قلت لها بصوت متهدج:‏

-إن بيتر لم يأبه أبداً لملابسي.. أتظنيني بلهاء ولم أحاول أبداً أن أثيره بملابس مثيرة؟!‏

كنت أرتدي الثياب وأقف أمامه أسأله رأيه.. وأنت تعلمين يا أمي أن قوامي كان وما زال جميلاً متناسقاً..‏

-نعم.. وماذا كان يفعل؟!‏

-كان يكتفي بأن يقول لي: جميل جداً، ثم يعود لينشغل بما كان به مشغولاً!‏

لقد حاولت كثيراً حتى مللت ورضيت بالأمر الواقع.. أنا لا أثيره أبداً.. آه يا أمي دعينا من هذا الحديث.‏

لكن أمي لم تدعني وشأني حتى عرفت كل شيء، وبدأت تعاتبني أني لم أخبرها بذلك منذ البداية...‏

منذ تسعة عشر عاماً، وقد كانت من قبل أمينة سري.‏

(هل كانت معرفتها بالأمر ستغيّر منه شيئاً؟!..‏

ربما كانت شجّعتني، وقد كان مفتاح التغيير في يدي وحدي؛ ولكني شغلت نفسي في مجالات كثيرة وجدتها أمامي: الدراسة والعمل والسفر، وكل تلك النشاطات والهوايات.. ربما لأني خفت..‏

خفت مما سيقوله الناس عني، أنا المعتدّة بنفسي، إن عدت لأهلي صبية مطلّقة).‏

أمضيت الليلة عند أمي أحاول أن أستسلم بصعوبة للنوم.‏

استيقظت متعبة، والهاتف بجانب السرير يذكّرني بك: Call me tomorrow‏

لا.. لن أفعل.‏

***‏

عدت إلى المنزل..‏

حاولت أن أشغل نفسي عن التفكير بك.. فلم أستطع.‏

حاولت أن أنسى كلامك.. فلم أستطع.‏

ماذا تظنني بحق السماء؟!.. لقد أزعجتني كلماتك واستعجالك.‏

لماذا لم تدرك أنني لو لم أحبك لما...‏

"أرأيت حب المرأة؟!.. إنها تحب بقلبها، والرجل يحب بشهوته؛ فحبها باق وحبه متحول"*‏

أردت أن أراك في العيادة..‏

كانت غرفة الانتظار تفيض بالناس ينتظرون حضورك، وقد وقف بعضهم خارجاً لضيق المكان.‏

طال انتظاري وأحسست بالاختناق؛ فخرجت إلى الشارع.‏

كانت ليلى برفقتي، تحدثني فلا أسمعها..‏

أنظر إلى واجهات المحلات فلا أراها.‏

وفجأة تناهى إلى سمعي صوت ينادي: ليلى.. ليلى.‏

التفتّ لأراها مقبلة نحونا تبتسم..‏

قريبتك سناء!‏

تحدّثنا، وأعطتني رقم الهاتف، وقالت إنها ستسعد بزيارتي لها في القرية.‏

(يا لها من فرصة سانحة..‏

سأزورها في القرية لأراك؛ فزيارتها ليست سوى حجة كي أزورك دون أن ينتبه أهلك أني جئت فقط لأراك.. ألم تكن تلحّ علي دائماً أن أزورك، وأرى عريشة الياسمين في حديقتك؟).‏

***‏

جاء العيد، وجاءت معه "الفرصة الذهبية".‏

كان بيتر مسافراً، وذهبت مع ليلى إلى القرية.‏

سألتني سناء:‏

-هل زرت الدكتور؟‏

-لا.. ليس بعد.‏

-بإمكاننا الاتصال به وزيارته.‏

-لا بأس.‏

كانت الساعة تشير إلى السادسة إلا ربعاً عندما اتصلت بك سناء:‏

-آلو.. مدام كارمن في زيارتنا وتود أن تزورك.‏

اقترحت علي سناء أن نزور سريعاً ابنة أختك لتعرّفها علي؛ فلم أمانع أن أتعرّف على ريما "الطويلة العريضة.. مرافقتك في رحلاتك ما بين دمشق واللاذقية.‏

كان لا بد من رفقة ريما وسناء حتى لا يبدأ الغمز واللمز لو جئت أزورك وحدي.. وكم كنت أتمنى ذلك!‏

حانت الساعة السادسة مساء..‏

كانت ليلى تلهو مع الأولاد في الحديقة فرفضت مرافقتنا عندما ناديتها، وكنت أحاول إخفاء اضطرابي ونحن نمشي بضعة أمتار تفصل ما بين بيت أختك وبيتك ونلج حديقتك الواسعة المهملة.‏

استقبلتنا في غرفة صغيرة لها شرفة تطل على البحر، ولحظت في عينيك أنك لم تستيقظ من النوم إلا منذ قليل...‏

ربما أيقظك من أحلامك هاتف سناء.‏

كنت ترتدي بيجامة رياضة وخفين، وتحمل بيدك فنجاناً كبيراً ترتشف منه ماءاً ساخناً!‏

تساءلت ضاحكة متعجبة؛ فقلت:‏

-لقد مللت من شراب الزهورات، والشاي والقهوة محظورة بسبب ضغط الدم، ولذا أشرب ماءاً ساخناً للتغيير!!‏

ابتسمت.. غمرني نحوك شعور من العطف والحنان.‏

جلت بنظري في أنحاء الغرفة الصغيرة أتأمل كتبك المصفوفة، وبعض القطع التذكارية، وصورة لبافاروتي.‏

-تفضّلي.‏

-مددت يدك بعلبة الحلوى.. لم أكن راغبة فيها؛ لكنك أصررت أن أتذوق حلوى العيد.‏

(لم أكن أرغب في الحلوى، ولا في القهوة.. كنت أرغب فقط أن تمر الدقائق ببطء شديد).‏

-كيف حال زوجك يا كارمن؟‏

-إنه مسافر.‏

-أيسافر، ويتركك في العيد وحدك؟‏

-...‏

(لم أكن وقتها وحيدة تماماً.. كانت ليلى ما تزال هنا).‏

كانت سناء تمسك بناصية الحديث معظم الوقت.. تثرثر وأنت تجيبها باقتضاب، وأنا صامتة، وكذلك ريما.‏

قلت لها فجأة:‏

-أريد ترميم المنزل قليلاً.. ربما بواجهة خشبية جميلة كما فعلت كارمن بمنزلها.. هل رأيته؟‏

-..ولكن ما جدوى ترميم منزلك؟.. إنه سيبقى بارداً لا حياة فيه طالما لا توجد فيه أنفاس امرأة تدفئه!‏

-...‏

بقيت صامتاً؛ فقد فاجأك كلامها.‏

أما أنا فقد شعرت بالحرج.. وشعرت بالحزن من أجلك.‏

لقد كان جوابها مباشراً وقاسياً جداً..‏

إنها على حق؛ ولكن صراحتها لم تكن أبداً في محلها، خاصة وأني أطأ عتبة منزلك للمرة الأولى.‏

(لم تخبرني عن تلك التي كانت زوجتك؛ ولكنني عرفت عنها وعنك وعن طلاقكما دون أن أتساءل، ودون أن أسأل..‏

كانت الصدفة فقط تجمعني بأناس يتحدثون عنك تلقائياً أمامي عندما يعرفون أني أسكن بالقرب منك..‏

اكتشفت أن معظم الناس الذين أعرفهم يعرفونك مباشرة..‏

ممرضة العمليات التي تعمل معك بنفس المشفى، والدكتور الذي يدرّس في الجامعة..‏

حتى معلمتي أيام البكالوريا حدثتني عنك عندما ذهبت أزورها بعد عشرين سنة.. تصوّر!)‏

قطعت دقائق الصمت بقولك:‏

-تعالوا نخرج إلى الشرفة.‏

كان الجو دافئاً وعابقاً بأريج أزهار الليمون، وشجرة غار نضرة باسقة تمتد فروعها إلى ما فوق الشرفة.. كانت آلة التصوير في حوزتي، ورأيت ليلى تعدو نحو بيتك فناديتها..‏

جلست سناء على حافة الشرفة إلى يسار ريما، وأمعنت النظر عبر العدسة إلى وجهك الحبيب، وأنت تقف ما بين ريما إلى يسارك وليلى إلى يمينك.. كنت تحيط ليلى بذراعك وتبتسم لي وتقول:‏

-كارمن فنانة.‏

انتهى وقت الزيارة بسرعة؛ فقد حسم الأمر وصول رجلين يريدان زيارة الدكتور..‏

قلت لك وأنا أهم بالخروج وأمد يدي بمغلّف أخرجته من حقيبتي:‏

-أرجو أن تقرأ هذا "التقرير الطبي" وتعطيني رأيك به!‏

لم يكن ذاك التقرير المزعوم -أمام سناء وريما- سوى رسالة..‏

رسالة كانت أولى رسائلي إليك.‏

فرحت كثيراً بزيارتك، ورغم ذلك كنت مصرّة على تسليمك تلك الرسالة..‏

ثمة أمور ينبغي إيضاحها.‏

***‏

في الصباح التالي، والساعة لم تتجاوز الخامسة صباحاً رن جرس الهاتف..‏

كان يوم السبت، وقد ولّى العيد..‏

كنت مستيقظة أنا وليلى، فاليوم يوم امتحان وما زال ينبغي على ليلى قراءة بعض الدروس قبل ذهابها إلى المدرسة.‏

هرعت ليلى إلى الهاتف ورفعت السماعة:‏

آلو.. آلو؟!‏

لم تسمع ليلى جواباً، فأعادت السماعة إلى مكانها.‏

-من المتكلم؟‏

-لا أدري يا ماما.. لقد أغلق الخط!.‏

عرفت أنه أنت.. تضايقت لأني تركت ليلى تسبقني إلى الهاتف، وانتظرت دون جدوى أن تعاود الاتصال.‏

حلّ المساء، وتبعه مساء آخر، ولم أعد قادرة على الانتظار..‏

في المساء الثالث اتصلت بك..‏

كنت مرهقة ومريضة.. لقد أمرضني التفكير بك!.‏

-آلو؟‏

-مساء الخير.. أنا كارمن.‏

-مساء الخير.. كيف حالك؟‏

أنا متعبة.. بل مريضة.. مريضة بسببك.. هل قرأت الرسالة؟.. لقد كتبتها لأني غاضبة منك.‏

-آه.. لقد قرأتها، وأؤكد لك أنك مخطئة مائة بالمائة.‏

-ليت ذلك يكون صحيحاً.‏

تهدّج صوتي.. كنت على وشك البكاء.‏

-أنت فعلاً متعبة وغاضبة جداً، ومن أجل ذلك لا بد أن نلتقي ونتحدث.‏

-أرجو ذلك.. إلى اللقاء.‏

-إلى اللقاء يا حبيبتي!‏

***‏

اليوم المشمس أغراني بالخروج إلى الحديقة لاقتلاع بعض الأعشاب وتقليم بعض الأغصان، وإذ بالهاتف يرن.. أسرعت أرفع السماعة؛ فجاءني صوتك:‏

-.. كيف حالك؟.. سأزورك بعد قليل.. أنا عند جيرانك!‏

وقفت لحظات لا أدري ما أفعل..‏

كنت مذهولة من الفرح أحادث نفسي: سيأتي.. سيأتي لزيارتي.‏

جمعت بسرعة أدوات الحديقة المبعثرة وغسلت يدي، وقد بدأت قطرات من المطر تنهمر..‏

رائحة الأرض منعشة، والمطر الربيعي ينهمر خفيفاً من السماء..‏

ينهمر في قلبي تفاؤلاً..‏

تجاوزت الساعة الرابعة عصراً ولم تحضر كما وعدتني..‏

بدأ القلق يساورني؛ لكن الهاتف ما لبث أن عاود الرنين:‏

-أين أنت؟‏

-لقد نسيت حقاً أين تسكنين، وعندما سألت بعض الصبايا عن منزلك لمحت في عيونهن الكثير من الفضول، وهن يشرن إلى الزقاق: هنا بيتها؛ لكن زوجها مسافر!.‏

ولذا لم أجرؤ على الحضور خوفاً من أن تلوكك الألسنة، وتابعت طريقي.‏

-أين أنت الآن؟‏

-في منزلي.. في القرية.‏

-يا إلهي.. تعود إلى منزلك وتتركني أنتظرك دون جدوى.. كان بإمكانك أن تتصل بي هاتفياً من المطعم القريب وتسألني أنا عن المنزل لأدلك عليه.‏

-آسف.. سأحاول الحضور غداً.‏

آوت ليلى إلى فراشها..‏

استلقيت على الأريكة أستمع إلى الموسيقى، وعيناي ترقبان باستمرار حركات عقارب الساعة..‏

الساعة الثامنة والنصف.. التاسعة إلا ربعاً..‏

"سيتصل بي في التاسعة".. كنت أخاطب نفسي، وصدق حدسي..‏

حوالي التاسعة مساء رن الهاتف:‏

-إني مدعو للعشاء.. سآتي فور انتهاء الزيارة.. حوالي العاشرة.‏

-حسناً.. سأنتظرك عند مفترق الطريق، كي لا تتوه مرة أخرى!.‏

ليلى تنام في فراشي، كالعادة عندما يسافر أبوها..‏

دخلت لأطمئن عليها.. كانت مستسلمة لأحلامها الطفولية.‏

ارتديت سترتي اتقاء لرطوبة حملها المساء معه، وخرجت انتظرك عند المفترق.‏

لمحت ضوء سيارتك القوي من بعيد.. كان قلبي يقفز بين ضلوعي كمراهقة في موعد حبها الأول. وما لبثت أن لمحتني.. بالأفارول الأبيض، ينعكس بياضه ويدلّ علي رغم العتمة.‏

-هنا العنوان أيها التائه!‏

قلت لك، وأنت تشير لي أن أسبقك كي لا ينتبه أحد.‏

أوقفت السيارة عند ناصية الطريق وتبعتني عبر الزقاق.‏

أمسكت بيدي وقبلتها وأنت تقول: أحبك، ثم مددت لي يدك الأخرى بقرنفلة حمراء داكنة قطفتها لي على عجل من حديقة منزلك.‏

-تفضل.. أهلاً وسهلاً بك.‏

-لقد وصلت البارحة إلى هنا.. إلى مدخل الزقاق، ولكن لم يخطر ببالي أن بيتك الجميل مختف في نهايته.‏

-إنه فعلاً مختف، ولا يمكن رؤيته من الشارع العام حيث أوصلتني في تلك الأمسية.. قل لي: ما هي الموسيقى التي تود الاستماع إليها؟‏

-كما تشائين.. اختاري لنا على ذوقك.‏

-فلنستمع إذن إلى موسيقى كلاسيكية.. نستمع إلى شهرزاد.‏

التفتّ إليك.. كنت ما تزال واقفاً:‏

-تفضل بالجلوس.. أريد أن أتحدث إليك..‏

ولكنك جذبتني إليك.. أحسست بحرارة وجنتيك وأنت تعانقني.. وبحرارة أنفاسك تمتزج بأنفاسي وأنت تقبلني، وتقول:‏

-نتحدث فيما بعد!‏

جذبتك من ذراعك لتجلس على الأريكة بجانبي، لكنك لم تقتنع بجدوى الكلام!.‏

وأنا لم أعد قادرة على الكلام..‏

أحسست أني أطير..‏

تبخّرت كل كلمات العتاب التي هيأتها لك ولم يعد يهمني سوى أن تضمني ولن أبالي إن مت بعدها..‏

أجل!!.‏

في ذاك المساء عندما جئت لتغمر بالفرح وجودي وتهديني قرنفلة كانت عندي أغلى من كل الورود، تمنيت لو أن الزمن يتوقف فلا تقل لي أنك تأخرت وعليك الذهاب.. ثم تتركني وحدي أضم بين ذراعي تلك الوسادة الحريرية الزرقاء وأنا جالسة في نفس المكان الذي جلست فيه أتلمس بأناملي مواضع أناملك على جسدي.‏

قلت لي:‏

-أحب رائحتك.. أنت سيدة نظيفة يا كارمن!.‏

-أعرف!!‏

(أي نظافة كنت تعنيها؟.. نظافة الروح أم نظافة الجسد؟!.. أنا امرأة نظيفة قلباً وقالباً، وأنت تعرف).‏

قلت أني متوترة.. وكم تمنيت لو لم أكن كذلك، وكم تمنيت لو تشاء الظروف فنلتقي ثانية في مكان وزمان آخر، وأمنحك ما تشاء دون توتر ودون ترقب لما لا تحمد عقباه..‏

(لكن الظروف لم تشأ؛ لأنك لم تشأ، وكنت تنساني في أحضان امرأة أخرى لا تتوتر ولا تترقب..‏

امرأة "محترفة" تعرف كيف ترضيك أكثر!)‏

-سأطمئن سريعاً على ليلى وأعود إليك.‏

-أرجوك اجلبي كوباً من الماء.. أشعر بالظمأ!.‏

جئتك بكوب الماء وفتحت لك النافذة.. كنت تشعر بالحر أيضاً!!.‏

جلست بقربك سعيدة جداً، ومددت ذراعك تضمني إليك وتعاتبني:‏

-كيف تكتبين لي هذه الرسالة الغاضبة؟!‏

-لقد أزعجتني حقاً.. ماذا تظنني إذن.. وماذا تظن نفسك حقاً يا صاحب المرسيدس؟!‏

-لعن الله المرسيدس!.‏

-وأصحابها أيضاً!.‏

-وأصحابها أيضاً!!.. أتعرفين؟.. لقد اتصلت بك صباح السبت..‏

-في الساعة الخامسة.. أعرف.‏

-لكن ليلى رفعت السماعة، فأغلقت الخط.‏

-وما الضير في ذلك؟.. كان يمكنك أن تطلب منها أن تناديني.‏

-لم أجرؤ.‏

-أحبك.‏

-وأنا أيضاً أحبك.‏

ودعتني عند الباب بقبلة، ونظرت إلى عينيك..‏

أدركت أنك لن تطرق بابي ثانية.. كان حدسي يقول لي ذلك، وحدسي لا يخطئ أبداً.‏

***‏

جئت أزورك في العيادة..‏

مددت لك يدي بوردة قانية عطرة من حديقتي..‏

وبصورتي التي أردت الاحتفاظ بها عندما كنا في النبك، وقلت لي أني أبدو فيها "مثيرة"..‏

وبقصاصة الورق.. ضحكت:‏

-إن الأدباء حقاً مجانين!.‏

-نعم.. أنا مجنونة!‏

ابتسمت وأنت تقرأ:‏

"جئت كانهمار المطر، وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح.. لم يعد للكلام المخبوء في صدري أي معنى؛ فقد كان حضورك هو كل الكلام".‏

مددت لي يدك بوردة من كأس على طاولتك، وأردفت:‏

-وأنا أيضاً أهديك وردة.‏

-لكن وردتي أذكى عطراً.‏

-بل رائحتك هي الأذكى!!.‏

-شكراً.‏

-لقد سعدت كثيراً بزيارتك ذاك المساء.‏

-كاذب!!‏

-كيف تقولين لي ذلك، وأنا أكبر منك سناً؟!.‏

(قلت لك عفوياً أنك كاذب.. كأني كنت أعرف أنك ستنكر يوماً تلك الزيارة!).‏

-إن ذلك لا يغيّر من الحقيقة شيئاً!.. فأنت لم تتصل بي أبداً طوال الأسابيع الفائتة.‏

-اعذريني يا كارمن؛ فأنا مشغول دائماً.‏

وقفت أريد الانصراف، فاقترحت أن توصلني للبيت، ولم أشأ إزعاجك؛ لكنك أصررت.‏

خرجنا إلى الشارع حيث تقف السيارة، ومعنا نديم الذي سيترجل على الطريق عند بيته.‏

كان وجهك يبدو متعباً جداً وأنت تقود السيارة وتتثاءب باستمرار..‏

قلت لك:‏

-تبدو متعباً للغاية.‏

-فعلاً.. لقد وصلت البارحة في ساعة متأخرة جداً، ولم أنم إلا بضع ساعات.‏

وصلنا إلى مفترق الطريق؛ فأوقفت السيارة فجأة، وقلت لي:‏

-أنا آسف.. لا أستطيع المتابعة!.‏

-ماذا تقول؟.. ألن توصلني للبيت؟!‏

-لم أعد قادراً أن أفتح عينيّ.. أرجوك.. سيوقف لك نديم سيارة.‏

نظرت إليك غاضبة:‏

-ألم أقل لك يوماً أني لا أحب المجاملة.. لا أحب المجاملة، واقتراحك لم يكن ضرورياً.‏

-لكنني كسبت رفقتك على الطريق قليلاً!.‏

خرجت أصفق باب السيارة ورائي دون أن ألتفت إليك؛ لكنني لمحتك تتحدث إلى نديم الذي ترجّل من السيارة، ثم تنطلق بها إلى بيتك.‏

"يا له من مجنون.. مجنون"!.‏

كنت أفكر، بينما نديم مقبل نحوي.. يحاول أن يمتص غضبي بتبرير موقفك، والاعتذار مني نيابة عنك، وهو يمد ذراعه مشيراً لسائق السيارة أن يتوقف.‏

ناول نديم السائق أجرته دون أن يترك لي فرصة للاحتجاج، وهو يقول:‏

-هكذا أوصاني الدكتور.‏

أيها المجنون الذي لا يعرف كيف يكون لبقاً.‏

لا أريدك أن تجاملني ثم تضعني في موقف مزعج كهذا أمام نديم.‏

نظرت إلى وردتك في يدي وفكرت: "كان ينبغي أن أرميها لك وأنا أترجل من سيارتك".‏

الوردة منك.. لن أرميها.. لأني أحبك!‏

****‏

تأملت وردتك في المزهرية، وأنا أفكر بك أيها المتعب..‏

أريد أن أتصل بك هذا المساء..‏

رفعت السماعة أهاتفك إلى دمشق:‏

-مساء الخير.. كيف حالك؟‏

وصلني صوتك مرحاً (أنت إذن غير غاضب مني).‏

-أهلاً.. مساء الخير.. لقد تعطلت السيارة.. لعن الله هذا المعتوه.. لقد فعل.. إنه.. و.. و..!!!‏

-هذا جزاؤك من الله لأنك أغضبتني، ووضعتني في موقف محرج أمام هذا الذي يعمل عندك.. نديم.. الله يلعنك!.‏

ضحكت وأنت تقول:‏

-طظ في نديم!.‏

وضحكنا معاً وتحدثنا، ثم ودعتني بأحلى كلمة وأنت تقول:‏

-مع السلامة يا حبيبتي.‏

(كم أحببت سماعها منك مرة أخرى).‏

****‏

جاءت سوسن تزورني..‏

أشعلت كل واحدة منا لفافة، وملأت الكأسين على المنضدة الواطئة أمامنا، وجلسنا نتحدث.. سوسن لم تتزوج، ولم تعرف الحب حقاً!‏

بادرتني بالحديث بعبارة أقرب إلى التساؤل واللهفة لمعرفة إن كانت على صواب:‏

-إني لن أتزوج إلا إذا وقعت في الحب، وأصابني جنونه.‏

-أجل.. لا تتزوجي إلا إذا وقعت فعلاً في الحب وأصابك جنونه.‏

صمتّ في محاولة لمغالبة أحاسيسي، ثم أردفت:‏

لا تتزوجي إلا استجابة لنداء قلبك، ولا تتزوجي أبداً استجابة لنداء عقلك.. مثلي؛ لأن ثمة ثغرة ستبقى أبداً في حياتك لا يمليها إلا الحب!.. إني أصارحك بالحقيقة لأول مرة؛ لأنك صديقتي.‏

لا يهم أبداً إن لم يكن من اختاره قلبك "كامل الأوصاف" في نظر الآخرين؛ فلا المركز ولا المال ولا الوسامة تهم عندما يختار القلب، والسعادة لا تكون إلا فيما اختاره القلب.. إنها في هذا الجنون الذي يجعل منك إنسان يولد من جديد!!.‏

بعد أيام التقيت بسناء.. قالت لي:‏

-لقد تعبت من الحب.. أتوق للاستقرار، وقد تجاوزت الخامسة والثلاثين.. إلى الارتباط برجل يريحني!‏

يتعب الإنسان عندما تنفذ طاقته..‏

يتعب الإنسان حتى من الحب، لأن طاقته تنفذ إن لم يكن حباً متبادلاً.‏

ويبقى السؤال..‏

لماذا نتزوج؟!..‏

هل من أجل الحب وجنونه، أم العقل ومنطقه؟!.. (ألا يمكن أن تجتمع هذه الصفات في رجل واحد، وفي امرأة واحدة تلقاه؟!!).‏

هل نتزوج من أجل الاستقرار وراحة البال، أم من أجل غريزة حب البقاء؟!!!‏

****‏

ألحّت جارتي عليّ أن أشرب عندها فنجان قهوة؛ فدخلت أجاملها دون رغبة حقيقية بزيارتها..‏

كانت النسوة مجتمعات يثرثرن.. تساءلت أم جورج لماذا لم يتزوج فلان مع أن "حالته المادية جيدة"!‏

وتحدثت منيرة عن فلانة وحظها العاثر، وعن هم أهلها الذين ينتظرون عودتها..‏

فقد خطبت الفتاة لابن عمها، وسافرت مع أسرته إلى حيث الإقامة في بلاد المهجر.. وبعد مرور سنوات وهي في كنف عمها، قررت العودة بعدما تبين لها أخيراً أن زوج المستقبل كان يخضع منذ زمن لعلاج لم يجد نفعاً!‏

تأوهت النسوة حزناً وهن يضربن كفاً بكف!‏

لا يصارحها.. عسى أن يشفى، أو يضعها يوماً ما أمام الأمر الواقع، وهي تنتظر لتكتشف تلك الحقيقة بعد سنوات.‏

ربما كانت أحبته أكثر لو أنه صارحها منذ البداية.. إذا كانت فعلاً تحبه!‏

إذا كانت فعلاً تحبه؛ فإن عودتها ستكون فقط مبرراً لخداعه لها، وإن لم يكن للحب دخل؛ فما عساها تفعل هناك؟!..‏

ستعود.. والمهم، كما أردفت الراوية، أن لديها شهادة مصدقة من الطبيب تثبت أنها ما تزال عذراء!‏

هنيئاً لها حصولها على الشهادة: "شهادة حسن سلوك"!‏

القصة تفتقد إلى المنطق وفتيات هذه القرية يتزوجن على الأغلب من أجل المال، وليس من أجل عيون الحب.. ماذا كانت تفعل هناك طوال تلك السنوات؟!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244