|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ليلة أنت عمري كان الجسر قد (نُفِّذ)، كي (يُمكِّنَ) سكان حيّ النّهضة من العبور شتاءً، حين يطوف نهر الرّقّاد، والرّقّاد يجفّ صيفاً، ليستيقظ شتاءً، غاضباً متمرداً، يجرف الحقول، والبيوت، وهو القادم من عمق الثلج، ثم يبدأ بالتلاشي ليدخل في غفوته مخلّفاً المستنقعات، التي تكثر فيها الضفادع ليمضي سكان النهضة ليلهم على أصواتها. التقيتها صباحاً، وأنا في طريقي إلى المدرسة، وفوق الجسر قالت إنعام: -سمعتَ باللّحن. -سمعت -سأسهر حتى الصبّاح، سأظل إلى جانب (الترانزستور) وحين عودتي من المدرسة سأشتري (بطاريات). ستغني (أم كلثوم) من ألحان (محمد عبد الوهّاب) وستحلّق الأغنية في فضاء الفن الأصيل، وسترفع راية الوطن عالياً، وستقدّم أوسمة الانتصار للمطربة، والملّحن والفرقة الموسيقيّة، وسيحيا أبناء الأمة هذا الحدث العظيم. صوت أم كلثوم، وعود عبد الوهّاب، لقاء العمالقة في أنت عمري. تناقلت إذاعات الوطن، الخبر الهام. تحدّثت مطولاً عن لحن هو حلم الجماهير، وهدفها. قال المذياع: إذا توحّدت الأمة في هذا الوقت الصعّب من تاريخها، فالفضل في ذلك للقائد جمال عبد الناصر، ولأم كلثوم، والأغنية الجديدة أنت عمري. كانت القنيطرة ترحّب بأي قادم إليها. تجمع خليطاً من الشرائح. جنود يأتون مع أسرهم من كل مكان، وهم الذين راحوا ينسجون بنية المدينة ويحقّقون حركتها اليومية، وكان الآباء يمضون أيّامهم، في مواقعهم العسكرية، وحين يعودون لوقت قصير جداً، يحملون معهم تموين البيت وحاجاته، فيفرح الأطفال لعودة الآباء. كانت النّسوة يستقبلن رجالهنّ، ويقدّمن واجبات الطّاعة من تحضير الطّعام الجيّد، إلى غسيل القدمين بالماء الفاتر الممزوج بالملح. كان الرجال هنا أسياداً للمجتمع الذي تشكلت خلاياه من مجموع الأباء الذين يعملون جميعهم في الجيش، ومع هذه السيّادة المعلنة، كانت هناك في الخفاء ممارسات لطقوس حياتيّة متناقضة. إضافة لما حمله كلّ فرد من بيئته من عادات وتقاليد، وسلوك فردي للنساء، والرجال. كنّا في حي النّهضة نحتفل بكلّ الأعياد الدينيّة دون استثناء. في الفصح يستقبل أبو جورج الخوري القادم من (مرمريتا)، وفي عيد الفطر كان يستقبل الشيّخ، وكان الصيّام يشمل الجميع، والفرح مشتركاً، وكذلك الحزن، وكانت الأسر القادمة من ريف السّاحل، هي الأكثر. وكان شيوخ الجبل يتوافدون من هناك. كانوا يقيمون في البيوت. يفضّلون لحم الدجاج، والبرغل مع الحمص، وحين يغادرون يودّعون، ومعهم الهدايا والأموال. يشرف تل أبو الندى على المدينة، حيث أُقيم في أعلى القمة مزار مقدّس، كنا نصعد التلّ صباح يوم الجمعة مع أمّهاتنا، وأخواتنا، هناك كنّ يشعلن البخّور، يحضّرن الطّعام، يتوجّهن بالدّعاء للشّيخ الرّاقد في هذا المكان منذ آلاف السنين، وكان جبل الشّيخ في الجهة الشرقيّة يفرز أنفاسه صقيعاً. وضعت زكيّة الماء الفاتر في وعاء مستدير، ونثرت فوقه الملح، وحملت الوعاء، إلى قدمي زوجها، ثم حملتهما برفق ووضعتهما في الماء، فتأوّه الزوج، حين راحت بأناملها تغسل أصابع قدميه، وتنتقل إلى مشط القدم الطويلة الذي ترك الحذاء العسكري الثّقيل آثاره عليها. قال: -وصلني مكتوب من أخي مهنّد. توقّفت عن التدليك ألقت عليه نظرات بلهاء لا توحي بأي معنى، فعملها معروف، ومهمّتها واضحة وليس من واجبها أن تفكّر إلا بما هي معنية فيه. قالت: -كيف الأهل؟ ردّ الزّوج بهدوء تام، وبلهجة غير مبالية. -وقعت أختك ريما عن الجحشة، (وبيجوز انكسر ضهرا). هبت زكيّة كالمجنونة تصرخ: (-يا ويلي. انكسر ضهرا يا ويلي). غضب، وهبّ واقفاً، وضرب زوجه على وجهها. (-اسكتي العمى بعيونك. اسكتي). راحت ذكيّة تردّد: (-اضربني. دخيلك اضربني كمان). ركعت عند يديه، وراحت تقبلهما بذل، وهي تبكي. اجتمع سكان حيّ النّهضة في بيت زكيّة لمشاركتها الحزن، وراح كلّ منهم يطرح رأياً: ينبغي أن تغادر مع الولدين، إلى القرية حالاً. جاء رأي أبي ليحسم الموقف، وهو بطبيعة الحال لا يقبل النّقاش لأنّه الأكبر، والأقدم رتبة. وافق حسين زوج زكية: -غداً تسافر إلى القرية. كانت النّسوة تحضرن طعام العشاء، وكلّ واحدة منهنّ قد حملت من بيتها ما لديها. تناول أبو حمدان زوجها زجاجة (العرق) البلدي راح يفرغها في كؤوس صغيرة يقدّمها للضّيوف فيما النّسوة يثرثرن، ويأكلن في غرفة مجاورة. برزت أثناء العشاء مشكلة حمدان، فهو في الصّف الثاني الابتدائي، وإن رافق أمّه فسوق يغيب مدّة أسبوع على الأقلّ، فما العمل الآن؟ أبدت أمّ نجلاء استعدادها لإبقاء حمدان عندها، وهذا ما تم بالفعل، رغم معارضة حمدان، وإصراره على الذّهاب مع أمّه، وكان والده يكتفي بالردّ: -يا بابا عندك مدرسة وما بيجوز تغيب عن صفّك، ولازم تبقى مع رفاقك. إنت صرت رجّال، يا بابا ما بيصير تبكي. ودّع زكيّة في كراج (النشواتي) حشدٌ من نساء الحيّ. وكان الوداع مصحوباً بالبكاء، كأن زكيّة لن تعود أبداً. حشرت نفسها في العربة الصّغيرة، وأجلست نجوى في حضنها، وحمدان يبكي، ويصرخ يريد الصّعود إلى العربة. (ليش نجوى أحسن منّي؟ هي بتروح وأنا ببقى؟ يا أمّي خديني معك). كانت زكيّة تبكي. (-بكره برجع وبجبلك هدايا، بس اسكُت يا تقبرني). تضاعف عدد ركّاب العربة المتّجهة صوب العاصمة، وكانت زكيّة تصرخ، توصي بحمدان، والبيت وإرواء المزروعات، التي كانت قد زرعتها في المساحة الصّغيرة من باحة الدّار. *** كانت الغارات الجويّة المعادية، تجمع السكّان لساعات طويلة أحياناً، في أماكن خاصة. يتقاسمون الخوف، فيما الرّجال يقاتلون، ويواجهون معاً مصاعب الحياة، وخطر الموت، ويتحدّثون عن مرض صغارهم، وتأمين الطعام. قد تعود زكيّة من القرية، لتجد زوجها حسين مغادراً الحياة، وهو الشّعور الذي كان يرسّخ سيادة الرّجال دائماً، فالمعارك مستمرة، والقصف لا يتوقف في الخطوط الأماميّة، إلى جانب الغارات اللعينة، وهذا ما يخلق القلق الدّائم لأفراد الأسرة خاصّة الأمّهات اللّواتي ينتظرن عودة الآباء وكن يخفن لمجرد التفكير بالعودة الأخيرة، التي تتكرر يومياً. غادرت زكيّة، وسقطت وردة فاقدة الوعي بسبب الطّيران، الذي اخترق جدار الصوت، وزعيق صفّارة الإنذار، وصراخ النّسوة اللّواتي يبحثن عن منقذ لوردة وهي مرمية في الشّارع، ثم بدأ صوت المدفعيّة المضادّة. كانت أسرة إنعام من الأُسر التي استقرّت في المدينة، قادمة من جنوب لبنان بقصد العمل افتتح أخوها صالوناً للحلاقة، وعمل أبوها في سوق الخضار، وارتدت أختها الكبرى تنّورة (الميني جيب) وكانت الفتاة الأولى التي تكشف عن ساقيها في حيّ النّهضة، فحظيت باهتمام كلّ السكّان، رجالاً، ونساءً، وعملت في خياطة ثياب النّساء، واشتهرت بينهن، وأدخلت (الموديلات)، ومجلات الأزياء، وكنّ يتحدثن عن جسدها المثير وطريقة تزيين وجهها، ثم لحقتها العبدة السّمراء الطويلة، الجذّابة، ذات السيّقان النّادرة، المليئة بالغنج، والأنوثة، والشهوة، هذا ما قاله قويدر المسؤول عن تنظيم المدينة (طبوغرافياً) تمهيداً للدخول في إلغاء العمران العشوائي المخالف. وكان عمله يتطلّب التنقل بين الأحياء ودخول البيوت، وقد فعل ما فعل مع النّساء، وكان حديثه اللّطيف يجذبهن إليه. يعود الفضل في إنجاز جسر الرّقّاد بسرعة للعبدة وذلك لأن بيتها قد تحوّل إلى مكان ليلي للقاء المسؤولين في المدينة، وكان النهر يعيق وصول عرباتهم، كانت تصل مع بداية الليل عربة (اللاندروفر) لمسؤول المكتب الثاني، صاحب النّفوذ ثم عربة (الفوكس فاكن) البيضاء لرئيس البلدية وعربة سوداء للضّابط الكبير. كنت، وإنعام نمشي ليلاً، بمحاذاة النّهر الجاف وكان صوت الضّفادع يعلو، أو يصمت فجأة، قبّلتها تحت الجّسر، وأنا أسند ظهرها إلى الإسمنت وحين أرخيت يدي، مانعت، وهربت، وبعد أيّام زغردت أمّي، فقد حصلت هذا العام على شهادة (السرتفيكا) وراحت تنقل الصّحيفة التي نشرت أسماء النّاجحين من بيت إلى آخر. لم تنجح إنعام، ولم تكترث، وتكرّرت لقاءات الجسّر كما أصبحت إنعام ترتدي تنّورة قصيرة سيقان متناسقة، لصدر يوحي بأكبر من عمره، رميتها على العشب الجاف، وصرختْ كي أتركها، فقد تسبّبت باتّساخ ثيابها، وقفتْ وهي تلعن اللحظة التي حضرت بها وعبّرتْ أنّها لن تعود ثانية. لكنّنا التقينا في الليلة التالية، وأمضينا وقتاً رائعاً تحت الجّسر دون سقوط إلى الأرض، واستسلمت إنعام، وراحت تتأوه بوضوح.. إذن كبرنا.. وعرفنا ماذا نريد؟ لا تتصرّف أمّي مع أبي على طريقة زكيّة وزوجها فوالدي كان قد اكتسب من تجاربه الحياتيّة خبرة واسعة من خلال خدمته في الجيش الفرنسي، واشتراكه في حرب فلسطين، ووجوده في الجبهة. كنت أحبّ البقاء إلى جانبه، وهو في موقعه العسكري المتقدّم الذي يترأسه، وتفصله عن فلسطين مساحة زراعية، حيث قرية (الصيّادة) القائمة فوق الهضبة، أما الفاصل بين الأرض الزراعيّة والأرض المحتلّة، فهو خندق حفره سكّان الصيّادة كي لا تتسرّب حيواناتهم إلى أرض الوطن المحتلّ، وكانت المجنزرات ذات الصّوت المرتفع تعبر بمحاذاته وجنود الأعداء يوجّهون بنادقهم، ورشّاشتهم باتّجاه الفلاحين وهم يقومون بعملهم الزّراعي اليوميّ في حقول (الذّرة) و (الفستق). كان أبي يردّد في أي وقت: -لا حدود يا ولد. هذه فلسطين للعرب. ويشير بيده. -هناك الجليل، وهذه الحولة، وتلك طبريّا أيّة حدود؟!! كانت المجنزرات تشدّني، فأتابعها بالنظر، وكنت أفكّر أين مجنزراتنا؟ لماذا لا تعبر الطرق الترابية متحدّية هؤلاء، ماذا يعمل رجل المكتب الثّاني الذي يمضي لياليه في بيت العبده؟ قال أبي: -لا تخف مجنزراتنا جاهزة حين الحاجة ظنّت أمّي بأنّي لم أعرف ماذا حصل بينها وبين والدي حين انفردا في الغرفة. خرجت وعلى وجهها علامات فعلٍ ما له هذه الآثار. قالت: -اتركوا أباكم، لا توقظوه سيرجع إلى الجبهة. لم أنفّذْ. فتحت الباب. دخلت. صوت شخيره ينخفض ويرتفع، رحت أتأمّله. رأيته أجمل من في الكون. أنا أحب هذا الرجل القوي. توقّف الشخّير. ثم ابتسم. -ماذا تريد؟ قلت: -لماذا ستعود إلى الجبهة، هل سنحارب؟ وكانت كلمة (استنفار) تتردّد يوميّاً، وهي تعني بالنّسبة إلينا عودة الآباء السّريعة إلى مواقعهم وعدم حضورهم لعدّة أسابيع. كان الاستنفار يزعجني، خاصّة في فصل الصّيف حين أرغب بمرافقته إلى الجبهة، فيمانع بسببه. ضحك بصوت عال: -انجح في مدرستك، واترك الحرب لنا. كانت إنعام في انتظار عبوري المسائي، الذي يتكرّر يومياً أشارت بيدها فاقتربت. قالت: سافرت العائلة إلى الخيام، وبقيت هنا مع أخي الصّغير، سأسهر حتى الصّباح مع (أنت عمري)، تعال ليلاً، شرط أن لا تدخل من الباب، اقفز فوق الحائط، سأنتظرك في غرفة المدخل. بُنيَتْ بيوتُ حيِّ النّهضة، تلبية لحاجة السّكن السّريعة للعائلات الوافدة، وراح التّجار ينجزون الأبنية في وقت قصير. كان بيت إنعام يتألّف من عدّة غرف متّصلة ببعضها بشكل طولاني ثم أقام أخوها غرفة جانبيّة لاستقبال رفاقه، ولعب (الطّرنيب) و (التركس). -اقفز فوق الحائط، لا تدخل من الباب. لماذا هذا الطّلب الغريب؟ لماذا لا تفتح الباب بشكل طبيعي وتدخلني كما جرت العادة، بحضور أسرتها، خاصّة وأنّ دخولي، كخروجي لا يثير أي انتباه، ونحن نتبادل الزيارات، والأكلات، والسّهرات. فماذا جرى؟ يا إنعام في هذا اللّيل، وأنت تشاركين أبناء الوطن العربي فرحتهم بسماع أنت عمري؟ لم تعجبني فكرة القفز، لكن قضاء الليل إلى جانبها موضوع رائع. ألقيت نظرة سريعة على الجدار المحيط بالبيت، والذي عليّ أن أتسلّقه من أحد أطرافه بعد قليل. بدأت أجهزة الرّاديو في حيِّ النّهضة تتابع نقل أنباء الأغنية والمذيع يقول: -الحَدَث الفنيّ الخارق. قال أخي غازي: -بالفعل حدَثٌ خارق. أجابه علاء الحلبي: -(يا أخي شغله بترفعْ راس الوطن فوق. فوق). كان كمال يدخِّن لفافة تبغ، وفجأة سألني: -(كيف الدّراسة؟ لازم تحصل على (البروفي)، وبدِّي شغّلك معي). ضحك غازي: -(اترك الولد بحاله، ما بدنا نشّغلو شي). -(ليش يا أستاذ لازم يعرف بالسيّاسة، ومولازم يضلّ غشيم). لم تكن كلمة سياسة جديدة عليّ، ووقعت على مسمعي كالسّحر، فَرِحْتُ لأنّني أثرْتُ اهتمام كمال الذي تابع: -السيّاسة ضرورة. والعقيدة نضال، ويجب أن يكون لكل إنسان عقيدة يناضل من أجلها، أصلاً أنت، وعلاء (تنين فارغين فكرياً)، بسبب عدم وجود عقيدة إنسانيّة عندكم. ردّ غازي وهو يضحك: -نحن يا فاشل؟ أجاب علاء: -اتركه يخطب علينا، هو لا يجيد سوى الكلام. قال كمال: -الخطابات مسألة مهمّة، لازم نخطبْ. ونضحكْ ونحبْ ونسمعْ أم كلثوم، شو بيمنع؟ دخلت نجاة وهي الرّابعة بين أخواتي السبّع، راحت نظرات علاء تتابعها خلسة، وضعت نجاة صحون الطّعام الذي اختاره غازي لهذه اللّيلة المجيدة. كان مذيع صوت العرب، لم يزلْ يعدُ النّاس بالتّحفة الفنيّة القادمة، ويتحدّث عن وطن ينتظر بكامله نقل الأغنية المصريّة.! قال كمال: -وطن توحّده أغنية، تنهي وحدته أغنية أخرى، وبين ملحّن ومطرب سوف نخسر الوحدة الحقيقيّة ومواقفنا الجدّيّة، أيّة خرافة تلك التي نشهدها الآن؟ وتعالت الصّرخات المحتجّة علاء: -يا أخي بلا فلسفة. نشيد (الله أكبر فوق كيد المعتدي) ألهب مشاعرنا من المحيط إلى الخليج أيّام حرب بور سعيد. غازي: -هذه مدرسة جمال عبد النّاصر العظيمة. جمال بطل القوميّة، وموحّدها بالموقف والفنّ. غادرت البيت متّجهاً صوب غرفة جميل المحاذية للرّقّاد. صوت ضفادعه يعلو، ومن البيوت تتسرّب أصوات (الترانز ستورات). في غرفة جميل وجدت نزاراً يحتسي نبيذاً أحمر. وهما أيضاً يتابعان تفاصيل الحدث، وكان جميل قد دخل حياة حيِّ النّهضة قادماً من قرية صغيرة، تطلُّ على نهر الحاصباني يسمّونها الغجر، وسكن تلك الغرفة ليتابع دراسته الإعداديّة، وحضرتْ أسرةُ نزار من (بانياس) إحدى أجمل قرى الجولان، حيث النّبع الذي يتدفّق من قلب الجبل، مشكّلاً النّهر الذي يخترق بانياس في الوسط، وعلى ضفّتيه أقيمت المطاعم ونادٍ لضبّاط الجيش. كنَّا نجتمع يوميّاً في غرفة جميل، كانوا يشربون السجّائر والنّبيذ، وكان سعيد أكثرنا نضجاً، وكانت أسرته قد حضرت من بيروت، وافتتح والده دكّاناً لبيع الخمور. قال جميل: -اشرب نخب (أنت عمري) شربت. قال نزار: -أجلس، إلى أين ستذهب الآن؟ قلت: -سأعود بعد قليل. كان سكّان الحيِّ يعيشون نشوة الأغنية القادمة، فكّرتُ بإنعام التي تنتظرني قفزاً. علا صوت الضفادع وكانت أنوار بعض البيوت تتسرّب إلى الشارع الذي قامت البلديّة بتزفيته مؤخراً، وينتهي عند بيت العبدة، ثم تأتي بعده مجموعة من البيوت الأخرى لم يحالفها حظّ التزفيت، وتفصل الشارع عن طريق قرية (المنصورة) الملاصقة للمدينة من جهتها الغربية أرض غير مستثمرة زراعيّاً، تتوسّطها هضبة صغيرة، أقيم عليها فيما بعد بناء قيادة الجبهة، الذي جمع مكاتب الجيش، بعد أن كانت موزّعة داخل أزقة وشوارع المدينة، وكان حيُّ النَّهضة بالقرب من ساحة الأندلس، وتم إنجاز بناء دار السيّنما بطراز حديث، وشاشة (سكوب) وتفتح ستارتها آلياً. كان ذلك بالنّسبة لسكان المدينة مصدر اعتزازهم، خاصّة أنّ إدارة السيّنما تعرض أهمّ الأفلام العالميّة، لكنّني كنت أحبُّ سينما (دنيا) القديمة لأنّني اعتدت عليها، ومن خلالها تعرّفت على الفيلم. منذ نصف شهر لم يحضر أبي، واكتفى بإرسال نقود وبعض الأطعمة. لقد اشتقت إليه لأنّه الوحيد الذي يفهمني فأخي غازي في عمله أو مع رفاقه يغادر صباحاً ولا يعود وكان هو الآخر قد تطوّع في الجيش، وتعرّف على علاء، وكمال، وتركي، وحسين، وشكيب، ومجموعة من الشبّان حضروا من مدن مختلفة، وكنت الوحيد الذي يواجه تسلّط البنات في البيت. كان أبي يقول: -أمّك جاهلة، وعديمة المعرفة. برغم العمر الذي أمضته معه، وكان قد عرّفها على (ديغول) (حسني الزعيم) وشخصيّات يعتزّ بأنّها عبرت حياته، وتعامل معها. كما أسكنها قرى (الأرز) في لبنان لكنّها ظلّت امرأة القرية، ولم تتغيّر، وكانت أختي الكبرى تتحكّم بنا كما تشاء، ولم تكن أفضل من أمّها في المعرفة، وبدافع الحرص على مستقبلي كانت تمارس نفوذها المنفّر بمساعدة أمي. بدأت أشعر بالضّجر من هذا الجو المنزليّ المحيط بي، كان عليّ أن أتمرّد بأي شكل، وأن أرتبط أكثر بكمال الذي يشعرني برجولتي، رافضاً آراء غازي باستمرار. أمٌّ جاهلة، وأخ لا يكترث، وأخت تنفّس من عقدها، وفقر يقهر النفوس. ذات يوم قطعت حبل الغسيل الذي كانت تغطّيه بكامله سراويل النساء الداخلية، وكان بيتنا يضجّ بحركة ليست طبيعيّة في تواريخ محدّدة من الشهر حيث العادة الشهرية التي تأتيهنّ دفعة واحدة وكأنّهنّ على موعد معها. كبرت. دخلت سن البلوغ في وقت مبكِّر من حياتي أدركت ما يدور حولي، ومارست العادة دون نصائح كانت (بريجيت باردو) شبه عارية في (مايو) بحري وحرّكت الصورة شيئاً ما في داخلي نقلني إلى عالم آخر جعلتني أرتعش، وتكرّرت اللقاءات مع إنعام، أدركت بيني وبين نفسي أنّ كمال يعرف هذه المسألة جيداً، ويعي وضعي. كسرت بعض الحواجز التي كانت تحدّ من علاقتنا مع الشراكسة والداغستان، بعد أن اقتحمنا هدوء حياتهم، واخترقنا عاداتهم، واستلطف بعض الشبّان هذا الخرق وأحبّوا المفارقات التي تبدو في مجتمعنا بأشكاله المختلفة حيث لكل تقاليده، لكنّه الخطر المستمرّ الذي يوحّدنا دائماً، ويجعلنا نتقاسم الهمّ، رغم بعض الخلافات النسائيّة، التي يحلّها الرّجال بطرقهم، وتقام على هامشها السّهرات، والمناقشات. أمّا بنات حيِّ النّهضة، فكنّ يتميّزن في كلِّ شيء، القادمة من الشمال، تختلف عن القادمة من السّاحل أو لبنان أو دمشق. دخلت (هنسه) الشركسيّة حياة بيتنا كصديقة لأختي الكبرى، بعد أن جمعهما صالون شقيقة إنعام التي تساعدها العبدة، وهي الأخرى استقطبت الكثير من الصبايا، وراحت تعلمهم الخياطة، و (موديلات) تصفيف الشّعر. فشلنا في تشكيل فريق كرة القدم، واختلفنا في توزيع الأدوار، ولم يستطع جوزيف الشاب، الوسيم الهادئ، وحارس المرمى الجيد أن يقنعنا، وكان كلّ واحد يرغب في أخذ دور الآخر. رفض نزار من أجل الرّفض فقط. ثم أيمن، وسعيد، وسمير، وكان علينا مواجهة فريق حيِّ العرب يوم الجمعة القادم. وأمس صرّح ناطق عسكري بما يلي. وكنت أرقب المعركة الجويّة، التي دارت تحت سماء المدينة ولم أستجب لنداء الخطر ورمت الطائرات شيئاً ضخماً لم ينفجر. قال أبي: -هذه خزّانات وقود احتياطيّة، يرميها الطيّار من أجل سهولة حركة الطّائرة أثناء الاشتباك. قلت: -حين أحصل على الثانويّة، سأعمل طيّاراً. -تناول لفافة تبّغ، وهو يضحك، أشعلها من السّابقة التي كادت تحرق إصبعه. -لا بأس، لكن الدَّبابات تناسبك أيضاً، شيء رائع أن تكون ضابطاً في سلاح الدبّابات. داعب شعري قليلاً: -كن رجلاً في كلِّ الأوقات. ولا تخف. صرت أتابع معارك الطّيران، ولم تكن الخزّانات هي المقصودة بل قنابل تنفجر هنا، وهناك، فداهمني الخوف، ورحت أجري صوب البيت. وماذا يفيد البيت في مثل هذا الموت الذي لا يفرّق بين الشّركسي، أو القادم من لبنان؟ وقتذاك لم تكن إنعام قد دخلت حياتي بعد، ولم يكن الجسر قد استقر فوق النهر، نهر ذكرياتي الذي يهدر شتاءً ويغفو على صوت نقيق الضّفادع في الصيف ولم أكن أعلم أن هذا النقيق سيتحول في يوم ما إلى موسيقا حزينة يحن لها القلب وترغب لسماعها النفس، ولم أكن أعلم أنّ الرّوح تشتاق لعناق الأشياء المحيطة كما هي، وقد شكلّت نبضات نسج خلايا طين الرّقّاد ولم يستطع كل هذا الدّمار أن يمحو من العقل صورة تلك الطفولة التي نبتت على ضفاف النّهر. يا أبي، ألأنك أبي تعلّقت بك، أم لأنك رجل خياليّ وبطلي الأوّل، لست أدري، لكنّها الحقيقة التي لم تغب يومياً. *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |