شهداء وعشاق فـي بلاد الشام - د.ناديا خوست

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

وصل قدري فجأة إلى دمشق. نزع ربطة عنقه السوداء وهو بعد في القطار. لم يجد مكانا في فندق فيكتوريا فنزل في فندق داماسكوس بالاس. قال لنفيسة: يعج الفندق بالضباط! فعاتبته: بيتي سيّاح نيّاح، لا تنزل فيه؟! وتقول إنك أتيت لتطمئن علي وعلى منور! لكن ما بك يا قدري؟ تكدرت ملامحه. وأدهشه أن يقول في بساطة: ماتت فاطمة! رفعت نفيسة كفها إلى خدها. غصت بريقها. لا تنقلي الخبر الآن لمنور أو لخالد آغا! تكفيهما الحرب! ولا تؤاخذيني لأني لن أتغدى في بيتك! يجب أن ألتقي أصحابا أتى بعضهم من بيروت!

فوّت قدري وداع نوري لكنه اطمأن على منور. وطلب خالد آغا في المقهى. وجده جالسا يحدق في الطاولة، غارقا في حواره الطويل مع نفسه. أهذا هو الرجل الذي كان يبهر قدري بعنفوانه؟ وقف برهة كأنه يتابع عتبه. تشعر بأنك وحيد بين أصحابك يا خالد آغا؟ نعم، نعم، يرون البلاد كما تبدو لهم، وأرى ما وراء ذلك! فيستسلمون لسعادتهم أو لحزنهم كحدث محدود، وأتنبأ بالكوارث فأضيّع الغفوة قبلها! وأفقد الحلو الذي يتذوقونه! وأستبقهم إلى المرّ الذي يستبعدونه! آه، لا يستطيع أن يكون إلا كما هو! لماذا لم يفحص نفسه قبل اليوم؟ حتى سنة الحرية كان يتصور أنه يجد الدنيا في الصباح كما تركها في المساء!‏

مشى قدري إليه وسعل لينبهه. رفع خالد آغا رأسه وهبّ واقفا: أهلا، أهلا! أتيت والدنيا تفور! يطمئن على منور ونفيسة وعلى الشام! لماذا لم تكلّفنا بذلك يا قدري! لكن لا تطلب منا أن نطمئنك على دمشق! كأنك يا خالد آغا، تجعلني، وأنت تستقبلني، في موقف الوداع! اجلس! نعم، في وداع زمن يا قدري!‏

ساحا في الأمس. تذكر خالد آغا استنبول وأشفق عليها. مدينة جميلة ذات ذوق وحضارة! استنبول على سبعة تلال، على خليج كأنه صمم ليكون مرفأها، سكانها الآن مليون إنسان، تضيئها الكهرباء منذ سنة 1912. لم يكن يملّ من تأمل القرن الذهبي! شماله بيرا الاوروبية التي تفرج في مسارحها الثلاثة على مسرحيات قدمتها فرق فرنسية. هل تنسى يا قدري أننا تغدينا وتعشينا في فندق بيرا بالاس؟ لا تؤاخذني يا قدري، لكن عندما كان يجتمع أصحابك السياسيون والضباط العرب في استنبول كانوا يظنون أنهم يملكونها! وأنت يا خالد آغا هل كنت تجهل وأنت تستمتع بغدائك في فندق بيرا بالاس أن الدولة مرهونة؟ ينظم شرطتها الضابط الإنكليزي ديديس. وفي الجيش بعثة عسكرية ألمانية وبعثة إنكليزية. نقر خالد آغا الطاولة بأصابعه مرات: لكن الاتحاديين دفعوا البلاد آخر خطوة إلى الهاوية! تذكر طلعت: لم أحبه أبدا. نفرت منه منذ رأيته في سالونيك: شعر كثيف أسود، وحاجبان كثيفان، وأنف معقوف، ماسوني كان موظفا في البريد. يا قدري، مشروع الاتحاديين الظاهر تحديث الدولة. تخرّب الدول بالمشاريع العظيمة! في بلادنا سكك حديدية وبريد وتلغراف وتلفونات. في استنبول 110 سيارات وفي بقية البلاد خارجها 77 سيارة. نتنقل بالخيل والعربات والقطارات والبواخر. ليس خطأ أن نتقدم إلى مستوى أوربا، لكن كيف؟ يمسك الاوروبيون بمصلحة الديون، فيراقبون الدخل. فهل هؤلاء سيساعدوننا على التقدم؟! قال قدري: الحرب الآن كبرى الكبائر! ما رأيك في أن نمشي خارج المقهى؟ التفت إليه خالد آغا! سنمشي إلى حديقة الأمة. لكن قل ما تريد هنا أيضا! لا يوجد من يتنصت! أعرف كل من في المقهى!‏

يوم أوصت الدولة ببناء بوارج حربية في إنكلترا تبرعت شفيقة بسوارين من الذهب. وأجبر خالد آغا زوجته رابية خانم أن تتبرع للأسطول، كنساء دمشق، فتبرعت بسوار ذهبي مرصع بالألماس. وتبرعت نفيسة بقرطيها الألماس. انتهى بناء الرشادية والسلطان عثمان الأول. لكن تشرتشل أمير البحرية أمر بمصادرتهما. مع أن الحرب لم تعلن بعد. هل عرف أن مفاوضات سرية عقدت في أواخر تموز في استنبول بين الصدر الأعظم ووزير الخارجية سعيد حليم، وطلعت وزير الداخلية، وأنور باشا وزير الحرب، بعد الإنذار النمساوي الهنغاري لصربيا؟ كانت سرية حتى عن جمال باشا وعن اللجنة المركزية للاتحاديين! بعد التوقيع سرا على الاتفاق مع الألمان أعلن الصدر الأعظم التعبئة العامة مع بقاء الدولة على الحياد.‏

على هامان يا فرعون؟ لا يملك خالد آغا معرفة الأسرار. لكنه يملك الحدس. قال لقدري: سجّل في الثكنات من وقعت عليه القرعة في بيروت ودمشق لأن الاتحاديين اتفقوا على الدخول في الحرب!‏

صحيح يا خالد آغا! وصلني من استنبول خبر عن اجتماع سري بين أنور والسفير الألماني في أول آب. طلب رئيس البعثة الألمانية ليمان فون سندرس أن تبحر البارجتان الألمانيتان بريسلاو وغوبين إلى البحر الأسود. وأبحرتا!‏

خمّنت يا قدري، دون أن تصلني أخبار، أن الاتحاديين وقعوا اتفاقية مع ألمانيا. لولا ذلك لما وصلت البارجتان الألمانيتان! فسألني صاحبي أبو بديع: ألسنا مع الألمان على كل حال؟ ألم يمدوا سكة الحديد إلى الحجاز، ألم نستقبل في دمشق غليوم ونحتفل بزيارته الأموي وبإكليل البرونز الذي أهداه لضريح صلاح الدين؟ فقلت له يا ليته لم يزر الأموي! أهدانا إكليلا من البرونز يمكننا أن نصنع مثله، وانتقى من خزنة الأموي مخطوطات كتبت على الرقّ! يا قدري، تهمنا مصلحة البلاد! وهي ألا ندخل الحرب. لكن كيف يوقعون اتفاقية ويتفادون الحرب؟! تأمله قدري. هل فهم أيضا سبب وحدة رجل لا يرقى أصحابه إلى ما يستشفه؟! ألم يشعر قدري أحيانا بمثل تلك الوحدة؟ فماذا يقول خالد آغا الذي تميز بمزاج حار؟ وهل يستطيع قدري أن يرويه بالانحياز إليه وهما يستعيدان الأحداث؟ كم يحتاج خالد آغا أن يسمع من شخص آخر أنه يقدره ويفهمه ويوافقه!‏

احتجت إنكلترا لأن حركة البارجتين الألمانيتين تلغي حياد الدولة العثمانية. فاتفق الصدر الأعظم مع ألمانيا أن يعلن عن شرائهما. في منتصف آب تسلمهما جمال باشا وزير البحرية. استبقي طاقمهما وبحارتهما الألمان. أرأيت يا قدري؟ ذلك مدّ فقط الوقت الذي فصلنا عن الحرب! لذلك لم أر مظاهرات طلاب المدارس الذين احتجوا على حجز إنكلترا السفينتين العثمانيتين، إلا في هذا السياق، مع أنه عاطفة طيبة.‏

انتظرنا الاصطدام الذي سيكون حجة للحرب. صرنا نبكر إلى المقهى. اختفى الشباب الذين وقعت عليهم القرعة! اختفت الحمير والبغال والجمال والخيول التي صادرتها الدولة! لم تعد دمشق المدينة التي نعرفها! غيّرها الاستعداد للحرب! لم تكن الحرب أعلنت بعد لكنهم كانوا يحضّرونها: أوقف الإنكليز طوربيدا عليه ألمان: دليل على خرق الدولة العثمانية الحياد! فأغلق أنور المضيق وزرع الألغام البحرية. كأن الدولة العثمانية ألغت الاتفاقيات الدولية التي تفرض أن يبقى الممر المائي مفتوحا!‏

قال له قدري: تؤكد الأخبار التي وصلتني من استنبول أن كل ما استنتجته صحيح، يا خالد آغا! أغلق أنور الدردنيل في أواخر أيلول دون استشارة رفاقه! ثم كسب طلعت، ورئيس مجلس النواب خليل بك، وأعلنوا للألمان أن الأميرال سوشون يمكن أن يهاجم روسيا إذا قدمت ألمانيا مليوني ليرة ذهبية لدعم الجيش. أرسلت ألمانيا المال في أواخر تشرين. وضربت بريسلاو وغوبين روسيا. طلبت الوزارة والصدر الأعظم من أنور أن يأمر سوشون بمنع القصف. بعد اجتماعات وانقسامات صدر القرار: يجب الاعتذار لروسيا! لكن أنور تدخل في صياغة نص الاعتذار! فدسّ فيه: روسيا مسؤولة عن الهجوم! فرفضه القيصر الروسي وأعلن الحرب في 2 تشرين الثاني. في 3 تشرين الثاني أمر تشرتشل بقصف قلاع الدردنيل.‏

استقام ظهر خالد آغا، ولم يعد يحدق في الطاولة. انتعش. وفي ساعة عاد إلى مكانه وزمانه! هل تضاءلت المصائب؟ بل جلتها الأسرار التي كشفها له قدري، وبحثاها كرجلين كبيرين! تنهد خالد آغا. ماأقسى أن يعاشر الرجل من ليس في قامته!‏

لم يفكر قدري وخالد آغا المشغولان بالدولة في بهاء ونوري! وانشغل قدري بأصحابه مع أنه أتى من طبرية ليطمئن على منور. أبو بديع هو الذي قال: آه يا خالد آغا، لماذا أرسلت لبهاء في طبرية تلغرافا تطلب منه أن يلتحق بالعسكر؟! فرض هذه الحرب أنور وجمال وطلعت، وتعرف أن أهل سورية لم يرحبوا بها! فلماذا ترسل ابنك إليها؟ التفت إليه خالد آغا ونظر إليه كمن ينظر إلى فتى. قال: لن نحمي بلادنا إلا إذا انتصرت الدولة! يذهب أنور وجمال وطلعت، لكن الدولة يجب أن تبقى! نظر أبو بديع إليه وقال لنفسه: يا حزني عليك يا خالد آغا! لا ترى أن الشباب يفرّون كيلا يساقوا إلى الحرب! قال خالد آغا: انتقل كثير من أهل بيروت إلى دمشق خوفا من قصف الساحل. انتقلت حتى بعض الجرائد البيروتية إلى دمشق! تأمله أبو بديع: يفخر بذلك؟ سدد خالد آغا إليه نظره كمن يخترقه: إذا هزمت الدولة اقتسمت! فهمت يا أبا بديع لماذا يجب أن ندافع عنها؟ عنها لاعن أنور وجمال وطلعت!‏

عاد قدري إلى طبرية. وعاد خالد آغا إلى وحدته. لم يحضر الاستعراض العسكري. ابتعد عن الشوارع ومشى في الحارات. عبر العقيبة والعمارة والشاغور، وصل إلى الميدان، ثم عاد عابرا باب توما والقيمرية. وقف طويلا أمام الأموي. هل تطلب قوة قاهرة ترد القدر؟ يا لسعادة المؤمن الذي يقبل ما كتب له في لوح الغيب! لاب خالد آغا حتى الليل في الحارات. لكنه لم يستطع أن يبلع مرارة يقينه بأن الدولة ستهزم.‏

خيل لأبي بديع أن خالد آغا يعرف معلومات خفية عنه. ألم يهتم بمسألة علي المصري الذي اعتقله أنور؟ قال إنه يعرفه، وإن قلبه مع الدولة لامع الإنكليز، وإن مصر أنقذته من الإعدام لا هم! أليست الرسالة التي سلمها قدري لخالد آغا من علي المصري، أو ممن مثله؟‏

يحتل الإنكليز مصر. ولا طريق إليها. مع ذلك وصلت عبر لبنان رسالة إلى خالد آغا من أخيه في مصر! يطلب فيها فقط أن يطمئن عنه؟ تأوه خالد آغا. هل يكتشف الآن فقط أن عقل أبي بديع صغير؟ كم تأخر في اكتشافه! كيف يلح رجل عاقل في معرفة ما كتبه رجل لرجل آخر في رسالة؟! أوصل قدري لخالد آغا عندما خرجا من المقهى، المعلومات التي قدر عثمان باشا أنها لا يجوز أن تكتب. في القاهرة الآن مكتب إنكليزي للشؤون العربية. فيه رجال مخابرات، وينغيت الذي حكم السودان، وكلايتون الذي رافق كتشنر في السودان. وستورز. يقترحون كالفرنسيين ضم الولايات السورية. تتناول المباحثات الفرنسية الإنكليزية مصير سوريا. واعرف يا خالد آغا أن الأمير عبد الله التقى برجال المكتب. وقابل مرة أخرى ستورز.‏

فكر خالد آغا في الأخبار التي نقلها له قدري وهما يمشيان في حديقة الأمة. لكن ماذا تفيد هذه المعلومات قائدا دون جيش؟! تطلب يا عثمان باشا أن نطمئنك على صحتنا وأنت تطمئننا إلى أن بلادنا ستحتل؟ لم يحمّل خالد آغا قدري الذي يعرف الرجل الذي سيعود من بيروت إلى مصر، رسالة لأخيه. قال له: سيعرف أحوالنا من أخبار الحرب! ولم يطلب أن يشكر عثمان باشا على المعلومات التي نقلها إليه. ما الفرق بين أن يقترح كلايتون أو أن يقترح ستورز مباحثات مع أمير مكة؟ في دمشق الجيش الثامن! ودخلها الجيش الرابع! لم يرحب السوريون بالحرب لكنهم سيشتركون مع ليمان فون ساندرس رئيس البعثة الألمانية في معركة الدردنيل! مقابلهم هاميلتون الإنكليزي وغورو قائد القوات الفرنسية! سيقتل بعض العرب في معارك جناق قلعة! وسيجرح غورو وينقل بباخرة إلى فرنسا. لكن وراء كل هؤلاء رجال آخرون لن يموتوا في الحرب ولن يشتركوا فيها. سيغتنون من التزام الأعمال العسكرية ومن تموين الجيش. سيخزنون الحبوب وسيبيعونها وقت الجوع بسعر الذهب. وسيخلطون الطحين بالتراب. حجزت لجنة التكليف بضائع لا ضرورة لحجزها! سيفتقر أصحابها وسيغتني من يبيعها! وكيف سيفلح الفلاحون ويزرعون دون أبقار وحمير وبغال؟ سيأتي الفقر والجوع! وماذا يفهم رجل كأبي بديع من كل ذلك؟!‏

قدر الإنكليز أن دخول تركيا الحرب يعني تقسيم الدولة العثمانية. كتشنر المنتصر في الخرطوم، حاكم مصر، وزير حرب إنكلترا، اختار مكماهون ليمثله في مصر كمبعوث رفيع. في صيف 1914 اتصل كيتشنر بستورز وطلب أن يسأل الأمير عبد الله: في الحرب ستكون الحجاز مع أم ضد بريطانيا؟ قال خالد آغا: يعرف الإنكليز أن العرب أكثر من نصف سكان الدولة العثمانية، وأنهم يطلبون الاستقلال والمساواة بين عناصر الدولة ولا يريدون خرابها. لذلك سيخرجونهم من الحرب بالوعود! وسترى ياأبا بديع كيف سندفع ثمن اتصالات الشريف حسين بالإنكليز!‏

لنجدة روسيا قرر كتشنر الهجوم على الدردنيل. دخلت البوارج البريطانية إلى الدردنيل في 14 شباط 1915. هدف الإنكليز خط من اسكندرون إلى العراق والخليج لحماية الطريق إلى الهند. سلم أنور قيادة الدردنيل لفون ساندرز، ومصطفى كمال. في نيسان 1915 أرسل تشرتشل لاحتلال غاليبولي سفينتين حربيتين، وطائرات استكشاف، وكاسحات ألغام، ستين قطعة بحرية بدأت عملياتها في 19 شباط. قاومهم مصطفى كمال. غاليبولي مصيدة! أطلق الأتراك ألغاما على سطح الماء. ساعدتهم صخور شبه الجزيرة، والبسالة.‏

أكثر المحاربين العثمانيين في غاليبولي من العرب. الفرقة التي أرسلها جمال باشا من دمشق! طلب هاميلتون قائد الجيوش في غاليبولي من مكماهون أن يلبي مطالب العرب ليخرجهم من الساحة. وسيقول مكماهون فيما بعد: "ترك لي أمر الحركة العربية وكان ذلك تاريخا سيئا في حياتي. كان ذلك مسألة عسكرية.. بدأ ذلك من طلب هاميلتون في غاليبولي.. رجاني المكتب الخارجي أن أتخذ خطوات فورية لأخرج العرب من الحرب.. كانت أكثر القوات العثمانية في غاليبولي ومابين النهرين من العرب". انتصر العثمانيون في الدردنيل! اعتبر لويد جورج أن تشرتشل مسؤول عن الهزيمة. لكن العرب لا يزالون ضرورة في الحرب!‏

في شتاء 1915-1916 بعد انسحاب الحلفاء من غاليبولي عاد مارك سايكس من رحلة في البلقان والهند ومصر والشرق هدفها: ماذا يصنع بالشرق الأوسط بعد هزيمة الدولة العثمانية. مارك سايكس شاب غني، رحل وهو بعد في السابعة من عمره، مع أبيه إلى الشرق، درس في كمبردج، بقي في سفارة استنبول أربع سنوات، عضو في مجلس العموم البريطاني، رسام كاريكاتور، تجول في تركيا ونشر مقالات عن رحلاته. في 1915 أصبح في مكتب الحرب. هو الذي يقترح البدائل والتسويات ومصير الدولة العثمانية! قابل ستورز وكلايتون في مصر. رأيهما: أن تصبح سورية الطبيعية إنكليزية ويعوض على الفرنسيين! ما رأي سايكس؟ أي كاريكاتور سيعده للأرض العربية؟‏

في مذكرة هرتزل وكتشنر: حان الوقت لتقسيم الدولة العثمانية وليؤخذ قسم منها! لفلسطين مكان في المساومات السياسية البريطانية! رد ستورز: امتداد روسيا إلى جنوب سوريا سيء للإنكليز. أفضل منه امتداد الفرنسيين من لبنان. والأفضل دولة أخرى في فلسطين غير مسلحة. دولة يهودية فكرة جذابة، لكن اليهود قلة في فلسطين. اقترح ستورز: إلحاق فلسطين بمصر.‏

قال خالد آغا: سيتقاتل الحلفاء علينا. سترى، يا أبا بديع، كيف سيفرقون مدننا في خرائطهم! قد يقسمون مدينة واحدة إلى نصفين! في آذار 1915 اقترح ستورز أن يحكم كتشنر دولة تمتد من السودان وعدن إلى اسكندرونة فيكون العرب في اتحاد يحكمه الإنكليز من القاهرة. فلتنس فرنسا مطامعها في سوريا ولتأخذ بدلا من ذلك مزيدا من شمال افريقية! يمكن الاعتراف بنفوذ فرنسا الروحي في جبل لبنان، فقط! كتبت غرترولد بل الرحالة المعروفة المختصة بالبلاد العربية: لا يستطيع العرب أن يحكموا أنفسهم! معنى الاستقلال العربي للإنكليز هو الاستقلال عن الحكومة العثمانية!‏

كلايتون رئيس المخابرات في مصر موافق على جر الخلافة إلى الجزيرة العربية! وينغيت الذي يجيد اللغة العربية، ويعرف جميع الأسرار أو يمكن أن يستنتجها، وكلايتون خبيران في شؤون الشرق الأوسط! يمكن أن يقترحا شكل البلاد بعد الحرب! كتشنر ومعاونوه يرون أنهم إذا أمسكوا بالخليفة أمّنوا جر المسلمين إليهم. فما أخطر أن يرى مسلمو الهند ومصر والخرطوم أن الخليفة مع الألمان، ففي جيش كتشنر ملايين المسلمين الهنود! لذلك لابد من شراء الخلافة!‏

قابل الأمير عبد الله كتشنر وستورز في سنة 1913 وسنة 1914 متسائلا: هل تدعم إنكلترا ثورة أبيه إذا أعلنت؟ يعرف ستورز أن الجيش العثماني سيعتمد على الجمال في هجومه على القنال. والجمال من الحجاز. يمكن أن يمنع أمير مكة عبد الله الجمّالين من تأمينها! لابد من جهاز يجمع المعلومات ويرتب الاجتهادات! اقترح سايكس في نهاية 1915 المكتب العربي في القاهرة. عدل كتشنر الاقتراح: شرط أن يكون من قسم المخابرات الإنكليزية في القاهرة. مدير المكتب كلايتون. اقترح كلايتون دافيد هوغارت الباحث في الآثار من اوكسفورد، الذي خدم في مخابرات البحرية. دعا هوغارت لورنس الذي عمل عنده في متحف أشموليان في اكسفورد. اشتغل لورنس في الحفريات، وكان نصف عمله تنقيبا ونصفه تجسسا. يتكلم لورنس العربية لكنه لا يتقنها. سيكون رفيق حياته سائق حمار اسمه سالم أحمد. ويقال إنه سيصطفي جنديا اسكتلنديا كي يجلده. ولكن ما أهمية ذلك! ستكون مهمته مراقبة الحركة العربية. وسيختار فيصلا لأنه "طويل رشيق ونشيط، جميل المشية جدا، في رأسه وكتفيه هيبة ملكية". سيختاره لأنه يمكن أن يؤثر فيه؟ يختاره؟ يبالغ في قوته! فسياسيو الشام هم الذين اختاروا فيصلا منذ نزل في مزرعة آل البكري وانتسب إلى جمعية الفتاة! مشروع كلايتون وونغيت: نفوذ بريطانيا على العالم العربي. لكن لا يمكن استبعاد الفرنسيين من الساحل السوري. أما الداخل السوري فليتنازل الفرنسيون عنه! دمشق تتصل بالحجاز وبحلب وحمص وحماة. خطوطها الحديدية مهمة اقتصاديا وعسكريا. العرب مفتاح النصر!‏

هؤلاء هم صناع السياسة البريطانية لما سيسمى الشرق الأوسط. في القمة: كيتشنر وممثله مارك سايكس. وجورج لويد صديق سايكس.‏

قال خالد آغا لأبي بديع: ينضج مشروع يسقيه طرفان: التذمر العربي، وشراسة جمال باشا. يحب فيصل الأتراك ويكره الإنكليز! يحذر عزيز علي المصري من الصراع مع الأتراك في الحرب! يرغب رجال الحركة العربية في وحدة الدولة العثمانية! لكن ظلم الإتحاديين ومراوغة الإنكليز سيكسران هذه الدولة. وسيربط الغرب المنتصر أجزاءها جزءا، جزءا! يحدث ذلك بسرعة!‏

وقت توقف فيصل في دمشق في آذار 1915 قيل له إن ثلاثة جيوش عثمانية ذات أكثرية عربية مستعدة للثورة. لكن جمعية الفتاة تفضل حكم المسلم التركي على الاوربي. بعد عودة فيصل من مقابلة الصدر الأعظم، إلى دمشق في أيار 1915 وجد غير ذلك! كشف جمال باشا التنظيم السري وفرّق الكتائب العربية، لذلك لا يمكن البدء من دمشق! وضع رجال الفتاة السوريون بروتوكول دمشق عن الدولة التي يريدونها وطلبوا من الحسين إعلان الثورة. بلغ ذلك البروتوكول للمكتب العربي في القاهرة. هنا الخطأ الكبير، يا أبا بديع! يا خالد آغا، لم نعد أنا وأنت نتحدث إلا عن الحرب والدولة! يا أبا بديع، من يتحدث عن غير ذلك في هذه الأيام؟‏

فكر خالد آغا بفلسطين. خمّن: سيكثر فيها اليهود! لكنه لم يخمّن ما عرفه خلال الحرب يوم كشف الروس، بعد الثورة البلشفية، المعاهدات السرية التي اشتركوا فيها. كانت بلاده منشورة على طاولات سرية. قبل أن يذهب سايكس إلى روسيا ليعرض الاتفاقية نبهه رئيس المخابرات هول إلى اليهود: "لهم مصالح مادية وسياسية قوية تتناول مستقبل فلسطين". اتصل سايكس بهربرت صموئيل اليهودي سكرتير الوزارة فعرفه بالحاخام غاستر. قال: "فتح عيني فعرفت ماهي الصهيونية". اقترح سايكس إنشاء المكتب العربي بالقاهرة، والاتصال بالعرب. فولدت محادثات مكماهون الحسين. كتب وينغيت: "أخشى أن أكون تركت انطباعا بأني أؤمن بخلق مملكة عربية قوية يحكمها الشريف. طبعا هذا بعيد جدا عن فكري، ولكن ناسبني وناسبنا جميعا أن نعطي مثل هذا الانطباع لقادة الحركة العربية، وغطتنا تماما مراسلات مكماهون الحسين لتظهر أننا مخلصون في سلوكنا نحو العرب".‏

أوفدت فرنسا بيكو إلى لندن ليفاوض سايكس. بيكو المدافع عن السياسة الاستعمارية الفرنسية، إبن مؤسس جمعية إفريقية الفرنسية، أخا خازن جمعية آسيا الفرنسية. بطل ماسمي "الحزب السوري" في السياسة الفرنسية: سورية وفلسطين وحدة أسسها الفرنسيون أيام الحروب الصليبية. هل يتفق مع سايكس؟ لم لا؟ قال سايكس: "ليست لدى العرب روح قومية كما نفهمها ولكن لديهم شعور بالكبرياء القبلية. لذلك يجب أن يقنعوا باتحاد دولة تتكلم العربية بقيادة أمير عربي".‏

سمي نوري "صندوق أميني" على الأرزاق، ورحل مع الهجانة إلى العراق. لم تستطع نفيسة أن تتبينه! كنت أظن أني أستطيع أن أميزه من ألف إنسان، لكنه غاب عني بين العسكر! ربما غابت عني حتى الشام! صارت دمشق مدينة تسافر منها الجيوش إلى الجبهات! وتغير الناس! لا حديث لهم إلا عن الحرب. لايعرف أحد أين ستكون أرض ابنه! أحمد ربي لأني دون صبيان! سألتها منور: ونوري؟ وخزتها نفيسة بنظرها. تضع منور إصبعها في الجرح وتحركه! لم تسمح نفيسة لمنور بأن تودع نوري لأنها صبية. هي التي ودعته وبلعت مرارة الوداع. فما ضرورة هذه الوخزة يا منور خانم؟ تركتها ونزلت إلى أرض الدار.‏

تفرجت عليها منور من الداور. عمتي، غاضبة؟ نعم، غاضبة! طيش الشباب أحمق! فهل تستطيع منور الشابة أن تفهم ما بين نوري ونفيسة؟! كانت منور في حضن أمها في حيفا عندما راقبت نفيسة حزن نوري يوم إعدام الدروز فخافت عليه واستدعت أهله ليبعدوه عن دمشق! وهي التي استقبلته يوم أتى من طبرية وسلم نفسه للعسكرية! كان ثقيل القلب. سهرا معا، ثم صعدا إلى السطح ليتفرجا على الفجر. كان يجب أن نستمتع بالأيام القديمة، يا نوري، أكثر مما استمتعنا بها، لو عرفنا أن الحرب ستكون يوما على الباب! رفع نوري نظرته إليها، ورأت فيها الحزن على أمه وإخوته وعلى الحياة. سعيد في بيروت الآن، لكن خالي قدري سيدبره عنده! قالت له: سأتصل بقدري وأطمئن على أهلك! تعده؟ يا عمتي لا يملك إنسان أن يعد آخر، اليوم! صارت الطرقات القديمة للحرب! للعسكر المبتعدين عن بلادهم، وليست لسؤال الأقارب عن الأهل. بدّلت الحرب البلاد! كدت لا أعرف الطريق بين طبرية ودمشق ولا أعرف القطار!‏

فهمت نفيسة ما قاله دون أن يقول كلمة. هزت رأسها. لكن هل تستطيع ألا تعده وهو يساق في الصباح إلى الجبهة التي قررت له؟ أخذوه هجانا إلى العراق، وأخذوا بهاء إلى الترعة. واحد في الشرق والآخر في غرب الجنوب! ويا طالب الترياق من العراق! فكيف تصل إليه؟ تصل؟ لا أحد يصل إلى أحد في الحرب! صادروا الدواب، ولن يصل حتى الفلاح إلى قريته في الغوطة! خبأ بعض الفلاحين الدواب، ولكن من يستطيع أن يخبئ الجمال؟ صدق نوري، لم تبق إلا الصحراء! لا، قال قدري الصحراء لم تعد آمنة! تكشف الطائرات كل شيء. هذه ليست الطائرات التي استقبلها الناس في مرجة الحشيش وحزنوا لأنها سقطت فوق طبرية! هذه طائرات تنشر الخوف، وإذا سقطت لا يشيّع طياروها كالذين شيعهم أهل دمشق ودفنوهم قرب ضريح صلاح الدين!‏

خذ يا نوري، المال أمان في الغربة! لا تقل سيطعمونك! يا عمتي، تحشين جيوبي بالذهب، والمال خطر! لا تنسي أني "أرزاق أميني"! قالت: أسلّحك يا نوري! الذهب أمضى من الحديد! آه، يا عمتي! هل ينجد الذهب من يساق إلى حرب لم يستشر فيها؟! صوت من هذا؟ اسماعيل؟ مرة أخرى اسماعيل واليمن؟! طمأنته: العراق بعيد. الخطر ليس هناك بل في الترعة! يا عمتي هذه حرب عامة. تصل الطائرات إلى كل مكان. العراق طريق الهند! لكن لا تخافي علي!‏

في آخر لياليه في بيت نفيسة، فتح نافذة الغرفة. شعرت بذلك فنهضت. رأت القمر في السماء مقابل النافذة تماما. والسماء مغمورة بضوئه. وشجرة النارنج في طرف النافذة كأنها تنحّت للقمر دون أن تتنازل عنه. وقف نوري زمنا، كأنه يجمع عبق أوراق الليمون والنارنج، وظلال زخارف إفريز السطح. عبر مسرعا حياته في دمشق. كان يأوي إلى هذه الغرفة بعد السهرة عند شكري العسلي أو في المقاهي أو في مسرح زهرة دمشق. تذكر المدرسة واستعرض وجوه أصحابه، وحاول أن يعدّهم. مشى في الطرقات إلى الأموي، إلى الصالحية، إلى ساحة المرجة. تفرج على ذوقان الأطرش مرة أخرى، ركب القطار مع أهله. ثم اختلطت حيفا بطبرية بدمشق، فأطرق. كانت الصور الأولى واضحة، حتى خاف من وضوحها. هل تودّع هذا البيت يا نوري، أم دمشق، أم.. لا يجرؤ على قول الكلمة. لكن قلبه ثقيل. لو يهرب من هذه الحرب! ولكن يا عجبا! لا يشعر بأنه قادر على التفكير في الهرب. كأنه أسلم نفسه لمصير سيق في مجراه! وذلك المجرى مثل نهر دون ماء، مرتفع الضفتين ولا مجال لأن يخرج منه. لا مجال إلا أن ينحدر معه إلى نهايته. وشعر بأنه يعرف النهاية. نعم يعرفها! بل يتبين أنه عندما قال لخاله سأهرب إلى البدو، إنما قال ذلك لأنه يعرفها، ويراها: الموت في أرض غريبة! لا تقل ذلك يا نوري! كل من يسافر سفرا لا يريده يقول لنفسه إنه لن يعود منه، ويعود! لن يحدث ما تتوقعه! جميع الرجال الذي ينامون في بيوتهم الليلة آخر مرة يشعرون بما تشعر به! هل تتوقع أن يرقصوا وهم يعرفون أنهم سيمشون في الصباح في الطريق إلى الحرب في العراق؟!‏

وجدت نفيسة صورة يبدو فيها نوري مع أصحابه في باحة كبيرة، فوضعتها على طرف مرآة الخزانة. صار نوري موضوع أحاديثها: عقله، أخلاقه، حكمته في عمر مبكر. تذكرت تفاصيله، حزنه الذي أطلعها عليه في أيام حرب حوران، واليوم الذي لمحت على وجهه النشوة بالشراب بعد سهرة تأخر فيها. ضيع مفتاحه ففتحت له الباب. فكرت في ما لم يخطر لها سابقا: هل كانت لديه فتاة يحبها؟ ودهشت لأنها لم تفكر في ذلك قبل اليوم. نعم، أيمكن ألا تكون لديه فتاة يحبها وتحبه؟ أيمكن أن يكون مضى إلى الحرب دون أن يعرف امرأة؟ من هي تلك المرأة التي قد يكون أحبها؟ ليتها تعرفها لتزورها، لتجلس معها وتتحدثان معا عن نوري، وتستدين منها التفاصيل التي تجهلها نفيسة وتعرفها الفتاة!‏

وصلت من نوري رسالة إلى نفيسة. كتب فيها أنه جريح. أصيبت رجله اليسرى. "لكن لا تخافي علي يا عمتي! ما أهمية ساق الإنسان إذا كان رأسه سليما! أتذكّر حوارنا في الليلة الأخيرة قبل سفري. ولذلك أطلب منك عشر ليرات"! أما قلت لك يا نوري، المال أمان؟ قرأت الرسالة حتى حفظتها. وأخفتها في خزانتها كيلا تراها منور.‏

زارت نفيسة خالد آغا. سألته عن المعارك في العراق. فحصها بنظرته. وصلها خبر من نوري إذن! ناولته الرسالة. يا نفيسة خانم، لا تقلقي عليه! يا خالد آغا، من يملك أن يطمئن آخر في الحرب؟! فلنتقاسم القلق! صمت. لكن الصمت بينهما لم يكن ثقيلا. هل استعاد حروبه القديمة باحثا فيها عن النجاة لنوري؟ هل انتبه لأول مرة إلى من يتركهم المحاربون وراءهم؟ أم استسلم لاكتشافه امرأة تشاركه هواجسه؟ أيتوقع أن هذه المرأة ستكون امرأة حياته!‏

بعد تلك الرسالة لم يصل أي خبر آخر عن نوري. انتظر خالد آغا نفيسة أسابيع. وأتت إليه. رأى من الفرنكة قامتها الرشيقة الملفوفة بالملاءة. جلس مقابلها. يا لمهارتها في كبح قلقها! قالت له: تلك كانت آخر رسائل نوري! كذب، وعرفت أنه يكذب: أنا الذي دخل المعارك أقول لك يا نفيسة خانم، لا وقت في الحرب للتفكير في الأهل! مع ذلك ربما كتب لك رسالة ضاعت في هذه الفوضى! اتفقا أن تبقى منور جاهلة حديثهما. شربت نفيسة القهوة التي قدمتها لهما رابية خانم، وانصرفت. وصعد خالد آغا إلى الفرنكة. بقي أمام سماء تعتم. لم يشعل الضوء. هل كان يفكر في نوري فقط أم كان يستعيد نفيسة؟‏

استمر نوري في الحياة في حوار نفيسة وخالد آغا. لن تعرف نفيسة إلا فيما بعد أن نوري قتل مع صديقه لطفي الياسين الذي أتى معه من طبرية، في قصف جوي إنكليزي بالطائرات!‏

في 15 كانون الأول 1914 وصلت راية النبي إلى دمشق بالقطار بعد إعلان الجهاد الأكبر. استقبلها جمال باشا وكبار رجال الجيش وجموع من الناس في المحطة. أخذت نرجس موقعا تتفرج منه على الاستقبال، ومع ذلك ظلت تقول لمن أمامها: رأسك يا ابني! كتفك، الله يرضى عليك! حتى صارت في مقدمة المتفرجين. رأت حرس الشرف يحيي الراية وجمال باشا يركع ويقبل طرفها. ثم مشت قرب الموكب الذي تتقدمه الموسيقى. قالت في ذلك المساء لصاحباتها: احتفال عظيم، عظيم! يأخذ العقل! ستنقل الراية إلى القدس لتحرض الناس على الجهاد. لكن يقال إن هذه ليست راية النبي بل قطعة من قماش الكعبة!‏

تفرجت نرجس أيضا على استقبال جمال باشا والقوات التي وصلت من استنبول. زينات، خطابات، قصائد، رايات، ذبائح! قالت: يوم لا مثيل له! يقال، أحسن من الاستقبالات التي رآها جمال باشا في حمص وحلب! نزل الضباط في اوتيل داماسكوس بالاس!‏

يومذاك ترك بهاء منور وأغلق الباب فاختفى وجهها الأبيض. لم تبك في وداعه لكن وجهها تورد. وقف أمام الباب المغلق كأنه يتوقع أن تفتحه. نظر إلى شجرة الكينا الباسقة. محظوظة لأنها ثابتة في مكانها! غرد شحرور، فبحث بنظره عنه: محظوظ أنت أيضا! لا يعرف بهاء الحرب. يراها من أمجاد أبيه، ولا يطمح إلى أوسمته. ألا يكفينا الأميرالاي اسماعيل؟! كان يحلم بالسفر إلى مصر التي حدثته عنها منور. مصر الآن الطرف العدو! هكذا يذهب إليها! ما تزال منور عروسا، ويتركها إلى حرب لا يعرف إن كان سيعود منها! آه، لا يستطيع أن يبوح بما يشعر به، يكتمه كيلا يقال خائن أو جبان!‏

دخل إلى بيت خالد آغا في صدر الحارة. رآه منتصبا في وسط أرض الدار كأنه يتوقعه! وقف أمامه صامتا. يعرف خالد آغا لماذا جاء ابنه. فماذا يقول له: جئت أودعك! انتبه بهاء في الصمت إلى أرض الدار الهادئة، إلى شجرة الرمان في طرفها، إلى البركة التي ينساب ماؤها. تتركه كلها يرحل هكذا؟! قال خالد آغا: رموا الدولة في الحرب! في كلمات أبيه مرارة. هذا ليس خالد آغا الذي يعرفه! هذا رجل يقف في مأتم أكبر من مأتم أبنائه! انقبض قلب بهاء. أنا مسافر في حملة لا يعرف أحد مصيرها. لكن كونوا أنتم الباقون هنا على الأقل في خير! قال خالد آغا: أخوك مر بي قبلك! يذهب مثلك في حملة الترعة! سأله بهاء: الترعة؟ وسمع سؤاله باهتا. هز خالد آغا رأسه. لم يبق شيء يستوقف بهاء! يجب أن يخرج مسرعا!‏

بعد مروره بنرجس، مشى في الطريق التي مشى فيها اسماعيل في سوقساروجا آخر مرة. نزل من جوزة الحدباء نفسها. وصل إلى ساحة المرجة. التفت. هل سيعود؟ منذ خرج من سوقساروجا صار واحدا من آلاف في حملة.‏

في ذلك المساء جلس أبو بديع إلى خالد آغا واسترق النظر إليه. يتجلد! كأنما يظهر الجرح المفتوح في قلب خالد آغا منذ انتحار شهاب! بخالد آغا يفهم حقيقة في حياته نفسها: تبقى الهزائم التي نعيشها كأننا لا نلتفت إليها، محفوظة لنا حتى يبدأ أول وهن في القلب، وأول انحناءة في الظهر، عندئذ تتساقط علينا! راقب خالد آغا وهو يتحدث لمن حوله في المقهى عن الترعة والحملة. وخاف عليه من جبروته. بدا له خالد آغا مسجونا في مكان ضيق عليه. بدا وحيدا لا أحد له. وشعر بحزن عليه. نتحمل أن يبكي أي رجل في سوقساروجا، لكن الضعف محرم على خالد آغا! بأي ثبات يستقوي أهل الحارة إذا انحنى هو؟‏

حكى خالد آغا لمن حوله في المقهى عن قناة السويس التي فتحت في أيام الفراعنة في سنة 1200 قبل الميلاد. وردمت في أيام العباسيين. عن دوليسبس قنصل فرنسا في مصر. كان يجب أن تكون القناة مصدر خير لمصر فكانت مصدر شر. أخذت إنكلترا حصة الخديوي اسماعيل فأصبحت المالكة الكبرى للقنال. رسم خالد آغا للجالسين معه القنال بملعقة الشاي على الطاولة. طولها بين البحر الأحمر والبحر الأبيض 161 كيلومترا. متوسط عمقها 11 مترا. أضيق منطقة فيها 38 مترا. فيها بحيرات كبيرة مثل بحيرة التمساح والمنزلة. هل يقول لهم مايشعر به: توجد منطقتان سهلتا العبور هما طوسم والقنطرة. من هناك قد تعبر الحملة!‏

قبل القناة يا خالد آغا سيناء! كيف سيقطعون الصحراء؟ صمت خالد آغا. يشغل نفسه بالماء وينسى الرمال! عرض سيناء 150 كيلومترا. في شمالها صحراء، في الوسط وديان صخرية وجبل، وفي الجنوب صحراء. ففي أيها سيضيعون؟‏

قال خالد آغا لنفسه: إلى مصر طريقان: طريق القوافل: غزة القنطرة، وطريق الحج: العقبة السويس. في أي منهما ستمشي الحملة؟ في كليهما! قال كأنه يطمئن المستمعين إليه: لا تنسوا سكة حديد الحجاز التي تبرع بها المسلمون! كانت للحجاج، والآن ستكون الحرب عليها! منها فرع من درعا إلى سمخ فبيسان فالعفولة فحيفا. وفرع إلى بئر السبع وإلى خان يونس فالعريش. من محطة حيدر باشا في استنبول يمكن أن تصل النجدة! النجدة؟ اسكت يا خالد آغا! الحملة من أهل البلد!‏

همس أبو بديع: يا خالد آغا، لا يؤمن الناس بالدعوة إلى الجهاد التي أعلنها شيخ الإسلام! يسخرون منه. حليف مسيحي وآخر عدو؟! ياأبا بديع تسألني؟! أقول لك: يغطون السماوات بالقباوات! أعلنت التعبئة العامة في 2 آب مع أن الدولة كما قالوا على الحياد. يغطونها بفتوى شيخ الإسلام كما غطوا بالفتوى خلع السلطان. تعرف رأيي في شيخ الإسلام! وفي الجرائد التي تحض على الجهاد! مصطفى كمال طلب حياد الدولة في الحرب. يا خالد آغا نشروا أن شريف مكة أعلن الجهاد. تصدقهم يا أبا بديع؟ لشريف مكة موال آخر!‏

لا يجهل خالد آغا أن كل شيء مرتب لتدخل تركيا الحرب. في 11 تشرين الثاني 1914 أعلن شيخ الإسلام في استنبول الجهاد. في 16 تشرين الثاني وصلت القوات الهندية إلى السويس. صدفة؟ ستكون الحرب على بلادنا! لكن من يقود الحملة؟ الضباط الاتحاديون الذين لا يحترمهم خالد آغا! وكل شيء واضح من البداية. قصف طراد إنكليزي اسكندرونة. قصفت مدرعة فرنسية العريش. ومدرعة فرنسية مدينة بانياس! قال خالد آغا: لن نعتمد على الخطة العسكرية بل على شهامة جنودنا! نظر إليه أبو بديع: لا تظلمهم ياخالد آغا!‏

في أول الحملة كل شيء تمام! أرسل عبد الرحمن باشا اليوسف متطوعي الأكراد. وأرسل شكيب أرسلان متطوعي الدروز. ووعد الشريف حسين بأن يرسل متطوعين مع أحد أبنائه. انساق بهاء مع الجماعة. شعر بالغمّ لكنه قال: ندافع عن الدولة! وقت عزفت الموسيقى ودق الطبل والعسكر يصعدون إلى القطار قال: لن نهزم! قصد سنعود سالمين! خرجت البلد كلها لتودع الحملة! احتفال مهيب! وقت تحركت الجمال مع حمولتها العسكرية بين المحطة وبين الثكنة التهبت حماسة الناس. يوم مشهود!‏

كل شيء تمام! في 6 أيلول 1914 نقل الفيلق الثاني عشر من العراق إلى سورية، وأسس الجيش الرابع. قائده جمال باشا ناظر البحرية. وقت الحملة جيد. شتاء. الآبار محفورة على الطريق! الجمال جاهزة لنقل الماء والمؤونة! يسرون ليلا ويستريحون نهارا. إعداد الحملة جيد. لا أحد زائد في الجيش إلا الأئمة. الجراية اليومية للفرد 600 غراما من البقسماط، 150 غراما من الزيتون والتمر، 9 غرامات من الشاي، زمزمية ماء، ملح، نظارات شمسية. حمولة الضابط خمسة كيلوغرامات. لا خيام! الخيام للجرحى فقط. مقر مفتشية الصحراء في بئر السبع التي تبعد ثلاثين كيلومترا تقريبا عن غزة. المحطات على امتداد طريق بئر السبع الاسماعيلية، 25 كيلومترا بين محطة وأخرى. في كل محطة مقر إداري ونقطة ماء ومركز إسعاف طبي ومنارة تهدي ليلا. كتائب هجانة فيها زمر مؤونة وزمر إسقاء. استطلعت مصادر الماء. أعدت زمر إسقاء طارئة. إجراءات صارمة: إعدام الجندي الذي يتخلف عن السير دون إذن. كل شيء تمام!‏

في الطريق لا يفكر بهاء في منور ودمشق. ينتبه إلى من حوله، إلى ماحوله، ويستبعد التساؤل عما سيحدث. قابله في القدس برد يقص المسمار. لكن ذلك كان أقل قسوة من الصحراء. مشت الحملة في الطريق الفاصل بين الصحراء الرملية والصخور. الطريق لين. ولكن تقنين الماء شديد. لا يغسل يديه بالماء إلا القائد العام. ما أقسى الصحراء! لمعان الشمس على الرمال يخطف البصر. الشمس القاسية في النهار والبرد القاسي في الليل. الحياة والموت احتمالان متساويان! لمن كلمات جمال باشا في حملة الترعة؟ له؟! كلمات جمال باشا من مستلزمات الحرب! "أيها الجنود، إن الصحارى القاحلة لتمتد من ورائكم، والعدو الجبان يقف أمامكم، ومصر الخصبة خلف هذا العدو، وهي مشتاقة إلى الترحيب بكم. فإن ترددتم فلن يكون نصيبكم إلا الموت. فإلى الأمام، فإن الجنة أمامكم"! الجنة؟ أن يعود سالما من هذه الحملة! سيحارب الإنكليز فقط؟ أم المصريين والمسلمين الهنود؟! يبلع غصته ويغمض عينيه.‏

في 15 كانون الثاني 1915 وصل بهاء مع الحملة إلى خط بئر السبع العقبة. الخط الذي يفصل الدولة العثمانية عن الإنكليز خليج العقبة. سمع بهاء الطائرت الإنكليزية والفرنسية. رأى العدو أول مرة. همس: تكشف مواقعنا! بدأت الحرب! جمال باشا نفسه هنا!‏

تجمع العثمانيون على بعد عشرة كيلومترات من القناة. الخطة: الهجوم بثلاثة أنساق. في المحور الشمالي الساحلي فوجا مشاة وبطارية مدفعية. في المحور الجنوبي فوجا مشاة وكتيبة خيالة الفرقة 22. في المحور الأوسط تعبر القناة سبعة أفواج مشاة، وخمس بطاريات مدفعية، كتيبة الهندسة، قطار الجسر، ولواء الهجانة. انطلقت قوات المحور الشمالي من خان يونس ومن بئر السبع، وقوات المحور الجنوبي من معان، تبعتها فرقة المشاة على المحور الأوسط. في يومي 26 و27 كانون الثاني 1915 للتضليل هاجم الرتل الشمالي منطقة القنطرة، والرتل الجنوبي منطقة الكوبري شمال السويس. من الرتل الجنوبي بهاء. حظ سيء! يوم 2 شباط هبت عاصفة رملية أخرت معدات التجسير وأربكت الاتصالات الهاتفية وكان لواء المشاة يقوم بالهجوم وهدفه الاسماعيلية. عاصفة رملية مجنونة، لايرى الواحد رفيقه على بعد متر! أغلق بهاء فمه جيدا ومع ذلك شعر بالرمال تحت لسانه. انتهت الزوبعة فجأة. ومشى بهاء. فجأة بدت القناة! ماء بعد الصحراء والرمال! كاد يبكي. رأى السفن في الماء. تجري الحياة، لا تبالي بما عانيناه في الصحراء. قال لنفسه: كي تجعل الإنسان قشة ارمه في الحرب! ينكفئ بهاء في حفرته الرملية كلما غمرت الأنوار الكشافة موقعه. ويمتد صمت الصحراء. ينتظر الجنود المعركة، ومع ذلك غفوا. يعرف الآن الخطة: احتلال الماء! فجأة وصل مراسل أعلن: عبرت الزوارق الأولى القناة! فتح بهاء عينيه جيدا. الضباب يستر الضفة الأخرى.‏

في جنوب بحيرة التمساح منطقة الهجوم الرئيسي، مدت سرية التحصين السادسة جسرا معدنيا عائما وأنزلت القوارب. اندفعت الموجة الاولى لعبور القناة، 600 جندي بينهم أخو بهاء. حاولت إنزال الزوارق الخشب. فتح الإنكليز نارهم عليها. قتل الجنود في الزوارق. حاول الضباط سحب الزوارق، لكنها غرقت في ظلام الماء ملأى بالقتلى والجرحى. من القتلى أخو بهاء. استعمل الإنكليز الكشافات وصادوا الفرقة 25. العرب هم الفرقة 25. يوم 3 شباط عقد مؤتمر في مقر الجيش الرابع بحث الموقف فقرر الانسحاب. يستحيل عبور القناة! غرقت الزوارق! فشلت خطة فون كريس. انسحبت القوات في ليلة 3-4 شباط. انسحبت مسرعة. سارت في الليل، واستعدّت في النهار لهجوم محتمل. كسب العثمانيون شرفين: اجتياز الصحراء في مهارة، والانسحاب منها في مهارة. لكن سبعة آلاف جمل ماتت من التعب والعطش خلال الانسحاب. كم كانت الجمال التي سخر منها صديق سايكس مفيدة وصبورة! كان التقنين في المياه صارما فلم يسمح لها بالشرب. ماتت ظامئة والماء فوق ظهورها محمول!‏

تمنى بهاء أن يغسل وجهه. من الغبار؟ بل مما رآه! تمنى أن يغسل عينيه من جثث الجنود فى الماء. وجثثهم في الزوارق. وجثثهم على الرمل. والجرحى الذين نقلوا في محفات على الجمال ومات بعضهم في الطريق. لا يعرف بعد أن منهم أخاه!‏

تساءل بهاء عن العدو؟ رآه عبر القنال! كان الإنكليز جاهزين على الضفة المقابلة: فرقة هندية وفرقة اوسترالية. خط الدفاع الإنكليزي الأول يوازي القناة، شرقها على بعد 10 كم، والخط الثاني على بعد 5 كم، والخط الثالث على الضفة الشرقية. مدت خطوط حديدية خفيفة، أنابيب مياه، خنادق، طرقات أنجزها آلاف العمال المصريين. أنجزوها كي يقتل أحد أبناء خالد آغا! سدد الرصاص من بلد عثمان باشا وقتل ابن أخيه!‏

تقرير العثمانيين عن معركة الترعة: نصبت الجسور عند الإسماعيلية لكن الطرادات الإنكليزية فتحت النارعليها. تقرير الإنكليز: 1100 قتيل عثماني و800 أسير! أخو بهاء من اولئك.‏

نفذت نرجس وصية بهاء. طرقت باب نفيسة في الصباح: الفرجة اليوم في القشلة على جمال باشا الذي سيلحق حملة الترعة! روت لنفيسة ومنور ما سيكون هناك. سيحتشد الخلق من القشلة الحميدية حتى مستشفى الغرباء. لكن نرجس بلهجتها الرقيقة ولغتها المسايرة ستشق لنفسها ولمنور الطريق إلى الصدر. سيخرج عبد الرحمن باشا اليوسف من باب القشلة مع جمال باشا فتعزف الموسيقى ويؤدى "السلاملك". وسيركبان العربة أمام الناس! ابتسمت منور: رويت كل شيء يا نرجس خانم فماعاد للفرجة ضرورة. أيدتها نفيسة: زحمة وعسكر! من يخفف عقله تتعب رجلاه! ردت نرجس: أحسن من القعدة في البيت ووجهي في وجه الحائط!‏

يجب أن تجد لمنور فرجة أخرى إذن! اقترحت السيران في بستان الكركة. من يرفضه؟! الطقس حلو مشمس كأنه هارب من الربيع! قالت نفيسة: سأحضّر لكن صفيحة.‏

يبدأ البستان من أطراف سوقساروجا. حملت الصبايا سلال الطعام والشراشف والبسط الرقيقة. مشين مجموعة كبيرة يلبسن "البريلين" والملاءات، تسدل الشابات منهن المنديل على وجوههن وتكشفه المسنات. تدل أحذيتهن القديمة فقط إلى أنهن ذاهبات إلى بستان! منور فقط من الصبايا كاشفة الوجه. تغرس دبوس الألماس في الملاءة! لم تجد دبوسا يثبت فجّتي "البريلين" غيره؟! مسكين يا بهاء! قالت لها نرجس: تقبريني، غطي وجهك! لماذا؟ أمشي هكذا في فلسطين!‏

بدا لمنور أنها تنتبه لأول مرة إلى لهجة نرجس الشامية. تستطيع هذه المرأة التي تتقن اللغة التركية باللهجة الاستنبولية، أن تمطّ الكلمات وتصوغ لهجة شامية عميقة، ذات موسيقى رقيقة. لكل كلمة رد أو تعليق كأن حركات الإنسان كلها محسوبة ومدروسة. يثير ذلك سخرية منور، ولن تتذوقها إلا متأخرة، عندما تؤهلها الحكمة لتأمل المراوغة المغرية فيها، والتقاط الرقة التي صقلتها مدينة عريقة، والتهذيب الذي لا يؤشر فقط إلى حضارة بل إلى التقيّة في عصور متنوعة. ستتأمل فيما بعد ما قلدته ساخرة: "تشكلي آسي"! وستفهم يوم موت زوجها وابنها رغبة المحب في ألا يكون الشاهد على موت المحبوب، وأمنيته أن يضعوا هم الآس على قبره، لا هو!‏

بستان الكركة أشجار كثيفة من الجوز والمشمش والتوت بينها فسحات للخضار. عبرت النساء جسرا فوق نهر، ووصلن إلى فسحة بستان. يجري الماء في السواقي حوله ويروي شجر الجوز والحور. دور هذا البستان في السقاية اليوم! وقفت منور على طرف الساقية، رأت نباتا أخضر نضرا على طرفي الماء الصافي. قالت لها نرجس: هذه إرّة، كليها ولا تخافي! في البستان خضار. هذا وقت السبانخ. لو كنت هنا وقت الفول لذقت الرز بالفول الذي نطبخه في البستان! ولقطفت وقت الباذنجان حباته التي شبعت من الماء! حملنا المدّة في أيام الفول وفرشناها. وحمل لنا البستاني مخدات استندنا إليها. ضحكنا يومها، وغنينا. "يا لطيف شو انبسطنا يومها! يا لطيف شو انبسطنا"!‏

- تقبريني، لا تحطي الحزن بالجرن! نصف رجال البلد في الحرب! قومي! مقدمة الدعوة إلى الغناء. أهكذا يقاومن الحرب، وهكذا قاومت مدينة أزمنتها المعتمة لتبقى حية؟‏

كأن هؤلاء النساء لا يعشن على ضفة الحرب! ألم يكنّ أمس في الفرجة على جمال باشا وعبد الرحمن باشا اليوسف؟ هل يتصورن أن الحرب موسيقى واستعراض؟ عندما جلست منور على "المدّة" معهن اكتشفت أن لكل منهن رجلا سيق في القرعة. حاولت أن تقرأ روحهن. كن مستسلمات للفرح بالبستان. شعرت هي أيضا بسلطة البستان عندما استدارت عنهن إليه. في تلك البرهة بدا لها أنها تفهم شيئا لم تنتبه إليه في هذه المدينة التي تخرج دائما إلى البساتين لتبعد عنها الغمّ. يقاومن القلق بالسيران! كأنهن روح مدينة تتمرد على الموت!‏

بانت ثياب البيت القطنية تحت الملاءات. انتبهت منور إلى ألوانها البيضاء والزرقاء والخضراء والبنفسجية. لم تكن زاهية كثياب الفلاحين. امرأة واحدة منهن فقط كانت تلبس ثوبا بلون زهر الرمان. استسلمت منور للبستان وبدت لها ملابس النساء مناسبة لتلك الخضرة. أخرجت نرجس دفّا مطعما بالصدف. من ستغني؟ تدّعي واحدة أن صوتها سيجعلهن يهربن، وتقول الثانية ضاحكة إنه سبب هجر زوجها، فتعلق أخرى: الصوت حظ كالزواج! فتقول نرجس: لو كان حظا لاستبقت تفيدة خانم زوجها! هكذا اتفقن أن تبدأ تفيدة الغناء. حاولت منور أن تتذكرها. رأتها عند مكرم أم عند نفيسة؟ لا، عند رابية خانم! غنت تفيدة خانم. وذهلت منور. كانت تؤمن بأن صوت سعيد أحلى الأصوات. هذا أحلى منه! رخيم، فيه بحة آسرة وحنان. خرج البستاني وزوجته وأولاده من بيتهم في طرف البستان واستمعوا إليه. غنت تفيدة أغنية أخرى عن الأزرق "الماوي". وكانت منور تلبس ذلك اللون! واكبت النساء تفيدة في مقاطع من الأغنية حيث خفضت صوتها ففهمن أنها تطلبهن. تمايلن وهن يغنين، ورفعت منور رأسها إلى الشجر. لم تعش مثل هذا اليوم في فلسطين! كم أمامها من الأيام التي لم تعش مثلها، بفرحها وحزنها؟ أتبدأ الحياة حيث نظنها اكتملت! محظوظ من تكون حياته دون بوابة تغلقها!‏

نقرت نرجس الدفّ بمهارة فلم تغمر به الغناء، بل زينته، وبالدف أشارت للنساء إلى دورهن في المواكبة. ثم وضعت الدفّ إلى جانبها مقدّرة أن الوقت حان للغداء قبل أن تبرد الصفيحة! "تقبروني، ما فتح قابليتكم البستان"؟ ردت امرأة: فتحها صوت تفيدة خانم والبستان فهل سيكفينا الغداء! ضحكت النساء أكثر مما تتحمله تلك الإشارة. فقالت منور لنفسها: عند الشاميات لكل كلمة عشر معان!‏

نشرت تفيدة شرشفا أبيض مطرزا بزهور صفراء وحمراء، وضعت عليه صحون حبات مخلل اللّفت والفليفلة والخيار، والفجل. في الوسط وضعت نرجس صينية فيها أقراص الصفيحة وصفّت الكؤوس. وضعت امرأة أخرى طنجرة فيها يلنجي ورق العنب مع الجانرك. دلل بعض النساء البعض الآخر بأقراص الصفيحة والمخلل: "خذي من يدي! والله إلا تاخدي أنت أولا"! صبت نرجس كؤوس اللبن، وعندما انسكب أحدها ضحكن: "قلبك مليان مني يانرجس خانم"؟ يجعلن حتى مايثير الارتباك مثيرا للمرح!‏

بعد الغداء استلقين مستمتعات بالشمس. ضحكن كأنهن يتزاحمن. وضعت تفيدة رأسها على ساق نرجس: يا الله تقبريني احكي لنا رواية! بقيت نرجس مستندة إلى شجرة مشمش، وحكت لهن قصة قالت إنها من روايات خالدة أديب. خالدة أديب؟ لا تعرفين الكاتبة التركية المشهورة! لا، لم تسمع منور بها! تفرجت عليهن وهن مفتوحات العيون على الشجر فوقهن. خطر لمنور أن تتسلق الشجر في حيفا، لكن لم يخطر لها أن تستلقي لتملأ عينيها بالشجرة كلها!‏

هل اكتشفت وجوه نرجس التي تجهلها؟ السحر الذي أمسكت به بهاء مع أنها أكبر منه وليست جميلة؟ تأملت مهارتها في الحديث، تهذيبها الدمشقي الذي يصر أن يظهر التواضع والعناية بالحاضرين. في طفولتها عرفت مهارات نرجس الأخرى: طعامها التركي والدمشقي. وشغل الإبرة الدقيق الذي تخترع فيه أشكالا غريبة، وتبيعه غاليا.‏

لا يعترض الرجال على سيران النساء أو سهراتهن ولا يقتربن منها. فالمجموعة محصنة. بقين في البستان حتى المساء. نهضت منور بعد الغداء وتجولت في البستان. وقفت على طرف الساقية وتأملت العدّان، وتحدثت مع البستاني. يوم الثلاثاء دوره في السقاية. يفتح هذه القطعة من المعدن فيتدفق الماء من الساقية إلى بستانه. يعرف كل من الفلاحين دوره وحصته! قانون غوطة دمشق! لكل بستان، لكل بيت، لكل حمام وجامع، حصة مقدرة من الماء. ألم تسمع منور قفز الماء في طوالع الحارات؟‏

من بعد تأملت نرجس منور التي أحبها بهاء لا منور بنت فاطمة! صبية، متوردة الوجه، تريد أن تفهم ما تراه. لا تهاب الاقتراب من صاحب البستان ولا يخطر لها أن يساء بها الظن. لا تتردد في الجهر بما تراه، ولا تخجل به. قالت لنفسها: صبية حلوة لكن سيقلّمها الزمن! فهل ستضيف الحكمة سحرا إلى كبريائها أم ستخبو، دون أن تكسب اللباقة التي وهبتها نساء دمشق؟ تحاول أن تخمن ما سحر بهاء فيها؟ أليس هو ما تنتبه إليه نرجس الآن؟ لا! يوجد شيء آخر لا يعرفه إلا الرجل الذي يبقى مع امرأته في غرفة مغلقة. قد تكشف النساء عن علاقاتهن برجالهن، مزهوات أو شاكيات، لكن نرجس تعرف أنهن حتى في بوحهن يخفين الجوهر. يبحن بالشقاء لكنهن لا يبحن أبدا بتفاصيل السعادة! صمتت منور عندما مست النساء العلاقة برجالهن. ابتعدت عنهن إلى البستاني لتكلمه. وفهمت نرجس أن منور ستبقي حتى الموت علاقتها ببهاء سرا. لن يرى فيما بعد حتى ابنها وابنتها إلا ما أنضجته العشرة الطويلة بينهما من الاتفاق. وسيحاران متسائلين هل ذلك قمة العشق أم وصول الحب إلى الصداقة!‏

عند الجسر الخشبي فوق النهر ومنور تهمّ بأن تثبت فجتيّ "البيريلين" بدبوس الألماس افتقدته. عادت النساء معها ليبحثن عنه. لم يجدنه. قالت نرجس لنفسها: حدسي صحيح! من يخرج إلى بستان الكركة بدبوس ألماس؟! لكنها قالت لمنور: فداك، تقبريني! سنفتح المندل ونجده! المندل؟ يا نرجس خانم، لا ينقصني إلا هذا!‏

عادت منور إلى بيت نفيسة واستلقت متعبة من الفرح. تستطيع أن تمد يدها من النافذة وتلمس أغصان شجرة النارنج! غمرها هدوء البيت. هل تؤنسها أطياف الذين نزلوا معها هنا في أيام السعادة؟ أتفهم منور في هذه البرهة أن الحاضر يمسك بيد الماضي فيصبح ماضيا على حافة البرهة التي يتوهج فيها؟ وأن الأطياف لاتؤنس فقط بل تحزن؟‏

سألتها نفيسة: حزينة على الدبوس؟ قد يكون سبب أساها أنها فقدت شيئا. ولكن أهو دبوس الألماس، أم بهاء، أم أطياف الأحياء الذين وعت الآن بأنها فقدتهم؟ قالت نفيسة: فداك! عندي شبيهه، خذيه! لا، يا عمتي! لا يستعاض عن شيء بآخر! سألتها نفيسة: ماذا قلت؟ لاشيء، لاشيء! لكن البحران لا يمسك بمنور زمنا طويلا. قالت لعمتها وهما حول صينية العشاء: سأبحث عن الدبوس وسأجده! وفهمت نفيسة أن منور لا تقصد الدبوس، بل تقصد الانتصار على الهزيمة. قالت لها: لا تذهبي إلى بستان الكركة وحدك! خذي مرجانة ونرجس معك!‏

مشت منور معهما الخطوات التي مشتها في البستان. توقفت عند الجسر الخشبي على النهر، وصلت إلى الشجرة التي استندت إليها نرجس وهي تحكي الرواية، قصدت الساقية حيث وقفت مع الفلاح. ثم عادت إلى مكانها ولمست التراب. تألق وجهها: هاهو! رفعته بين أصابعها، ثم غرسته في "البيريلين". هل فهمت يا نرجس بماذا تسحر منور بهاء؟‏

قالت نرجس: يجتمع في بستان الكركة يوم الجمعة خلق كثير. يكفيه أهل سوقساروجا! مروا بعدنا، ولم يره أحد منهم؟! روت منور لنفيسة: أوقفتني نرجس خانم عندما وجدت الدبوس، قرأت آية من القرآن ونفختها علي! لم تتذكرها قبل أن نجد الدبوس، بل أرادتني أن أذهب معها لنفتح المندل! ردت نفيسة: "خذي كل واحد على قدّ عقله"! فتأملتها منور. وكأنها تذكرت الآن فقط أن عمتها شامية أيضا! نسلخ يا منور من نحبهم عن تراث مدنهم وعشائرهم ونرفع حولهم أسوار الحب ونوصدها عليهم، لذلك قد يفجعوننا عندما يستعيدون أمكنتهم الحقيقية! لن تفكري في هذا العمر بالأسرة التي جاؤوا منها، وما شربوه مع الحليب في بيوتهم! ستفاجئين بذلك فيما بعد، عندما تفهمين أن كلا منا يحاول أن ينتقي ما يحفظه وهو يصوغ نفسه كجمهورية مستقلة، متوهما أنه متقدم على من حوله لكنه رسولهم الفريد إلى ما يعجزون عن الوصول إليه!‏

لم تلاحظ نفيسة قلقا على منور بعد سوق بهاء إلى الترعة. تطفئ النور في غرفتها مبكرة، وفي الصباح تبدو نضرة كمن نام الليل كله. يا ويلي، لا تعرف المسكينة أن أمها ماتت! ولا تستطيع نفيسة أن تبالغ في تدليلها كيلا تثير شكها! علمتها الطبخ الشامي. رحم الله فاطمة، كم دللتها، فلم تعلمها كيف تطبخ أكل بلدها! أصغت منور إلى نفيسة وهي تعلمها الطبخ، لكنها بقيت لا تهدأ بين السطح وبين أرض الدار!‏

لم تصل من بهاء أية رسالة. فسعت نفيسة وحدها، لابسة ملاءة عتيقة، لتعرف أخبار حملة الترعة وأسماء القتلى والجرحى. ثم بلغت منور بأن الرجال في الطريق إلى دمشق.‏

زينت دمشق لاستقبال الراجعين من الحملة. رايات وحبال أنوار كهربائية وأغصان كينا. موسيقى وطبول وخطابات. قال جمال باشا، هذه تجربة لعبور الترعة في الحملة القادمة. أشهد أن العرب حاربوا في حماسة وشجاعة! أخفى بهاء نفسه بين العسكر. هل يصدق هؤلاء المستقبلون أننا انتصرنا في الترعة؟ لو كان النصر حقيقيا لكان الاستقبال رزينا! فحتى النصر وراءه قتلى وأسرى! ابتعد بهاء عن الموسيقى والخطابات، واستعاد في الطريق الخالي أغنية سمع بدويا يتمتم بها في الليل في حملة الترعة: يا عسكري يا بو الجديلة، خايف عليك من الكسيرة. يا عسكري يا بو الشوارب، يوم الشراقي لا تحارب. يوم المعارك، تزعق الحمرية، والرصاص يضرب، والشباب مرمية.‏

لكن طريق العودة من الترعة لم يكن كالطريق إليها! لا موسيقى ولا احتفالات! لا أوهام بأن النجاة في القنال، ولا أمجاد "لفاتح مصر"! قبيل الهجوم اعتمد القائد على الإغراء، وليس لذلك خبزا عند بهاء! اعتمد المشايخ الذين رافقوا الجيش على أن القتيل شهيد لأنه يقاتل الكفار، وليس لذلك خبزا عنده! فهل الألمان الذين يقودون الجيش مسلمون؟! في طريق العودة تمنى أن يروي عطشه، تمنى أن يغتسل، واستسلم للحلم بالماء. خيل إليه أنه يسمع نافورة بيت نفيسة، ويلمس ماء الساقية في أرض الدار ويصيد منها ورودا وحبات مشمش. تذكر حتى "بيت الماء" الذي يتدفق فيه الماء من أنبوب مفتوح على جرن. عندما يصل، سيقف أمام الفيجة في سوقساروجا ويضغط اليد فيتدفق ماء الفيجة البارد، وسينحني ويغمر وجهه بالماء! لا يريد أن يقصد منور في بيت نفيسة قبل أن يغتسل وينام. سيغتسل بنهر من الماء! الشوق؟ يعرف من يعبر الصحراء أن الحب يطلب الراحة والنظافة والشبع! احتضن الحلم بمنور وهو يستلقي على ثنيات الرمل، مختبئا من كشافات الإنكليز. لكنه لا يتمنى أن يراها إلا بعد أن يكون جاهزا للقاء!‏

تلكأ كي يدخل إلى سوقساروجا في العتمة. يشعر بالذنب لأنه حي؟ يخجل لأنه رجع سالما؟ يريد أن يجلس في المقهى ويروي كيف كانت الحملة؟ لا! في فمه مرارة. وفي الحرب لا يسمح بالكلام إلا عن الانتصارات! يشعر بالخجل لأنه يعيش. ويشعر بفرح مجنون لأنه حي. عاش صدفة! تردد أمام بيت نفيسة. ثم استدار إلى بيت خالد آغا.‏

نظر إليه أبوه من المشرقة. وقف كل منهما صامتا في مكانه. ثم أطرق بهاء، وبقي مطرقا حتى نزل خالد آغا إليه. سيسأله عن أخيه؟ رفع بهاء رأسه وقال: الموت سريع جدا. كالحياة! وأكمل لنفسه: الحياة حتى في أوجها هشة، وخاطفة! كأن عينا خالد آغا اتسعتا فأبعد نظره عنه. نفّذ ولداك، يا خالد آغا، رغبتك في الدفاع عن الدولة! كان ذلك عبثا! هل تفهم الآن أن مشروعك انتهى؟‏

لن يسأل خالد آغا بهاء عن ابنه الآخر! سيعرف الحقيقة بنفسه بعد إحصاء الجرحى والأسرى والقتلى والعائدين! أشار إلى الحمام. نظف نفسك من الطريق يابهاء! فلتذهب إلى بيتك نظيفا!‏

رأته منور من الخصّ. نزلت راكضة. فتحت الباب قبل أن يدقه بالسقّاطة. عندما رآها أمامه نضرة نظيفة تبين كم هو متعب. وخيل له وهو يراها لاهثة أنه سمع قفزها على الدرج الخشبي ثم على الدرج الحجري. زغردت نفيسة من الداور: يا مائة أهلا وسهلا! الحمد لله على السلامة! وساقته إلى الطاولة. وتأملته وهو يأكل. همست لمنور: يا حسرتي! تعب من البقسماط! أخرجت له من خزانتها المناشف المقصبة ليستحم بعد العشاء. قرب مدفأة الحطب الخضراء تابع بهاء الأشكال التي رسمها اللهب على الجدار. قال: رأينا الجراد سحابات.. سار القطار ببطء كيلا يتزحلق على بقايا الجراد.. ارتجفنا من البرد.. تركنا في مستشفى في الطريق خمسين جريحا من حملة الترعة.. رأيت جمال باشا يعود والخيالة أمامه ووراءه. نظرت منور إليه متسائلة: أهذا ما يستطيع أن يقوله؟ ماذا جرى له؟ أطرق. فقالت نفيسة: المهم سلامتك! قم استرح! نم وانس كل شيء!‏

في المطبخ وضعت نفيسة إصبعها على فمها: يا مرجانة يبدو أن أخا بهاء بقي هناك! لكن لا تفتحي سيرته حتى نعرف اليقين! هل تتذكرين المشط الذي تحبه منور؟ كان هديته من الحجاز!‏

أرسل خالد آغا، عندما قدر أن بهاء استراح، صبيا يسأل: هل يتشرف بزيارة نفيسة خانم، أم يستقدم بهاء إليه؟ ابتسمت نفيسة للصبي: فليشرّفنا! لا يريح خالد آغا أو بهاء أن يلتقيا ورابية خانم تنظر إليهما عن بعد! ألا يحتاج، أيضا، أن تشاركه نفيسة فرحه بابن سالم، وحزنه على ابن مفقود؟‏

 

يتبع...

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244