|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:07 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الصيف الأول:الاعتراف بالحب.. فضيلة! كان علي الذهاب إلى دمشق لأمر ما.. تعمّدت أن يكون ذلك قبل اليوم الذي تسافر فيه عادة إلى اللاذقية.. أعددت قالباً من الكاتو، واتصلت بك لأخبرك أني سأزورك مساء الغد؛ فرحبت بزيارتي. كنت أتمنى رفقتك، وقد صنعت الكاتو من أجلك.. أعطيه لك عندما توصلني للبيت وأدعوك سريعاً لشرب فنجان من الزهورات! كانت العيادة مزدحمة، وكانت حجتي كي أراك أني جلبت لك تلك الصورة التي التقطتها في شرفتك يوم العيد. تأملت الصورة، وقلت لي: -يا الله.. انظري كم كبرت! -أنت ما زلت شاباً وسيماً.. هل أنت مسافر غداً إلى اللاذقية؟ -آ.. في الحقيقة أنا ذاهب إلى بيروت! كنت تكذب.. لم تعد ترغب برفقتي. كان صوتك المتردد يشي بك! في الصباح الباكر أغراني الهاتف قرب الفراش بمنزل أمي أن أتصل بك.. كنت مغتاظة منك، وأردت إغاظتك، وكانت الساعة السابعة صباحاً عندما سمعت صوتك الناعس: -آلو؟! -"تضرب بهالكسم" أنت ومن يأتي لزيارتك!!.. لكنني أشفقت عليك لأني أيقظتك؛ فأردفت بسرعة: -آسفة.. أرجوك عد للنوم. -كم الساعة الآن؟ -السابعة.. مع السلامة. -مع السلامة. عدت إلى المنزل وحيدة، وكان القالب بانتظاري! بيتر مسافر، وأنا لا أرغب بأكله.. لقد صنعته لك.. ولأمك! .. سأجلبه لك غداً. اتصلت بالعيادة.. كنت أتوقع سماع صوت نديم: -آلو .. هل الدكتور موجود؟ -لا.. ليس هنا! كان الصوت الضاحك هو صوتك! -آ.. إنه أنت سآتي إليك لدقائق معدودة.. فقالب الكاتو ينتظرك. *** قلت لك: -صنعته من أجلك؛ إذ ظننت أني سأرافقك إلى اللاذقية. -رائحته لذيذة.. أود أن آكل منه قطعة!.. أنا آسف.. لقد بحثت عنك بعد خروجك، ولم أجدك! -آ.. هل غيّرت رأيك، ولم تذهب إلى بيروت؟.. أين بحثت عني يا ترى في ذلك المكان الصغير جداً الذي يسمونه دمشق؟! هذه أيضاً رسالة لك.. لم أكن أنوي أن أراك اليوم.. كنت أريد ترك الكاتو ورسالتي الثانية لك عند نديم؛ ولكنك أجبت على الهاتف، ولم يعد من اللائق أن لا أراك. -سأقرأها الآن. استرسلت في القراءة وأنت تبتسم وتقول: -كلام جميل يا كارمن.. شكراً لك. (كنت أرجوك أن تتصل بي كما أتصل بك.. إن كنت حقاً أعني لك شيئاً). اقتربت منك، وأنت جالس خلف طاولة المكتب، لألمس شعرك الفضي وأشدّه برفق، وأنا أهمس: -لماذا ابتلاني الله بك؟! ابتسمت، ووضعت الرسالة في محفظتك وسألتني: -متى يعود زوجك؟ -الأسبوع القادم. -تبدين غير متحمسة لعودته. -... -إنه إنسان لطيف. -أجل، إنه إنسان لطيف وطيب القلب.. علي الذهاب الآن؛ فقد تأخر الوقت. -انتظري.. سنخرج معاً. خرجنا معاً إلى الشارع.. شددت على ذراعي برفق، وودعتني بمودة وأنت تعتذر أنك لا تستطيع أن تقلني بالسيارة إلى المنزل، لأن ثمة أموراً عليك إنجازها. كنت أعرف تلك الأمور التي كان عليك إنجازها مراعاة للتقاليد، وأعرف أنك لم تكن تكذب هذه المرة!. *** عاد بيتر من السفر، ورن الهاتف في نفس اليوم.. كنت أنت على الطرف الآخر: -مرحباً.. كيف حالك.. هل جاء بيتر؟ -أهلاً بهذا الصوت الجميل!!.. أنا بخير لقد جاء. -حمداً لله على السلامة.. بلّغيه تحياتي. -"الله يسلمك". -لقد عدت تواً من بيروت، وفكرت أن أتصل بك.. يمكنك مشاهدتي على شاشة التلفاز في نشرة الأخبار. -حقاً؟!.. سأجلس فوراً أمامها.. تفضل لزيارتنا، واشرب عندنا فنجان قهوة.. أقصد فنجان ماء ساخن! ضحكت أنت للدعابة، وضحكت أنا.. ضحكت من قلبي، ثم تسمّرت أمام الشاشة أتابع بترقب كل نشرات الأخبار في المحطات اللبنانية والسورية.. لم أشاهدك؛ ولكنني كنت فرحة جداً في ذلك اليوم.. فرحة بهاتفك، وبسماع صوتك. فرحت أنك تفكر بي.. أنك تتصل في نفس اليوم لتجعلني أدرك أني أعني لك شيئاً. *** عاد بيتر من السفر في حزيران.. عاد، كما يعود كل مرة ليحدثني عن متاعبه مع أهله: -آه.. أنا سعيد أننا جئنا للعيش هنا. كان يجلس على السجادة.. يمسك الكأس بيده، ويحتسي منها جرعات صغيرة ويتكلم: -أمي.. إنها ليست سوى أفعى تنفث السم... كنت أهز رأسي أوافقه على كلامه دون رغبة مني بالمشاركة.. لقد مللت.. مللت من الشكوى.. أسمعها منذ عشرين سنة، وحتى أتخلص منها وافقته على العودة إلى بلادي منذ ست سنوات (فالوقت مناسب وقد بلغت ليلى السادسة من عمرها، ويمكن تسجيلها مباشرة في المدرسة).. جئنا لنعيش هنا؛ لكن الشكوى لم تنته. كنت شاردة الفكر.. وقد عاد بيتر. عاد بيتر ليكتفي كالعادة بقبلة يطبعها على وجنتي، ولا شيء سواها.. لا شيء. لم يحاول مرة أن يفاجأني بقبلة شوق.. بعناق حار. أن يحتويني بين ذراعيه ويمارس الحب معي في وقت أو مكان لا أتوقعه.. على السجادة مثلاً! فجأة.. توقف بيتر عن الكلام؛ فقد لاحظ أني لا أعير كلامه كل اهتمامي: -ما بك؟.. لماذا أنت شاردة الذهن؟ -لا.. لاشيء.. إنني فقط أفكر بما تقوله، وبليلى.. إنها تتعبني كثيراً، خاصة عندما تسافر. -أعرف.. ولذا من الضروري أن تفكري بنفسك؛ فأنا هنا الآن، وقد جاءت العطلة المدرسية، ويمكنني المكوث وحدي مع ليلى.. سافري إلى المغرب كما اتفقنا. "طبعاً سأسافر.. فالأمر عندك سيان، لأنك لا تفتقدني كما يفتقد رجلاً امرأة".. (لم أقل له ذلك؛ بل فكرت به فقط). *** قبلة واحدة.. قبلة "تصبح على خير"، ويدير كلا منا ظهره للآخر. بيتر يغط سريعاً بالنوم في هذا الفراش المشترك لأول ليلة بعد عودته.. لماذا أردناه سريراً مزدوجاً؟!! مددت يدي إليه أمسّد ظهره برفق، وأداعب شعره بأناملي علني أوقظ فيه شيئاً ما! استجاب للمستي.. استدار ليطلب المزيد. المزيد من تمسيد الشعر!! ارتفع غطيطه.. نام. نام، وأنا لا يغمض لي جفن.. تتنازعني مشاعر شتى وأشواق غامضة.. لا.. إنها ليست أشواقاً غامضة: أتذكر تلك الذراعين القويتين، وأشتاق إليهما رغماً عني.. أشتاق إليك. أشتاق لصدرك تضمني إليه بقوة.. لأول مرة أشعر بقوة رجل.. أتلذذ بعناق يكسر ضلوعي! أشتاق إليك.. لرائحتك.. رائحة رجل تشتهيه امرأة، وأنا امرأة.. امرأة ملعونة! يؤنبني ضميري وأخاطب نفسي: ما بالك أيتها المجنونة؟.. هذه مجرد أمور تافهة.. أنت تريدين رجلاً يحترم عقلك ويعاملك كإنسان وليس مجرد أنثى. هو هكذا.. ليس كازانوفا؛ ولكنه يحترمك ولا يكبّلك.. يمكنك أن تروّضي جسدك؛ ولكن لا يمكنك أن تلغي عقلك! لا.. هذا هراء. أنا لا أريد أن أروّض جسدي، ولا أريد أن ألغي عقلي.. إنهما أنا ولا يمكنني فصل أحدهما عن الآخر! إنها الليلة الأولى.. بعد غياب أشهر. يغيب ويعود، وتكون كل ليلة أولى بعد عودته كمثيلاتها! ولكن؟!! ترى هل كنت سأستجيب لو أن المبادرة كانت في هذه الليلة مبادرته؟!.. لا أظن! أية مبادرة أتحدث عنها؟! عندما أتذكر مبادراته أشعر نحوه بالشفقة أحياناً، وبالاشمئزاز أحياناً أخرى.. أجل.. بالاشمئزاز. أشعر بالاشمئزاز من نشوة لا يمكنه بلوغها معي. كان ذلك يجرح أنوثتي، وأتمنى في أعماقي لو أصفعه! لكنني كنت أسيطر كل مرة على انفعالاتي وأكز على أسناني.. أدير ظهري وأغمض عيناي أو أحدق في الفراغ.. قد تنحدر من عيني دموع لا يشعر بها إلا إذا فقدت السيطرة على انفعالاتي، وسمع نشيجي المكتوم؛ فيلمس عندئذ ظهري بيده معتذراً بلا كلمات. استيقظ بيتر؛ فتذكرت أنني أبكي.. لم يسألني؛ فهو يعرف السبب. السبب؟ إنه لم يعد سبباً واحداً؛ بل سببين.. السبب الأول الذي يعرفه بيتر كما أعرفه أنا سبق وتناقشنا فيه كثيراً.. أما السبب الآخر؛ فهو أنت! سيحين وقت الاعتراف، والاعتراف بالذنب فضيلة. ولكن.. هل حبك ذنب؟! *** جلسنا، بعد أن غفت ليلى، نحتسي الشاي ونتحدث في شرفة الشقة التي استأجرناها بدمشق.. استأجرناها كي تذهب ليلى إلى مدرسة خاصة لعل نفسيتها تتحسن؛ فقد أتعبتنا كثيراً. تأملني بيتر طويلاً وأنا شاردة الذهن ثم سألني: -كارمن.. بماذا تفكرين؟ -إني أفكر.. بوضع ابنتنا طبعاً. -طبعاً، ولكن ثمة أمر آخر يقلقك. -لا شيء. عاد يتأملني، وأنا أتجنب النظر في عينيه مباشرة مخافة أن ينفذ إلى أعماقي ويعرف أني بك أفكر؛ فعيناي مرآتان تعكسان له فوراً ما بداخلي.. خشيت أن يراك فيهما؛ لكنه كان قد رآك منذ زمن! -كارمن.. أرجوك أن تنظري إليّ في عيني مباشرة. ونظرت في عينيه مباشرة وانهمرت دموعي: -أنا آسفة.. آسفة جداً.. لم أشأ أبداً الإساءة إليك.. لكن الأمر رغم إرادتي. -آه يا كارمن.. أعرف أن الأمر رغم إرادتك.. وأنا أدركته منذ البداية.. من وجهك الذي يشع فرحاً، وابتسامتك التي تحاولين بها إخفاء ارتباكك كلما تحدثت عنه.. وكثيرة هي المرات التي حدثتني فيها عنه.. لا بأس عليك؛ فأنت على الأقل لا تجيدين الكذب، وهذه فضيلة! (أنا فعلاً لا أجيد الكذب، ولم أجد أبداً سبباً واحداً يدعوني للكذب طوال تسعة عشر سنة زواج.. كان الصدق هو دائماً الطريق الأسلم). -تعرف؟!.. وتتجاهل، وكأن الأمر لا يعنيك أبداً. -بل يعنيني.. ولكن ماذا علي أن أفعل؟!.. هل تتوقعين مني أن أفقد صوابي وأشتم وأصفعك؟.. لقد أحببته رغماً عنك؛ فنحن بشر لا يمكننا التحكم بعواطفنا!. أنا أجده لطيفاً ومحبوباً ومحترماً!.. ومن الأفضل أن تذهبي إليه وتتأكدي من عواطفه، وعندئذ سيكون شرطي الوحيد أن نبقى أصدقاء.. هذا هو شرطي الوحيد!! حملقت فيه غير مصدقة، ولم أحر جواباً.. لقد صدمني هدوئه وهو يتحدث عنك، وعني، وكأنه يتحدث عن امرأة أخرى ليست زوجه. حيّرني موقفه.. هل أفرح لأنه أوجد لي مبرراً يحررني من الشعور بالذنب؟.. أم أنقم عليه لأن أمراً خطيراً كهذا لا يخرجه عن طوره؛ فيغضب ويغار ويحاول أن يدافع عن حقه.. فيّ!! إنه يتنازل عني بكل سهولة! هل هو بمنتهى النبل، أم بمنتهى النذالة؟!.. ذكّرني موقفه برواية ألبرتو مورافيا "الاحتقار".. فهل أحتقره؟! لا.. أنا أشفق عليه. أنا لم أكتشف شيئاً جديداً، فهو لم يكن أبداً زوجاً.. بل صديق. مجرد صديق. بقيت ساهمة أفكر.. هل أجرؤ حقاً أن آتي إليك وأخبرك عن هذا كله؟! *** اتصلت بك هاتفياً.. كان تجاهلك لي منذ تلك الزيارة اليتيمة يغيظني. أخبرتك على الهاتف أني اعترفت بذنبي؛ لكنك اكتفيت بضحكة مرتبكة قصيرة تناهت إلى سمعي.. خمنت أن زواراً كانوا لديك عندما اتصلت؛ فجئت أزورك في العيادة.. استقبلتني بقبلة على الوجنتين، وسألتني عن أحوالي.. أخبرتك أني مسافرة إلى المغرب.. فسألتني بلهفة: -هل انفصلتما؟ -بالطبع لا!.. حاولت بجوابي أن أبدو لا مبالية. كنت عصبي المزاج.. تذرع الغرفة جيئة وذهاباً: هل.. هل اعترفت له حقاً.. هل قلت له أننا...؟ خفت عليك من ضغط الدم.. فكذبت رغم أني أكره الكذب: -أجل؛ ولكنني لم أقل له أنه أنت.. اطمئن! -كيف تصارحيه بأمر كهذا؟!.. It is too hard -أنا لا يمكنني أن أكون كاذبة، وكل إنسان مسؤول عن تصرفاته، وعليه أن يتحمل العواقب. -وماذا قال لك؟ شعرت بالخجل وأنا أجيبك: -لا ما نع لديه شرط أن نبقى أصدقاء. -هكذا هم هؤلاء الأجانب! حاولت أن أخفي اضطرابي، وأنا أستفسر منك بحذر: -هل تظنني أجاملك عندما أدعوك لزيارتنا؟ -طبعاً، لا! -لماذا لا تزورني إذن؟ -الحق عليك.. ما كان ينبغي أن تصادقي هذه الثرثارة.. سناء! -أصادقها؟!.. هل تظن حقاً أني أقضي طوال الوقت أثرثر معها؟! ألا تدرك أنني أشعر بالوحدة.. أنا بحاجة لأحد أتكلم معه، ولو ببعض السخافات. أحسست برغبة في الخروج من هذه القرية المنعزلة التي أقطن فيها، والتي لا يحب أهلها الغرباء، وكأنهم هم أنفسهم غرباء عن عاداتنا، ولذا زرت سناء مرة أو مرتين فقط لا غير.. -أصبحت سناء تعرف أني زرتك. -وما الضير في ذلك؟.. كثيرون هم الذين يزوروننا. -ولكني لست كباقي الناس، وزوجك ذكي بما فيه الكفاية ليعرف! (طبعاً يا عزيزي.. إنه ذكي بما فيه الكفاية.. ذكي ليعرف أنه أنت ولا أحد سواك!!). -ولكنني مشتاقة إليك، فماذا أفعل؟! -يا كارمن.. you are not free -... وقفت أصافحك مودعة في غرفة الانتظار، عندما دخل اثنان كانا على موعد معك. قلت لي مستدركاً: -أقسم لك يا كارمن أن لا وقت لدي.. لا أعرف متى يكون لدي وقت.. اتصلي بي الساعة السادسة من مساء الغد. (لا وقت لديك؛ لكنك ببساطة لا تريد أن يكون لديك وقت.. ورغم ذلك، سأتصل بك غداً). عندما اتصلت بك بادرتني تقول: -آه منك يا كارمن.. أنت دائماً عاتبة.. سافري وعودي بالسلامة وسوف أستقبلك بالأحضان؛ فهذه ليست نهاية العالم. شعرت أني مجرد طفلة صغيرة، وأنك تلاطفني فقط.. مجرد ملاطفة كي لا أنفجر بالبكاء. *** سافرت إلى المغرب أحمل معي صورتك.. أضعها قرب السرير وأناجيك.. ثلاثة أسابيع لم تغب عن بالي يوماً واحداً. أصبحت مجنونة بك، وتمنيت لو أن الجنون أصابك أيضاً؛ فتركت المرضى ينتظرون وجئت إلى المطار في اللحظة الأخيرة لترافقني قبل أن تقلع الطائرة.. كما في الأفلام!! أتذكّر كلماتك: You are not free كيف تكتشف فجأة أني لست حرة، وتقولها لي بكل بساطة.. بعد فوات الأوان؟! تمسك يدي وتشرح لي عن ال affection والتفاعلات الكيميائية، ثم تقول لي You are not Free أرسلت إليك من المغرب.. بطاقة عتاب وبطاقة شوق، وعدت من السفر، ليسافر بيتر من جديد! عدت أنتظر أن تتصل بي؛ فأنت تعرف حتماً موعد قدومي. هل تعرف حتماً موعد قدومي؟ هل أنا مهمة جداً بالنسبة إليك حتى تتذكر ذلك؟!.. وكم من الأمور الهامة تنساها بشهادة أقربائك؟!! .. كان انتظاري دون جدوى. فجئت إلى العيادة أحمل هدية صغيرة من المغرب تركتها لك عند نديم. وبقي الهاتف رغم ذلك أخرساً.. في التاسعة صباحاً حدّثني حدسي أنك ما زلت في القرية رغم أنك في مثل هذا اليوم، وفي مثل هذه الساعة تكون عادة في دمشق. اتصلت بك، وجاءني صوتك جافاً جداً.. كنت تغلي غضباً!! أغضبتك كلمات العتاب.. ألا يحق لي أن أعاتبك؟! هل كانت كلماتي قاسية إلى هذا الحد؟.. لا أظن. قررت أن ألقاك.. كان لدي بعض الأعمال في دمشق، لكنني أنهيتها بسرعة، وكان بإمكاني العودة ظهراً إلى اللاذقية، إلا أني أجّلت موعد السفر خصيصاً من أجل أن أراك مساء في العيادة. جئت مبكرة جداً، ومتوترة جداً. جاءني سكرتيرك "المؤقت" علي بفنجان قهوة، فسألته: -متى سيحضر الدكتور؟ -إنه عادة يتصل في الخامسة والنصف، ويسأل إن كان ثمة من ينتظره.. وإلا فإنه يأتي في الساعة السادسة. -اتصل به إذن، وأخبره أن ثمة مريضة تنتظره بحالة مستعجلة! جلت بصري في المكتب؛ فوجدت بطاقتي المرسلة من المغرب موضوعة على الطاولة. لم تكن البطاقة الأولى "العاتبة"؛ بل البطاقة الثانية. فاجأتك رؤيتي في العيادة.. نظرت إلي غاضباً، فأسرعت نحوك أقبّلك على الوجنتين.. أعتذر وأعدك ألا أكتب مرة أخرى. لم أستطع أن أفهم كل هذا الغضب بسبب بضع كلمات عتاب. -شكراً أنك تحتفظ ببطاقتي. -لكنني مزقت الأولى إرباً!! -ولكنني أريد أن أعرف.. من حقي أن أعرف.. هل تحبني؟ -لو لم أحبك لما زرتك! دنوت منك، وضممت رأسك إلى صدري.. أقول لك: أحبك. وعدت أجلس على الكرسي حيث كنت، مخافة أن يدخل علي فجأة: -هل وصلتك الهدية، أم أنك كسرتها في ثورة غضبك؟! -أية هدية؟! -هديتي لك من المغرب.. لقد تركتها لك في العيادة عند نديم. -نديم مجنون.. وهذا أيضاً!! وأشرت إلى علي الذي دخل للتو حاملاً إليك كوباً من الماء. نظر إلي علي وكأنه يقول: "أترين؟.. إنه يتحامل علي أيضاً"! انتظرت الفتى حتى خرج ثم بادرتك بسؤال مباشر وصريح: -قل لي بحق السماء.. هل تريدني حقاً كما أريدك؟! لا بأس.. لن أغضب منك إن صارحتني وقلت لي "أنا آسف.. كنت أتسلى معك"! عندئذ سأخرج من هذا الباب كما دخلت منه، ولن تراني بعد ذلك أبداً. وجاءني جوابك.. جواباً فورياً؛ لكنه ليس حاسماً كما كنت أتمنى: -نبقى أحباباً؛ ولكن انتظري الوقت والمكان المناسب. لم أسألك متى يحين ذلك؛ فقد كان دخول إحدى المريضات إيذاناً بانتهاء الزيارة. كنت أعزي نفسي وأنا أحث الخطى نحو الحافلة: "انتظري، واعذريه -ربما- فأنت في مجتمع شرقي يحصي عليكما كل شاردة وواردة". كان بائع اليانصيب يجلس القرفصاء عند الحافلة ويمد يده بالبطاقات.. قلّبت الأوراق بحثاً عن رقم أتفاءل به، ووجدته.. رقماً فيه سنتي ميلادنا متجاورتين؛ فاشتريت البطاقة، ولم تربح! مزقتها ورميتها، ثم ابتسمت إذ تذكرت المثل القائل: "خاسر في اللعب، رابح في الحب"!! *** أنا في الحب -كما في اللعب- خاسرة معك.. انتظر الوقت والمكان المناسب.. أنتظرك. وأنت تعللني بالآمال على أمل أن أدرك يوماً كذبها، وأرحل عنك.. لكنني أعرف منذ زيارتك اليتيمة أنك لم تعد ترغب بي؛ فقد اعترفت لك بحبي. وهل من شيء يخيفك أكثر من ذلك؟! لم أعد أثيرك؛ فقد حصلت علي، وانتهت اللعبة.. لعبة المطاردة! الرجل يطارد المرأة، وعليها التظاهر باللا مبالاة.. "بالتقل". عليها أن تخادعه ولا تخطئ!! فإن أخطأت وباحت، وربما أباحت انقلبت الموازين، وخسرت اللعبة! لعبة شرقية سخيفة لم أستطع أن أفهمها، ولا أريد أن ألعبها. طالما تساءلت عن جدوى إخفاء الوجوه وراء الأقنعة.. الأقنعة تمنع الهواء النقي وتفسد الوجوه. أو ليس من الأفضل أن نواجه أنفسنا بمشاعرنا ونعترف بنقاط ضعفنا؟ لماذا لا يركض المرء باتجاه الآخر بدلاً من الركض ورائه، ثم معاودة الركض في الاتجاه المعاكس؟! أما أنت.. فهل أتقنت اللعبة حتى الثمالة، ولم تعد تر في المرأة سوى شفتيها ونهديها ومؤخرتها وساقيها؟ ألا يعنيك رأسها وقلبها البتة؟! كان القدر يخبئك لي بعد عودتي من الغربة؛ فأحببتك رغم كل ما سمعته عنك، ومنحت قلبي المتمرد فرصته الأخيرة، رغم تحذيرات عقلي، ولم أستطع أن "أتقل"!.. لكنني لم أكن أبداً مبتذلة معك؛ لأن الابتذال يحوّل الحب إلى شيء آخر لا أريده أبداً. الحسناوات السخيفات المبتذلات حولك هنا، وفي بيروت، وأنت.. ربما لا ترغب أبداً بوجود صنف آخر من النساء. ذاك الصنف المتعب! هل كنت واهمة إذ ظننت أنك أنت المتعلم المثقف المسافر مثلي ستبادلني حباً بحب واحتراماً باحترام، وأنك ستهتم لعقلي وجسدي وقلبي معاً؟ وهل أنت رغم أسفارك وشهاداتك ونشاطاتك لست سوى شرقياً يهوى المطاردة؟! *** جلسنا، بيتر وأنا، نحتسي الشاي ونتحدث في أمورنا.. ونتحدث عنك أيضاً.. قلت لبيتر: -... لقد فكرت بالذهاب إليه.. أريد أن أراه ليس من أجلي؛ بل من أجل ليلى.. من أجل عمل فحوصات شاملة لكل عضو من أعضائها في المشفى الذي يعمل فيه.. عساه يساعدني، ويسهّل علي الأمر؛ فقد أصبحت أشك في أن يكون مرضها مجرد مرض نفسي، إذ أني لا أرى أبداً أية بوادر تحسن؛ بل على العكس من ذلك تماماً. -أوافقك الرأي.. لا بوادر تحسن، وهو إنسان نبيل لن يخذلك، أو يبخل عليك بالمساعدة. (عجباً.. كل منكما يمتدح الآخر أمامي، وأنا حائرة بين من عشت معه عشرين سنة؛ فكان صديقي الذي يفهم جنوني، وبين من زلزل كياني، وأيقظت رجولته أنوثتي الغافية!.. بين من فشل أن يكون زوجاً، ومن خاف أن يصبح حبيباً!!). لم أذهب إليك؛ فقد كنت مسافراً، وقرر بيتر أن يسافر مع ليلى إلى بلاده ويجري لها الفحوصات الشاملة هناك.. وخيراً فعل بقراره هذا. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |