قد يأتي الخريف.. ربيعاً - عائدة الخالدي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الشتاء الأول شوق آخر وانتظار

أقلعت بي الطائرة في ذاك اليوم الشتائي، , وأطلقت مع انطلاقها من مدرج المطار لدموعي العنان.. تسيل على وجنتي بلا حرج.‏

أسافر إلى هناك مرغمة؛ فابنتي بحاجة إلى وجودي بقربها أكثر من أي وقت مضى، وأنا بحاجة لأن أضمها إلى صدري وأبكي ألماً من أجلها.‏

كان بيتر ينتظرني في المطار، وأحسست بالبرد ينفذ حتى عظامي وأنا أدخل السيارة في مرآب المطار الكبير. أمطرت بيتر طوال الطريق بوابل من الأسئلة عن ليلى...‏

لقد استدعى جليسة أطفال لترعى ليلى أثناء غيابه ليجلبني من المطار؛ فوالديه يقضيان أياماً في اجازة.‏

استقبلتني جليسة الأطفال العجوز بلطف وأخبرتنا أن ليلى أوت إلى الفراش، ثم استأذنت بالانصراف، وذهب بيتر معها ليوصلها إلى بيتها بالسيارة .‏

لم تكن قد غفت بعد، وما إن سمعت أصواتنا حتى هرعت إلينا، وارتمت بين ذراعيّ تعانقني وتحاول أن تتكلم؛ ولكن الكلمات لاتخرج أبداً بوضوح من بين شفتيها..‏

يداها متشنجتان وأصابعها مضمومة، وجهها متوتر وذراعاها تتحركان بطريقة عشوائية كلما حاولت أن تشرح لي أمراً ما استعصى علي فهمه من المرة الأولى.‏

جلست وحدي مع ليلى أتأمل وجهها الشاحب وجسمها النحيل.. كنت أحاول قدر الإمكان أن أخفي انفعالي وأبدو طبيعية ولا أجعلها تشعر كم تؤلمني رؤيتها هكذا.‏

عاد بيتر ونحن مازلنا نتحدث، ثم كان لابد من النوم..‏

ذهب بيتر إلى الغرفة الأخرى، وضممت ليلى إلى صدري ونمنا..‏

اليوم الاثنين..‏

المسافة مابين المنزل والمشفى، حيث ستجري فحوصات ليلى، لا تتعدى الربع ساعة بالسيارة، لكنني شعرت أنها تمتد ساعات..‏

أصبح الرعب يتملك ليلى كلما اضطرت لركوب السيارة فتبدأ بالصراخ الهستيري وتهتاج.‏

قال لي بيتر، وقد قرأ المعاناة في وجهي:‏

ـ أرجوك لا تنفعلي.. حاولي أن تتجاهلي تصرفاتها.‏

ووصلنا المشفى وأعصابي علىوشك الانهيار؛ فأنا لم أرها من قبل في حال كهذه.. أما بيتر فلم يعد ذاك المشهد بجديد عليه..‏

ما إن توقفت السيارة حتى هدأت المسكينة، وقد تبلّل وجهها الأحمر وشعرها بالعرق الغزير من شدة الانفعال. في المشفى أخذوا خزعة من نخاعها الشوكي، وجسّوا أعضاءها عضواً عضواً بأجهزتهم المتطورة، وأجروا لها صوراً شعاعية وغير شعاعية...‏

لم تمر الفحوصات بسلام؛ فقد كان لابد لليلى من الاعتراضات المصحوبة بالصراخ.‏

اليوم الأربعاء..‏

كان لابد في الصباح من أخذ خزعة أخرى من النخاع الشوكي، من منطقة الحوض هذه المرة، وفي المساء استقبلنا الدكتور شميد الطويل القامة جداً في مكتبه بالمشفى...‏

شرع الدكتور شميد، بعد الاستئذان منا، بتصوير ليلى بالفيديو معللاً ذلك بأن حالة ليلى حالة خاصة لم يسبق له أن عرفها من قبل، وأن عليه تصويرها ليسهل عليه دراسة حالتها بشكل أفضل.‏

كان يركز التصوير على حركات يديها وأصابعها المتشنجة.‏

جلسنا معه بعد ذلك بدون ليلى حول المنضدة الصغيرة المستديرة، وبدأ يشخص لنا مبدئياً، ولحين الحصول على النتائج النهائية للتحاليل، حالة ليلى المرضية:‏

ـ أشك بنسبة 95% أن يكون مرضها عصبياً نادر الوجود، وهذا المرض ـ في حال ثبوت إصابتها به ـ مرض ينتهي بها إلى....‏

ـ أينتهي بها إلى الموت؟!..‏

سألته بعد أن استجمعت شجاعتي.‏

قال لي وهو يناولني بطريقة روتينية جداً علبة المناديل الورقية:‏

ـ أجل.. للأسف.. تسوء حالتها تدريجياً ثم...‏

أجهشت بالبكاء وارتفع نحيبي، وبيتر ينحني فوقي ويضغط على يدي.‏

عدنا إلى البيت وأنا أسيطر على أعصابي.. أحاول كبت مشاعري فلا يبدو منها ماقد يحرّك الشك في نفس ليلى. إنها ذكية وتدرك فوراً من تعبير وجهي أن ثمة أمراً ما..‏

لكني في المساء، وأنا أحتضنها في الفراش، وأحكي لها حكاية قبل أن تنام ترقرقت الدموع في عينيّ.. حدّقت ليلى فجأة في وجهي وسألتني:‏

ـ ماما.. ما الأمر؟!‏

ـ لاشيء يا حبيبتي.. يبدو أنني أصبت بالزكام؛ ولذا تدمع عيناي قليلاً.. تصبحين على خير.‏

ـ تصبحين على خير.‏

قبّلتها على الوجنتين وخرجت مسرعة من الغرفة وأنا أحس بالاختناق.‏

أسرعت إلى الشرفة لأبكي بصوت عالي حيث لا يسمعني أحد؛ فالظلمة أطبقت على الدنيا من حولي؛والوقت شتاء، والجميع ينعم بالدفء، وراء الأبواب المغلقة..‏

بكائي أشعرني ببعض من راحة؛ فمسحت دموعي ودخلت..‏

كان بيتر يحتسي القهوة مع والديه ويحدثهما عن تشخيص الطبيب المبدئي لمرض ليلى.‏

قال والده ببرودة وهو ينفث دخان سيجاره:‏

ـ إن كان الأمر كذلك؛فمن الضروري فك التقويم الموضوع عن أسنانها كي لا يضايقها حتى النهاية!‏

نظرت إليه بقرف وكأنني على وشك أن أتقيأ وقلت له:‏

ـ يا لأهمية هذا الأمر الذي تلفت انتباهنا إليه الآن!.. فعلاً لم يتبق لدينا سوى مسألة التقويم لنفكر فيها!... لقد سلّمت حقاً بنهايتها المحتومة مع أن تشخيص الطبيب مازال مبدئياً؛ ومازال لدينا نسبة 5% من الأمل على الأقل.‏

تمنيت من شدة الانفعال لو أصفعه.. لكنني عوضاً عن ذلك أجهشت مجدداً بالبكاء.‏

لم يعرف عمي النبيه بما يجيب؛ فقد أخرسه كلامي وأدرك أنه تفوّه بما لم يكن ينبغي له أن يتفوّه به؛ فالتزم الصمت كزوجته وابنه.‏

في تلك الليلة أصابني الأرق وأنا أفكر بابنتي الغارقة في النوم بجانبي.. أتأملها وأمسح برفق وجهها الشاحب كي لا أوقظها، وأقبّل يدها الصغيرة التي لا تسترخي إلا أثناء النوم فقط.‏

أفكر في كلام الطبيب وأتساءل:‏

ماذا لو كان تشخيصه صحيحاً؟‏

هل أصبحت أيامها حقاً معدودة، وسأفقدها بعدئذ إلى الأبد؟!‏

يا إلهي.. لا تجعل تلك إرادتك.. أرجوك..‏

قبل بزوغ الفجر بقليل، استسلمت للنوم وحلمت بليلى تذهب إلى المدرسة، ثم لا تلبث أن تعود منها لأنها مريضة.‏

****‏

أتأمل من النافذة الثلج يتساقط خفيفاً في هذا اليوم الرابع من كانون الأول، ويغطي تدريجياً أسطح البيوت القرميدية وأغصان الأشجار الصنوبرية الباسقة، وقد استحال لون البحيرة رمادياً كالسماء‏

الملبّدة بالغيوم.‏

ليلى مازالت على حالها لا تعرف كيف تستلقي ولا كيف تستريح ولا كيف تأكل..‏

أصابعها مازالت مضمومة ويداها مازالتا متشنجتين والدكتور شميد لم يتصل بعد؛ إذ يبدو أن نتيجة الفحص الأخير لم تظهر بعد.‏

بعد يومين اتصلت بي ريما من اللاذقية لتسأل عن ليلى وعني وتستفسر عن موعد عودتي إلى سورية.‏

لا أدري متى سأعود ولا أدري أيضاً ماذا يمكنني أن أفعل هنا، والانتظار مقيت.‏

أتذكرك رغم الهموم الكثيرة التي تقض مضجعي و... أشتاق إليك.‏

وبيتر؟!.. لطيف وحنون! لكني يئست حقاً من إذابة جليده.‏

أغيب عنه ويغيب عني ولا يكون للقائنا أبداً، ومهما طال الفراق تلك الحرارة التي أفتقدها.‏

لقد اقتصر تواصلنا الجسدي بعد غياب على مجرد قبلة عابرة استقبلني بها في المطار!‏

وقبل هذا الغياب؟!‏

منذ متى لم تجمعنا لحظات حميمة؟!.. ربما منذ سنة، أو أكثر؟!.. لا أدري حقاً!..‏

"لحظات"؟!.. بل دقائق.. دقائق!!.. (فالدقائق أطول من اللحظات، والكذب حرام!)..‏

نتلامس لدقائق قبل أن يأتي الملل وينتهي الأمر، فنبقى صامتين، أو نتحدث.. ربما في السياسة!!‏

نتلامس، فلا تسري في جسدينا تلك الكهرباء التي ينبغي أن تسري فيهما..‏

نوهم أنفسنا أننا نمارس الحب؛ لكننا لا نعرق أبداً!!..‏

"العرق دموع الجسد، ونحن في ممارسة الحب كما في ممارسة الرسم، لا نبكي جسدنا من أجل أية امرأة، ولا من أجل أية لوحة.. الجسد يختار لمن يعرق".‏

هكذا خاطب العاشق حبيبته في الكتاب؛ وأنا لم أكن بحاجة لممارسة الحب معك كي أعرق!..‏

كانت تكفي يدك تمسك بيدي في تلك الأمسية لتصيبني الحمّى، وأعرق.‏

تلك الأمسية أصبحت بعيدة.. بعيدة جداً.. كالحلم.‏

الآن .. ربما أكثر من أي وقت مضى أردت أن أضمه ويضمني..‏

أردت أن ألتمس من جسده ويلتمس من جسدي دفئا...‏

أردت أن أمنحه ويمنحني من تعانقنا قوة...‏

قوة تجعلنا على الأقل قادرين على مواجهة محنتنا..‏

قوة تجعلني أطرد من رأسي أفكاراً مجنونة محورها أنت.‏

أردت أن أجرّب للمرة الـ...؟‏

ولكن.. عبثاً.‏

فلا اللمسات ولا المداعبات ولا حتى التلميحات تؤثر فيه....‏

في ذاك المساء، وليلى نائمة، ووالديه مازالا مسافرين، قلت له وهو مستغرق بمشاهدة برنامج ما على التلفاز:‏

"أنا ذاهبة لآخذ حمّاماً سريعاً، ثم أذهب إلى الفراش، فهل توافيني... إلى هناك.. بعد ربع ساعة؟!"..‏

أجابني بلا مبالاة ودون أن يرفع عينيه عن التلفاز: "نعم.. نعم"..‏

لم تكن ردة فعله أو جوابه مشجعاً؛ لكنني رغم ذلك اندسست في الفراش، في الغرفة الأخرى أنتظره... وانقضت ربع ساعة، ونصف ساعة، ثم ساعة كاملة، ورغبتي فيه تتلاشى ويحل بدلها غيظاً بدأ يغلي في داخلي.. كما في كل مرة، وصوت التلفاز مازال يلعلع من الطابق السفلي!‏

بدأ النوم يداعب أجفاني عندما شعرت بيده تلامس كتفي، وهو يهمس:‏

ـ كارمن... هل نمتِ؟!‏

ـ أجل!‏

ـ تصبحين على خير إذن..‏

كان هذا كل شيء... لم يعترض على جوابي؛ بل بدا لي أن جوابي أراحه!..‏

لم يحاول أي شيء؛ بل ذهب تلقائياً إلى الغرفة الأخرى، حيث تنام ليلى، لينام!‏

وأنا لا أريد أن أفتعل معه شجاراً؛ فظروفنا الحالية تجعلني أخجل أن أكون أنانية وأطالب بحقي كزوجة.. كامرأة..‏

أريده أن يدرك ذلك بنفسه بطريقة غير مباشرة.. ولكن هيهات!‏

كانت هذه أول محاولة طوال فترة تواجدي هناك، وآخر محاولة إلى أجل غير مسمى!!‏

***‏

سافرت في كانون الأول، لأنتظر من جديد.‏

أنتظر نتائج الفحوصات...‏

أنتظر وأفكر..‏

أفكر بأمر لم أفكر أبداً به من قبل بجدية مطلقة.‏

كنت في الواقع أهرب من التفكير فيه وأشغل نفسي دائماً عنه بأمور أخرى محاولة بطريقة ما إقناع نفسي إنه ليس "كل مايتمنى المرء يدركه"..‏

يشركني بيتر في كل أمور حياته صغيرة كانت أم كبيرة..‏

لم يكن له رفيق، فكنت رفيقته..‏

معه سافرت إلى أصقاع الدنيا، ومعه غامرت وبنيت حياة مشتركة مغايرة.. ولكن ثمة حاجز غير مرئي كان يفصل دائماً، ومنذ البداية، بيننا.‏

حاجز غير مرئي، حاولت دائماً تجاهل وجوده والقفز من فوقه؛ لكنه موجود رغماً عني ويفرض وجوده علي في الفترة الأخيرة بكل قسوة..‏

كان بيتر ـ ومازال ـ طيباً، وربما مغفلاً..‏

لم يقرأ أبداً مابين السطور في كل تلك المواقف الحرجة التي كنت أحياناً أجد نفسي فيها طوال سني حياتنا المشتركة..‏

لم يقرأ مغزى أحد "الأصدقاء" وهو يقترح علي أمامه الترفيه عني، عندما يمارس هو..(أي زوجي) رياضة التزلج.. ولا قصد ذلك السفير العربي الذي يريدني سكرتيرة "خاصة"..‏

لم ير النظرات الجائعة لنادل الفندق، يدعه يدخل ليضع صينية الشاي على الطاولة في الغرفة، وقد خرجت تواً من الحمام بقميص النوم الشفاف لأتفاجأ به يقف هناك يتأملني؛ فأصرخ به أن ينصرف فوراً ثم أصب جام غضبي على زوجي الذي أدرك أخيراً سخافة الموقف الذي وضعنا فيه!!..‏

إن غيرة الرجل الشرقي قد تعميه أحياناً، وتلغي عقله، وتدفعه لارتكاب الحماقات، وأنا لم أرغب قط في رجل يفقد بسرعة أعصابه، وبلا مبرر... لكنني كنت أرغب دائماً في أعماقي ببعض غيرة أشعر بها منه تجاهي.. غيرة لا تسيطر على تصرفاته معي وتحاصرني وتحد من حريتي بلا مبرر؛ ولكنها غيرة لذيذة غير مباشرة تشعرني أني من حقه، وأنه لن يتنازل عني أبداً لرجل آخر.‏

الرجولة موقف...‏

وكثيرة هي المواقف التي بحثت فيها عن رجولة بيتر؛ فلم أجدها.. ليس في السرير وحسب؛ فهذه يمكن تعويضها بقبلة أو ضمّة.‏

(ولكن أين قبلته من قبلتك، وذراعيه من ذراعيك القويتين؟!).‏

الرجولة موقف..‏

إنها تلك اللحظات التي تشعر فيها المرأة بحاجتها إلى رجل قوي يحميها..‏

رجل يغار عليها..‏

ذاك الشعور اللذيذ بضعفها يحتويه رجل بقوته..‏

أما المساواة؛ فهي موضوع آخر!‏

***‏

كنت أتمنى أحياناً لو كنت قاسية القلب، فأحزم حقائبي وأتركه وأرحل..‏

ولكنني لستُ كذلك.. لذا كان إحباطي يتحول غضباً يفجّر الكلمات في حلقي، وتمتد يدي لتكسر صحناً أو كوباً، علّ حنقي يتكسّر معه!..‏

أما هو.. بيتر.. فكان يقف أمامي جامداً كالتمثال لا ينبس بكلمة؛ أو يتوارى عن أنظاري ينتظر أن تهدأ ثورتي، وعندئذٍ فقط يقبل نحوي..‏

يناولني كأس شراب، أو يمد لي يده بلفافة ويشعلها لي..‏

يجلس قبالتي وينظر في عيني،ويعاتبني..‏

أنظر إلى عينيه وهو يتكلم بهدوء؛ فألمح فيهما عجزاً وضياعاً؛ فأحزن من أجله، وأشفق عليه..‏

أخجل من ثورتي، وأبكي بصمت.. ثم.. أعتذر..‏

***‏

اتصل بنا الدكتور شميد ليخبرنا عن نتائج الفحص الأخير:‏

"لقد اكتشفنا وجود نقص في إفراز مادتين في السائل الموجود في المخيخ هما.... و....‏

ومن الأرجح أنهما المسؤولتين عن التشنجات في يدي ليلى، وربما يوجد بعض الأمل بإجراء معالجة ذات شقين: فيزيائية ودوائية.. هذه تكهنات أولية، سأتصل بكم بعد يومين أو ثلاثة لنرى ماينبغي عمله؛ فمازلت أنتظر نتائج تحليل آخر"..‏

كنت أحاول التركيز على كلامه؛ لكن آلاف المطارق كانت تطرق في رأسي...‏

تكهنات.. وانتظار.. مازلنا حتى الآن في طور التكهنات؛ وفي مرحلة الانتظار لنرى ماينبغي عمله.‏

اتصلت بأمي لأخبرها عن آخر التفاصيل، وكانت متوترة وبكت....‏

***‏

أشرقت الشمس أخيراً.. أشعتها تغمرني دون دفء.. وأنا تعيسة..‏

الجو بارد تلسع نسماته وجهي، وقد خرجت مع بيتر.. أردته أن يرافقني لأشتري هدية لليلى بمناسبة عيد ميلادها..‏

كنا نسير في الشارع جنباً إلى جنب صامتين، متباعدين، وقد وضع كل منهما يديه في جيوب سترته واستغرق في أفكاره..‏

عندما عدنا، انضم هو إلى والده ليشاهد برنامج الرياضة في التلفاز.. أما والدته فكانت منهمكة في ترتيب المنزل، وليلى مستلقية في السرير لا تريد الاستحمام..‏

فالحمام أصبح هو الآخر مصدر رعب لها.. تخاف من الدخول إليه، ومن الماء يبلل جسمها النحيل.‏

علينا في كل مرة أن نحملها إليه حملاً، ونجبرها على الاستحمام وهي تبكي وتصيح.. وقد كانت تهوى الماء وتجيد السباحة.‏

تركتها في السرير بعد أن عجزت عن إقناعها بدخول الحمام؛ فلم تكن لدي رغبة في سماع صراخها؛ فأعصابي منهارة وأرغب في تدخين سيجارة.‏

***‏

اليوم الأربعاء....‏

عيد ميلاد ليلى..‏

أحضرت لها كعكة البرتقال، وأوقدت لها اثنتي عشرة شمعة، لكنها أبت أن نفرح بها؛ وبدأت تبكي وترجونا أن نؤجل الحفل إلى الغد..‏

جدها وجدتها أصرّا على الاحتفال رغم احتجاج ليلى واقتطع كل منهما من الكعكة قطعة التهمها بعد إطفاء الشموع.‏

كان عيد ميلادها هو أتعس عيد ميلاد..‏

أما أنا؛ فكنت عاجزة حتى عن البكاء..‏

***‏

في الصباح الباكر أتت ليلى إلي.. كنت وحدي في البيت شاردة الذهن أنظر عبر النافذة، ولا أرى شيئاً.جاءت إلي لتعتذر عما بدر منها البارحة..عيناها حزينتان ترمقاني بنظراتهما وتستعطفاني:‏

ـ آسفة يا ماما.. كنت متعبة جداً البارحة وأرغب بالنوم؛ وكنت أود أن نؤجل أكل الكعكة حتى اليوم.. لكن جدتي وجدي رفضا ذلك"..‏

ـ لا بأس يا حبيبتي.. أنا لم آكل من الكعكة إكراماً لك.. تعالي نحتفل سوياً لوحدنا بعيد ميلادك"..‏

ـ أخرجت باقي الكعكة من الثلاجة، وأعدت وضع الشموع عليها.. ومالبث بيتر أن عاد؛ فأشعلنا الشموع ونفخنا عليها معاً وضحكنا.. ضحكنا كثيراً ونحن نأكل باقي الكعكة ونلتقط الصور..‏

****‏

ـ آلو.. مرحباً فيرونيكا.. كيف حالك؟‏

ـ أهلاً.. أهلاً كارمن.. ياللمفاجأة.. أنت هنا؟‍‏

ـ أجل.. أنت تعلمين أن ليلى مريضة، وقد جئت من دمشق خصيصاً من أجلها؛ فقد جاء دورها أخيراً لإجراء الفحوصات.‏

اتفقنا أنا وفيرونيكا أن أزورها اليوم بعد الظهيرة.. فيرونيكا، هي صديقتي الإيطالية التي أعرفها منذ خمسة عشر سنة.‏

فيرونيكا ترعرعت هنا؛ لكن طبيعتها "المتوسطية" طغت على تربيتها الأوروبية الغربية؛ والإيطاليون (خاصة الجنوبيين منهم)، كم يشبهوننا بطبعهم الناري ومآكلهم وكرمهم وعلاقاتهم الاجتماعية.‏

فيرونيكا كانت جارتي، وكانت شقتها مقابلة لشقتي في الطابق الثالث.‏

وكان من عادتنا نحن سكان البناية رقم (2) أن نجتمع على اتفاق عفوي بيننا في الصيف فنتقاسم إعداد المأكولات لعشاء مشترك نشوي فيه اللحم في الهواء الطلق في حديقتنا المشتركة.. نستمتع منها بمنظر الشمس تغرب متأخرة على البحيرة، والظلام يحل متكاسلاً، ولا يغمر المكان تماماً إلا بعد العاشرة مساءً في عز الصيف...‏

أما في الشتاء؛ فكنا نلتقي في بيت أحدنا، أوفي قبو البناية؛ فنجلب إليه المناضد والكراسي؛ ونأكل فيه مرة طعاماً إيطالياً أعدته فيرونيكا، أو طعاماً سورياً أعددته أنا؛ أو أي طعام آخر من باقي النسوة، أو الرجال من الجيران الذين يجيدون الطهي أيضاً‍!..‏

نزّين القبو في عيد الميلاد ونستقبل فيه "بابا نويل" ليوزع هداياه على الأطفال.. أما في الأيام العادية؛ فننشر فيه الغسيل... في الأيام المطيرة.‏

كان لي مع فيرونيكا ذكريات جميلة كثيرة..‏

جاءتني مرة وهي حامل لتخبرني عن موعد ولادتها المرتقب؛ فرجوتها أن تتريث وتضع مولودتها في يوم ميلادي؛ لكنها لم تستطع الوفاء بوعدها، وولدت قبل ذلك بيوم واحد!‏

ذهبت إليها أهنئها وأعاتبها مازحة على عدم وفائها، وأنا أذكرها بوعدي الذي وفيت لها به قبل سنتين!!‏

كانت فيرونيكا قد دعتنا ـ نحن وباقي الجيران ـ لتناول "اللزانيا" في القبو، وأنا حامل في اليوم قبل الأخير.‏

قالت لي فيرونيكا وهي تتأمل بطني:‏

ـ أرجو أن تتمكني من الحضور غداً للعشاء؛ ولا تخيبي أملي وتذهبي إلى المشفى.‏

ـ طبعاً.. يا عزيزتي.. سوف أؤجل الولادة يوماً واحداً من أجلك فقط!!‏

وهذا ماحصل فعلاً.. التقيت مع بيتر بالجيران في القبو وشاركناهم بالتهام صحون اللزانيا، وضحكت فيرونيكا وأنا أغمزها قائلة:‏

ـ .. أرأيت؟.. إني أفي دائماً بوعدي!‏

***‏

في اليوم التالي أحست بحركة غريبة في بطني؛ فأسرعت فوراً إلى الطبيب الذي فحصني سريعاً وطلب مني أن أذهب فوراً إلى المشفى.‏

قلت فجأة لبيتر وهو يقود السيارة بعصبية إلى المنزل أولاً لجلب حقيبتي التي أعددتها لآخذها معي إلى المشفى:‏

ـ يا إلهي يابيتر.. علي أن أعد بطاقة لجارتنا ماريانا.. لقد نسيتها.‏

حدّق بي بيتر:‏

ـ ماذا؟!... عليك فقط جلب الحقيبة؛ ثم التوجه فوراً إلى المشفى.‏

ـ لا عليك.. لماذا أنت متوتر هكذا؟! .. أستطيع بسرعة أن أنجز البطاقة!‏

كانت العادة المتعارف عليها في هذا البلد أن ترسل الأسرة التي تتوقع مولوداً بطاقات لطيفة للأهل والأصدقاء تعلن عن ولادته، ويدوّن عليها اسمه وساعة ولادته، وغير ذلك..‏

وقد أحببت هذه العادة؛ فصممت البطاقات وصنعتها بنفسي.‏

***‏

جلست بهدوء أرسم على القماش وأقص وألصق، ثم وضعت البطاقة في المغلف وكتبت اسم ماريانا عليه وقلت لبيتر الذي كان يذرع الغرفة جيئة وذهاباً:‏

ـ هاهي البطاقات جاهزة.. وماعليك سوى كتابة الاسم وساعة الولادة وإرسالها فوراً بالبريد..‏

ـ حسناً... حسناً.. أسرعي أرجوك.. يالبرودة أعصابك... وكأنك لست على وشك الولادة!..‏

ضحكت وقبّلته على وجنته وأنا أقول له:‏

ـ أنت متوتر أكثر مني.. لا تقلق؛ ستسير الأمور كما يرام.‏

وسارت الأمور كما يرام، واحتضنت طفلتي بعد مخاض ثلاث ساعات فقط؛ لكنها كانت ساعات ألم متواصل دون توقف.‏

ألم سرعان مانسيته، وأنا أتأمل وجه صغيرتي المنتفخ وأضحك من الفرح والدهشة.‏

رأت ابنتي النور يوم الثلاثاء في الساعة السادسة إلا ربعاً من ذاك المساء الشتائي...‏

وقفت الممرضة أمام سريري وبيدها ورقة وقلما تنقل نظراتها بين بيتر وبيني وتنتظر حتى نقرر أخيراً ماذا نسميها كي تسجل الاسم..‏

لم يكن السبب في حيرتنا أننا لم نتوقع ولادة أنثى؛ فقد كان بيتر يتمنى ابنة، وكنت أنا أشعر بغريزتي أني أحمل في أحشائي طفلة.‏

ولكننا احترنا فقط، وحتى اللحظة الأخيرة، في الاختيار بين اسمين كان اسم ليلى أحدهما.‏

استعدت في ذاكرتي تلك الأيام البعيدة وبيتر يقود السيارة، وأنا جالسة في المقعد الخلفي مع ليلى التي وضعت رأسها على ركبتي ومدت لي يديها لاحتضنهما.. أخفف من تشنجاتهما وتوترها.‏

لفيرونيكا ابنتان رائعتان اندفعتا فوراً إلى ليلى بعفوية، ولم يبدو عليهما البتة أي استغراب لحالها رغم أنه تغير كثيراً في عيونهما عما عهدتاه.‏

جلستا بقربها على الأريكة تحدثانها وترويان لها الحكايات من كتاب مزين بالصور، بينما انغمس بيتر في الحديث مع روجيه، زوج فيرونيكا.‏

دخلت أنا وفيرونيكا المطبخ نحمل ما تبقى من صحون بعد العشاء، وأخبرها بصوت هامس متهدج عن ليلى ونسبة الـ 95% المخيفة لاحتمال إصابتها بذاك المرض القاتل، وفجأة وجدنا نفسينا تحتضن كلاً منا الأخرى وتجهش بالبكاء.. بكيت كما لم أبك من زمن...‏

أخرجت كل ما تراكم في صدري من هموم كبتها طويلاً... لأني انتظرت طويلاً لحظة عفوية كهذه أبكي فيها تلقائياً مع شخص كفيرونيكا يحبني حقاً، ويشعر بما أشعر به..‏

***‏

عادت ليلى إلى المشفى لإجراء المزيد من الفحوصات..‏

أعطتنا النتائج المبدئية الجديدة بعض الأمل أن يزول شبح مرض الأعصاب ذاك عنها.‏

تم أخذ خزعة من كبد ليلى دون حدوث مضاعفات، كما أجري لها فحص للقلب، وبقيت في المشفى أربعة أيام تناوبنا خلالها أنا ووالدها النوم عندها.‏

بعد أسبوع اتصل بنا الدكتور شميد ليخبرنا أن مرض ليلى قد تم تشخيصه أخيراً، وهو بالتأكيد ليس مرض الأعصاب القاتل، ثم حدد لنا موعداً في مكتبه بالمشفى لنتناقش معه حول كيفية العلاج.‏

تنفسنا أنا وبيتر الصعداء، وحمدنا الله أن ثمة أمل في شفائها كنا على وشك أن نفقده..‏

***‏

عيد الميلاد..‏

سافر الجدان لقضاء العطلة مع أصدقاء لهما...‏

الشمس مشرقة على ثلج تساقط البارحة... أمسكت بيد ليلى وخرجنا إلى الحديقة.. احتضنتها ونظرنا باسمتين إلى بيتر ليلتقط لنا صورة.‏

عاد إلى نفسي بعض من السكينة.. إن مرض ليلى مرض عضال وعلاجه طويل الأمد... علاج لمدى العمر؛ لكنها ستبقى على قيد الحياة ولن يخطفها الموت مني، وهذا هو المهم..‏

مضت الأيام بطيئة هادئة ونحن الثلاثة لوحدنا في البيت الكبير..‏

كنا نمضي الأمسيات أنا وبيتر، وبعد أن تأوي ليلى إلى فراشها، نفكر بحذر في المستقبل... لم يعد بإمكاننا التفكير بذلك على المدى البعيد؛ بل خطوة خطوة.. فمرض ابنتنا مرض نادر، وخاصة في عمرها، ونحن قلقين مما تخبئه لها الأيام.‏

علينا أن ننسى أمر المدرسة.. فلا أهمية لها الآن.. كل مايهم هو أن تتماثل ليلى للشفاء.‏

وأنا؟!‏

وأنا سأعود إلى سورية بعد أيام..‏

لقد تم تشخيص مرض ليلى، وبيتر هنا من أجلها، ومن أجل عمله.. وبقائي هنا لا جدوى منه حالياً؛ فأنا لا أشعر براحة نفسية لوجودي في منزل ليس منزلي... في منزل رجل وامرأة لا يريا فيّ سوى امرأة غريبة؛ وليس زوجة لابنهما البكر، شاركته الحياة تسعة عشرة سنة بحلوها ومرها.‏

كنت قبل الزواج أعيش مع أسرتي مرفهة وسعيدة، وأنعم بقدر كبير من الحرية والاستقلالية في جو عائلي يسوده التفاهم والصراحة.. كان عملي عملاً ممتعاً كله سفر وتجديد تحسدني عليه الكثير من الفتيات..‏

تركت هذا كله وتزوجت بيتر، واشتغلت في البداية في معامل بلاده لتأمين مصروف الدراسة والحياة الزوجية.. ساعدته بمدخراتي، ورفضت منذ البداية مساعدة والديه المادية لتبديد مخاوفهما تجاهي.. تلك المخاوف السخيفة التي لم يتحررا منها طوال تسعة عشر سنة كاملة... تسعة عشر سنة من حرب باردة مستمرة رغم كل نواياي الطيبة.. رغم كل الود والمساعدة التي لم أبخل بها عليهما حتى وأنا حامل في الشهر الأخير... كنت لا أجد ضيراً في الصعود على السلالم وبطني أمامي لأدق المسامير في السقف الخشبي لمنزلهما الصيفي الذي كان بحاجة لترميم..‏

ولا أجد ضيراً في أن نضحي بيوم عطلة نهاية الأسبوع المشمس الذي خططنا له مسبقاً؛ فأبقى عن طيب خاطر وحدي في البيت كي يساعد والديه في نقل بعض قطع الأثاث.‏

كنت أنا من يقنع بيتر كل مرة بتلبية الطلب والمساعدة عندما أراه متأففاً، رغم أني أعلم علم اليقين أن أعذار أخويه المتقاعسين دائماً واهية، وأنهما ـ رغم ذلك ـ أول من يأتي كل مرة ليطالب بحصته من الكعكة! وكنت أنا مَنْ أقنع بيتر بالعمل مع والديه، رغم عدم ارتياحه للفكرة، وتخليت من أجل ذلك عن عمل كنت أحبه، وكانت كل الفرص الذهبية فيه متاحة أمامي.‏

من المضحك المبكي أن والدي بيتر يعرفان ذلك ويعترفان به... لكنهما غير قادرين على الحب.. ياللمسكينين!.. أخبرني بيتر أن حماتي ذرفت مرة دموعاً أمامه فاستغرب ذلك جداً منها وسألها بسخرية:‏

ـ أماه.. أنا لا أصدق... أنت تذكرين كارمن فتذرفين الدموع؟!‏

ـ أجل... لقد عرفت قيمتها بعد أن سافرتما للاستقرار في سورية.‏

ـ عرفت قيمتها بعد أن سافرت؟!...‏

ـ أجل.. وبعد أن تزوج أخواك، وأدركت الفرق بين تصرفات زوجتيهما معنا وتصرفات كارمن‏

- أدركت ذلك عندما أصبح لديك كنتان من هنا، فهل كانتا منك قريبتان أكثر؟! ليتك أدركت أصالة كارمن منذ زمن، وليس الآن... بعد فوات الأوان..‏

أجل فات الأوان... ودموعها التي سالت مرة سرعان ما جفت ونسيتها..‏

ألم أقل لك أنها مسكينة... مسكينة لأنها غير قادرة على الحب؟!‏

سأعود إلى سورية بعد أيام، وأفكر جدياً بعمل دائم في دمشق أو ربما في بيروت..‏

أخاف من الفراغ الذي ينتظرني في البيت، وأخاف من الوحدة التي تنتظرني معه.‏

ليلى.. الله وحده يعلم كم سيطول غيابها، ومدرستها أغلقت أبوابها دونها..‏

لم يعد بوسعي تحضير الدروس معها، أو الانشغال بالرسم والأشغال اليدوية نزّين بها سوية غرفتها.‏

لم يعد بوسعي أن أصنع لها بنفسي قالباً من الكاتو في عيد ميلادها ليكون في كل مرة مبتكراً لذيذاً يدهش صديقاتها؛ فترجوني ليلى أن ألتقط له صورة قبل أن تقطعه السكين.‏

لم يعد بوسعي حتى أن أقبّلها قبلة المساء، وأحكي لها حكاية قبل أن تنام في كل تلك الأيام القاسية من البعاد التي مازالت بانتظارنا.‏

أشهر ثلاثة انقضت بالكثير من الدموع والأرق والقلق.‏

عدت ثانية إلى الوطن.. حائرة لا أدري ماذا أفعل..‏

أحاول أن أشغل نفسي؛ لكن الهواجس أكبر من كل ماأحاول إلهاء نفسي به.‏

لقد جعلني مرض ليلى تعيسة، ولا مبالاة بيتر محبطة..أما أنت؛ فقد جعلني جفاءك حزينة..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244