قد يأتي الخريف.. ربيعاً - عائدة الخالدي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الربيع الثاني يوم دست على البنفسج

كم انتظرتك أن ترفع سماعة الهاتف، وتتصل بي دون جدوى؛ وكم مضت أيام كثيرة كنت فيها قريباً جداً مني... بضع كيلو مترات فقط..‏

بضع كيلومترات فقط تبعد عيادتك عن بيتي، وكيلو مترات أقل منها يبعد بيتك عن بيتي..‏

علمت أنت من أختك أن ليلى مريضة فعلاً، وتيقنت أني لم آت إليك في بيتك بحجة كاذبة... وعلمت أنا من أختك أنك تفاجأت بمرض ليلى وحزنت من أجلها، ولكن الهاتف بقي أخرساً لايرن..‏

ورغم الجفاء لم أشعر أبداً أني ناقمة عليك... بل مجرد حزينة.. حزينة من أجلي، ومن أجلك.. أريد أن أراك؛ وأريدك أن تصالحني.‏

أريد أن أعرف إن كنت تكن لي بعضاً من الود.. بعضاً من مشاعر.‏

كيف قرأت رسالتي؟‏

هل احتفظت بها، أم جن جنونك ومزقتها.؟!..‏

هل كنت أنت حقاً من اتصل بي في دمشق... في بيت أبو ناجي؟‏

هل تعرف أنك آلمتني حقاً وتريد أن تصالحني ولكن غرورك يمنعك؟.. أم أن أمري لديك سيان؟... ليتني أعرف!..‏

وسواء كان أمري سيان لديك أم لم يكن؛ فإن أمرك يهمني... لماذا؟‍‏

أيها الفوضوي المغرور..‏

كان شوقي إليك أكبر من أي اعتبار آخر..‏

أردت أن أزورك...‏

****‏

أبرقت السماء، وأرعدت، ثم فتحت أبوابها بأمطار غزيرة..‏

كانت قطرات المطر المتسارعة تمتد خيوطاً تصل السماء بالأرض.‏

كم أحب زمجرة السماء هذه‍!...‏

البرق والرعد والمطر، ورائحة الأرض بعد انقطاعه كانت تأسرني مذ كنت طفلة، وتوّلد فيَّ توتراً لذيذاً وشعوراً بالنشوة حتى الآن.‏

كنت أجلس وراء النافذة؛ عندما تكفهر السماء وتتلبد بالغيوم.. أتأملها بلهفة، وأعد ومضات البرق وقرقعات الرعد.‏

كانت سماء دمشق تبرق وترعد وتنهمر أمطارها غزيرة عندما كنت صغيرة..‏

فلماذا تغيّرت ياسماء دمشق واختفت بروقك ورعودك، وأصبح مطرك رذاذاً خفيفاً خجولاً جداً؟!‏

اندسست في الفراش وأصوات السماء تهدهدني..‏

غفوت وأنا أفكر بك..‏

أفكر في يوم السفر غداً إلى دمشق.. إليك..‏

عند الثالثة صباحاً أيقظني حدسي لأتفقد نوافذ حجرة المعيشة خوفاً من المطر، الذي لم يتعب من الهطول؛ أن يتسرب عبر الواجهة الخشبية..‏

وطئت الغرفة في العتمة، وأصابعي تتحسس زر الضوء الكهربائي على الحائط؛ لكن قدمي كانت أسرع في تحسس السجادة!..‏

كانت السجادة غارقة في الماء الذي تناثر فور ملامسة قدمي لها.‏

أضاء النور الغرفة واتسعت حدقتا عيني وأنا أحملق في كل تلك المفروشات المبللة بالماء.. ياللكارثة!‏

لا يمكنني التخلص من كل هذا الماء بالمماسح.. لابد من كسر العتبة لتسرب المياه عبر الدرج، ومنه إلى الحديقة..‏

وأسرعت أحضر المطرقة في سباق مع الوقت أهوي بها على العتبة حتى كسرتها وطارت منها شظية صغيرة لتترك علامة زرقاء صغيرة قرب عيني.‏

أسرعت أخرج المفروشات قطعة قطعة، وألفّ السجادة التي جعلها الماء ثقيلة جداً، ثم أسحبها بجهد عظيم حتى الدرج، وأضعها عليه مائلة كي تتسرب منها المياه، وأنا أشتم وألعن كل هذه المصائب التي تحل علي عندما أكون وحيدة.‏

تذكرت عندما أصيبت ليلى فجأة بانحلال الدم قبل سنتين، ولم أستطع إعطاءها من دمي؛ لأن دمها من زمرة دم أبيها، وأبوها مسافر، ولا أحد ممن أعرفهم يمكنه التبرع لها، ولا يوجد نفس الدم في بنك اللاذقية ولا في بنك طرطوس ورغم أنه ليس نادراً "O إيجابي "!!‏

أسرعت بسيارة الأجرة إلى حمص بعدّ أن أخبروني على الهاتف أن لديهم كيسين؛ ولكنني لم أجد إلا واحداً عندما وصلت أحمله إلى ليلى وهي في الرمق الأخير..‏

كنت على وشك أن أفقدها... وعرفت فيما بعد أن انحلال الدم لم يكن إلا عارضاً من عوارض مرضها اللعين.‏

كانت الساعة قد تجاوزت الخامسة صباحاً عندما عدت إلى الفراش..‏

كنت منهكة أرتجف من البرد، وقد تجمدت قدماي لا يجد الدفء إليهما سبيلاً رغم الجوارب السميكة..‏

***‏

لم تأخذ السماء قسطاً من الراحة في الصباح، فالمطر مازال منهمراً، وأنا مازلت عازمة على السفر رغم الجو المطير.‏

رفعت سماعة الهاتف لأتصل بسوسن التي كانت تنوي السفر معي.. كان الهاتف معطلاً!..‏

طبعاً.. إن تعطل الهاتف عندنا مرادف لهطول المطر!!‏

ارتديت قميصاً حريرياً بنفسجي اللون، وذهبت إلى مصففة الشعر.. أردت أن أبدو جميلة.‏

انقطع المطر، ومالبثت الغيوم أن انقشعت..‏

أشرقت الشمس، والحافلة تتحرك استعداداً للانطلاق إلى دمشق في هذا اليوم من أيام شهر شباط... أما سوسن؛ فقد رافقتني إلى الموقف فقط، وأجلت سفرها إلى يوم آخر لأنها ليست مجنونة مثلي!...‏

***‏

دخلت غرفة مكتبك وقد ارتسمت على وجهي ابتسامة تلقائية لم أنجح في السيطرة عليها... كنت قد انتهيت للتو من قراءة البطاقة التي جعلتها مقدمة لدخولي عليك ودفعت بها إلى علي ليناولها إليك...كتبت لك:‏

"... أليس بإمكاننا أن نبقى أصدقاء، إن لم يكن بإمكاننا أن نصبح أحباباً؟!"..‏

كنت مشغولاً بفرز أوراقك القديمة.. تحتفظ بهذه وترمي تلك، وتستمع إلى إذاعة لندن.. كان صوت المذياع عالياً.‏

تشاغلت بأوراقك فور انتهائك من قراءة البطاقة متجنباً النظر في عيني.. كعادتك.‏

لا أظنك كنت أقل اضطراباً مني وأنت تحاول إظهار عدم المبالاة... كعادتك.‏

وأنا لم أعد أعرف أن أقول لك كل ما كنت أود قوله لك.. كعادتي!..‏

حقاً... لم آمل كثيراً من زيارتي لك، وكان يكفيني ألا تكون غاضباً مني رغم أنك أنت من أغضبني.‏

مددت لي يدك مصافحاً وبادرتني بالسؤال:‏

ـ كيف حالك إذن؟‏

ـ لابأس.. وأنت؟‏

ـ لا بأس.. لا بأس..‏

(ليتك تخفض صوت المذياع).. فكرت، ثم قلت لك مازحة:‏

ـ يا إلهي.. ما أكثر أوراقك، لو أنك تتاجر برزم الأوراق القديمة لأصبحت بذلك غنياً... لم لا تكون لديك سكرتيرة تساعدك؟..‏

ـ السكرتيرة لا تنفع معي!..‏

ـ فليكن سكرتيراً إذن.‏

ـ لا ينفع؛ لأنه أبلد منها!... أخبريني .. كيف حال ابنتك؟‏

زفرت زفرة عميقة، وقلت:‏

ـ الحمد لله.. إنها أحسن حالاً الآن.. لاأدري حقاً ما أفعل.. إن قدومنا للعيش هنا كان نحساً، وربما علي أن أعود إلى هناك من غير رجعة.‏

ـ هذه مشيئة الله؛ فليكن إيماننا قوياً..‏

ارتحت لجوابك، رغم فتوره؛ وبقيت صامتة ثم عاتبتك بحذر:‏

وأنت... لم تسأل أبداً عني... ربما انتحرت!!..‏

نظرت إلي نظرة تأنيب على كلامي المجنون:‏

ـ لو أنك انتحرت لما حزنت من أجلك..‏

ـ أعرف... أعرف أنك قاسي القلب.‏

نظرت إلي تتأملني:‏

ـ ماهذه البقعة الزرقاء الصغيرة على وجهك؟..‏

ضحكت:‏

ـ أكلت "قتلة"‍!..‏

أخبرتك عن طوفان نوح في بيتي، ثم دخل علي يحمل إليك كوباً من الماء..‏

(لم تسألني إن كنتُ أريد أن أشرب شيئاً).‏

سألتك:‏

ـ هل أنت مدعو هذا المساء؟‏

ـ أجل... وأنت.. ماذا ستفعلين؟‏

ـ .. سأذهب إلى شقتي وأقرأ شيئاً ما.‏

ـ...‏

ـ استأذن إذن.. علي الذهاب..‏

ـ سنلتقي Soon..‏

(هذه هي عادتك في الحديث.. تطعّم كلامك العربي ببعضاً من لغة أجنبية)..‏

ـ أما زلت تحتفظ برقم الهاتف؟‏

ـ طبعاً..‏

وفجأة خرجت من وراء طاولة المكتب.. وقفت قبالتي وقلت لي:‏

ـ نحن لسنا مجرد أصدقاء... نحن أحباباً!..‏

ـ ...‏

كلامك .. لم أكن أتوقعه؛ فبقيت صامتة.‏

مددت يدك إلى ياقة قميصي تصلح من شأنها وأنت تقول:‏

ـ تبدين شاحبة..‏

ـ وماذا تظنني إذن؟.. أجل شاحبة ومتعبة ومهمومة.. وأنت أيضاً همي.‏

ـ...‏

قبّلتني بسرعة على شفتي:‏

ـ إلى اللقاء..‏

ـ إلى اللقاء..‏

غريب أمرك.. تستقبلني وتحدثني بادئ الأمر بفتور ثم تختم اللقاء بقبلة، وأنت تؤكد لي أننا سنلتقي قريباً، وأننا أحباباً!...‏

خرجت من عندك فرحة جداً، ولم أرغب في الذهاب فوراً إلى البيت... فكرت بريما وقررت أن أزورها رغم أن لاشيء... هاماً أستطيع أن أتحدث فيه معها؛ بل مجرد ثرثرة.. كالعادة..‏

هي مملة؛ لكنها لطيفة؛ وأنا أزورها فقط لأنها... قريبتك!‏

فتحت لي ريما الباب، وكانت لوحدها.. قالت لي:‏

ـ تبدين فرحة، ووجهك مشرق... ما الأمر؟!‏

ـ لاشيء... لقد مشيت طويلاً؛ فتحرك الدم في عروقي، ولذا أبدو مشرقة الوجه.‏

"من يبحث عن الحب يطرق الباب؛ أما المحب فعلاً فيجد الباب مفتوحاً".**‏

***‏

حقاً.. إن الحب ليس شيئاً نبحث عنه، بل شيئاً يباغتنا بحضوره المفاجئ... يغرينا لندخل من الباب دون أن نطرقه.. دون أن نستأذن المنطق أو الإرادة.‏

أنا وجدت الباب دائماً مفتوحاً إليك، وأنت أردت دائماً إغلاقه.‏

هذه الـsoon التي قلتها ما زلت أسمع صداها منذ شهر تلح علي كل يوم، ويزيد إلحاحها كلما عرفت أنك موجود بالقرب مني... على بعد كيلو مترات قليلة فقط.‏

أهرع إلى الهاتف كلما سمعت رنينه وأرفع السماعة ليكون على الطرف الآخر أحد آخر غيرك.‏

ماذا إذن؟!‏

هل كان كلامك مجرد عبث بعواطفي؟‏

هل أنت مشغول لدرجة أنك لاتستطيع أن تهاتفني لدقائق معدودات تسأل فيها عن أحوالي؟.. وهل أطمع بأكثر من ذلك؟‏

هل أنا غبية حقاً لأتعلق حتى الآن بوهم كاذب هو أنت؛ وأصدق مزاعمك أننا أحباباً؟!‏

إن كنا حقاً أحباباً، فلم لا تشتاق إلي وقد مضى شهر على لقائنا؟‏

رفعت السماعة.. كان لابد لي من حجة أتذرع بها لأتصل بك، وقد وجدتها...‏

كان بيتر قد اتصل بي ليطلب مني الاستفسار عن مدرسة للمعاقين في دمشق من أجل ليلى إن كانت حالتها تسمح مستقبلاً بمتابعة معالجتها في سورية.‏

جاءني صوتك حنوناً (نوعاً ما):‏

ـ أهلاً.. كيف حالك؟‏

ـ أنا بخير، وأنت؟‏

ـ بخير.. طمئنيني عن ليلى.‏

ـ إنها أفضل من قبل.. أريد أن أستفسر إن كان يوجد في دمشق مدرسة للمعاقين من أجل ليلى مستقبلاً.‏

ـ لا... لا يوجد..‏

(كان جوابك محبطاً)..‏

ـ .. لا أدري حقاً ماذا أفعل.. ماذا عن مدرستها... مستقبلها؟!‏

ـ...‏

ازداد شعوري بالإحباط، وقد بقيت صامتاً لا تجيب على مخاوفي البادية في تساؤلاتي.‏

(أحباب؟!... يالنا من أحباب.. إن ذلك واضح تماماً في ردة فعلك التي فترت بسرعة!!).‏

فكرت بسرعة ، ثم استجمعت شجاعتي بسرعة لأسألك:‏

ـ على فكرة.. متى ستأتي هذه الـSOON؟‏

ـ ماذا؟.. لم أفهم قصدك!‏

ـ ألم تقل لي أننا سنلتقي "قريباً".. قل بربك كم هي المدة الزمنية التي يستغرقها ذلك حتى أعرف.. فقط!‏

(حاولت أن أقول ذلك بنبرة مازحة كي لا أستفزك؛ ولكني فشلت!).. أتعرف؟!.. لقد جئت إليك بدون آمال كبيرة... ووددت على الأقل أن نفترق بطريقة ودية..‏

ـ كما تشائين!‏

قلتها بصوت جاف جداً... تجاهلت قصدك وتابعت كلامي:‏

ـ ... أو أن أكون متفائلة قليلاً فأطمع بصداقتك؛ لكنك أكدت لي أننا أحباباً؛ والحب إلتزام.. أليس كذلك؟... على الأقل مكالمة هاتفية واحدة تسأل فيها عني.. متى أراك؟‏

ـ تعالي إلى العيادة.‏

وانتهت المكالمة.‏

رفعت السماعة من جديد.. أردت أن أطلبك ثانية وأتشاجر معك، لكنني أعدتها إلى مكانها أفكر:‏

هذا المغرور.. الـ... الـ... "تعالي إلى العيادة"... ألا يخطر بباله أن يدعوني ولو إلى فنجان قهوة "خارج العيادة"؟‏

لو أنه قال لي تعالي إلى العيادة هناك في دمشق؛ لكان بإمكاني أن أحلم بإمكانية أن نلتقي خارجها لنتحدث..‏

كم أود أن نتحدث.. نتحدث في أي موضوع قد يخطر بالبال.‏

ولكنه يريدني أن آتيه مرة أخرى إلى عيادته هنا.. عيادته المزدحمة دائماً..‏

يريد أن يستقبلني لدقائق كأي مريض يزوره، ويحدثني حديثاً لا يتجاوز السؤال عن الحال و الإجابة عليه!..‏

.. لن أذهب إليه في العيادة؛ بل سأكتب له رسالة... كالعادة!...‏

في اليوم التالي تجمّلت من أجلك ولبست فستاناً؛ فقد ألمحك بالصدفة على الدرج أو عند مدخل البناية؛ فتعاتبني وتدعوني بعفوية للدخول، و...‏

عدت أحلم من جديد.‏

أحلام يقظة كأحلام المراهقات أصبحت تلازمني وأنا أعمل في الحديقة؛ وأنا أركب السيارة أو أذهب للتسوق.. أو للنوم.‏

أصبحت مدمنة على التفكير بك!‏

اليوم هو 3/ 11، وقبل سنة بالتحديد كان ذلك المشوار معك..‏

قلت لي وأنت تمسك بيدي فجأة وتقربها إلى صدرك؛ فأحس بنبض قلبك على ظاهر يدي:‏

ـ أحبك ياكارمن؛ فهل تحبينني كما أحبك؟‏

ـ يجوز.. ولكنك خطير... أنت شيطان!‏

ـ أنا؟!.. أنا مسكين و"حبّاب" وطيّب القلب!..‏

مازلت أذكر كل كلمة قلناها بهمس، والسيارة تنطلق بنا في العتمة، وأنت مازلت ممسكاً بيدي تضغط عليها برفق:‏

ـ أحب يدك ياكارمن.. أنها يد Lady ... وأحب صوتك!...‏

(كم من النساء حدَّثتهن بهذه الطريقة، وكم من ساذجة منهن مثلي صدّقت كلامك؟!)..‏

ليست مارلين مونرو من صنف النساء الحكيمات؛ لكنها صدقت إذ قالت: "الرجل يحب عن طريق عينيه، والمرأة تحب عن طريق أذنيها"!)..‏

فكرت بذلك وأنا أصعد الدرج إلى عيادتك... أحمل بيد باقتي بنفسج قطفتهما لك من حديقتي، وأمد يدي الأخرى إلى الحقيبة لأخرج منها الرسالة.. رسالة عتاب حاولت قدر الإمكان أن أجعلها رقيقة حتى لا تغضب من جديد:‏

"باقة بنفسج لك عربون محبة؛ وباقةأخرى لأن اليوم هو 3/11...‏

سأشرب في المساء نخب هذه المناسبة، وعلى الأرجح وحدي..‏

لن آتيك إلى العيادة كي لا أشعر أني ثقيلة الدم غير مرغوب حقاً بوجودي، ولأني لا أريد أن أسحب الكلام منك سحباً بين دخول المريض وخروج آخر من عندك..‏

اشتقت للتحدث إليك براحة وعفوية في أي مكان.. لا يهم.. ولكن ليس في العيادة!..‏

أتمنى لو يأتيني صوتك هذا المساء حنوناً ضاحكاً كما كان في بداية تعارفنا، وليس جافاً فيجفف الدماء في عروقي!!.."..‏

كانت العيادة مكتظة بالناس، وأنت في مكتبك وبابك مغلق.‏

أعطيت البنفسج والرسالة عند الباب لنديم ليسلمها لك وعدت إلى البيت أنتظر الهاتف ليرن.. (ياللسذاجة!)..‏

جاء المساء وتبعه الليل وأنا جالسة أنتظر.. غير راغبة بشيء آخر سوى الانتظار... انتظار أن يرن الهاتف اللعين.. لكن الهاتف اللعين لم يرن؛ لأنك سخرت مني ورميت رسالتي ودست بنفسجي ونسيت بالتأكيد تلك المناسبة التي لم أنسها.‏

بلغ توتري ذروته مساء اليوم التالي.. اتصلت بك، وليتني لم أفعل:‏

ـ آلو.. مساء الخير، أريد أن أزعجك لدقائق معدودة... ممكن؟!..‏

ـ آه.. يمكنك التحدث إلي صباح الغد.‏

(غداً... عند الفجر ستكون في طريقك عائداً إلى دمشق) فكرت وأجبتك بحدة:‏

ـ لا.. بل الآن!‏

لكنك لم تشأ أن تتحدث إلي..‏

(يالك من جبان)، فكرت وأنا أغلي من الغيظ، ثم تذكرت أن غداً هو يوم عطلة.. من أجل ذلك إذن طلبت مني أن أتصل بك غداً لأنك ستكون حتماً هنا.. في المنزل.‏

ربما كان لديك ضيوف وشعرت بالإحراج.. وإن يكن، أما كان بالإمكان أن تعتذر مني بلباقة لأنك لا تستطيع التحدث إلي الآن؟‏

كنت سأدرك ذلك وأنتظر حتى الغد..‏

لا... من المؤكد أنك تعمدت إهانتي... تريد التخلص مني، ولذا ترفض التحدث إلي.. هكذا بكل بساطة. بقيت ساهرة.. واجمة أفكر حتى الساعة الثانية عشر، وما إن اندسست في الفراش حتى رن جرس الهاتف.. هرعت إليه، ورفعت السماعة، بلهفة أتوقع سماع صوتك:‏

لكن الذي كان على الطرف الآخر بقي صامتاً يستمع إلي وأنا أردد كلمة "آلو"، ثم .. أغلق الخط!‏

كانت ليلة سيئة جداً لم أنم فيها سوى سويعات، واستيقظت وصدري مازال منقبضاً..‏

بكيت في الصباح، وأنا أحتسي الشاي وحيدة.. ثم رفعت سماعة الهاتف واتصلت بك.. سمعت صوتك يردد:‏

ـ آلو.. آلو..!!‏

ـ خسارة أن تكون هكذا..‏

ـ آه ياكارمن.. أرجوك لا تتصلي بي إلى هنا لا في الليل ولا في النهار.. أرجو لك التوفيق!..‏

ـ تتمنى لي التوفيق؟!... ماذا تظنني إذن؟!..‏

لقد عاملتك بكل حب واحترام، وأنا لست سافلة وحقيرة إن أحببتك... لك مني هذه النصيحة: في المرة القادمة إن أعجبتك إحداهن، وأردت مضاجعتها فقط، ومن المؤكد أنها ستكون أكثر مني شباباً وجمالاً؛ فلا تقل لها أبداً أنك تحبها؛ لأنك بذلك تشوه شيئاً جميلاً اسمه الحب.. هل تفهمني؟!!...‏

شعرت بالقذارة.. بالغثيان، وأنا أعيد السماعة إلى مكانها دون أن أنتظر منك جواباً‏

دست على البنفسج..‏

دست على قلبي مرة أخرى...‏

كانت الدموع تنهمر في داخلي، والغصة تنفجر في حلقي..‏

ثم بدأ العرق البارد يتصبب من جبيني ومن جسدي كله..‏

ارتعدت، ولعنت نفسي ولعنتك...‏

لعنت تلك الساعة التي تعرفت فيها عليك وأحببتك..‏

والساعة التي ضعفت فيها أمامك، والساعة التي اشتقت فيها، وجئت إليك..‏

(كم مرة ألعن فيها تلك الساعات؟!)...‏

جاء نيسان؛ وموعد العيد يقترب..‏

تذكرت ذاك اليوم عندما جئت أزورك في العيد الماضي..‏

كان يحز في نفسي أني لا أستطيع أن أزورك، وأنك لن تتصل بي لتتمنى لي عيداً سعيداً..‏

أمسكت بالورقة والقلم لأعاود الكتابة..‏

الكتابة إليك أصبحت كالتفكير فيك.. إدمان!‏

كان يهمني في هذه الرسائل صدى وقعها عليك وأنت تقرأها بقدر ماكان يهمني أني أجد فيها متنفساً لما في صدري...‏

كتبت رسالتي على بطاقة معايدة:‏

"كل عام وأنت بخير..‏

ترى هل كنت ستغلق الخط في وجهي لو قلتها لك عبر الهاتف؟!‏

... ... ... وداعاً".‏

لكنني لم أستطع أن أقول لك حقاً وداعاً..‏

***‏

بعد أيام اتصل بي بيتر ليطمأنني عن صحة ليلى... أخبرني أنها في تحسن مستمر، وأنها أصبحت تأكل لوحدها بعد أن كانت عاجزة عن ذلك من قبل.‏

قال لي:‏

ـ أتعلمين؟!!.. لقد حجزت لها مكاناً في ذلك المركز الطبي الخاص الذي شاهدته على التلفاز عندما كنت هنا..‏

ـ حقاً؟!‏

ـ أجل.. لقد اقترح علي الدكتور شميد ذلك؛ فأخبرته أني أعرف المركز، وأعرف اسم الطبيب المسؤول عنه، وأنك أنت من زوّدني باسم المركز وعنوانه.‏

ـ من حسن الحظ أني شاهدته على الشاشة وأخذت عنه فكرة تجعلني متفائلة من أجل ليلى.‏

ـ بإمكانك استئجار غرفة في بيت المشرفات بالقرب منه.. لقد حجزتها لك..‏

ـ هذا رائع.‏

كان بيتر في إحدى الأمسيات خارج البيت مع أخيه، وكان والداه مسافرين.‏

جلست وحدي؛ وقد نامت ليلى، أمام الشاشة أشاهد ما تعرضه قناة التلفاز المحلي الأولى.. كان برنامجاً وثائقياً عن مركز طبي كبير متخصص بأمراض الأطفال المعاقين...‏

كنا مانزال ننتظر نتائج التحاليل والفحوصات، ولكني أسرعت أحضر ورقة وقلماً لأدون اسم المركز وعنوانه، وعندما عاد بيتر إلى البيت ناولته الورقة وطلبت منه الاحتفاظ بها).‏

أخبرني بيتر أيضاً أن الطبيبة النفسانية المتواجدة في المركز لاحظت عصبيته المفرطة وقلقه الدائم؛ فطلبت منه أن يوافيها إلى العيادة للتحدث إليه.. جلست تحادثه لتكتشف أزمته وأسبابها.. أخبرها بيتر عن معاناته مع والديه.. هذه المعاناة التي بدأت منذ سن المراهقة، عندما كانت أفكاره وهوايته، واهتماماته بالسفر والجغرافيا والتاريخ والشرق تتعارض مع تربيتهما الصارمة وعقليهما المنغلقين وقلبيهما المتحجرين، واستفحلت أزمته بعد زواجنا؛ فقد كان عقوقاً أن يتزوج من غريبة عنهما في الدين والعرق والمنبت.. عقوقاً لم يستطيعا أبداً أن يغفراه له!‏

أخبر بيتر الطبيبة عن كل شيء.. أخبرها أيضاً عن علاقتنا معاً... علاقتنا الزوجية التي تأثرت أيضاً وتأذت من علاقته تلك مع والديه.‏

قالت له الطبيبة أن والديه هما نموذجاً مثالياً للوالدين المتسلطين الذين يحاولون فرض سلطتهم الأبوية على أولادهم، ويحاولون بذلك استبزازهم كلما سنحت الفرصة.. إنهم لا يدركون أبداً أن أولادهم قد كبروا وبلغوا سن الرشد منذ زمن بعيد.‏

وأردفت الطبيبة تقول لبيتر بصراحة أنه هو أيضاً نموذجاً مثالياً للابن الواقع تحت تأثير هذه السلطة الأبوية التي تشل حركته وتنغص عليه حياته، وتقتل فيه روح الإبداع والاستقلالية.‏

لم يكن ما أخبرني به بيتر بجديد علي.. كنت أعرف هذا التحليل النفسي منذ زمن.. منذ سني زواجنا الأولى. علاقته مع والديه أثرت على زواجنا وانعكست سلباً على علاقتنا العاطفية.‏

كنت أنا له البديل عن الأم منذ جمعنا سقف واحد..‏

كان يأتي إلي عندما يكون متعباً فيضع رأسه على ركبتي، ويرجوني أن أمسد له رأسه فأشعر نحوه بالحنان، ولا أرى فيه عندئذٍ إلا طفلاً صغيراً يبغي بعضاً من الراحة والطمأنينة في حضن أمه!!‏

أجل أمه.. أصبحت تلقائياً أمه ودون أن أدري!‏

أما هذا الشيء الذي يوجد عادة بين المرأة والرجل ويجمعهما معاً في لحظات حميمة؛ فلم يوجد بيننا أبداً!..‏

لم أدرك ذلك في الأيام الأولى..‏

اعتقدت أنه يتصرف معي بنبل لأنني مازلت عذراء ويخشى أن يؤلمني!!‏

ازداد تقديري لـه، وهنأت نفسي أني تزوجت "أجنبياً".. يراعي مشاعر فتاة عذراء، ولا يريد فض بكارتها ليثبت عذريتها ورجولته في أسرع وقت.. كأغلب الشرقيين!!‏

كم كنت واهمة!!‏

كنت بعد سبع سنوات من الزواج لا أزال نصف عذراء!..‏

ذهبت مرة وأنا حامل من أجل فحص روتيني..‏

نظرت إلي الطبيبة بتعجب وقالت:‏

ـ أتعلمين؟!.. إن غشاء البكارة لديك لم يفض بالكامل، ولذا سيتم ذلك أثناء الولادة!!..‏

ـ...‏

لم أشأ أن أريح الطبيبة من تساؤلها غير المباشر الذي لمحته في نظرتها، وأخبرها أني حامل بفضل مهارة الطبيب فقط، وحساباته الدقيقة ليجعلني حاملاً في مختبره وليس على فراش الزوجية رغم أني لا أشكو من العقم!!...‏

****‏

عندما تعرفت عليه في لندن منذ أكثر من عشرين سنة، تبادلنا العناوين ـ كما يفعل الشباب في هذا السن ـ واتفقنا على المراسلة.‏

واستمرت صداقتنا عبر الرسائل لسنة.. كنا نحكي فيها عن كل تفاصيل حياتنا اليومية ونتبادل الأفكار.. كان حواراً مستمراً عبر الكلمات، وقد أحببت ذلك.. أحببت أن أجد فيه صديقاً من عمري يحاورني وأحاوره. ثم دعاني بيتر لزيارة بلاده والتعرف على أهله، وسافرت إلى هناك في أواخر الربيع..‏

تعرّفت على والديه وأخويه، وأعجبتهم الهدايا الشرقية التي حملتها لهم.. قالوا له عني أني ذكية وجذّابة وحلوة المعشر وطلبوا مني أن أنزل ضيفة عليهم في منزلهم بدل الفندق الذي حجزت فيه لإقامتي.‏

كان بيتر مايزال طالباً في الجامعة؛ لكنه في الوقت نفسه كان، رغم غنى والديه، يعمل في قسم الأرشيف في مطبعة أكبر الصحف المحلية معتمداً على نفسه بدل أن يمد يده لوالديه من أجل المصروف.‏

أعجبني ذلك؛ فهو مثلي يدرس في الجامعة ويعمل.‏

كان مهذباً جداً وخجولاً (ربما متردداً)، وكان وجهه الملائكي يشعرني بالطمأنينة ويمنحني ثقة تجعلني أخرج معه في المساء وحدي.‏

كنت فرحة بصداقته البريئة، وأشعر معه أني عدت طفلة صغيرة شقية.‏

(هل كنت حقاً بحاجة لمن يشعرني بالطفولة ويعيدني إليها.. أم من يشعرني بأنوثتي ويوقظها فيّ؟!...).‏

وكان هو فرحاً بقدومي إليه من ذلك الشرق البعيد الذي طالما حلم به.‏

كان يأخذني لنتجول في شوارع مدينته ونتسكع في أزقة حيها القديم وأتعرف معه على معالمها..‏

أو نمضي يوماً كاملاً نصعد جبلاً مغطى بثلج أبدي لنكافئ أنفسنا بعد ذلك بتناول المثلجات اللذيذة في مطعم معلّق بين الأرض والسماء.. لم يحاول مرة أن يمسك يدي بعفوية، أو يهمس بأذني بضع كلمات رقيقة ونحن عائدين مساء بعد تجوالنا إلى منزل والديه..‏

لم يحاول أبداً أن يشدني إليه ليحضنني، أو يفاجأني بقبلة خاطفة ونحن نتنزه لوحدنا على ضفة البحيرة وقد غابت الشمس ونسيت بعضاً من ألوانها الساحرة لتصطبغ به السماء..‏

لم يكن هذا المنظر الرائع يغريه ليرتكب حماقة صغيرة ربما لم أكن لأمانع لو أنه ارتكبها!‏

وأنا؟.. ماذا عني؟!‏

هل كنت سأكتشف شيئاً جديداً في داخلي لو أنه فعلها؟!!‏

لو كان ثمة شيء في داخلي ليوقظه فعلاً تجاهه؛ لكان مجرد وجوده بقربي يكفي لذلك.‏

كان ومازال وسيماً... وسيماً جداً؛ لكن نظراته لم تكن تغريني... لم تكن تزيد من خفقان قلبي؛ أو تجعل ساقاي غير قادرتين على حملي.‏

كان عقلي، وأنا معه يفرض علي احترامه..‏

كان عقلي يقنعني أنه شاب مثالي.. شاب لا يرى في الفتاة الجالسة أمامه مجرد جسد يرضي غريزته؛ بل عقلاً يحاوره ونداً يحترمه.‏

كان هذا ما يشدني إليه؛ فلم أشغل ذهني بالتفكير بتلك الأمور الأخرى.. بالحب كمشاعر مجنونة تجتاحنا، ولقاء جسدي محموم يجمع بين رجل وامرأة..‏

كانت غريزتي الأنثوية، وأنا معه، تبقى كامنة، وكان هذا بمثابة ضوء أحمر صغير.‏

جهاز إنذار في داخلي، يحذرني ويدعوني لأن أختبر مشاعري تجاهه..‏

لكنني تجاهلته.. تجاهلت الإنذار، ولم أختبر أبداً حقيقة مشاعري تجاهه..‏

كان حرياً بنا أن نبقى مجرد أصدقاء ولا نجازف عندما جاءت تلك اللحظة الحاسمة التي كان علينا فيها أن نتخذ قرارنا المصيري..‏

****‏

قبل ليلة من سفري، جلسنا أنا وهو في حديقة المنزل نتسامر..‏

كان عقلي مشوشاً، وعواطفي غير مستقرة، ورغم ذلك خرجت كلمة "نعم" تلقائياً من فمي..‏

لم أشعر بحماس وفرح وأنا أنطقها؛ لكنني في الوقت نفسه لم أكن أرغب في أن أقول "لا"!!‏

لا أدري كيف اتفقنا أن نتزوج، ونحن لم نتعرف على بعضنا نظرياً إلا لسنة من المراسلة، وعملياً إلا لأسابيع!..‏

ربما أني لم أكن حقاً أعني ما أقوله، وأن الأمر لم يكن يتعدى كونه مجرد فقاعات كلام.‏

كلام لا يؤخذ على محمل الجد.. مجرد اقتراح لمشروع زواج..‏

لم نكن نملك من مقومات الزواج، مايكفي، فنحن في أوائل العشرينات ومازلنا طالبين في الجامعة..‏

صحيح أن كلاً منا يعمل، لكن هذا لا يكفي.‏

وماذا عن الحب؟‏

هل نحن نحب بعضنا حقاً... أم أننا مجرد أصدقاء؟!‏

من الغريب حقاً أننا لم نشغل نفسينا بالتساؤل؛ بل حسمنا الأمر بسرعة وقررنا أن نتزوج بعد ثلاثة أشهر.. أي في أواخر الصيف!..‏

وودعت بيتر على أمل اللقاء بعد ثلاثة أشهر، وعدت إلى سورية.‏

***‏

تعودت في البيت على الصدق، وعلى مكاشفة أمي بأسراري.. كانت تعرف قصة حبي الأول بتفاصيلها أيام الدراسة الثانوية، وتعرف كل ماكنت أتعرض له من أمور أو مضايقات في العمل، وكان أبي يعرف كل ذلك منها..‏

كان يحلو لي أن أجلس إلى أبي وأتناقش معه في كثير من الأمور، وقد نختلف أحياناً في أمر ما، ويفشل كلاً منا في إقناع الآخر؛ فيتحول نقاشنا إلى قطيعة تستمر يوماً أو يومين ثم نتصالح..‏

كان يبادر هو إلى مصالحتي فيطلب مني أن أعد شاياً نشربه... أو أبادر أنا إلى مصالحته؛ فأسأله إن كان يريد مني أن أعد شاياً نشربه.‏

في اليوم التالي لعودتي، دخلت على أبي وهو قابع بين أوراقه وكتبه وقلت له دون مقدمات:‏

ـ بابا... سأتزوج بعد ثلاثة أشهر!..‏

لم يتمالك أبي نفسه من الضحك بصوت مرتفع؛ ثم سألني وعلامات الدهشة مازالت مرتسمة على وجهه:‏

ـ ماذا؟!... ستتزوجين بعد ثلاثة أشهر.. ومن هو سعيد الحظ هذا؟! ... لابد أنه صديق المراسلة الذي عدت تواً من زيارته... أليس كذلك؟‏

ـ نعم.. لقد اتفقنا على الزواج بعد ثلاثة أشهر.‏

ـ يبدو أنك حسمت الموضوع بنفسك...‏

ووافق أبي على زواجي دون معارضة، وبعد مداولة قصيرة مع أمي.. ربما لأنه لم يأخذ الأمر على مأخذ الجد، وظن مثلي أن الأمر ليس سوى فقاعات كلام.. وأن العريس لن يأت أبداً...‏

طوال الأشهر الثلاثة التالية كانت أفكاراً مضطربة متناقضة تضج في رأسي..‏

أشعر أحياناً أني على صواب، وأشعر أحياناً أني أقدمت على خطأ بتسرعي وقبولي بفكرة الزواج..‏

وعندما كانت هذه الأفكار تلح علي كنت أطمئن نفسي وأقول لها أنه لن يحضر، وأنه لابد أن يفكر بالأمر ويغيّر رأيه..‏

ورغم ذلك، ذهبت إلى الصائغ واشتريت لنفسي خاتماً ذهبياً وضعته في إصبعي باليد اليمنى!!‏

ثابرنا أنا وبيتر على كتابة الرسائل، ووصلني مرة منه طرداً كبيراً؛ فأسرع أبي إلى البريد ليجلبه... قال لي وأنا أهم بفتحه:‏

ـ لابد أنه فستان الزفاف.. أرسله خصيصاً من هناك..‏

عندما فتحت الرزمة وجدت فيها غزالة "بامبي" مصنوعة من القش... كنت قد رأيتها هناك في أحد المتاجر وأعجبتني...‏

كانت تلك هي هدية العرس من بيتر!..‏

نظر إلي أبي بشيء من الامتعاض وهو يقول:‏

ـ ظننته أرسل لك فستان الزفاف؛ لكنه أرسل بدلاً منه لعبة!‏

فقلت له ضاحكة:‏

ـ هذه الغزالة أجمل من فستان الزفاف.‏

أصبحت الغزالة فيما بعد من نصيب ليلى.. أما الفستان؛ فقد اشتريته بنفسي!!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244