|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:07 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
*** جاء شهر آب، ووصلتني برقية من بيتر يحدد فيها موعد قدومه.. هرعت إلى أبي ألوّح له بالبرقية: ـ أرأيت؟... إنه قادم. فوجئ أبي، وأدرك أن الأمر أصبح جدياً الآن. بدأنا نستعد لاستقبال العريس القادم من الغرب ليطلب يدي رسمياً من أبي بعد خطوبة بالمراسلة. استنفرت أسرتي في اليوم المحدد لقدومه، وانطلقت بي الحافلة إلى المطار وأنا أشعر أني أحلم حلماً غريباً وأنتظر أن يقرصني أحد ما حتى أصحو منه. رأيته قادماً نحوي يبتسم.. بدا لي غريباً وقد حلق شاربيه.. صغير جداً.. مجرد فتى ناعم لا يمكن أن يتزوج بعد أيام! لم أكن ممن يحبذن الرجل ذو الشاربين؛ لكن ذلك كان يناسبه هو بالذات ويغطي ملامحه الناعمة ويمنحه بعضاً من خشونة... بعضاً من رجولة في المظهر أراها ضرورية.. سألته عن شاربيه؛ فضحك وقال لي أنه سيتركه لينبت من جديد إن كان يعجبني. كان يرتدي سترة صيفية وبنطال جينز أسود؛ ويحمل بيده حقيبة سامسونايت، ولاشيء سواها. أمسكت بيده اليمنى أبحث عن شيء... ووجدته.. خاتماً فضياً اشتراه هناك. رحب أفراد أسرتي الصغيرة بالضيف العريس؛ لكن أخي الصغير، الذي كان في العاشرة من عمره، لم يتمالك نفسه؛ فخرج بسرعة من الغرفة قبل أن ينفجر من الضحك وهو يسمع أبي لأول مرة يحاور أجنبياً باللغة الفرنسية، لم يأتِ بيتر بفستان زفاف لي، ولم يأتِ ببزّة زفاف له.. ورافقته إلى السوق لنشتري له بزّة وقميصاً وحذاء أيضاً!! جاء الشيخ إلى المنزل، وقرأت الفاتحة وعقد القران، وفي اليوم التالي كانت حفلة الوداع.. تزوجنا دون أفراح عرس تقليدية، وبعد أسبوعين كانت الطائرة تتجه بنا إلى أوروبا الغربية.. إلى بلاده... *** كان زواجي من بيتر مجرد هروب... هروب... مات الحب الأول... حب الرعشات والحمى وضوء القمر وأريج الياسمين. أحرقت لأنساه دفاتر الذكريات والأشعار، فقد جف حبر القلم بين أصابعي. هجرت الرسم وأحلام الفن بعد أن يبست فرشاة الألوان في يدي وهربت. هربت بعد أن مللت صناعة الكلام الأجوف في بلادي.. هربت علّي أجد حبي الضائع في بلاد الغربة بين الوجوه الغريبة... فلم أجده. **** والتقيته.. غربي؛ لكنه غريب عن عالم المادة والجنس والمخدرات.. غربي مأسور بروح الشرق الذي درسه وأحبه. جذبني إليه بصدقه وجديته، ولم أجذبه إلي بجمالي (فأنا عادية بمقاييس الجمال)؛ ولكن بروحي الشرقية ونمط تفكيري وجرأتي التي أخافت غيره!.. جبنا أصقاع الدنيا في رحلات تطول أو تقصر، ووجد كلاً منا في الآخر رفيقاً، وكانت ليلى تشاركنا في كل مرة متعة الاستشكاف.. كبرت الابنة، وبدأت المخاوف تشغل تفكير بيتر قبل أن تشغل تفكيري عن مستقبلها في بلاد الغرب كانت الفكرة فكرته، واستطاع إقناعي أخيراً بالرحيل صوب بلادي... صوب الشرق. كانت أفكاره تتعارض مع أفكار والديه، فأدار ظهره لشركة العائلة وترك لأخويه مهمة إدارتها؛ فهو لا يريد فيللا فاخرة ولا سيارة فارهة يدفع ثمنهما حياة مملة يمضيها وراء مكتب الشركة يدير أعمالها لاهثاً حتى يصبح عجوزاً. استقرينا هنا في منزل يربض على تل يطل على البحر، وقلبنا المنزل رأساً على عقب، وأضفينا عليه من روحينا طابعاً خاصاً به، وزّينا حديقته بالخضرة والزهر. لم نأبه لكلام الناس وهم يرون صورة الحياة الزوجية تختلف عما ألفوه، ونمط للحياة يختلف عما عهدوه.. لكن الناس المحكومين بالمظاهر والعائشين والمائتين بها.. لم يكونوا سوى بداية المتاعب، إذ سرعان ما اكتشف بيتر أن زواجه لا يمنحه حق الاستقرار في هذا البلد الذي أحبه... لا يحق لزوجي الاستقرار هنا، ولا يحق لابنتي أن تكتسب تلقائياً جنسية أمها... جنسيتي! لقد اكتشفت أني هنا أصبح شيئاً ما إن تزوجت سورياً، ولا شيء إطلاقاً إن تزوجت أجنبياً!!... ذهبت يوماً إلى صندوق توفير البريد لأفتح حساباً لابنتي، وطالما أنها قاصر، فلابد لها من ولي أمر. كنت أعتقد أن كوني أمها التي أنجبتها، بعد أن حملتها في بطني تسعة أشهر، يمنحني هذا الحق "بديهياً"!.. لكنني كنت واهمة.. فقد سألني الموظف إن كنت أحمل توكيلاً من أبيها. ـ توكيل؟!.. لماذا؟.. أنا أمها!! ـ آسف سيدتي.. هذا لا يكفي، ولابد من توكيل من زوجك!.. خرجت أضحك من شر البلية الذي يضحك! لايكفي أن أكون أمها... ياللسخرية.. كيف نحتفل بعيد الأم، ونجعله عطلة رسمية، ثم تزول قداسة الأمومة في المعاملات الرسمية، لأنها لا تكفي! ... أين هي هذه "الجنة تحت أقدام الأمهات إذن؟!.. "النساء شقيقات الرجال، ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم"... هكذا قال رسولنا الكريم. واليوم.... بعد أكثر من ألف وأربعمائة سنة أحتاج إلى توكيل... توكيل من الأب يمنحني هو فقط الحق في تولي أمر ابنتي!! فهل من إهانة أكبر من هذه؟!... أرادت أم فادي مرة الحصول على بطاقة هوية لابنها المراهق؛ فطلب منها الموظف "ولي أمر"!.. هذه الأرملة.. الأم التي تعيل فلذات أكبادها لوحدها.. ليست بحال من الأحوال "ولية الأمر".. علاقة الأم الحميمية بأولادها، وكل عواطفها وتضحياتها من أجلهم لا تجعل منها "ولية أمر"؛ فهي امرأة، والأمر إذن بيد العم البعيد، أو الجد... وقد كان متوفياً أيضاً!.. ثم كان لابد من ذلك الحدث السخيف المخيف عندما ذهبت إلى مخفر الشرطة للشهادة من أجل أمر روتيني جداً، وقد غاب عن بالي وبال الرجلين اللذين كانا برفقتي أمراً ذكّرنا به الشرطي: ـ آسف... إني أرى امرأة واحدة، وليس امرأتين"!!... قال لي ذلك، رغم أن المرأة في بلادنا محامية و... قاضية!!! بيتر لم يكترث؛ فقد توقع شيئاً من هذا القبيل؛ ولم يفقد الأمل في التغيير.. أما أنا..؟!! مازال قلبي لا يعرف السكينة، وما زالت روحي متمردة، وسواء في الغرب أم في الشرق، ثمة أموراً كثيرة تقلقني. لقد هربت من الشرق إلى الغرب، ثم من الغرب إلى الشرق، ولم أجد ماكنت عنه أبحث.. *** لم أستطع أن أشغل بالي كثيراً بالتفكير بما قاله بيتر بعد أن سمع اعترافي، ونحن نحتسي الشاي في الصيف ذات مساء.. أجلّت ذلك لوقت آخر؛ فقد كان بالي مشغولاً بأمور أخرى أكثر إلحاحاً... لكنني وجدتُ نفسي أفكر تلقائياً بهذا الأمر وأنا هنا... في بلاده؛ وفي منزل والديه، أراه وأرى ابنتنا بعد غياب.. أفكر بالأمر في كانون الثاني، في زيارتي الأولى. وأفكر بالأمر في نيسان، في زيارتي الثانية... أفكر، وأستعرض بسرعة شريط حياتنا المشتركة طوال عشرين سنة.. أفكر تلقائياً به ولا أتهرب منه كما كنت أفعل.. أواجه نفسي به وأطرح على نفسي لأول مرة أسئلة في منتهى الخطورة... أجل... في منتهى الخطورة... مكثت مع بيتر أياماً في منزل والديه، ثم سافر هو إلى سورية، وانتقلت أنا إلى الغرفة المحجوزة لي في بيت المشرفات قرب المركز. المركز الطبي التخصصي بناء ضخم مؤلف من ستة طوابق مبني على تل في أحضان الطبيعة الهادئة، ويستقبل الأطفال المراهقين الذين خلقوا بإعاقة جسدية أو عقلية أو كليهما معاً، أو أصبحوا معاقين فيما بعد جراء تعرضهم لحادث ما، أو إصابتهم بمرض عضال... كمرض ليلى... الطابق الأول مخصص لمكاتب الاستقبال والإدارة والسكرتاريا وغير ذلك، والطابق الثاني للمدرسة والمسبح وغرف المعالجات المختلفة، والمطعم الذي يتم فيه إعداد الوجبات الخاصة لكل مرض حسب حالته الصحية، ويتناول فيه الزوار والعاملين في المركز طعامهم أيضاً.. الطابق السادس مخصص لمكاتب الأطباء وقاعة الاجتماعات والمعالجة النفسية. أما الطابق الثالث والرابع والخامس؛ فمقسّم إلى غرف مؤثّثة بأثاث خشبي جميل لتبدو كغرف المنازل، وليست كغرف المشافي، وقد وضع فيها 54 سريراً. في كل طابق من هذه الطوابق غرفة معيشة مشتركة فيها مكتبة وتلفاز وفيديو وموسيقى متنوعة وأدوات للرسم والأشغال اليدوية، ومطبخ مستقل تحفظ فيه الأطعمة التي ترد من المطبخ الرئيسي لتقدم ساخنة في موعدها، وتعد فيه مساء كل خميس وجبات يعدها بسرور وفرح أحد الأولاد المرضى بمساعدة المشرفات كل بدوره. المرضى موزعون في الغرف فرادى ومثنى وثلاثاً حسب أعمارهم ونوعية إعاقتهم حرصاً على راحتهم ولخلق الانسجام بينهم في عيشهم المشترك وتعاملهم مع بعضهم البعض. كانت كل حالات هؤلاء المرضى الصغار مشمولة بالضمان الصحي، وتكاليف بعض الحالات مغطاة من قبل الحكومة.. كحالة ابنتنا الخاصة جداً... ليلى على الكرسي المتحرك... لم تعد قادرة على المشي، ولم تعد قادرة على الكلام. لقد أعدّوا لها لوحة بالأحرف الأبجدية لتشكل منها كلمات تخاطب الآخرين بها، ودفتراً لصور مختلفة تعبر بواسطتها عن رغباتها، وكانت أحياناً تثور وتحتج بصمت عندما تعيد محاولتها لتخبرني بشيء ما؛ وأفشل أنا، رغم ما أبذله من جهد، في فهم مقصدها.. كنت أشعر عندئذٍ بالعجز، وأنا أراها هكذا تتعذب في صمت وتعذبني. ورغم أنها أصبحت مقعدة؛ إلا أنها تحسنت من الناحية الصحية والنفسية عما كانت عليه عندما رأيتها في المرة السابقة، لم يكن مرضها قدتم تشخيصه بعد.. لقد زاد وزنها، واكتسى وجهها الشاحب حمرة خفيفة في الوجنتين؛ إذ أنهم أعدوا لها في المركز برنامجاً يومياً يشمل علاجات مختلفة. إنها فرحة بقدومي إليها تريد قضاء كل أوقات فراغها معي.. كانت تتصل بي هاتفياً فور استيقاظها تستعجلني للقدوم إليها؛ لكن المشرفة مارلين طلبت مني أن أخفف من أوقات لقائي معها حتى تتمكن من المشاركة ببعض النشاطات لاحقاً.!.. هززت رأسي متظاهرة بالموافقة، ثم خرجت للتنزه قليلاً في الغابة المشبعة بالرطوبة، بعد أمطار هطلت الليلة الفائتة.. إنه آخر يوم من نيسان. كانت النسائم النقية الباردة تنعشني، ومنظر زهرات البنفسج النامية عند جذوع الأشجار يعيد إلي فرحاً طفولياً افتقدته منذ زمن.. البنفسج هو أول تباشير الربيع في بلادي، وكان منظره يفرحني كثيراً وأريجه يسكرني عندما كنت صغيرة.. كنت أخرج من المدرسة لأرى بائعه واقفاً في الزاوية فأسرع إليه لأشتري منه بقروشي باقة أحملها إلى البيت فرحة وأهديها لأمي. بنفسج بلادي افتقدته هنا.. في سنوات الغربة. افتقدت أريجه.. البنفسج هنا جميل؛ ولكن لا أريج له!! زهرة البنفسج الجميلة هي المادة.. هي الجسد؛ أما أريجها فهو الروح.. هي القيمة التي افتقدناها هنا. بنفسج الغابة ذكّرني بمارلين: هراء... هذه الموضوعية التي تلجم عواطف الناس هنا.. وأنا ماجئت إلى هنا إلا من أجل ليلى.. من أجل أن أراها وأحتضنها وأحادثها وأعوض نوعاً ما أياماً طويلة من البعاد. من الغريب أن تظن المشرفة أن قربي منها سيؤثر سلباً على نشاطاتها؛ فعندما تبدأ النشاطات التي حدثتني عنها؛ فإن ليلى ستنشغل تلقائياً بها عني؛ ولن تتشبث بي باكية؛ لأنها بطبعها اجتماعية ولا تعاني من عقدة الخجل أو الانعزالية، وأنا لم أحبسها في الغرفة وأمنع عنها الهواء والناس!... لقد أضحت ليلى "دليلي السياحي" في المركز.. تتجول معي في أرجائه، وهي مفعمة بالحيوية، وتعرفني على كل من له علاقة به بدءاً من الطبيب المسؤول عنه، ومروراً بنزلائه من الأطفال المرضى، وذويهم، وانتهاءً بالبستاني. لم أكن بحاجة لأن أخبر مارلين بوجهة نظري، بل تركتها ترى وتدرك صحتها بنفسها، وهذا ماكان. لقد أدركت ذلك، ولمست بنفسها التحسن الجديد الذي طرأ على ليلى منذ قدومي إليها، وقلبت نظريتها السابقة مئة وثمانون درجة! كل شيء هنا مرتب ونظيف، وموضوع في المكان الذي يجب أن يكون فيه.. لا شيء ناقص، ولا شيء زائد، كل شخص هنا مؤهل ويعرف تماماً ماهية العمل الذي ينبغي عليه القيام به.. لا أحد زائد ولاأحد ناقص... لكن ثمة أمر ماليس على مايرام.. أمر ناقص!! هذا مركز كامل.. كامل في مادياته؛ ولكنه ناقص في روحه. ثمة برودة.. برودة عواطف. برودة تكبح العواطف؛ فلا عفوية أو انفلات انفعالات.. وبرودة تحكم السلوك؛ فلا تلقائية أو ارتكاب هفوات! عواطف باردة؛ لكنها مغلّفة بورق لامع من اللطف الزائد والمجاملة المفرطة التي كانت تثير أعصابي لا شعورياً كل مرة ألتقي فيها أحد أفراد طاقم العمل أو أطلب منه خدمة صغيرة!.. قصدت مكتب الدكتورة موللر في المركز.. ليلى مازالت تعاني من التشنجات التي لا تخف وطأتها إلا بتناول الدواء، والدواء يجعلها تشعر بالنعاس والتعب.. إنها ما زالت غير قادرة على الكلام؛ فالدواء مسؤول أيضاً عن ثقل لسانها؛ ومازال الأطباء في طور المعالجة التجريبية معها نظراً لندرة المرض، ولندرة إصابة الأطفال به.. ـ متى تنتهي تجاربكم هذه؟ سألت الطبيبة وقد نفذ صبري فطلبت مني التحلي بالمزيد من الصبر.. والانتظار. الصبر والانتظار.. كم بت أكرههما!!.. **** عدت إلى غرفتي.. محبطة ناقمة وحزينة. جلست قرب النافذة أحدق في الفراغ.. آه يا ابنتي.... هل بالإمكان أن تعودي يوماً كما كنتِ؟ أسمع صوتك وأنت على السطح تنادي صديقتك ابنة الجيران وتضحكين؟ تأتي لأبيك بطبق البيض المقلي، وأنت فخورة أنك أعددت له العشاء الذي يحب بنفسك؟!.. آه يا ابنتي.. هذا "العمو" الذي احتضنك مرة في عيادته، ومرة في بيته.. ليته يهتم مددت يدي إلى درج منضدة المكتب أمامي.. أخرجت منه صورتك التي التقطّتها وسافرت معي مرة أخرى. صورتك هي الشيء الوحيد الذي أمتلكه منك.. تأملتك وأنت تحتضن ليلى وتنظر إلي تلك النظرة الغامضة التي لا أدرك مغزاها.. تأملت صورتك طويلاً، ثم اجتاحتني رغبة بتمزيقها علّي بذلك أتحرر منك!.. فصلتك بالمقص عن ليلى، ومزقت صورتك.. مزقتها إرباً وفكرت أن أرميها في .. المرحاض!.. في المرحاض؟!.. حرام!.. أشعلت عود ثقاب وأحرقتها في المغسلة.. لم تحترق صورتك بسهولة.. لم تحترق إلا بعد أن أشعلت فيها عدة أعواد من الثقاب، وبعد أن أحرقت أصابعي معها! لماذا لم تحترق صورتك بسهولة؟.. هل كان قلبي يطفئ النار خوفاً عليها دون أن أدري؟!!... **** سرعان ما أصبح الجميع يعرفني، في الطابق الخامس من المركز، أدعوهم ويدعونني بالأسماء المجردة، دليلاً على رفع الكلفة بيننا، ففي هذا البلد المحافظ يحتاج المرء وقتاً طويلاً كي يلغي الحواجز ويرفع الكلفة، وأنا ضقت ذرعاً بمناداة هذه بالسيدة مركيزي، وذاك بالسيد كامينيش، بدلاً من أليدا وفيناند.. كنت دائماً أكره اللقب وأجد صعوبة في حفظ الكنية؛ أما الاسم الأول.. الاسم الشخصي، فكنت أحفظه بسرعة ولا أنساه. اقترحت على كل واحد من طاقم العمل منذ البداية أن يناديني وأناديه هكذا؛ فنحن نرى بعضنا يومياً، ولا داعي أن نبقى رسميين وننادي بعضنا كل يوم بالألقاب السخيفة!! كانت ردود الأفعال على اقتراحي إيجابية؛ ولكن التردد والدهشة من عفويتي في التعامل كانت بادية في العيون.. كان البعض بادئ الأمر ينسى، بحكم العادة، ويناديني باللقب والكنية، ثم يعتذر ضاحكاً. أصبحت أنا والأطباء زملاء،وأنا والمشرفات، وأنا وعاملات النظافة، وأنا والأطفال المرضى، الذين يجب عليهم أن يكونوا مهذبين وينادوا الكبار باللقب والكنية!! وخلق ذلك بيني وبينهم جواً من الألفة والمودة رغم أن العواطف بقيت مغلفة بذلك الورق اللامع!! كان الطبيب المشرف على المركز هو الدكتور سوتر..رجل في العقد السادس من عمره، وقد غزا الشيب والصلع رأسه. الابتسامة لا تفارق وجهه الأبيض المشرب بالحمرة، وعيناه الزرقاوان تشعان بهجة كعيون الأطفال. لقد جعله تواضعه وبشاشته واهتمامه بكل صغيرة وكبيرة في المركز محبوباً من كل العاملين معه ومحبوباً من الأطفال المرضى وأهاليهم. كثيراً ماكان يلقاني في الردهات؛ فيقبل نحوي محيياً ليحدثني في أي موضوع قد يخطر بباله. وكثيراً ماكنت أراه في حديقة المركز وبيده آلة تصوير يسجل بها آخر الأعمال أو النشاطات.. أو منكباً على أوراق يدرس محتواها في مكتبه في ساعة متأخرة من المساء. لقد أتعستني رؤية كل هذا الشقاء المختبئ وراء جدران المركز.. أتعستني رؤية كل هؤلاء المرضى، وخاصة أولئك الميؤوس من تحسن أحوالهم، وجعلني ذلك أشعر بفيض من الحنان تجاههم، وأحمد الله أنه كان رحيماً بليلى، وأن همي لا يعادل هموم ذويهم. لم أستطع أن أكون أنانية لأفكر بنفسي فقط؛ فأسعدت الأطفال بلوحات جميلة رسمتها لهم في غرفهم، وعندما رأت المشرفات ذلك فرحن واقترحن علي أن أساعدهن في تزيين الردهات؛ فوافقت.... وبسرعة جلبن الأوراق الملونة وأدوات الرسم والمقص والصمغ، وغير ذلك، واقترحت إحداهن أن يكون موضوع الزينة هذه المرة البحر.. وجلست معهم أرسم وأقص وألصق أسماكاً وحيوانات بحرية مختلفة الأشكال والألوان، ثم وقفت ليلى... (أجل وقفت؛ فقد أصبحت قادرة على ترك كرسيها من حين لآخر)... وقفت ليلى فرحة تملي علينا الأوامر لنعلق الأشكال في الأماكن التي تختارها.. نزين بها الردهات ونشيع فيها جواً من البهجة والفرح. بعد أيام فاجأت المشرفات بلوحة جميلة.. باقة من الورود الحمراء رسمتها وذيّلتها مع التوقيع بكلمة "شكراً"، كتبتها تعبيراً مني عن تقديري لكل العاملين في المركز.. وعلّقت اللوحة في مكان بارز، وجاء الكل يشكرني عليها ويفرحني بثنائه. *** كان يومي يبدأ مع ليلى وينتهي معها.. كنت أستيقظ باكراً؛ فأتناول فطوري بسرعة، ثم أصعد درج بيت المشرفات الصغير، وأعبر طرف الحديقة الذي يفصله عن المركز.. أذهب إلى ليلى، فأجدها جالسة مع المشرفة وباقي الأولاد عند المائدة في غرفة المعيشة في الطابق الخامس تنتظرني لأطعمها فطورها؛ ثم آخذها في نزهة وهي في كرسيها المتحرك، أو أحكي لها حكاية أقرأها من أحد الكتب الكثيرة الموجودة في المكتبة. أطعمها طعام الغذاء وأساعدها في تنظيف أسنانها وخلع ملابسها والدخول إلى الحمام، ثم وضعها في السرير لتنام القيلولة... ثم أعود إليها لأمكث معها حتى المساء فأطعمها. و.... و.... هكذا دواليك... كانت ليلى تصاب أحياناً بتشنجات أثناء جلوسها إلى المائدة لتناول الطعام، فتحتاج إلى الراحة والاستلقاء وتناول حبة من الدواء لتخفف من آلامها، ثم تعاود بعد ذلك تناول ماتبقى من الطعام بعد أن يكون الآخرون قد انتهوا منه وغادروا. كانت المشرفات يرجونني أن آخذ قسطاً من الراحة أحياناً، وأن أذهب للترويح عن نفسي.. ولكن كيف أرفه عن نفسي؟ إن كل وسائل الترفيه، وما أكثرها هنا، ستفشل في الترويح عني..... إني هنا من أجل ليلى ولست بحاجة للترفيه، وهي في أمس الحاجة إليَّ الآن، وفي كل وقت، لترتفع معنوياتها وتساعد نفسها على الشفاء. كنت أرفع معنوياتها بالضحك؛ فأختلق من أجلها الكلام، والأفعال والمواقف المضحكة، وهي بطبعها مرحة لا تحتاج إلى الكثير حتى تنفجر ضاحكة. عندما يحين موعد نوم ليلى كنت أضعها في سريرها وأساعدها لتمد يدها اليسرى المتشنجة على الوسادة وتضع رأسها عليها لتستريح، ثم أمد لها اليد اليمنى لتمسك بها الجرس الذي تنادي بواسطته المشرفة المناوبة ليلاً عند الضرورة. أمسد لها رأسها وأمازحها وأحكي لها حكاية، ثم أقبلها وأتمنى لها ليلة سعيدة، ثم أعود إلى غرفتي. أعود إلى غرفتي في كل مساء مرهقة وحزينة.. أدخن لفافة، وأبكي... **** صورتك مزقتها وأحرقتها؛ فجاء طيفك يزورني في الحلم.. استيقظت من حلم كنت أنت وأختك فيه.. كانت تحدثني عن شجار لها معك، وكأنها تلتمس لك عذراً عندي، وهي تقول أنك تتشاجر مع من تحبهم فقط!.. استيقظت من الحلم في هذا النهار شبه الرمادي من شهر أيار، والشمس ماتزال تصارع السحب لترسل لنا من خلالها بعضاً من أشعتها. وضعت شريط الكاسيت في جهاز التسجيل... كانت فيروز تغني: "عندي ثقة فيك"... جلست قرب النافذة أدخن سيجارة "الحمراء" وأتأمل القرية المنبطسة أمامي على أطراف الغابة... المطر ينهمر من جديد، وليلى مستقلية في سريري.. أستمع إلى الأغنية: عندي ثقة فيك.. أما زال بإمكاني ذلك؟!... ماذا تفعل الآن ياترى؟ صورتك مزقتها وأحرقتها؛ فما بال فيروز أيضاً تذكرني بك من جديد؟!! *** مطر.. مطر.. مطر.. مامن إمكانية للخروج والتمتع بأشعة الشمس والهواء الطلق؛ لكن زيارات الأصدقاء تبعد السأم عني، وتزيل كآبتي في الأيام المطيرة؛ وتدخل البهجة إلى قلب ليلى. اليوم فوجئت بزيارة غير متوقعة.. كنت أجلس في غرفة المعيشة في الطابق الخامس ألعب الورق مع ليلى عندما دخل علي رجل إفريقي وامرأة هندية الملامح.. كان معهما ابن يافع وابنة أصغر من ليلى..... ظننت في البداية أنهما يقصدان غيرنا؛ لكنهما تقدما نحونا يمدّان أيديهما بالتحية.. قالت المشرفة وهي تقدمهما لي: عائلة أميتامي حضرت لزيارتكما. بادرني السيد أميتامي بالكلام، وهو يبتسم، ويناولني الهدايا الملفوفة بأوراق جميلة: ـ هذه من أجل ليلى.. أظن أنك نسيتنا أنا وزوجتي..لقد زرناكما منذ زمن بعيد في بيتكم وكانت ليلى لا تزال رضيعاً، وهذا (وأشار إلى ابنه).. لقد كان شقياً وعبث بأشيائكما. وفجأة تذكرتهما: ـ يا إلهي!... أنا آسفة حقاً إذ نسيتكما.. لقد كان ذلك منذ زمن بعيد أهلاً بكم.. أنا سعيدة جداً برؤياكم وشكراً على الهدايا.. كيف حالكم؟ السيد أميتامي رجل لطيف مهذب من غانا، وكيميائي حاصل على شهادته من هنا؛ لكنه وجد صعوبة بالغة في الحصول على عمل لائق في هذا البلد الذي حصل على شهادته منه، ولم يتوانَ زوجي عن مساعدته في الحصول على عمل جيد يتناسب مع دراسته وإمكاناته.. وجد له عملاً في إحدى شركات الصناعات الدوائية الكبرى.. ولم ينسَ السيد أميتامي ذلك، وزارنا مع زوجه في بيتنا ليعبرا لنا عن شكرهما؛ وبقي يتتبع أخبارنا بعد سفرنا إلى سورية.. قال لي السيد أميتامي: ـ أنا لن أنسى أبداً فضل زوجك علي.. لقد حصلت بمساعدته على عمل محترم دائم.. إنه إنسان نبيل. لقد علمت من صديقتنا انجي أن ليلى مريضة؛ وأنها هنا في المركز.. لقد صدمت في الواقع عندما أخبرتني عن معاناتكم وأحببت أنا وزوجتي أن نزوركم ونطمئن عليها.. نحن آسفون جداً من أجلها.. ـ أجل.. نحن نشارككم مشاعركم؛ فأنتم لا تستحقون إلا الخير. أردفت زوجته السيرلانكية، وهي ترمق ليلى باسمة. .. أما ليلى؛ فكانت ترمق الزوار الأربع بتوجس وحذر.. قلت لها: ـ أنت يا ليلى لا تذكرين بالطبع هذه الأسرة الطيبة؛ فقد كنت لا تزالين طفلة صغيرة ترضع عندما أتوا لزيارتنا؛ وكان هذا الشاب طفلاً صغيراً؛ وأخته الصبية الصغيرة لم تخلق بعد... وضحكت السيدة أميتامي، وأردفت: ـ لقد كان شقياً، وشعرنا بالحرج منكما لتصرفاته أثناء تلك الزيارة.. أسعدتني تلك الزيارة؛ فالدنيا ما زالت بخير طالما مازال يوجد فيها أمثال هؤلاء الناس الطيبين، والمعروف لا يضيع ولو رميته بالبحر.. كما يقول المثل. *** اليوم الأحد... الإيطالية آناريتا حضرت مع زوجها أنطونيو وابنهما سيمون لزيارة الابنة المريضة ايرين.... لقد جلبوا معهم طعاماً للغداء أعدته آناريتا في مطبخ الطابق الخامس ودعتني لتناول الطعام.. جلسنا نتناول المعكرونة ونتحدث في أمورنا وهمومنا المشتركة.. فتح أنطونيو زجاجة النبيذ الفرنسي؛ فقلت له مازحة: ـ أنت إيطالي تأكل طعاماً إيطالياً؛ فأين نبيذ "كيانتي"؟! ضحك أنطونيو: -أنا إيطالي أحب الطعام الإيطالي؛ ولكني أحبذ النبيذ الفرنسي.. أحب النبيذ الفرنسي؛ ولكني أحبذ نمط الحياة هنا. -يالك من رجل عالمي! لقد تعرفت على عائلة بيزانيللو هنا في المركز.. رأيتهما أول مرة في غرفة ليلى التي كانت ايرين تشاركها فيها. ايرين تبلغ الخامسة عشر من العمر وهي مصابة أيضاً بمرض نادر يجعل جهاز المناعة في جسمها يعمل ضده ويعيق نموها، ولذا لا تتجاوز في الحجم حجم طفلة في الخامسة من العمر! المرض يعيق نموها الجسدي فقط ولا يؤثر على قواها العقلية؛ ولذا فقد تمكنت ايرين من الحياة بصورة طبيعية نوعاً ما، والذهاب إلى المدرسة كباقي أقرانها. واظبت على الذهاب إلى المدرسة حتى جاء اليوم المشؤوم الذي قرر فيه والديها بناء على نصيحة الأطباء معالجة التشوه في عمودها الفقري.. كان الطبيب يؤكد لهما أن لا خوف من نتائج العملية، وكانت مخاوف الوالدين تتعلق برئتيها الضعيفتين اللتين قد لا تتحملان المتاعب أثناء العمل الجراحي، ولم يخطر ببالهما قط أن النتيجة ستكون أسوأ من ذلك بكثير.. لقد صمدت الرئتان؛ ولكن العملية الجراحية فشلت. كان على الطبيب أن يثقب الفقرات ويصلها ببعضها ويثبتها ببراغي معدنية؛ لكن الثقب اخترق النخاع الشوكي، وأصاب الأعصاب بعطب، وأصيبت ايرين بالشلل.. أصاب الشلل النصف الأسفل من جسمها، وأصبح لزاماً عليها أن تبقى طوال الوقت مستلقية على ظهرها على فراش هوائي.. أعطاهما الطبيب بعض الأمل في أن الشلل قد يكون مجرد أمر طارئ، وقد يزول بعد أشهر ثلاثة.. ربما! أخبرتني آناريتا بذلك كله ونحن جالستين بمفردنا في عصر أحد الأيام نحتسي القهوة في غرفة المعيشة، وأخبرتها بدوري عن ليلى ومرض ليلى.. أصبحنا نجلس سوية كلما التقينا، وأصبحت أحاديثنا أطول.. وكان أنطونيو في البداية يخرج إلى الحديقة ليدخن، ثم يجلس متروياً صامتاً تاركاً المجال كله لزوجته تتكلم بسرعة وبصوت مرتفع على الطريقة الإيطالية.. على الطريقة المتوسطية!! لكن أنطونيو مالبث أن أصبح ينضم إلينا ليشاركنا الحديث.. لقد جعلنا طبق المعكرونة أصدقاء! خرجت مرة إلى الحديقة لأستمتع بأشعة الشمس وأدخن سيجارة.. كنت أمشي على مهل عندما سمعت صوتاً يناديني.. كان أنطونيو: -مرحباً كارمن.. هل خرجت أيضاً لتدخين سيجارة؟ -أجل، وللاستمتاع بالشمس.. ياله من يوم جميل. -تفضلي إذن بالجلوس. وجلست بجانبه على المقعد الخشبي، ثم مددت له يدي بسيجارة "الحمراء": -أتريد أن تجرب سيجارة سورية؟ -ولم لا؟.. شكراً لك. سحب أنطونيو نفساً منها، وأردف: -إنها جيدة.. تحدثنا في أمور شتى.. في الدين والسياسة.. عن الشرق والغرب، والبحر المتوسط، وعن ابنتينا.. قطع الحديث صوت آناريتا: -آ.. أنتما هنا! -وأين ظننت أننا يمكن أن نكون؟! أجابها أنطونيو، فضحكت آناريتا وأردفت: -في الحقيقة، لا مانع عندي أينما تكونان؛ ولكن ايرين تسأل عنك. -هذه مجرد حجة واهية.. أجاب أنطونيو مازحاً هو الآخر، وأردت أن أجاريهما في المزاح كي لا يبدو لهما استغرابي من تلميحاتهما التي لا مبرر لها. -اطمئني يا آناريتا.. فالظرف والمكان غير مناسبين أبداً. -لا مانع عندي حقاً! لم أجد جواباً أفضل من الصمت كي لا يطول حديث لا طائل منه، وعدنا نحن الثلاثة أدراجنا.. **** أصبحت ايرين في الغرفة لمفردها، وانتقلت ليلى إلى غرفة أخرى بمفردها؛ فقد تم تخريج بعض المرضى الصغار، وعادوا للعيش في كنف والديهم.. قرعت مادلين على باب غرفة ليلى تستأذن بالدخول، وأنا أهم بالانصراف عائدة إلى غرفتي بعد أن حل المساء: -كارمن.. هل تمانعين أن ترسمي لنا شيئاً لطيفاً على الباب الزجاجي الثاني؟ -بكل سرور. -شكراً جزيلاً. سأعد لك إذن الأدوات والألوان. التفت إلى ليلى أسألها: -ماذا تريدينني أن أرسم يا ليلى؟ فأجابتني بعفوية: -ارسمي لنا بيتنا في سورية. -لقد حان وقت النوم الآن.. أتمنى لك ليلة سعيدة.. وستفاجئين صباحاً، أنت وأصدقائك بلوحة جميلة. عندما انتهيت من الرسم كانت المناوبة المسائية للمشرفات قد انتهت، وما من مناوبة ليلية في يوم العطلة في الطابق الخامس؛ فلا حالات طارئة فيه، وأجراس الأولاد موصولة بجهاز مراقبة مركزي، وستأتي إحداهن من أحد الطوابق السفلى من حين لآخر للمراقبة والتأكد من سير الأمور على ما يرام. الجميع نيام، ماعدا الفتى البرتغالي هوجو ابن الخامسة عشر.. كان يجلس على كرسيه المتحرك بجانبي يتأمل الرسم من وراء نظارته السميكة ويؤنسني بحديثه.. كان يكلمني بلغة ركيكة لم يتقنها بعد، ويحدثني عن طفولته، وعن والديه، وعن معاناته مع المرض. عندما انتهيت من الرسم وقفت أتأمله.. لا ينقصه شيء من التفاصيل؛ فالببغاء "مانجو" رسمته واقفاً في مكانه المفضل على مظلة السطح، وليلى تقف تحت المظلة تلوّح فرحة بيدها.. حتى القط الأبيض "ميتسو" أعدته للحياة ورسمته جالساً على الافريز بجانب ليلى.. شجرة السرو واليوسفي والموز، والدالية تتسلق الجدار حتى السطح، وشجيرة "المجنونة" تتدلى فروعها خارج السور.. ستفرح ليلى حتماً، وتشير بإصبعها إلى الرسم وتقول للجميع هذا هو بيتنا الجميل.. وهاهي شمس الشرق الساطعة تغمره بأشعتها. -ليلة سعيدة ياهوجو. -ليلة سعيدة.. هل ستذهبين إلى النوم؟ -طبعاً؛ فأنا متعبة.. إلى اللقاء غداً. -إلى اللقاء. **** في الليل زارني طيفك في الحلم.. حلمت أني أنا وليلى في غرفة نومك، وأنك متزوج ولك أولاد.. لكنك زوج سيء وأب مهمل! ثم حلمت أني أجلس فجأة مع زوجك وأولادك نتابع بالتلفاز فيلماً وثائقياً عن حياتك!! زوجتك؟! كيف كانت؟.. كيف كانت ملامحها؟.. هل رأيتها في الحلم بملامح مطابقة؟! وأولادك؟!.. إنهم لم يولدوا أبداً. لقد تزوجت لسنوات، ولم ترزق أولاداً؛ لأن زوجتك لم تكن ترغب بالأولاد.. كانت مهووسة بعملها، ولم تكن تعرف كيف تكون زوجة.. فكيف تصبح أماً؟! وأنت؟!.. هل كنت زوجاً مثالياً؟.. ألم تزرع أنت أيضاً الفوضى في عشكما الزوجي؟!! كيف كانت علاقتكما الزوجية تلك؟! أمور تخصك وحدك وليس من حقي سؤالك عنها إن لم تشأ أن تفتح لي قلبك، كما فتحت أنا لك قلبي، وتخبرني عن أمورك كما أخبرتك عن أموري. أمورك التي سمعت عنها من الآخرين بمحض الصدفة، والناس في بلادنا يحبون الثرثرة.. يحبون الثرثرة كثيراً. **** انصرم شهر أيار بسرعة واقترب موعد السفر.. موعد العودة إلى سورية.. لقد أوقفوا إعطاء ليلى أحد الأدوية بعد أن تبين أن له مضاعفات تؤثر على تركيب الدم عندها، وينتظرون الحصول على بديل. أثار هذا الأمر الطارئ عصبيتي، وجعلني أفقد صبري؛ فقد طال الانتظار، ومازالوا حتى الآن في طور التجريب مع ابنتي؛ لكنني عدت لأتماسك من جديد وأعزي نفسي أن حالة ليلى النفسية على الأقل قد تحسنت كثيراً منذ قدومي لدرجة أدهشت الجميع. فلأحمد الله إذن.. في الليلة الأخيرة لتواجدي في المركز طلبت أن أبيت الليلة مع ليلى في غرفتها؛ فجلبوا لي فراشاً وضعوه في غرفتها. جلست في الغرفة أحادثها؛ فبكت فجأة وأنا أحتضنها.. كان بكاءها مرتفعاً؛ فلم أتمالك نفسي وبكيت معها، ثم مسحت دموعي ودموعها ورجوتها ألا تبكي.. رجوتها أن تبقى متفائلة، وتؤمن بشفائها كي يشفيها الله. خرجت ليلى برفقة المشرفة ميشيل تودعني عند باب المركز.. كنت أتصنع الابتسام بصعوبة، وكان قلبي يبكي. بقيت أقاوم رغبتي بالبكاء، وأنا أسير مبتعدة والتفت إلى الخلف لألوّح لها مرة أخرى حتى توارت عن أنظاري، وعندئذ انسابت من عيني الدموع. بقيت أبكي بصمت طوال المسافة التي تجاوزت الساعة، والقطار ينطلق بي إلى حيث تقيم صديقتي أجنس التي سأقضي عندها الليلة الأخيرة قبل سفري. أعرف أجنس منذ ثلاث عشرة سنة، وكانت أيضاً جارتي مثل فيرونيكا.. جاءت لتسكن في البناية الجديدة رقم 6 التي انتقلنا للعيش في إحدى شققها قبل أشهر من قدومها هي وزوجها؛ فدعوتها بعفوية لتناول القهوة. فرحت كثيراً أني دعوتها بسرعة لنتعارف ولبّت الدعوة شاكرة.. دخلت إلى المطبخ، وأنا أعد القهوة. كانت حاملاً في الشهر الأخير، وبدأت تفتح لي قلبها وتخبرني عن خوفها من الولادة، وأنا أطمئنها أن الأمور ستسير على مايرام. وتوطدت صداقتنا، خاصة بعد أن اكتشفنا هوايات مشتركة بيننا، ثم انتقلت مع زوجها وابنتها للعيش في منطقة أخرى؛ فحافظنا على الود وتبادل الزيارات.. وعندما وضعت توأمها جعلت مني عرّابة أحدهما. جلست مع أجنس في الحديقة، وقد أرخى الليل سدوله، وبدأت تحدثني عن متاعبها مع زوجها ألبرت. -أتعلمين يا كارمن؟.. أن المرأة بعد الأربعين تبدأ بمراجعة حساباتها وتواجه عواطفها بجرأة أكثر، وتضع علاقتها مع شريك حياتها على المحك.. لست وحدي من يعيش هذه المرحلة؛ فكثيرات ممن أعرفهن يشعرن نفس الشعور ويعانين من نفس المتاعب. (لقد قالت لي فيرونيكا قبل أسبوع نفس الكلام!!). نظرت أجنس إلي بدهشة غير مصدّقة ما أقوله: -وأنا كذلك يا أجنس! -ماذا؟!.. لقد ظننت أنك وبيتر في وئام. -أجل.. أجل، نحن في وئام، لكننا نعاني من مشكلة... مشكلة مختلفة عن مشكلتكما أنت وألبرت. -لم أفهم. -إن مشكلتنا معكوستين تماماً؛ فأنت وألبرت لا تعانيان مما نعاني منه؛ ولكنكما تعانيان مما لا نعاني نحن منه!.. وشرعت أخبرها وهي تنصت بصمت واهتمام، ثم قلت لها: لقد انقطع الحوار فيما بينكما؛ فعجزتما عن التفاهم، وأصبح من السهل عليكما أن تفترقا ويذهب كلاً منكما في طريقه. أما نحن؛ فقد تعوّدنا دائماً على الصراحة، رغم كل شيء؛ فبقي الحوار بيننا متصلاً، والتفاهم قائماً؛ ولذا يصعب علينا أن نفترق كما ستفترقا! -لكن عليك أن تتحلى بالشجاعة وتتخذي قرارك. -أنا لست جبانة يا أجنس.. أنا أنتظر كلمة واحدة فقط لأتخذ قراري.. القرار ليس في يدي، وأنا لن أجازف إن لم أكن متأكدة من النتائج! **** ودعتني أجنس في المحطة، وانطلق بي القطار إلى المطار.. كانت طائرة "أليتاليا" متأخرة كالعادة؛ فتم تحويلي إلى السويسرية المتجهة إلى ميلانو؛ لكنها تأخرت هي الأخرى! بدأت الطائرة تتحرك أخيراً على المدرج، وبدأت الخواطر تتحرك في رأسي.. استرجعت في بالي عبارة سوسن: -من يدري يا كارمن؟!.. حفلة الزفاف ستكون فرصتك.. هيا.. كوني متفائلة! قبل أن أسافر إلى ليلى ذهبت إلى الخياطة ومعي قطعة القماش التي جلبتها من الهند.. مددت لها ورقة عليها تصميم الفستان الذي أريد: -أرجو أن تخيطي لي هذا الفستان بسرعة.. إني مدعوة لحفل زفاف بعد أسبوع. كذبت عليها؛ فبعد أسبوع سأسافر؛ لكنني أردتها أن تخيط الفستان قبل سفري ليكون جاهزاً عند عودتي إن فاجأني اقتراب موعد زفاف سناء فلا يتيح لي ضيق الوقت فرصة تحويل هذا القماش الجميل إلى فستان رائع ألبسه بهذه المناسبة.. ألبسه خصيصاً من أجلك! اشتريت الاكسسوارات المناسبة، والحذاء المناسب والحقيبة المناسبة، وحملت كل هذا مع الفستان إلى بيت سوسن، وارتديته أمامها لأتأكد أني أبدو فيه أنيقة: -أجل.. أجل. تبدين في منتهى الأناقة.. والرشاقة. -طبعاً.. القالب غالب! -يا ملعونة. -آه يا سوسن.. ليت أحلامي تتحقق! -من يدري يا كارمن؟!.. حفلة الزفاف ستكون فرصتك.. هيا.. كوني متفائلة! -آمل ذلك، رغم أني لا أتوقع شيئاً البتة. وضحكنا طويلاً.. ضحكنا وحلمنا بأشياء لم تتحقق أبداً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |