|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:08 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الخريف الثاني:سافرت البحار.. لم تأخذ السفينة اليوم السبت.. اليوم الأول من عطلة نهاية الأسبوع. وطئت قدماي أرض المطار الكبير المزدحم دائماً.. وطئت قدماي أرضه للمرة الثالثة منذ سفر ليلى.. كانون الأول.. نيسان.. ثم آب. مددت يدي بجواز السفر لضابط الأمن القابع وراء الحاجز الزجاجي؛ لكنه ما إن لمح لونه وشارته المميزة حتى قال لي شكراً، وأعدته إلى مكانه دون أن يفتحه؛ فأنا مواطنة منذ عشرين سنة في هذا البلد الذي يحترم مواطنيه.. هبطت السلم الكهربائي إلى حيث تسليم الحقائب.. نظرت مرات عبر الجدار الزجاجي وأنا أنتظر مرور حقيبتي على الشريط الدائري المتحرك فلم ألمحهما.. حماتي وحماي! حملت حقيبتي الخفيفة (فباقي حاجياتي مازالت هنا منذ زيارتي السابقة)، وجلت بعينيّ مرة أخرى بين الجموع فلم أجدهما! ثم.. سمعت فجأة صوت بيتر الأب يناديني، فأقبلت نحوه أحاول رسم ابتسامة على وجهي: -مرحباً بيتر! -مرحباً كارمن هكذا تكون المناداة في هذا البلد الأوروبي.. لا عمي ولا امرأة عمي؛ بل الأسماء المجرّدة فقط، وكذا الأمر بالنسبة للأعمام والأخوال والعمات والخالات حتى وإن كان المنادي طفلاً صغيراً، ويستثنى من القاعدة الجدّين فقط!.. اسم والد زوجي هو أيضاً بيتر، وكذا اسم جده.. فحمداً لله أني لم أرزق صبياً.. ربما توجّب علينا أن ندعوه بهذا الاسم، خاصة وأنه أول الأحفاد، ليصبح بيتر "الرابع"! .. عندما ولدت ليلى وأردنا أنا وبيتر تسميتها بهذا الاسم احتج الوالد بأن الاسم هو اسم لسلالة كلاب!! هرعت إلى ليلى فاحتضنتها، وقبّلت جديّها على الوجنات، وتبادلنا عبارات المجاملة، ثم قاد المليونير بيتر سيارته الجاكوار إلى البيت.. إنه مصطنع في كل شيء حتى في مزاحه. اصطنعت ضحكة لأوهمه أنه خفيف الدم فعلاً، ثم التفت إلى ليلى.. تأملتها وابتسمت: -ياحبيبتي.. فرحة أنا بلقائك.. فرحة جداً أنك أصبحت تمشين من جديد وتتكلمين.. لقد ازداد وزنك وازددت جمالاً. ضحكت ليلى ومدت لي يدها بهدية: -هذه هدية لك ياماما.. صنعتها لك في المعسكر الصيفي. -شكراً ياحبيبتي. فتحت الرزمة الخضراء.. كانت الهدية قناعاً من الجص لوجه ليلى وضعته على وجهها بمساعدة المشرفة حتى جف واكتسب ملامحها، ثم لونته بلون فضي ورسمت الشفاه باللون الأحمر: -كم هو جميل!.. سأحتفظ به في غرفة النوم كي أراه عندما أستيقظ وقبل أن أنام، وأفكر بك كلما رأيته. **** صباح يوم الأحد أوصلتنا ماريا (حماتي) إلى "مركز التأهيل" حيث تقيم ابنتي وتخضع للعلاج منذ حوالي السنة، وتزور المدرسة أيضاً.. مدرسة خاصة في المركز. أما أنا فسأمضي أيامي التالية في نفس الغرفة التي كنت فيها المرة الفائتة. عندما آوت ليلى إلى فراشها وقبّلتها قبلة المساء، عدت إلى غرفتي وأشعلت لفافة تبغ. جلست أدخن وأحتسي كوباً من الشاي.. ".. سافرت البحار، لم تأخذ السفينة وأنت كالنهار، تشرق في المدينة الريح تبكي، تبكي في الساحة الحزينة.." وأنا أبكي.. أندريا وفيروز والبحار والسفن و.. أنت! أفكر بك أيها البعيد.. أرسلت لك بطاقة جميلة، ودونت عليها رقم الفاكس هنا.. في المركز. أبعث في نفسي أملاً جديداً كاذباً.. فعساك ولعلك تتصل بأختك المزعومة! تمددت في السرير ورفعت الغطاء حتى كتفي وأغمضت عيني.. فكرت بك، وبكل جراحاتك.. تدحرجت من جديد دمعات ساخنة على خدي، ووجدت نفسي أبكي هذه المرة بصوت مسموع: -ارحمني يا الله!.. أريد أن أعرف طعم الراحة.. لماذا لا أشعر أبداً بالرضى؟.. بالرضى عن نفسي؟! فتحت عيناي ومسحت دموعي وأنا أنظر عبر زجاج النافذة.. لاح لي في ظلمة السماء نجم يتلألأ.. أمعنت النظر إليه؛ فهدأت نفسي ونمت. ماعدا الاستقبال الحار في المطار؛ فإن ليلى اعتادت على وجودي رغم أني حضرت بالأمس فقط.. بل إنها لم تعد تشعر بوجودي! برنامجها في المركز مكثّف ما بين معالجة فيزيائية ونفسية ولغوية وسباحة وركوب خيل ومدرسة.. وأنا آتي إليها في فرصة ما بعد الغداء لأقضي هذه الساعة معها، أو في الفترة مابين العشاء ووقت الذهاب إلى النوم، لكني سرعان ما أجد نفسي وحدي أنتظر في غرفة ليلى مجيئها، وقد ذهبت هي في أثر المشرفة فلانة أو علانة ونسيتني. تقبّلت الأمر في البدء وفرحت أن ليلى ليست انطوائية، وأنها منسجمة مع الآخرين ومشغولة؛ لكني وجدت نفسي في بحث دائم عنها هنا وهناك، وأنا ما أتيت إلى هنا إلا من أجلها ولوقت معلوم ولسويعات محددة في اليوم، وهي تعرف ذلك حق المعرفة. جئت إليها؛ فلم تكن متحمسة لحضوري.. اقترحت عليها أن نتمشى في الحديقة؛ لكنها أصرت على انتظار المشرفة بربارة حتى تخرج من المكتب لتعطيها حبتي توت قطفتهما لها، وأذعنت لمشيئتها وانتظرت معها، وطال انتظاري، وبربارة مازالت في الغرفة تسجّل تقريرها اليومي، وليلى مازالت مصرّة على انتظارها وقد عبس وجهها. بدأت أشعر بالحنق؛ فقلت لليلى محاولة قدر الإمكان أن أخفي انفعالي: -أنا آتي من أجلك حتى نخرج في نزهة، وأنت تنتظرين بربارة لتعطيها حبتي توت قبل انصرافها إلى البيت، وكأنك لن تريها بعد اليوم، مع أنها ستكون هنا في الصباح من جديد، وأنا أنتظر معك طوال هذا الوقت. -... -سأذهب إلى غرفتي إذن.. إذ يبدو أن بربارة أهم مني. -... أردت أن أجس نبضها؛ فوقفت أنوي الانصراف؛ لكنها بقيت صامتة وكأن الأمر لا يعنيها البتة! لم تركض ورائي وأنا أتجه إلى المصعد لتخرج معي إلى النزهة، أو لتطلب مني أن أنتظر قليلاً، أو لتعتذر مني على الأقل. عدت إلى غرفتي وجلست فيها طويلاً أنتظر ليلى أن تأتي أو أن تتصل بي هاتفياً؛ فلم تفعل! "جميل جداً يا كارمن.. لماذا جئت إذن إلى هنا؟!.." شرعت أخاطب نفسي: ".. هاهي ابنتك لا تحس بوجودك، بل وتتصرف معك ببرود، وبقلة أدب أيضاً.. إذ كثيراً مايعلو صوتها وتخاطبك بحدة، أو تقاطعك قبل أن تنهي جملتك!... يا إلهي!.. ربما ستكبر باردة العواطف كجدّيها.. وأبيها أيضاً.. إنها تشبههما في الملامح، وستكون مصيبة إن كان للتشابه وجه آخر! لعنهم الله جميعاً.. وليلعنه هو أيضاً أكبر لعنة"! (كان المقصود باللعنة أنت طبعاً)!! أطفأت لفافة التبغ ونهضت ألوم نفسي: "حسناً.. سأذهب إليها.. إنها ابنتي، وأنا أمها وعلي أن أستوعبها، وهي مريضة وأنا هنا من أجل ماذا إذن؟!!". **** اليوم ستتزوج ريما.. دعتني ريما لحضور زفافها؛ لكن الموعد تأجل وحان موعد سفري قبله.. لن يقام حفل زفاف على أي حال، ولن أرتدي للمرة الثانية ذاك الفستان الذي أخطته من أجل زفاف سناء من قبل.. لن أراك هذه المرة أيضاً.. ربما هذا أفضل.. فقد وصلت الأمور بيننا إلى أسوأ ماكنت أتمنى؛ ولكن من حسن الحظ أنها لم تكن أسوأ مما كنت أتوقع! وماذا كنت أتوقع أسوأ من ذلك؟! أن يحتقن وجهك غضباً وتحملق فيّ، ثم يعلو صوتك و..؟!! أنت تضع اللوم كله علي بكل برود، وتحتفظ بهدوء أعصابك أمامي كي لا تعطيني الفرصة لأرد لك الصاع صاعين! تمنيت لو أنك أعطيتني تلك الفرصة لأفجّر غضبي الكامن.. أفجّره فيك، وأرمي بوجهك بعضاً من أشيائك المبعثرة على طاولة المكتب أمامك.. أتمنى لو أني أصفعك، ثم أخرج من عيادتك إلى الأبد وقد صفقت الباب ورائي بعنف! كنت أجلس قرب النافذة أمعن النظر إلى القرية المنبسطة أمامي يميناً، والغابة الممتدة يساراً.. أفكر بك وأنا أستمع إلى الموسيقى. كلاسيكية حزينة كنفسي الحزينة.. أنت في الذاكرة لا تبرحها أبداً.. كيف استطعت أن تحتلني هكذا؟! أحاول نسيانك فلا أقدر.. أحاول أن أكرهك فلا أقدر.. أشعر تجاهك بالمرارة.. (فالرجولة هي موقف لم أجده عندك أبداً وبحثت عنه عندك، ولم أجده بعد!). لقد حاصرتك كثيراً، وكتبت لك كثيراً، وتمنيت لو نجلس معاً ونتحدث.. كثيراً. وكنت تجيد دائماً التهرب مني، وتنزلق كالزئبق من بين أصابعي بإجاباتك المبهمة.. تشد الحبل ثم ترخيه وتؤكد لي كل مرة أننا أحباباً.. وكم وددت لو كنا كذلك حقاً.. تبعث كل مرة فيّ الأمل من جديد، وأجلس أنا في وحدتي أنتظر منك دون جدوى مبادرة صغيرة.. أصبح رنين الهاتف يوتّرني، فيقفز قلبي بين ضلوعي ويسبق قدماي إلى الجهاز الذي يحمل كل الأصوات إلا صوتك! ..أردتك واحة فرح، ولو صغيرة؛ لكن الحب لم يكن طوال سنة ونصف إلا من طرف واحد. رنين الهاتف جعل خواطري تتلاشى: -مرحباً يا كارمن.. أنا آناريتا.. سأحضر إليك لتناول الغداء. -حسناً. فتحت الباب ودخلت آناريتا.. امرأة قصيرة ممتلئة: -تشاو كارمن -تشاو آناريتا.. كيف حالك؟ -بخير.. تبدين مثيرة يا كارمن بهذه الثياب.. لو رآك أنطونيو لما قصّر بمغازلتك. ضحكت، وقلت لها: -مثيرة؟!.. دعك من هذا الهراء. (لقد أحببت اليوم، والجو دافئ مشمس، أن أرتدي هذه البلوزة والتنّورة الضيقتين.. صحيح أنني رشيقة القوام، ولكن لم يخطر ببالي حقاً أني قد أبدو بهما مثيرة). -ليس هراء.. أنت امرأة جذّابة، وأنطونيو... -ما به أنطوينو؟! -إنه رجل وسيم وأنيق، وأنا امرأة ممتلئة!.. أتعرفين أني كنت أكثر سمنة، وأن أنطونيو كان يطلب مني دائماً أن أنتبه إلى قوامي، ويشجعني لأذهب واشتري ثياباً جميلة؟ -... -كنت أتأمل قطع الثياب المثيرة، وأفكر، مرتين ثم.. -لا تشتريها.. -أجل.. لقد اعترف لي أنطونيو أنه خانني مع امرأة أعرفها، وأنا لم أستطع إلا أن أسامحه.. لقد أقسم لي أن المبادرة كانت منها، وأنها لحقته حتى المنزل! -ياله من رجل بريء! كانت آناريتا تحضّر في المطبخ الصغير طعام غدائها الذي جلبته معها، وجلست أنا على الكرسي قبالتها.. ضحكت آناريتا، ثم قالت: -تصوري.. إنه يخونني، ويغار علي.. يغار كثيراً. -لا أستغرب ذلك. -وأنت يا كارمن.. كيف حالك مع بيتر؟! تجاهلت قصدها وتظاهرت أنني لم أفهم. -ماذا تقصدين؟ -أقصد أن بيتر هادئ جداً.. هؤلاء الرجال الأوربيون الشماليون.. إنهم مختلفون. -أجل.. إنهم حقاً مختلفون، وهدوئهم يبعث على الجنون أحياناً! ضحكت آناريتا مرة أخرى وسألتني: -ألن تتغدي؟ -لا.. لقد أصابني الأرق، وبقيت مسهدة حتى الرابعة صباحاً، ثم استيقظت تلقائياً الساعة التاسعة والنصف.. أنا لست جائعة الآن. -لا يستطيع المرء النوم جيداً هنا. -نعم.. إن المكان ضيق نوعاً ما.. يشعرني بانقباض نفسي. لم يكن هذا هو السبب الوحيد، أو الأساسي.. فلقد بكيت الليلة الفائتة بما فيه الكفاية.. أريد أن أستريح من عناء التفكير.. أريد أن أعيش أيامي يوماً بيوم؛ ولكني لا أستطيع ذلك.. آناريتا تستطيع: -أتعرفين يا كارمن.. لقد تعوّدت أن أعيش حياتي يوماً بيوم؛ فظروف مرض ايرين تحتم علي ذلك.. أنت على الأقل استمتعت بأوقات جميلة قبل أن تكتشفي مرض ابنتك؛ ولكن ابنتي مريضة منذ زمن بعيد، وقد تعايشت مع مرضها وقبلت بالأمر الواقع.. فلا جدوى من التفكير في الأحزان. -معك حق.. الحمد لله أنها لم تعد طريحة الفراش، وأنها لم تعد بحاجة إلى كرسي متحرك. -أجل.. أجل يا كارمن، لقد أصبحت ليلى في وضع نفسي أفضل.. إنها تتقبل مرضها الآن ولديها قوة الإرادة.. لقد منحتها أنت ذلك عندما جئت إليها في المرة السابقة. -أجل، لقد أعطيتها مني طاقة كبيرة.. طاقة أتعبتني كثيراً، ولكن النتيجة كانت مثمرة والحمد لله. -إنها تشعر نوعاً ما أنها في بيتها هنا.. لقد تأقلمت مع الجو وانسجمت مع المشرفات وأقامت علاقات صداقة مع باقي الأولاد.. إنها فتاة ذكية. التقيت بعد الظهر بالطبيبة لأناقش معها إمكانية سفر ليلى إلى سورية من أجل إجازة قصيرة؛ فأخبرتني أنه من الأفضل الانتظار وتأجيل ذلك لوقت آخر بسبب كذا وكذا وكذا.. وعاد الأرق يزورني في الليل.. نهضت من الفراش حوالي الساعة الثانية، وجلست على المكتب أكتب حتى سمعت صوت الديك ينبهني إلى انبلاج الفجر.. اندسست في الفراش؛ لكن النوم استعصى علي مجدداً، وما إن تسلل أخيراً إلى أجفاني حتى أيقظني منه رنين الهاتف.. كانت الساعة تشير إلى الثامنة والنصف، وأنا لم أنم إلا ساعتين، وكانت ليلى على الطرف الآخر؛ فاليوم هو السبت.. اصطحبت ليلى في نزهة طويلة، وعدنا والجو مازال لطيفاً مشمساً منذ أسبوع.. منذ مجيئي إلى هنا.. أما صباح الأحد؛ فقد جلسنا -ليلى وأنا- في غرفة المعيشة بالمركز نشاهد معاً شريط الفيديو الذي سجلته المشرفات.. كان مسجلاً عليه برنامجاً للتلفاز المحلي الرسمي عن المركز ونشاطاته، وكانت ليلى بحق هي البطلة؛ فقد كانت اللقطات، وهي تمتطي الحصان تحتل أكبر مساحة من التصوير.. وأمضينا اليوم كله لوحدنا تقريباً؛ فمعظم الأولاد عند ذويهم في عطلة نهاية الأسبوع. لم تتغير تصرفات اللامبالاة التي تبديها ليلى تجاه تواجدي معها؛ لكن إحدى المشرفات المعنيات بأمرها مباشرة لاحظت ذلك، وأرادت أن تتحدث إلي في نفس الوقت الذي كنت أنا أنوي فيه لقاءها ومناقشتها عن ذات الموضوع. إن كل مشرفة في المركز هي بمثابة "أمينة سر" لعدد من الأولاد يلجؤون إليها عندما تعترضهم مشكلة ما، أو يشعرون بحاجة لشخص يمكن الوثوق به والبحث عن حل لهمومهم الصغيرة عنده. كانت بربارة هي "أمينة سر" ليلى.. جلسنا معا في حديقة المقهى نشرب المرطبات ونتحدث.. أدركت بربارة حجم المشكلة، وتفهمت الإحباط الذي أشعر به كأم، في ذات الوقت الذي أفرح فيه لانشغال ليلى بمختلف النشاطات؛ فاقترحت علي أن تتناول ليلى العشاء معي، وليس مع الأولاد الآخرين -كما جرت العادة- وتبقى الفترة مابين العشاء ووقت النوم مخصصة لنا لوحدنا. عندما حان وقت العشاء امتعضت ليلى عندما أخبرتها بربارة باقتراحها، ولم تبد حماسة كبيرة بادئ الأمر للذهاب إلي وتناول الطعام معي.. حيث أقيم. كانت تتذرع كل مرة بسبب ما كي نبقى مع باقي الأولاد، وكنت أطلب منها في كل مرة أن تسأل بربارة إن كانت تسمح بذلك؛ لكن بربارة كانت صارمة في كل مرة.. وأذعنت ليلى للأمر مرغمة! كنت أحاول قدر الإمكان أن يكون الوقت الذي نمضيه معاً ممتعاً؛ لكنني كنت ألحظ أنها معي، لأنها مجبرة وليس لأنها ترغب حقاً بذلك.. كنت أحياناً أذهب معها لنتمشى في الغابة، ثم نجلس على أحد المقاعد، وأقرأ لها قصة أخذتها معي من المكتبة؛ لكنها لم تكن حقاً تستمتع بذلك، وكثيراً ماكنت أراها شاردة الذهن لا تستمع حقاً لما أقرأه لها. كان ذلك يحز في نفسي؛ فقد تغيّرت علاقتها بي كثيراً عن المرة السابقة.. كانت لا تطيق فراقي.. تريد أن تراني طوال الوقت.. وكانت مقعدة وبحاجة ماسة لمساعدتي ودعمي المعنوي وتشجيعي.. أما الآن، وبعد التحسن الكبير الذي حصل لها؛ فقد أصبحت لا مبالية، وأصبحت نظراتها باردة.. باردة جداً. يبدو أنها تأقلمت أكثر من اللزوم، وليس باستطاعتي تجنب ذلك طالما أن إقامتها هنا مازالت إلى أجل غير مسمّى، كما أنه ليس بإمكاني البقاء دائماً هنا. **** بعد أسبوع كان لي اجتماع مع الفريق الطبي، والمشرفات، والطبيبة النفسانية والأخصائية الاجتماعية. ابتسمت، وبادرتهم بالمزاح، وأنا أراهم يشيرون إلي للجلوس على ذاك الكرسي في صدر المجلس، وقد توزعوا على اليمين واليسار، ينتظرون دخولي لأترأس أنا الاجتماع.. إن سمة التواضع فيهم تفرض على المرء احترامهم.. تناقشنا في وضع ليلى الحالي من كافة النواحي وتبين لي أنها مازالت لا تستطيع التركيز رغم كل الجهود والتمارين الخاصة، وأن تصرفاتها مازالت طفولية لا تناسب عمرها، ثم ذهبت في اليوم التالي للقاء المستشارة الغذائية في مكتبها الذي يقع في تلك المدينة الكبيرة، ويبعد مسافة ساعة بالسيارة عن المركز. ومضت الأيام المتبقية من إقامتي مابين انشغال بليلى واجتماعات بالمعنيين بأمرها وزيارات الأصدقاء. وحان من جديد موعد السفر.. اليوم الاثنين.. اليوم العشرون من شهر أيلول.. جاءت مارية في الصباح لتقلني إلى المطار.. استأذنت المشرفات لاصطحاب ليلى معي، وجلسنا ننتظر وصولها، والجو ماطر.. لقد استقبلني المطر عند وصولي، فأصابني الاكتئاب.. لكن الشمس ما لبثت أن أشرقت في اليوم التالي، وبقيت مشرقة حتى يوم سفري.. لم يكن وداع ليلى درامياً كالمرة السابقة، فقد قبلتني بسرعة، ثم لوّحت لي بيدها وهي تضحك وأنا أعبر الباب الزجاجي متجهة إلى البوابة.. في الخريف تبادلنا الأدوار من جديد أنا وبيتر.. أعود أنا ليسافر هو.. قبل سفره اتصلت بي مايا لتخبرني عن عمل لي في دمشق.. كانت فرحة بيتر أكبر من فرحتي، فقد أدرك مدى معاناتي وشعوري بالوحدة.. ربما تمنى أيضاً أن يكون في انشغالي بالعمل شفائي منك! (هل كان لرغبتي في العمل بدمشق سبب آخر؟.. هل كنت أرغب شعورياً بالهرب منك، ولا شعورياً أن أكون قريبة منك!؟). ذهبت مع مايا للقاء رب العمل. دخلنا مكتبه الفخم.. الفخم جداً. نادى على أحدهم بجهاز التحكم عن بعد ليجلب لنا شيئاً نشربه، ثم استرسل بالحديث مع مايا يسألها وتسأله بالتفاصيل عن أمور عائلية جعلتني أشعر بالسأم، وأنا أنتظر أن يسألني أخيراً عن شهاداتي ومؤهلاتي.. عن خبرتي وعملي! باشرت العمل في اليوم التالي في بناء تمَّ ترميمه حديثاً، وتأثيثه بأثاث خشبي أنيق لا عهد للدوائر الرسمية به! صحيح أن المركز الذي أعمل به تابع للدولة، ولكن وضعه خاص جداً. ارتحت جداً للأثاث المريح، والنظافة والنظام، ولإدارة الإعلام حيث سأعمل.. كانت إدارة الإعلام مؤلفة من أربع موظفين فقط: الأستاذ غسان وعماد والسكرتيرة فريال وأنا. جو عمل مثالي.. أشعة الشمس التي تسللت عبر النوافذ الواسعة وغمرت المكتب نوراً غمرت قلبي فرحاً بالعمل الذي ينتظرني لأنجزه.. عدت إلى دمشق.. مدينتي التي ولدت فيها وكبرت وعشت أول عشرين سنة من عمري.. عدت إليها وقد تغيرت ملامحها كثيراً. نمت المدينة في عقود قليلة من الزمن نمواً لم تعهده مثيلاتها في قرن كامل! جفّ نهرها الذي طالما تغنّى به الشعراء، وأصبح مستنقعاً، فاستعاض سكانها عن خريره بنقيق جوقة الضفادع التي تقطن جوفه. لم تعد النسائم تحمل منه عبق أزاهير تنمو على ضفتيه، بل رائحة كريهة لجثة نهر تتفسخ.. وحدها الأشجار التي نمت على جانبيه ما زالت صامدة حتى تنضب آخر قطرة ماء تمتصها من أعماق تربته التي تجف رويداً رويداً كما جف سطحها. مات النهر الذي كان منذ زمن ليس بالبعيد يزور أهل المدينة في بيوتهم، جارياً في قنوات تصل بينها.. كانت النسوة يرسلن الفاكهة لبعضهن البعض عبر القنوات، وهن يتنادين من وراء الجدران، والرجال يتوضؤون من مائها، والأطفال يتراشقون بالرذاذ. كان بردى هبة دمشق.. ومات بردى فلم يبك عليه أحد، ولم يرث لحاله أحد، ولم يحاول إعادة الروح إليه أحد، وكأن موته أمر محتّم وطبيعي. حرام أن تكبر المدينة وتتغيّر معالمها إلى حد التشوّه.. هذه المدينة التي ولد التاريخ من رحمها.. حرام! قلت لي، والسيارة تنطلق بنا في تلك الأمسية: -أنا أكره هذه المدينة.. أشعر دائماً بالانشراح عندما انطلق منها باتجاه القرية، ثم بالانقباض عندما أعود باتجاه دمشق! نظرت إليك أعاتبك على كرهك العلني لمدينتي: -لكن دمشق لم تكن كذلك. -نعم، لم تكن كذلك.. إنهم التجار الذين شوّهوها! (التجار؟! لقد ازدهرت دمشق منذ أقدم العصور على أيدي تجارها!) لذت بالصمت.. لأني لم أشأ أن أفسد جو الأمسية الجميل بنقاش قد يطرق أبواباً أخرى!! لقد سحرت دمشق الروائي هاني الراهب عندما جاء إليها من اللاذقية لأول مرة.. قال في لقاء معه أنها سحرته ببناتها وياسمينها ونظافة شوارعها، واعترف أن دمشق قبل أربعين عاماً هي غير دمشق التي نعرفها اليوم.. وأن سكانها كانوا من أكثر الناس دماثة.. لا يجعلونك واحداً منهم، ولكنهم يرحبون بك، ويحترمون خصوصيتك.. فكيف تكرهها بدل أن تشفق عليها؟ **** القلق هو رفيقي الدائم.. هناك في الغربة، كان القلق يعبث بي في الليالي عندما آوي إلى فراشي... أفكر في السنوات القادمات وأتساءل إن كنت سأمضي عمري الباقي كله في الغربة. الغربة يحملها المرء معه فور رحيله لتكون زوّادته منذ اللحظة التي تطأ فيها قدمه الأرض الغريبة، وأنا حملت زوادتي معي منذ اللحظة التي وطئت فيها قدمي أرض ذلك المطار الكبير متأبطة ذراع زوجي الأجنبي.. أحببت في بلاد الغربة نظامها ونظافتها، والتزام أهلها بالعمل والمواعيد، وسهر الدولة على راحة مواطنيها.. طبيعتها جميلة.. يهتم الناس بالمحافظة عليها، فلا يشوهوا جمالها بأبنية قبيحة، ولا يرموا فيها قمامتهم.. طبيعة جميلة نظيفة منسقة، لكنها تفتقد إلى الرومانسية. تلك الرومانسية التي أجدها في طبيعة بلادي رغم الأبنية القبيحة والقمامة واستهتار الناس! كنت أفتقد الرومانسية في الطبيعة، والدفء في قلوب الناس.. كرهت في بلاد الغربة برودة عواطف أهلها، وتعجرفهم، وضيق أفقهم أحياناً.. مللت من أسئلتهم التقليدية: المرأة والحجاب، المرأة والرجل، الإسلام ومحرماته.. إسرائيل" المسكينة" والعرب المتربصون بها! أسئلة تتكرر دون أن يتكبدوا عناء البحث عن أجوبتها بأنفسهم، ثم مناقشتي فيها كما أناقشهم أنا في قضاياهم. أغرب سؤال سمعته كان عندما دعونا مرة لزيارتنا زوجين أتوا حديثاً للسكن بجوارنا. تبادلنا الأحاديث عن الطقس والأولاد والجيران وأحوال البلدة وغير ذلك من الأحاديث التافهة التي لا مفر منها أحياناً حرصاً على اللباقة، ولعدم إحراج الطرف الآخر إن كانت اهتماماته لا تتعدى هذا المجال المحدود. ثم.. ومن حيث لا أدري تغيّر فجأة مجرى الحديث، وأصبح "العالم الغريب" الذي جئت منه موضع اهتمام غابي وزوجها مارسيل الذي بادرني بسؤال لا يخطر ربما على بال طفل أن يسأله.. فما بالك برجل تجاوز وقتها الثلاثين من عمره! سألني مارسيل ببداهة وبلاهة: -هل تعرفون، وتستعملون فراشي الأسنان؟! من حسن حظ مارسيل في تلك الأمسية أنني لجأت إلى طريقة العد إلى عشرة المحمودة، ولم أفتح فمي جيداً لأبرهن له على سلامة أسناني، ومعرفتي بفرشاة الأسنان، وبالمسواك أيضاً.. فرشاة أسنان أجدادنا أيام كان أجداد مارسيل لم يكتشفوا الفرشاة بعد، وكان القمل يسرح ويمرح في رؤوسهم! منذ تلك الأمسية أصبح غابي ومارسيل حذرين في طرح الأسئلة.. ربما لأنهم اكتشفوا بأنفسهم أننا لا نمسح مؤخرتنا بأوراق الشجر!! (هكذا هم معظم الناس، وليس كلهم.. فأصابع اليد ليست واحدة، ولي من مواطني تلك البلاد أصدقاء متسامحين ومحبين يحلو الحديث معهم) الشعور بالقلق ملازم دائماً للشعور بالغربة.. كنت أقلق من شيء مجهول يحمله لي المستقبل.. شيء لا أدري كنهه، وكنت في نفس الوقت أخاف... أخاف أن أموت في الغربة، وأدفن في أرض غريبة باردة.. لم يكن الموت بحد ذاته يخيفني أبداً.. أنا لا أخاف الموت، ولا أخاف المجازفة.. لا أخاف السفر ولا أخاف الفأرة التي تخافها النساء!! (يا لها من مسكينة تلك المخلوقة الضعيفة.. الفأرة!) عدت إلى الوطن.. إلى أحضانه، لكنني لم أجد فيه الدفء الذي كنت أبحث عنه، وعاد القلق من جديد ليصبح رفيقي. الشيء المجهول الذي كنت أتوجس أن يحمله لي المستقبل، لم يعد مجهولاً، فقد تجسّم لي القلق ثلاثي الأبعاد.. مرض ابنتي هو عمق القلق.. أهم أبعاده.. أما بيتر وأنت، فطول القلق وعرضه! كان بيتر يتركني دائماً ويسافر إلى بلده.. حيث عمله. كنت أتحمل غيابه، فعلاقتنا هي على أي حال من نوع آخر، فأنا أفتقد فيه عقل الصديق، ولا أفتقد جسد الزوج، أو أشواق الحبيب، وكانت ليلى تملأ وقتي وتشغلني بمسؤوليتي تجاهها، وتؤنسني بوجودها. أما الآن.. فأنا وحيدة حقاً. وأنت؟.. كيف أحببتك كل هذا الحب؟! لا أنتظر جواباً منطقياً.. متى كان الحب منطقياً؟! لقد تسلّقت جبالاً مكللة بالثلوج في سويسرا. عبرت بالسيارة الغرب الأمريكي حتى المكسيك وأنا في مقتبل العمر وحدي مع جدة تجاوزت الثمانين من العمر! طرت بالحوّامة فوق بركان ثائر في هاواي دون خوف، وسمعت زمجرة النمر في أدغال ماليزيا، وليس معي سوى سكين لن يمنع النمر من التهامي! جرّبت قدرتي على تحمل الغثيان في قارب سريع ترفعه الأمواج العاتية ثمانية أمتار، ثم تهوي به في ثوان وسط محيط هائج عند سواحل جزر تاهيتي. حاول سائق سيارة أجرة في تايوان ابتزازي، ووقف أمامي متحفزاً بطريقة الكونغ فو وهو يصرخ بالصينية لإخافتي، فما كان مني إلاّ أن قلدته الحركة والصراخ فلاذ بالفرار وهو لا يعلم أني لا أفقه من الكاراتيه شيئاً! وحاول بعض رجال الشرطة تجاوز سيارتي في الأردن بسيارتهم بالقوة، ودون وجه حق، فترجلت من السيارة وتقدمت نحو السائق، وقد انحشرت سيارته في الزحام، لأجذبه من ياقة قميصه، وأنا أهدده ببطاقة سحبتها بسرعة من جيبي، وكأنها بطاقة حصانة دبلوماسية، ثم أعدتها بنفس السرعة كي لا ينتبه، وأنا أقسم أن أخرب بيته، فبدأ يعتذر ويتوسل وهو لا يعلم أن البطاقة كانت مجرد بطاقة اعتماد من البنك! أول صفعة تلقاها رجل مني كانت منذ أكثر من عشرين عاماً، وكان هو يكبرني بعشرين عاماً.. تجاهلته سنة كاملة رغم أن ظروف العمل كانت تجمعني به معظم الأحيان، ولم أصفح عنه إلا عندما وقف أمامي يبكي كالطفل لأنه لم يعد يحتمل! (عديدة هي المرات التي تمنيت فيها لو.. ولم أجرؤ لأنك لم تعط انفعالاتي فرصة، ولأنك ذو سطوة ومهابة، ولأني أحبك.. كنت ألمح آثار أصابعي الخمس حمراء على.. خدك.. في مخيلتي فقط!!) أجل يا عزيزي.. هذه أنا. لا أروي لك أحداثاً من نسج خيالي، بل أروي لك أحداثاً صحيحة مئة بالمئة، ليست سوى غيض من فيض، والله على ما أقول شهيد، وكذلك بيتر!! كنت جريئة وشجاعة وخالية البال.. أستعرض أحياناً شريط الماضي في بالي، وكأني أستعرض أحداث فيلم من أفلام المغامرات بطلته ليست أنا.. فأضحك في سري وأنا أفكر أنه لولا الذكريات والصور والوثائق لما صدقت أنني أنا البطلة! كانت رباطة جأشي، و"آية الكرسي" تكفيني لأنجو من المأزق مهما تكن.. لكن مأزقي معك مختلف.. وقد طال أمده سنة وسنتان.. سنتان لم تنفع فيها "آية الكرسي"، ولا الصلاة، ولا الصوم! *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |