|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:08 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
**** اتصل بي بيتر قبل أسبوع من الموعد المرتقب لقدوم ليلى إلى سورية من أجل إجازة قصيرة، ليخبرني أنها لن تأتي.. لقد أصيبت بالتهاب طارئ بالدماغ يحتاج إلى صور وفحوصات وتحاليل! أخبرني أنها بخير؛ لكن كلامها أصبح غير مفهوم كثيراً بسبب الدواء الذي ينبغي عليها تناوله. تهدج صوتي وأنا أكلمه وطفرت الدموع من عيني.. لقد فرحت كثيراً وانتظرت طويلاً قدوم ليلى؛ فقد طال غيابها عن المنزل. وما عساها تفعل الآن، وقد علمت أنها لن تسافر؟! كنت قلقة من أجلها، وخائفة أن يؤثر عدم تمكنها من السفر على نفسيتها، ولكن بيتر طمأنني أنها بخير. وكنت قد اتفقت مع سوسن أن تذهب وأفراد أسرتها كلهم إلى دمشق لاستقبال ليلى في المطار، وشرعت أعد في ذهني كل الترتيبات.. كنت سأسبقهم بيوم؛ لأني مدعوة للعشاء في السفارة ثم يوافونني في اليوم التالي. قلت لبيتر، وأنا أتأمل بحزن الكلب القماشي الصغير الذي اشتريته من أجل ليلى، وكنت سأحمله إليها لاستقبلها به في المطار: -لن أذهب إذن الأسبوع القادم إلى دمشق. -بل اذهبي أرجوك.. يجب أن تلبي الدعوة هذه المرة.. هذا مهم؛ فقد انقطعنا مدة عن الذهاب، كما أني أتمنى أن تذهبي لتروّحي عن نفسك قليلاً. -حسناً.. سأذهب. **** توزع المدعوون في أرجاء الحديقة في مقر السفير يحملون كؤوس الشراب ويتناولون المقبلات ويتبادلون الأحاديث.. وجئت وحدي.. مرة أخرى. السفير وقرينته عند الباب كالعادة يرحبون بالضيوف ويتبادلون معهم المجاملات. معظم الوجوه مألوفة لدي.. أتأملهم يتضاحكون. السكرتيرة سامية تقبل علي باسمة وتقبلني: -مرحباً يا كارمن.. كيف حالك؟.. وكيف حال المسيو بيتر؟.. كيف حال ليلى؟.. طمأنيني عنها. وجاء الباقون يلقون علي التحية ويسألونني نفس الأسئلة.. كانت سيسيليا الغانّية الأصل تعبث بالقلادة الذهبية السميكة في عنقها البني، وهي تتذكر مع زوجها الأبيض اللون الأزرق العينيين، وتذكّر الأصدقاء الذين كانوا معها، وتخبر الذين لم يكونوا.. بذاك اليوم الذي تجمّعوا فيه بعفوية ودون موعد مسبق وجاؤوا يزوروننا في بيتنا في القرية الجبلية باللاذقية. قالت سيسيليا وهي تضحك؛ فتبدو أسنانها اللؤلؤية: -لقد كان يوماً رائعاً في بيت كارمن وبيتر الجميل .. لقد... و... وشردت أتذكر معها ذاك اليوم.. لم يجدوا صعوبة في العثور على البيت؛ فللبيت علامة فارقة، ونحن معروفون في القرية، وأناسها الفضوليون لا يستثنوننا من ثرثراتهم في الأمسيات! وقفت السيارات في الزقاق تثير بلوحاتها المميّزة فضول الجيران، وترجّل منها الضيوف المزدوجي الجنسية.. كان اجتماعاً مصغراً للأمم المتحدة في بيتنا.. جنسيات تونسية وسويسرية وألمانية ولبنانية وفرنسية وغانيّة وسورية! وكنا نتحدث كيفما اتفق: بالعربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية. كنا ننوي دعوة أربعة أشخاص؛ فأصبحوا عشرة، وفرحت بزيارتهم، ولم أجد حرجاً في ذلك؛ بل بالعكس.. إن "مكان الضيق يتسع لألف صديق".. ولقد كان حقاً يوماً رائعاً تعيد سيسيليا ذكراه كلما التقينا. كنا أسرة منسجمة، وكانت دفاتر حساباتي العاطفية مع بيتر مغلقة لا أنوي مراجعتها.. كان لنا بيت جميل يجمعنا، وهوايات وأشغال تمنع الملل من التسلل إلى نفسينا، وتنسينا ذاك الحاجز اللامرئي القائم بيننا. كانت ليلى يومها تبدو كأقرانها.. مفعمة بالحيوية والصحة؛ فأين اليوم من البارحة؟!! **** البارحة كان حفل السفارة، وأنا سأعود صباح الغد لللاذقية.. لدي إذن الوقت كله مساء اليوم. قادتني قدماي إليك.. صعدت الدرج وبيدي ورقة صغيرة: "أتعرف؟.. لو حكم علي بالإعدام، وسألوني عن أمنيتي الأخيرة، لما طلبت سيجارة؛ وإنما أن تجلس قبالتي وتنظر مباشرة في عيني وتقول لي لماذا يمكنني أن أتكلم وأتصالح حتى مع العفاريت الزرق، ولا أستطيع ذلك معك؟!". كان حمزة واقفاً عند الباب؛ فسألته إن كنت موجوداً؛ فأومأ لي بالإيجاب.. كنت أنت في غرفة الانتظار جالساً وراء طاولة المكتب بدلاً منه، وكانت العيادة تعج بالزوار، وكنت أنا آخرهم.. تبادلنا التحية "العادية" ودلفت أنت إلى مكتبك، وجلست أنا في غرفة الانتظار.. أنتظر والورقة الصغيرة مازالت في يدي. جاء دوري، وكانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة مساء، عندما دخلت.. أخذت القصاصة ووضعتها في جيب قميصك دون أن تقرأها.. قلت لك: -كتبتها لأستأذن بها بالدخول عليك.. لم أتوقع وجودك في غرفة الانتظار.. ألا تريد أن تقرأها؟ قلت لي، وأنت تجلس تلقائياً قبالتي.. كما أتمنى: -سأقرأها فيما بعد.. ما الأمر؟ كان وجهك جافاً جداً.. وقرأت لك الورقة عن ظهر قلب. -أنا حر.. أنا دائماً هكذا!! -حر؟!.. لا.. أنت لست حراً "هكذا"؛ فللحرية أيضاً حدودها، و.. لم أستطع أن أكمل الجملة؛ فقد دخل للتو رجلان! (ياإلهي.. لقد جاوزت العقارب الثامنة؛ فلم يأتيان الآن؟!). نظرت إليهما.. أود أن أصفعهما، بينما أنت ترحب بهما وتدعوهما للجلوس! وخرجت معي إلى الباب الخارجي.. وقفنا عند الدرج نتابع حديثنا القصير جداً.. كنت أعددت في ذهنك إجابة سريعة توهمت أنت أنها مقنعة: -أنت تخيفينني!!.. أسلوبك.. رسائلك.. أنت تخيفين من يحبك!! -أنا لا أخيف.. أنت من تهرّب مني دون سبب. -أنا حر.. أنا هكذا!! -ماذا يعني ذلك؟.. هل أنت مجنون إذن؟!! -نعم.. أنا مجنون!! (لم تعد تجد عذراً مقنعاً أكثر.. أيها المجنون). اقتربت منك بصمت أعانقك وأطبع على خدك قبلة، ثم أمسكت يدك برفق وقلت لك وأنا أنظر في عينيك مباشرة: -أحبك أيها المجنون.. وإن حدث وتقابلنا مرة أخرى؛ فأرجو أن تكون لطيفاً معي. تنازعتني مشاعر متضاربة وأنا أهبط الدرج.. شعرت بحزن عميق.. حزن أعمق من الغضب والنقمة.. حزن أقرب إلى الشفقة عليك! خرجت زائغة النظرات إلى الشارع المزدحم بالضجيج، والمضاء بالنيونات.. مازال طيف وجهك الكالح في عيني، وكلماتك المؤلمة في أذني، وعدت إلى نفسي أحاسبها كالعادة لأجد لك مبرراً.. كالعادة: هل أنا مخيفة حقاً؟.. هل أصبحت شرسة ومشاكسة لدرجة تجعلك تنفر معي؟ أتخاف مني وأنت "المثقف" المسافر في أرجاء الدنيا؟ أتخاف أنت بالذات من جرأتي وصراحتي، وأنت من يحسب الناس له ألف حساب؟! أتريدني أن أتملقك وأجاملك فقط، وأن أكذب عليك وعلى غيرك كي أرضي غرورك كرجل؟!! أنت لست مثقفاً إذن.. أنت رجل متعلم.. فقط! أنا لم أكتب رسائلي هكذا.. بلا سبب. جفاؤك جعلني أغضب، وجعلني أكتب لأعاتب.. أعاتبك لأعرف السبب، وأنت تهرب وتتهرب.. ثم تضع اللوم كله على رسائلي وتقلب النتيجة سبباً؛ وكأنك تتعامل مع ساذجة! ظننت أنك ستتخلص مني بأسلوبك هذا؛ لكنك كنت واهماً يا عزيزي! إن أسلوبك هذا يستـفزني ويجعلني أشعر برغبة مميتة أن أحاصرك حتى النهاية.. حتى أنتزع منك جواباً مقنعاً! أنا لم أعتد أبداً أن يتجاهلني أحد مهما يكن، ومهما تكن الأسباب.. أتجد صعوبة أن تقول لي أني لم أكن بالنسبة لك سوى نزوة عابرة؟ إن ذلك لا يتطلب منك سوى بعضاً من الصدق في التعامل مع نفسك ومعي، وبعضاً من الرقة والدبلوماسية كي أتقبل الأمر بأقل قدر من الصدمة، وأدعك وشأنك! إن ذلك لا يتطلب منك شجاعة أكثر من الشجاعة التي يتطلبها اعتراف امرأة لزوجها أنها تحب غيره!! سأراك ثانية إذن!! **** التقيت أحد المعارف.. كانت قد مضت مدة لم أره فيها، وعلمت أنه خطب إحدى الفتيات: -مبروك يا الياس.. سعيدة أنا من أجلك. -شكراً.. إنها تصغرني بخمسة عشر عاماً، وهي فتاة جامعية ذات تربية دينية متزمتة، ولقد تعرفت عليها في الكنيسة في حفلة عرس.. -جميل جداً. في الحقيقة لم أتعرف عليها مباشرة.. لقد أعجبتني واستفسرت عنها واستأذنت وذهبت أخطبها. -خطبة تقليدية إذن. -أجل.. لكنها خجولة جداً، ولا تعرف شيئاً سوى البيت والكلية والطريق بينهما!! -فتاة جامعية ومنغلقة على نفسها إلى هذه الدرجة؟!.. لن يضيرها أن تكون منفتحة قليلاً.. إن ذلك لن يتعارض مع تربيتها. -إنها تتعبني، ولقد أعطيتها مهلة لتتغلب على خجلها.. قليلاً فقط؛ فالشرقية شرقية والشرقي شرقي، وفي الحقيقة لا ضير عندي أن تكون "خام"!! -خام؟!.. هذا رأيك وأنت حر به، وأنا أحترمه؛ ولن أبدي لك رأيي بصراحة. واستدرك فقال: -أنت امرأة شرقية فريدة من نوعها؛ فهدفك في الحياة ليس أن تتزوجي وحسب وتصبحي مجرد زوجة فلان؛ بل أن تكوني وتبقي أنت.. أنت! -طبعاً. -أنا أهنئ زوجك بك وأهنئك به! (أجل يا الياس.. لقد كان اعترافك خطيراً!.. إذ لم يلغ أحد منا شخصية الآخر بالزواج.. ولكن؟!). **** اتصل بي الدكتور طارق يدعونا للغداء.. هذا الصديق الذي يحلو معه الحوار والنقاش بصراحة وعفوية لا تخلو من دعابة. قال لي: -لقد دعوت أيضاً الدكتور إبراهيم الذي تعرفينه، وزوجته.. أنها أيضاً حلوة المعشر. -سيسعدني التعرف عليها. كان الحوار ممتعاً حقاً لم يترك لا سياسة ولا دين ولا فن ولا أي موضوع آخر يعتب عليه! قلت له: -غريب أمر الرجل الشرقي.. إنه معظم الأحيان، حتى وإن كان مثقفاً، يخاف من المرأة المثقفة التي تحاوره وتناقشه.. يحترمها لكنه لا يريدها لأنها تسبب لـه (أو يتوهم أنها ستسبب له) صداعاً، ولذا يفضل عليها أية امرأة أخرى.. امرأة لعوب تجامله وتخدّره ولو كانت تسخر منه.. أو يريدها امرأة "خام" يشكّلها كيفما يشاء. ضحكت زوجة الطبيب، وقالت مخاطبة طارق وهي تشير إلي بسبابتها: -أنت تحترمها وتستمتع بالحديث معها؛ ولكن ألا يخيفك أن تتزوج واحدة مثلها؟! -طبعاً لا؛ ولذا لم أتزوج حتى الآن! **** اتصل بي بيتر يعلمني أنه غيّر رأيه، ولن يبقى هناك ينتظر ليلى ليصطحبها معه.. فلا عمل لديه حالياً هناك بعد أن أنهى ارتباطاته في العمل بالمؤسسة العائلية التي يملكها والديه. سيعود ليبدأ أخيراً العمل الذي يأمل منه خيراً.. هنا، ومع شركاء سوريين. قلت له: -سأستقبلك في المطار إذن. قبل أن أذهب إلى المطار.. ذهبت إليك! جئت إليك في محاولة أخرى لمعرفة السبب.. أريد معرفته قبل أن أسافر. كنت تتوقع قدومي بعد تلك الرسالة التي كتبتها لك في لحظات من الانفعال، ثم ندمت: "ياحبيبي المجنون.. حزينة أنا.. إن سافرت وليس وداعنا أكثر من قبلة اختطفتها منك! حزينة.. لأنك لا تعرف ماتريد وتعاكس الظروف دائماً. وحزينة.. لأني أعرف ما أريد وتعاكسني الظروف دائماً!! يا حبيبي المجنون.. أنت لست مطلق الحرية كما تدّعي.. أنت مجرد هارب من نفسك، ومن عواطفك، ومني. تهرب مني كل مرة بحجة واهية جديدة؛ لكنك في قرارة نفسك تحبني كما أحبك!......" أردتك على الأقل أن تستقبلني بطريقة حضارية وتدعوني ربما لنشرب شيئاً ونتحدث. استقبلتني عند الباب ودعوتني للجلوس: -تفضلي.. كيف تحبين الشاي؟ -وسط.. لو سمحت. ودخل حمزة يحمل صينية الشاي.. كان شاياً أصفراً غير مختمر.. مجرد ماء ساخن أصفر ومحلّى بالسكر! مكثت صامتة؛ فبادرتني تقول: -يا كارمن.. هذه الرسائل.. (أردت هذه المرة أن تتغدى بي قبل أن أتعشى بك.. كما يقول المثل؛ فلقد منحتك فرصة مابين قراءتك الرسالة وحضوري إليك لتكون في موقع القوي، وتضع اللوم علي، ويكون "السبب" جاهزاً لديك.. بعد أن كنت أنا الأقوى عندما فاجئتك بالزيارة السابقة وأنت غير مستعد!! كنت تدرك نقطة ضعفي، وتعرف أني بحضورك أنسى الكلمات التي أعددتها لأقولها لك.. تهرب مني وتضيع بمجرد أن أراك!). وعاودت هجومك.. عدت تجادلني على مبدأ: "من كان أولاً.. البيضة، أم الدجاجة؟!" وأنا؟. أنا لم أنس الكلمات وحسب؛ بل نسيت أني لست مذنبة على الإطلاق! بدأت أستميحك عذراً، وأنا أبتسم محاولة بذلك تلطيف الجو: -آسفة.. آسفة على كل الرسائل التي كتبتها! -كم عمرك لتكتبي لي هذه الرسائل؟ -وهل للجنون عمر يادكتور؟! -إن لله في خلقه شؤون! -وهذا ينطبق عليك أيضاً! (أخيراً.. أسعفتني القريحة بجواب أكبح به هجومك!). -هذه الرسائل يا كارمن.. إنها قاسية جداً. وأنا delicate -وأنا أيضاً delicate بقيت أنت صامتاً.. فتابعت: -.. والرسائل كانت "فشة خلق" لابد منها؛ لأنك تتجاهلني باستمرار. وعدت من جديد تنظر إلي النظرة المؤنبة: -... على أي حال نحن دراويش ونفهم على بعضنا! -ماذا تعني بذلك؟ -أقصد أننا أخوة وجيران! -ألا شيء غير ذلك؟! -أخوة وجيران ولا شيء غير ذلك! بدأت تذرع الغرفة جيئة وذهاباً وبيدك فوطة صغيرة تمسح بها الغبار عن الأثاث وعشرات.. بل مئات الأشياء الصغيرة والكتب المتبعثرة على مكتبك، هنا وهناك.. -إن كان لديك فوطة أخرى.. أعطني إياها كي أساعدك! -... -لماذا جئت يوماً تزورني؟!.. ألأننا أخوة وجيران؟!! -ومتى زرتك؟!! (كنت تريد أن تنتقم مني لأني سخرت من ثرثرتك عني مع ريما). -لا.. طبعاً، أنت لم تزرني أبداً! عدت تجلس وراء منضدة مكتبك؛ فسألتك: -هل لديك صديقة "جديدة"؟! فاجأك سؤالي.. قرأت ذاك في عينيك وسمعته في إجابتك المبهمة: -... لو أن جميع "صديقاتي" مثلك!.. ليس بمقدورك يا كارمن أن تقيمي علاقة ما! عدت تكيل لي الاتهامات، وبقيت أنا صامتة.. لم أعد أعرف بما أجيبك؛ بل تركتك تتابع كلامك: -.. يا كارمن. أرجو من الله أن يشفي لك ابنتك.. بلّغي تحياتي لزوجك، وأتمنى لك Happy flight أخرجت من حقيبتي شريط الكاسيت وناولتك إياه: -هذا لك. -آه.. Italiano. شكراً. - وموسيقى كلاسيكية سجلتها لك. (كان الكاسيت مناسباً جداً للموقف الدرامي.. إنه الحدس مرة أخرى!) أردفت، وأنا أحاول السيطرة على انفعالاتي: -أتساءل إن كنت ستذكر صوتي إن فكرت يوماً أن أتصل بك. -... -هل أنت مسافر الليلة إلى القرية؟ -لا.. ليس إلى القرية.. أنا مسافر إلى فيينا لأربعة أو خمسة أيام. -.. لن تكون إذن بعيداً عن المكان الذي سأسافر إليه؛ ولكني لن أسافر إلا بعد أسبوعين أو ثلاثة. ومددت لك يدي مصافحة: -أستودعك الله. -مع السلامة. (استمع وأنت تقود السيارة إلى المطار، إلى أندريا بوتشيللي يشدو con te partiro ؛ فقد تحرك أغنيته الشجية بعضاً من مشاعر قد تكون موجودة عندك!). عدت إلى الشقة، وقلبي أشعر به ثقيلاً بين ضلوعي.. في الساعة الحادية عشر ليلاً سيصل بيتر، ومازال لدي متسع من الوقت. خلعت ملابسي واستلقيت في السرير أفكر في قسوتك وكلامك: "أخوان وجيران".. حتى هذه تقولها مجرد "رفع عتب". كانت عيني مبتلّة من آثار الدموع، وقد فوجئت بالوصول المبكّر لأخي، جاء مع أمي يصطحبني إلى المطار.. لم ينتبه وائل أنني كنت أبكي؛ لكن أمي كشفتني وبقيت شفتاها صامتتين، بينما عيناها تتساءل رغم أنها تعرف.. تعرف نصف الحكاية فقط. النصف الآخر الذي لا علاقة لك به! **** لم أشأ، ولم أفكر يوماً أن أخبرها بذاك النصف الآخر من الحكاية.. بذاك الحاجز اللا مرئي الذي يفصل بين بيتر وبيني منذ ليلة الزفاف! كنت أتقن إخفاء همومي عنها عندما ترانا أنا وبيتر معاً.. ولم يخطر ببالها قط أن هناك خللاً ما في حياتنا العاطفية والجنسية.. لم تكن فضولية لتستفسر وتسألني.. ربما لأنها تعرف أني أتمتع بالاستقلالية في شخصيتي، وليس من عادتي.. بل ليس باستطاعتي أيضاً أن أبحث عندها عن حلول لمشاكلي، وقد تزوجت وسافرت، وأصبحت المسافات الجغرافية تفصل بيننا. لم تسألني قط في رسائلها، ولا في زياراتي المتكررة للوطن عن الإنجاب والأطفال.. لم تسألني قط عن تأخر حملي سبع سنوات بعد الزواج.. لم أعرف أبداً أنها كانت قلقة علي بهذا الشأن إلا عندما حملت فعلاً وزففت إليها الخبر، وعندئذ فقط أخبرتني عن ذاك القلق الذي كان يشاركها فيه أبي طوال تلك السنين!! أصبحت أمي جدة، وكانت ليلى أولى الحفيدات والأحفاد.. أما أبي؛ فلم يصبح جداً؛ إلا بعد وفاته، رحمه الله. لم تعرف أمي كيف حملت بليلى، وبقي الأمر سراً احتفظت به كرمى لبيتر حتى كانت تلك الأمسية.. عندما سافرت برفقتك إلى دمشق في عيد الأم، ثم ذهبت أزورها وأحمل لها هدية.. تلك الأمسية التي كنت فيها مستعجلاً جداً، ومدعواً للعشاء في سفارة ما! **** كانت ظلال الأشجار تتراقص على جانبي الطريق، وتذكّرني بأشجار أخرى كانت تتراقص أمام ناظري في أمسية ربيعية ساحرة. (تصوّر.. أفكر بك رغماً عني وأنا ذاهبة لاستقباله.. لاستقبال زوجي! فما السبيل إلى نسيانك؟! هل استمتعت ياعزيزي بزيارة فيينا الرائعة رغم الجو الماطر؟.. هل زرت دار الأوبرا فيها، واستمعت إلى إحدى معزوفات فالس شتراوس؟.. وتذوقت في مقاهيها الجميلة قهوتها اللذيذة المعروفة باسمها؟!.. أم أنك تذوقت هناك أشياء أخرى؟!! لا لوم ولا عتاب بعد اليوم.. لقد تعبت ومللت ولم يعد يهمني أن أعرف السبب؛ ولكن يهمني أن تعرف أنك لم تقنعني! أنت تحبني، ثم تؤاخيني!.. فهل أحببتني حقاً، وهل بإمكانك أن تصبح بعد ذلك أخاً؟! الحب والأخوّة.. كلمات.. ما أسهل النطق بها؛ لكنها ليست مجرد كلمات نلوكها كيفما نشاء ثم نبصقها عندما نتعب منها!). **** -أريد أن أعمل في دمشق. قلت لبيتر، وقد عدنا إلى الشقة، واستلقى كلاً منا في سريره. -طبعاً.. ألم نفكر بذلك من قبل؟ -أريد ذلك بعد عودتي من السفر. -لا بأس.. أنت متوترة جداً، ما الذي حدث؟ -... لقد أصبحنا أخوة، وهو يبعث إليك بتحياته! -وماذا بعد؟ -لا شيء البتة.. تصبح على خير. -تصبحين على خير. واستدار بيتر لينام، وسرعان ما زاره النوم وعلا شخيره.. أما أنا؛ فقد هرب النوم مني وزارني عوضاً عنه الأرق عندما استغرقت في التفكير أناجي نفسي: -يالك من تعيسة يا كارمن.. كيف سمحت لهذا الرجل أن يستولي على مشاعرك دون أن يمنحك شيئاً؟!.. تنازلت من أجله عن كبريائك، ومنحته قلبك بلا مقابل.. وجعلت تصرفاتك كلها رهن قلبك الأرعن.. فأين أضعت عقلك يا مجنونة؟! يا مجنونة.. يا مجنونة!! استفقت من أفكاري على صوت بيتر.. لقد أيقظه صوت بكائي المكتوم دون أن أدري: -أنت تبكين؟!.. تبكين يا كارمن من أجله؟!! هل يستحق حقاً دموعك؟!!! وخجلت.. خجلت من نفسي، ومن دموعي.. خجلت من بيتر. لم أستطع أن أقول له من جديد: "آسفة".. لقد أصبحت الكلمة ممجوجة ومللت من تكرارها.. إنها على أي حال لا تكفي؛ فالتزمت بالصمت، ونمت.. **** عدنا إلى منزلنا في القرية، وهرول بيتر فور وصوله إلى الحديقة يتفقد نباتاتها، كعادته كلما عاد من سفر: -آه.. انظري، هناك ثلاث شجيرات موز مثمرة! -أعرف.. -علي أن أقص أغصان العريشة و"المزّيكا".. إنها تمنع ضوء الشمس عن باقي النباتات. -... -هل نشاهد فيلم فيديو هذا المساء؟ -نشاهد.. جلس على السجادة الممدودة صيفاً شتاء -كما يحب- يتابع أحداث الفيلم، وأنا أشعر بالملل، ولا رغبة لي بمشاهدة أفلام. نظرت إليه... مستغرق بالمتابعة بكل حواسه، وقد نسيني.. نسيني، وقد عاد البارحة فقط من السفر!! اندسست جالسة بين ساقيه الطويلتين الممدودتين.. تحرشت به. داعبت بأناملي ذراعه؛ فلم تقف ولا شعرة واحدة!.. وبقي منسجماً مع الأحداث.. أحداث الفيلم طبعاً! سألني وعيناه مازالتا تحدقان في الشاشة اللعينة: -مابك؟! -لا شيء.. أتحرش بك فقط. -... -هل.. الفيلم ممتع جداً؟ -أجل! -ألا.. يمكننا أن نلهو قليلاً؟ -نلهو؟!.. أنت تعرفين يا كارمن. -أعرف.. لا داعي أن نلهو حتى النهاية.. نلهو ولو قليلاً! -... تركته وذهبت إلى الفراش.. بقيت مستلقية حتى أتعبني التفكير الذي لا يجدي على أي حال.. ثم نمت. زرتني أنت في الحلم! حلمت أني أكتب لك رسالة، وما إن أوشكت على الانتهاء حتى جاءتني سناء.. قلت لها: "أكتب رسالة للرجل الذي نحبه أنا وأنت!!". **** بعد يومين ستأتي الذكرى العشرون لزواجنا.. لكن بيتر أراد العودة بعد يومين إلى دمشق من أجل بعض اللقاءات والاستعدادات لعمله الجديد. سألته: -هل عليك حقاً أن تسافر غداً إلى دمشق؟ -أجل يا كارمن.. لقد اتفقت مع نبيل والدكتور شاهين على اللقاء غداً.. علينا أن ننهي الأمور بسرعة.. أريد أن نبدأ مشروعنا أخيراً.. آه صحيح.. سيكون غداً عيد زواجنا!! -حمداً لله أنك تذكرت!.. لا بأس.. نحتفل بالمناسبة عندما تعود. -حسناً.. نذهب ونتعشى في مطعم "طل القمر". (بيتر يحب هذا المطعم، وأنت تتواجد فيه غالباً عندما تكون في القرية، وتدعو ضيوفك للغداء.. فهل سأراك هناك؟!). وسافر بيتر إلى دمشق، ثم اتصل بي هاتفياً من هناك، وكنت قد نسيت أنا أيضاً المناسبة: -أطيب الأمنيات لك! -لماذا؟! -عيد زواجنا العشرين! -يا إلهي.. لقد نسيت! (من المؤسف؛ بل من المؤلم أن ننسى.. لقد أصبحت مناسبة كهذه تفوتنا لأول مرة!!). ذهبت مساء إلى سوسن أزورها.. تجولنا معاً في أرجاء المدينة الساهرة في مهرجانها السياحي؛ ثم بت الليلة عندها. **** اتصلت بي ريما: -يا خائنة.. لماذا لم تتصلي بي، وأنت تعرفين أن خطيبي قد عاد من السفر؟ -الحمد لله على السلامة.. أعرف أنه عاد لتوه؛ ولكنك مشغولة به حتماً الآن، وأنا مشغولة.. فقد عاد بيتر أيضاً، كما تعلمين. -أود أن يتعرف يونس على بيتر؛ فهل يمكننا أن نلتقي؟!.. أنا في القرية. -سنذهب هذا المساء إلى مطعم "طل القمر"؛ فما رأيك أن نلتقي هناك؟ -حسناً.. اتصلي بي فور وصولك إلى هناك. -لا داعي لذلك؛ فنحن سنأتي إلى القرية لنزور سريعاً أسرة سناء.. هل أنت في المنزل مساء؟ -أجل.. -أراك إذن هناك ونذهب سوياً إلى المطعم. دلفت مع بيتر إلى الشرفة، حيث تجلس أختك مع زوجها وضيفيهما.. لم تكن ريما هناك!! ولم تكن أختك تعرف بما اتفقنا عليه صباح اليوم، وقالت أنك جئت فجأة وطلبت من ريما ومن خطيبها أن يرافقاك إلى المدينة.. جئت فجأة مسرعاً لدرجة أن ريما لم تجرؤ على الدخول إلى الغرفة لجلب حقيبتها؛ بل أرسلته.. أرسلت خطيبها يونس ليجلبها لها!! (يالك من استبدادي، ويا لها من...! إنها لا تجرؤ أن تجلب حقيبتها بنفسها؛ فكيف تجرؤ أن تخبرك أننا كنا على موعد مساء اليوم؟!!). أزعجنا تصرف ريما.. لقد تصرفت معنا بمنتهى الفجاجة وعدم اللباقة. في الحقيقة.. أنا لم أعرف ريما، وأمها أيضاً، إلا كذلك؛ وأعذرهما -رغم انزعاجي- لأني أعرف تماماً أن المرء يبقى ابن بيئته التي ترعرع فيها، ولكن التأقلم ضروري عندما يعيش الإنسان في بيئة مغايرة، ويحتك بأناسها.. ضروري ليكتسب منهم عادات اجتماعية تسمى أصولاً.. أليس كذلك؟! إن درجة التأقلم تختلف باختلاف الشخص وخلفيته الثقافية.. وهنا تكمن مشكلة أسرة أختك!). أذكر أول مرة دعتني فيها أختك لتناول الطعام عندها.. كان ذاك في العام الفائت، وقد حل بيننا شهر رمضان.. جئت إليها قبل الإفطار بحوالي الساعة، وكانت بادئ الأمر لوحدها في البيت، ولم يكن في المطبخ مايدل على أنها منهمكة في إعداد طعام الإفطار. قالت لي: -لقد قال لي أبو ياسر أنه سيجلب طعاماً جاهزاً معه. وجاءت ريما، ثم جاء أبوها؛ لكنه كان خالي اليدين! بادرته أم ياسر بالسؤال: -ألم تقل لي أنك ستحضر طعاماً جاهزاً من السوق؟! -أنا؟!.. لا لم أقل لك ذلك!! -لأسرع إذن إلى المطبخ وأعد شيئاً من طعام البارحة!!! وتم إعداد ماتبقى من طعام البارحة: نصف رأس خروف مسلوق فوق جاط من البرغل، مع حساء عدس وشيء آخر يسبح فيه، وصحناً من سلطة خضراء لم أعد أذكر محتوياتها.. إضافة إلى خبز بائت منذ أيام يتكسر بمجرد اللمس!! أنا لا أحب التعقيدات والرسميات، وأحب أن يشعرني من أزوره أني "من أهل البيت"؛ لكنها كانت أول دعوة من أختك، وكانت تعرف أني قادمة في ذاك اليوم بالتحديد؛ فأنا لم أزرها فجأة حتى تجود بالموجود! ذهبت أنا وبيتر إلى "طل القمر" لوحدنا.. كان روّاد المطعم كثيرين، والموسيقى تصدح والمساء لطيف؛ لكننا كنا نشعر بالملل، ونحاول عبثاً أن نبعده، ونحن نتسلى بتناول المقبلات.. قلت لبيتر، وقد شارفت الساعة على الحادية عشر إلا ربعاً: -سأطلب سيارة. وبينما نحن جالسين ننتظر السائق حانت مني التفاتة إلى القسم العلوي من المطعم لأراك تدخل مع أربعة رجال آخرين! -انظر يا بيتر من جاء إلى المطعم الآن! -أتظنين حقاً أنه هو؟! -طبعاً.. شعره الأشعث وحركات يديه العصبية! -لكنه رجل هادئ! -رجل هادئ؟!.. أنت لا تعرفه حقاً.. إنه هو. -لا.. ليس هو؛ بل رجل يشبهه. (إن الله يخلق من الشبه أربعين؛ ولكن لا أظن أنه خلق مجنوناً يشبهك!). نظرت مرة أخرى حيث تجلس؛ فرأيتك تنظر إلي. نهضنا خارجين، وبيتر يطلب مني، ونحن نعبر بين الطاولات، أن أمعن النظر لأتأكد من صحة كلامي، أو كلامه!! (تصوّر هذا الطلب!..). ..لكنني لم أجرؤ، وخرجت مسرعة إلى السيارة. **** ذهبت ليوم واحد إلى دمشق لتجديد عقد استئجار الشقة، وبقي بيتر في اللاذقية يقلّم أشجار الحديقة.. وفي المساء زرت مايا.. مايا مطلّقة تعمل مديرة مكتب، مستقلة وسعيدة بعملها ومعارفها كثر.. اقترحت علي أن تتصل بصديقها زهير وتعرّفني عليه ونذهب سوية للعشاء؛ فوافقت.. قالت لي تحذّرني، ونحن نخرج من مكتبها للقائه: -..إنه يقسم لي أنه يحبني، ورغم ذلك لا يقصّر إن سنحت له فرصة! -لا تقلقي.. لن تسنح له معي أية فرصة. -أعرف.. ولكن تحسباً من إمكانية أن يطرق بابك يوماً، أو يتصل بك هاتفياً بحجة أنك صديقتي ويريد أن يقول لك مرحباً؛ فمن الأفضل أن تقولي له أنك تقطنين حالياً مع أختك أو أخيك!! استغربت اقتراحها، ولكنني طبعاً وافقت أن أكذب هذه الكذبة من أجلها. تناولنا العشاء في شرفة أحد المطاعم بالهواء الطلق، ثم أوصلني زهير إلى بيتي، فدعوتهما لتناول الشاي عندي. سألني زهير، ونحن على وشك أن نترجّل من السيارة، إن كنت أقطن وحدي.. نسيت وصية مايا؛ فأجبت بنعم ولم أستدرك إلا عندما رمقتني مايا بنظرة عتب ودهشة وتحذير؛ فأردفت بسرعة: -.. أقطن وحدي؛ ولكن في شقة أخي التي فصلها مؤقتاً بواسطة باب داخلي إلى قسمين.. إنه يقطن هنا. وأشرت بيدي إلى باب مجاور كان في الواقع باباً لشقة أخرى لا أعرف أصحابها!! **** آخر مساء لي هنا قبل سفري إلى ليلى.. جلسنا كعادتنا على كرسيين متقابلين نرقب من سطح منزلنا شمساً حمراء تغرق ذائبة في حضن البحر. أشعل لي السيجارة التي نسيتها بين أصابعي وأنا غارقة بأفكاري، ودارت الأسطوانة الليزرية في الجهاز: con te partiro.. كان أندريا يشدو.. ونجحت في كتم مشاعري، بادئ الأمر؛ لكن سرعان ماتملكني الشجن عندما بدأ يغني أغنية أخرى حزينة جداً؛ ففقدت السيطرة على انفعالاتي.. كان بيتر يعانقني، وأنا أبكي.. لا أدري متى بدأ البكاء، ولا متى ضمّني بيتر إليه.. كنت أبكي من جنوني، ومن يأسي، و.. منك! أبكي من أجله، ومن أجلي، ومن أجل ليلى.. وهدأت نفسي؛ فابتعد عني بهدوء، وجلس يرقبني بصمت ويدخن. **** التوصيات الأخيرة قبل أن أسافر إلى دمشق وحدي عصر ذاك اليوم من أواخر شهر آب: -... أرجوك أن تأكل جيداً.. لقد أعددت لك كالمرة السابقة ما يكفي من طعام مطبوخ؛ فلا تهمل نفسك وتأكل فقط جبناً وزيتوناً وزعتراً، وتترك نصف الأكل ينتظرني عندما أعود. -نعم.. نعم. -لقد كتبت لك كالعادة المحتويات على غطاء كل علبة، وماعليك سوى تسخينها.. أخرج مساء كل يوم من الجمّادة علبة من أجل غداء اليوم التالي. -... يوجد أيضاً برغل وأرز حسب ماترغب مع الوجبة، وطعام مطبوخ بالزيت يلائم الجو الحار! -حسناً "يا أمي.. لا تقلقي بشأني.. لن أهمل معدتي هذه المرة لا تغضبي!! وتبادلنا القبل على الوجنتين: -إلى اللقاء إذن.. -إلى اللقاء.. اتصلي بي فور وصولك. **** انطلقت بي الحافلة إلى دمشق، وفي المساء زرت مايا.. أخبرتها عن رغبتي بالحصول على عمل كي لا أقضي أيامي كمداً وخمولاً.. ولأهرب من التفكير بك. لأقتل في دمشق الوحدة التي تقتلني في القرية.. فحياة الناس اليومية لم تعد توحي لي بالكثير من الخواطر أكتبها للمجلة، وعهد التحقيقات الصحفية انتهى، إذ لم تعد للسفر سوى وجهة واحدة. وعدتني مايا خيراً؛ فلابد أن تعلم بوجود شاغر ما بحكم عملها واتصالاتها وصداقاتها، وأنا رغم أني ابنة دمشق فأنا لا أعرف فيها سوى الأهل؛ بحكم أسفاري وغربتي الطويلة وسكني بعيداً عنها بعد رجوعي. المؤهلات لا تنقصني، وأنا واثقة أن بإمكاني التأقلم بسرعة.. أنا لا أخشى البدايات. سهرت عند مايا حتى العاشرة؛ فطائرتي ستقلع الساعة السادسة والنصف من صباح الغد، وسيارة الأجرة ستكون بانتظاري في الساعة الرابعة والنصف لتقلني إلى المطار. جاء السائق في الوقت المحدد، وانطلقت السيارة، والعتمة مازالت تلفّ المدينة الخاوية كوشاح أسود.. أغادر دمشق، وأنت ستنهض بعد قليل لتسافر عائداً إليها من اللاذقية.. أتساءل إن كنت أنت من اتصل بي مرتين بعد عودتك من السفر، ولم تتكلم! لم أغلق السماعة بسرعة؛ بل انتظرت كل مرة وطلبت من الذي على الخط الآخر أن يتكلم؛ لكنه كان كل مرة ينتظر ثم يغلق الخط بعد أن أنهي جملتي! لا.. لا يمكن أن تكون أنت.. كفاني أوهاماً.. أنت تهرب مني؛ لأن الشيء الوحيد الذي لم يكن في حسبانك هو أن أحبك! أنت تخشى الحب.. تخشى أن تحبك امرأة؛ فكيف إن كانت امرأة متزوجة؟!! تريد أن تكون حراً، والحب بالنسبة إليك قيد، لأنه التزام.. لكنه التزام جميل.. التزام لا يمليه الواجب؛ بل الشعور. لا بأس.. نحن أخوة.. لقد جعلتني أختك؛ ولكن يصعب علي أن أجعلك أخي! وما حاجتي أنا لأخ جديد، وأخوتي ممن لم تلدهم أمي كثيرون؟!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |