|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أنت عمري بعد منتصف الليل (3) ركبت خلف كمال على دراجة (الفيسبا) الحمراء. اتجهنا إلى قرية جميل (الغجر)، كانت أمامنا سهول المنصورة بخضرتها، ذات اللون المتميز، خضرة ليست كأيةخضرة شاهدتها فيما بعد، كان بيني وبين تلك الطبيعة لغة مشتركة. كأنني قفزت فوق كل مراحل الطفولة والشباب، ورحت أغسل نظراتي بذاك البعد الممتد أمامي بين وادي (مسعده) وإطلالة سهول فلسطين، ونبع بانياس المتدّفق صفاءً يعزف موسيقاه للأرض التي عشقتها كالحلم. قال: ـ يجب أن تعمل، وتحقّق دخلاً، كي تسدّد مصاريف الدّراسة، وكان كمال على موعد مع صديق قادم من قرية (شبعا) المحاذية للغجر، واسم (شبعا) يعني إنعام فهي من الخيام المجاورة لها. قاد كمال درّاجته صوب الغجر، حيث الهدف الذي يعمل علىتحقيقه. كان يردّد باستمرار: ـ لا حياة دون نّضال. (الفكر والعقيدة). (الحياة موقف). قال: ـ نحن الآن في مهمّة نضالية. أنا في حالة فرح، لأني سأشاهد (جميل)، ونجلس معاً على ضفة الحاصباني. نأكل السّمك فما هو هذا النضال الذي يتحدث عنه كمال؟ وهي مجرّد رحلة على ظهر (الفيسبا). لماذا التصقت بي سمراء؟ ولم تبتعد إلاّ بعد أن تنبّهت لبكاء طفلها. قال أبي: ـ ألم أحذّرك من اللّعب بمحاذاة الخندق. لكنّ أصالة تجاوزته متحدّية المجنزرة، والرشاشات وعرفت أن الأمر ليس مرتبطاً بالبقرات مباشرة، فهي تعبر، ولا يكترثون، وأحياناً يؤدّي عبورها إلى معارك حامية كما حدث. ذات مرّة أطلقوا النّار على رضوان الرّاعي، فمات، وتركوا جثته في العراء. عبرت أمّه الخندق وهي تصرخ: ـ ياوحوش. يا كلاب. أطلقوا عليها، وسقطت إلى جانب ولدها. لم تصدر أوامر السحب جثّة رضوان، وأمّه، ووزّع والدي الجنود على خنادق العمليات، وأخذ الرماة مواقعهم القتالية وكان (الراصد) يتابع تحرك المجنزرة،ثم الطائرة الحوّامة (هيلوكوبتر)، التي راحت تجول في المنطقة.مخترقة مجالنا الجوي. سيطر الغضب، والحزن على سكان (الصيادة)، وجثة رضوان إلى جانب جثة أمه، وتحدّي المشاعر واضح كالشمس، كتب علينا أن تموت مشاعرنا. كتب أن تبقى جثثنا بالعراء دائماً، ربما لأننا لم ندرك بعد قيمة الإنسان، ولأنّنا لم نتعرّف بعد على حساسية المشاعر وكيف نحميها من الجروح. حضرت عربات رجال الهدنة بلونها الأبيض، وتم تسليمنا الجثتين. ـ هؤلاء وحوش. هذا ماقاله أبي وأنا أطرح أسئلتي. ـ لماذا لم تقصف يا أبي؟ ـ لماذا دخلت الطائرة حدودنا؟وحلقت فوق رؤوسنا؟ ـ أين طيراننا يا أبي؟ **** فشلت في تسلّق الجدار، بحثت عن فتحة مالأثبت قدمي. وأنهض كي أتمكن من الصعود، وأتجنّب قطع الزّجاج المغروس في الإسمنت. وجدت المكان لكنّ النور المتسرب من نافذة أحد البيوت حال دوني. ابتعدت عن المكان، ورحت أدور حول السّور. حققت هدفاً في المباراة, شعرت بتفوقي. قبلّني أمين، وأثنى عليَّ الأستاذ عبد الرحيم. رغبت لو أن أبي شاهد هدفي، ومادمت قد حقّقت الهدف الذي أدى إلى فوز الفريق فإنني قادر على أن أفعل كل شيء، فما الذي يجعل هؤلاء الإناث في بيتنا يسيطرن عليَّ، ويقيدن حركتي، ويطوّقن حريتي؟ يا أبي رجل الدبابات قد حقق هدفاً، صفقوا له، أعلم أنك ستفرح جداً، وستبدو علائم الرّضا على وجهك. أحاديث بيتنا تدور حول العرسان فقط، وثياب العبدة، وأخت إنعام. من سيحدّثني عن كرة القدم؟ وهدفي من يقدم لي النصائح، ويرشدني في العادة السرية، وأضرارها، وفوائد فرشاة الأسنان، ورائحة العرق، ونظافة الحذاء، ورائحة القدمين، والدّودة الوحيدة. من يحدثني عنك أنت يا أبي. المقاتل المخلص الذي يمتدحه قادته في كل معركة. من يحدّثني عنك كرجل لليل الجبال والكمائن. الرجل المستيقظ دائماً. قل لي يا أبي من...... ******** طغى صوت موسيقا (أنت عمري) على كلّ الأصوات. قدّرت أن لحظة اقترابي من إنعام قد حلت. وأن الوطن قد دخل في سباته، وأن سكان حي النهضة قد طاروا الآن في فضاء رحب. محلقين، يشربون الشاي، العرق يأكلون، لكنهم خارج حدود زمانهم. لكنّ إنعام تنتظر قفزة الفصل، وهي تتوقع قدومي بين لحظة، وأخرى. كرّرت المحاولة. فشلت. اتجهت صوب الباب الخارجي، وكان الشارع خالياً تماماً، لا شيء سوى موسيقا أنت عمري ونقيق ضفادع الرقاد، وثمة أصوات نباح كلاب بعيدة، قرعت الباب. ظهرت إنعام. ـ لن تدخل من الباب. قلت: ـ حاولت ولم أستطع. قالت: ـ أين بطولاتك على الجبهة، وأحاديثك التي ترويها عن شجاعتك هناك.؟ حاول، ولا تعلن فشلك بهذه البساطة، فأنا أكره ذلك، ولا تقرع الباب مرة ثانية. يظهر أنّ كلماتها، جعلتني أندفع نحو القفز من جديد، ومهما كانت النتائج. رحت أدور حول الجدار، أفتش عن حل، يمكنني من الوصول إلى ليلة أنت عمري، بعد منتصف الليل. فكرت بإحضار سلم خشبي، لكن من أين السلم في هذا الوقت؟ كانت تصلني بين وقت وأخر صرخات من داخل البيوت: (ياسلام).. (ياملكة). رأيت في الجهة المقابلة مجموعة من (البلوكات) عكس بعضها، وتركت فراغها الوسطي على شكل درج يمكنني من وضع مشط قدمي من الأمام بداخله. نجحت في تسلق الجدار، وبعد أن واجهتني صعوبة وضع يدي في أعلاه بسبب قطع الزجاج، لكني وفقت ببعض فراغ صغير مكنني من ذلك. إنه انتصار آخر يتحقق في ليلة (أنت عمري)، وعلى الوطن أن يحتفل سنوياً بذكرى العاشق الذي صعد الجدار، ولا يعرف الآن كيف سينقذ نفسه من الموقف الذي هو فيه، فأنا أعلو الجدار، ولا أدري كيف سأقفز إلى الداخل؟ ******** هبطنا الطّريق الترابيّة والضيّقة المؤدية إلى نهر الحاصباني. كان هديره يصلنا، ونحن في قرية الغجر الواقعة على كتف الوادي، تقابلها في الجهة الأخرى قرية (الخيام). كان جميل قد اصطاد كميّات من الأسماك، صاح بنا: ـ من أجلكم أقمت القاطع. فيما بعد رأيت القاطع، كومة من حجارة وأعشاب تنهض في مكان مامناسب داخل النهر فتمنع تسرّب الأسماك، وهي طريقة قديمة يمارسها سكان الغجر، وهم يقيمون أكواخهم من القصب على ضفة النهر الوحيدة لأن الثانية تحاذي الجبل تماماً، ويعتبر الحاصباني مصدر رزقهم، فهم إلى جانب السمك، يزرعون ضمن المساحة الضيّقة للضفة (البندورة)، (الخيار)، ويهرّبون مايحتاجونه للتّجارة والاستهلاك من لبنان. في البداية كانت تجارة خفيفة، توسعت عند بعض الأشخاص. وراحت تدر عليهم أموالاً. رأينا صديق كمال يهبط من أعلى الجبل برشاقة، لوّح جميل بيديه علّه يرانا، وأطلق عدة صرخات، لكن الهابط لم يسمعه بسبب هدير النهر، وحين اقترب أكثر كرر كمال النداء. فسمع الشاب، ورفع يده، وهو يقطع المسافة هرولة كان عليه تجاوز النهر عبر ممر تبرز فيه الصخور، وفي حال زلت قدمه فسوف يجرفه الشّلال باتجاه فلسطين، إن كان لا يجيد السباحة، وهي شاقة جداً في النهر. الذي جرف الكثير من الشبان أثناء ذهابهم أو عودتهم من الخيام. كان الحاصباني من أجمل الأنهار، وهو بتضاريسه مختلف عن الرقاد، فهذا لا يعرف الرقود، ولا نقيق الضفادع وتحيا فيه جميع الكائنات النهرية. يتحدّثون هنا عن أساطيره، السّمكة ذات القرنين التي قضت على العديد من الشبّان، والضبعة التي بالت على ذيلها، ورشقت ضحيّتها لتضبعه كما يشاع ويتبعها إلى المغارة لتلتهمه بداخلها، والجنّيّة التي تزوجت واحداً من شباب القرية وقيل إنها كانت جميلة، ذات مرة التقيت بزوجها حامد، وحدّثني عنها: قال: ـ هي جميلة جدّاً، ورقيقة، وتأكل مثلنا لكنها لا تنجب من الإنس، وكانت قد شاهدته يسبح في النهر، فظهرت له. وسمح لها ملك الجان من الزّواج منه. كان حامد يلتقيها ليلاً، ويضاجعها حتى الصباح، يقولون: إن السيد اليسوع قد عبر النهر في طريقه إلى قانا، وزار الغجر أيضاً (جعفر الطيّار) وأقام له أهلها مقاماً تظلله الأشجار. قطع الشاب النهر برشاقة، كأنه قد تدرب على ذلك طويلاً، كان سريع النكتة، أحببته. تحدث عن بيروت، وجمال عبد الناصر، والمير رسلان وكان كمال يناديه (يارفيق) ثم عرفنا أن اسمه (شوكت)، قال: ـ كيف الوضع العام؟ ردّكمال: ـ أصدقاء، خذ راحتك.. قال: ـ أحضرت عرقاً لبنانياً، وزجاجات عطر صغيرة، وكبيرة، شربت العرق لأول مرّة، وسعلت. قال: ـ (شوباك ياعمّي هيدا مشروب الرجال). أعجبتني كلمة رجال، إذن أنا من بينهم، وينبغي مجاراتهم فيما يتصرفون. انفرد كمال وشوكت جانباً، تحدّثا مطوّلاً، وكان جميل يتابع شواء السمك. سألني وهو منهمك بالعمل: ـ( شو هاي رفيق؟) قلت: ـ (تعني معه بالحزب). ـ (شو هادا الحزب، ونحنا شو خصنا). ـ (خليك بالشوي، وبعدين بتفهم). ******** أنا الآن في الأعلى، وينبغي أن أقفز لأدخل دنيا (أنت عمري) لكنّ سعلات أبي معين وصلتني متلاحقة وأنا أتجنب قطع الزجاج بقيت معلقاً ريثما يعبر، لكنه انعطف صوب الباب. وصار يدقّه، لم تستجب إنعام في البداية، لكنّها صرخت من الداخل: ـ مين.. سعل أبو معين. رأيتها تخرج من الغرفة متّجهة في الممر الذي غرست على جانبيه مزروعات أمّها. أين سأقع؟ فوق البصل؟ البندورة؟.. أظن أنها قد تنبهت لوجودي معلقاً، وإن هي أصرت على الرجل وأدخلته ليشرب الشاي، فهذا يعني أنني سأبقى على هذا الوضع لفترة طويلة. ـ (كيفك يا إنعام؟ شو بلشت أم كلثوم؟) ـ (تفضل ياعمي، مافي غيري بالبيت). ـ (وين أهلك من غير شر؟) ـ (سافروا.) راح أبو معين يسألها، وهي تجيب، وأنا أكتم أنفاسي في الأعلى متداركاً سقوطي إلى أحد الطرفين، وكلاهما سيؤدي إلى فضيحة. بدأ العرق يتصبب مني بغزارة، وإنعام مستمرة في حديثها. ـ (إذا لزمك شيء، أنا عم أتفتل هون). راح شوكت يصعد جبل الخيام برشاقة. وتجاوزت قفزاته نفق النهر هنا تدور معارك أيضاً، وينتشر سكّان الغجر في الوادي استمر إطلاق النار في الأسبوع الماضي عدّة ساعات، وكان الأعداء قد أقاموا منتجعاً للراحة في تلّ القاضي، حيث النبع والغابة. قال أبي: ـ لم أذق أطيب من ماء تل القاضي. كان جميل يحدث "كمال" عن النبع،وجمال التلّ، وكان والدي قد تنقّل من مكان إلى آخر في تلك القرى والوديان التي يضمها الجولان الممتد من الغجر حتى جسر بنات يعقوب مروراً بالحمة ذات المياه المعدنية. كنت حين أفرّ من مجتمع بيتنا النسائي حيث السراويل الداخلية ورائحة العادة الشهرية والأحاديث المقيتة أدخل مجتمع جنود قطعة والدي العسكرية، فهم هنا يمارسون طقوسهم الخاصة، وحياتهم التي فيها من القسوة قدر مافيها من المتعة، وكنت أعشق أجواء الرجال والقوة، مانعت الكبرى دخولي فريق كرة القدم، واستهانت بالهدف وأصرت أن لا خروج من البيت، كي أتفرغ للدراسة، لم أرد على كلامها، وفيما بيني وبين نفسي، وجدت أن علي إعادة النظر في طريقة تعامل هذه البنت معي. أنا الآن في الصف الثاني الإعدادي، وعليَّ أن أجعلها تعيد ترتيب أفكارها، رغم جهلها، ونظرتها المحدودة للحياة. وقررت ضربها إن تدخلت في شؤوني. أمضينا يوماً جميلاً في أحضان الحاصباني، ثم ركبنا (الفيسبا)، وعدنا نحمل زجاجات العطر، الهدف المعلن لحضور الرّفيق شوكت من الخيام، لكن الهدف الخفيّ كان تلك المناشير التي أخفاها كمال داخل ثيابه، وظن أني أجهل الموضوع، مجموعة من العطور وبأحجام مختلفة. ـ سنبيعها ونتقاسم ربحها، هذا ماقاله كمال. كانت القنيطرة تستهلك كل شيء دون استثناء، راح التجار يتوسعون في تجارتهم وينفذون (الديكورات) المثيرة للانتباه وكانت دفعات القادمين تزداد، والثكنات تنتشر في كل مكان. جيش عليه تحرير فلسطين، مهمّة أكبر من تصوراتي وكنت أرى فلسطين أمامي جميلة، خضراء، من النقطة (م.د) كما كانوا يسمونها. كانت خيوط الشمس الغاربة تنعكس على البحيرات التي أقيمت وسط الخضرة فتبدو لوحة رائعة (حماة الديار عليكم سلام). أيّها الحماة الأعزاء يامن شكلتم مع أسركم مجتمع المدينة النامية، بدأت معايريكم تنهار قليلاً، ومن بين أيديكم تتسرب سلطة سيادتكم أحياناً. فالمجتمع توسع، ولعله المناخ الأكثر خصوبة لمزيد من إلغاء بعض العادات وانتشار الفساد الذي راح ينخر عقولنا، عفويتنا، ويهدّد تربيتنا. كما ازداد عدد العربات التي تزور حيّنا ليلاً، دخلت أخيراً (المرسيدس) لكنّها ليست للعبدة بل لأم أيمن التي حوّلت بيتها إلىملهى خاص بالشخصيات المهمة والتجار، أحضرت فتيات من مصر، والعراق، وبدأت حملة تزفيت الساحة المطلة على الرقاد من جهة بيتها وراحت البلدية تزرع أشجار الحور، والصفصاف وازداد عدد عمال التنظيفات، وأم أيمن تفرض نفوذها والعربات تكثر أمام بيتها. راحت (الفيسبا) تئن في صعود طريق بانياس، ونحن نتجاوز منعطف تل الفخار القاسي، تل صخري لا يمت للفخار بصلة، لكنها تسميته. وقد وجدوا فيه آثاراً قيمة، وجماجم لبشر ماتوا في غزوات قديمة. ومن طرفها الغربي وادي (مسعدة المرعب). هنا أيضاً يتحدثون عن الفرسان الذين يرتدون ثياباً بيضاء، ويطيرون بين الأرض والسماء متجهين صوب فلسطين أطلقت (الفيسبا) عدة شخرات، ارتجفت ثم توقفت: ـ ماذا جرى؟ ـ تعطلت. تسرب (الزيت) من المحرك، حاول كمال إصلاح مايمكن لكنه فقد الأمل. نظرت إلى أسفل الهضبة، كانت سهول فلسطين تتفجر خضرة ودماً. أين أنت يا أبي الذي يعرف هذا المدى وقع خطواته، ويشهد أنه أخلص في قتاله ومواقفه وأحب وطنه. ******** قال نزار: ـ نحن لا نملك الثياب الجيده ولا توجد معنا نقود علينا أن نعمل. كان الخان يتوسط المدينة، وكان صاحبه (الشركسي) لم يزل محافظاً على لباسه التقليدي، وعاداته وهو في الستين من عمره. قاس. لا يعرف أن يتعامل بصورة مختلفة عن (البغل) أو الحصان المزيف أما الأصيل فله احترامه كونه من سلالة معروفة. يعرف صاحب الخان جميع أسماء فصائل الحمير، والبغال، وعرفنا أن لا أصل للبغل، فيما عائلة الحصان ذات جذور، وهم يعرفون الأب، والأمّ، ومايميّز الحصان إخلاصه، فهو يبكي إن ألمّت بصاحبه مصيبة ما، وعرفنا طبيعة الحمير، وكثيراً ماكنت أتّهم نزار بأنه حمار لكنّني سرعان ما اكتشفت ظلمي للحمير في هذه المقارنة. اتفقنا مع صاحب الخان على أن نحصل على (فرنكين) عن كلّ دابّة نحضرها. كنّا ننتظر بدو الجولان القادمين من القرى لبيع إنتاجهم من اللّبن أو الجبن أو الخبيزة أو القحط أو الهندباء، لنقود دوابهم إلى الخان، وبعد الظهر نحصل على أجرنا. حققنا دخلاً لا بأس به، وكنا نعمل سرّاً كي لا يذاع خبرنا في المدينة، لكن أية سرية في مدينة كهذه يسري الخبر فيها كالبرق؟ كانت (علقة حامية)، حين هبت الكبرى رافضة عملي. كذبت ماقيل لهم، ونقلت إنعام رأيها المؤيد دون نقاش للكبرى، لكن فايز وقف إلى جانبي وعبر عن رأيه: ـ هل ستتوقّف مصانع أمّكَ لأنّكَ تشتغل في الخان من هو مثلك لا يناسبه أصلاً سوى الخان، أنت ونزار بغل يجر بغلاً والمعادلة عادية، أما الجحش الأكبر فهو صاحب الخان الذي شغلكم أصلاً. كان نزار يثبّت قدم البغل. والشركسي يحديه. كان العمل يجري بكامل الهدوء، لا شيء سوى الضّربات الخفيفة للقدّوم، وحركات البغل المستمرّة، ورائحة روث الحيوانات. فجأة كادت النظّارة الطّبيّة للشركسيّ أن تقع على الأرض، حاول وهو يضرب مشط قدم البغل إعادتها إلى مكانها، حينذاك لم يستطع إحكام الضربة فقفز البغل، ولأنّ نزار كان إلى الخلف منه فقد تلقّى الرفسة الأولى ثمّ الثانية فطار في الهواء، مخترقاً صفيحة التوتياء التي تغطي سقف الخان، ثم استقرّ في الأعلى فاقداً الوعي. شيء لا يصدق، لكني رأيته. قوة ماحملته. صرخ الشركسيّ: ـ (يا لتيفة تلتفي. ماتت الولد. نزليا، هاتي مّي). أنزلنا (نزار) ، ورشقنا الماء على وجهه، فرجع إليه وعيه، والغريب أنّه لم يصب بأي جرح أو كسر. قال نزار: ـ أحببت الطيران، وسوف أصبح طيّاراً. حقق ذلك فيما بعد، وقبلها عمل في معرض دمشق كزبال في شهر المعرض، لم يكن العمل يليق به وهو المتفوق في الشهادة الثانوية. ولم يستطع السفر إلى أمريكا لمتابعة دراسة الطب، بعد أن وافقت إحدى الجامعات على قبوله، وماكان عليه سوى تأمين بطاقة سفر الذّهاب بالطائرة ولكن من أين؟ حين التحق بالمدرسة الجويّة قلت: ـ سوف يتمكن في الفضاء من استنشاق هواء نقيّ ينسيه رائحة زبالة المعرض. كانت الميغ هدف الأمّة في التحرير، ونزار أصبح من هؤلاء الذين سيقودونها، وسوف يتفوق حتماً كما هو في الرياضيات، وكرة القدم، والخان، وبيع بطاقات اليانصيب، ولابد أنّه متفوق في فهمه لفلسطين والطريق إليها. ألم تعلمنا الحياة يانزار أن القروش القليلة التي كادت تودي بحياتك هي الوسيلة للعيش؟ أية طفولة تلك؟ طفولة المَخْطَة، والدودة الوحيدة، ومغص الليل والصقيع؟ أم طفولة المدرسة الابتدائية حيث الصف البارد، ومدفأة الحطب التي تنفث دخانها ليخنق أنفاسنا الضعيفة، وحين كبرنا قليلاً كانت غرفة جميل سلوانا، وشرب الشاي عنده وصور الممثلات، ونقيق ضفادع الرقاد. نحن يا نزار الأطفال، الذين سجلنا للمدينة يومياتها من ضحك، وشغب، وبكاء، وركض خلف الوهم، خلف اللاشيء وجُبلنا بطينها. غدونا منها، وغدت منا دخلنا فيها، ودخلت فينا، كانت نورنا، وحين فقدناها عشنا سنوات الضياع، ولم تزل تنبض فينا، ونحياها كحلم ليلة أمس. دخلت بيت صاحب الخان لأوّل مرة، عبر الممر الضيق الذي بباب خلفي يصل الخان بالبيت، وطلب إلى البنت الوحيدة صنع الشاي. راحت نظراتي تتابع الفتاة البيضاء التي تمشي كبطّة وهي تتدلّع في سيرها كأنها استنفذت كل قواها في السباحة، وهي تترنح على شاطئ البحر. كان وجهها يضيء كما هي (لمبات النيون)، التي دخلت بيوت حيّ النهضة مجدداً. سميناه يوم الخان، لأن ماشاهدناه بمثابة سحر لم نعرفه سابقا. الآن يا نزار، وبعد مضيّ هذه السنوات الطويلة سأبوح لك بسرّ لم تسمعه مني سابقاً. نحن شربنا الشاي، وخرجنا أليس كذلك، كنت قد حدّقت طويلاً في وجهها، وتبادلنا (الغمزات) عُدت للبيت في اليوم الثاني متذرعاً بشربة ماء، صرختُ، لم ترد، كررت الصراخ. ثم سمعتها تقول: ـ (أنا بالحمام. أنتظر شوية). اقتربت من باب الحمام الخشبي.. ثمة ثقوب بسبب اهتراء الخشب. نظرت من أحد الثقوب. كانت تسكب الماء. صرخت: ـ (وين انتي؟) ابتعدتُ عن الباب قليلاً: ـ (أنا هون. هون). قالت: ـ (اطلعي بره. أنا ماقلتُ فوتي على البيت. وشوفيني بالزلط.) قلت: ـ (أنا ما شفت شي.) صرختْ بعصبية: ـ (اطلعي بره ولك زعره). لم أخرج. عُدت إلى مكاني، رحت أفعل. كانت تتحرّك بالداخل. وتدندن أغنية لم أسمعها سابقاً، حين أنجزت فعلي شعرت بالراحة لكن السائل استقر على باب الحمام. فأسرعت أبحث عن قطعة قماشية لإزالته. حين خرجت. كانت مشكلتي هذه المرة مع أخي غازي الذي صرخ: ـ (أخي عم يشتغل بين الحمير، والبغال، شي ما بليق بسمعتنا). اتخذنا قرارنا أنا ونزار لن نعمل في الخان، كما اتخذت قراراً حاسماً هذه المرة بأنه علي أن أنسي الكبيرة عادة الضرب التي لم تزل تمارسها، واحدة جاهلة، وإن حاولت في المرة القادمة فسوف أضربها، لقد قررت ذلك ولن أتراجع. صرت أساعد كمال في دفع (الفيسبا) إلى الأمام والخلف فربما ينجح في إصلاحها. بدأ الظلام يحلّ علينا، وبعد قليل سيمنع السير تماماً وقد تزرعُ الألغام، وشعرت أنه بدأ يقلق. قال: ـ ليست مشكلة الألغام، ولا السير. صمت قليلاً: ـ لا تخف لا شيء يدعو للخوف. كنت أعرف السر، وسبب القلق ولم أكترث كثيراً لكل ذلك. ******* هل سأظل معلّقاً فوق الجدار، وأنت تتابعين حديثك مع أبي معين يا إنعام؟ وهو يقاطعك بمزيدمن السعال، ولفافة التبغ بين أصابعه. ـ بتشرب شاي. لابد أنك فقدت عقلك، كيف تصرين على دخولي قفزاً ومن ثم لا تفكرين بأي موقف أنا!؟. ـ (رحْ قوم بجولة، وبعدين برجع لعندك). ـ (دق الباب بقوة، بيجوز مااسمع لأنّي رافعة صوت الراديو). لعنت (أنت عمري)والورطة، وأبا معين، وفكرة إنعام تراجعت عن الباب،مشيت في الممر، توقفت.نظرت حيث أنا. ضحكت. قالت: ـ (أنا شايفتك من الأول نط.نط).. ـ (من الأول، وكلّ هالحكي ياشاطرة؟). ـ (طبعاً. مشان تذوق طعم المغامرة.). توزعت المناشير في المدينة. دارت حولها أحاديث ماذا لو عرفت الكبرى؟ بأنني ساهمت في إحضارها مع كمال، دون شك ستقيم الأرض وتقعدها على رأسي، لكنني تحررت من حالة الخوف، فأنا الآن رجل أدخل المناشير السرية. جرائم قتل. سرقات. اغتصاب فتيات صغيرات. خيانات زوجية. مناشير. لا يحتمل هذا المجتمع الطريّ تلك القضايا دفعة واحدة. دخل عزّام السجن لأنه أطلق النار على زوجته وعشيقها صديق عمره المخلص قبل اكتشاف الخيانة وهذا (بلاق) الميكانيكي يحمل أداته ويضرب (قوجو) بسبب النّقود. صارت المدينة مرعبة ياشباب، هذا ماقاله فايز. أما المناشير فلم تكن في الحسبان، هي مرحلة متطورة، وفي مضمونها هجوم على الدولة بمن فيها. كانت قوات الصاعقة المصرية ترابض في موقع (الجوبة) الذي يشكّل المنخفض الطبيعي لتلّ (أبو الندى) الذي تحيط به عدة هضاب أخرى ثم ينحدر تدريجياً نحو فلسطين. حددت مباراة كرة القدم بيننا وبين فريق الصاعقة يوم الجمعة القادم وراح الأستاذ عبد الرحيم يشرف على تدريبنا اليومي. ـ ستلعبون مع الصّاعقة يا بجم. ـ يجب ألا تهزمكم. ـ كل طلاّب سورية، سيعتزون بفوزكم. وبدأ صراخ جنود الصاعقة: ـ الصاعقة بتلعب تمام. مافيش كلام. وكان طلاّبنا يرددون: ـ نحنا، ونحنا وبس، والصاعقة خس، الصاعقة خس، ضحك الضابط المصري الذي حضر المباراة: ـ خس إيه يا بني؟ إحنا الصاعقة، بقى عشان الكوره حنصير خس. ردّ الأستاذ عبد الرحيم: ـ (الطلاب عايزين كده يا حضرة الضابط.) كيف حققوا الأهداف؟ لا ندري لكن فريقنا انهار أمام لياقتهم، ولعبهم المتقن. جمعنا الأستاذ عبد الرحيم. وألقى فينا خطبة تمكنت من رفع معنوياتنا، ووجد أن المباراة غير عادلة فهؤلاء جنود الصّاعقة، يقفزون فوق أسوار عالية ويتلقون تدريبات قاسية، وكرة القدم بالنسبة إليهم لعبة للتسلية فقط. بعد حين جابت المظاهرة شوارع المدينة: قال فايز: ـ يا حبيبي، ومظاهرات كمان. كان كمال على رأسها، وعبد المولى، وحافظ، ورحت أتابعها عن بعد، وكانوا يرددون: (البعث حزب الوحده) (أمة عربية واحدة) ******** لا فائدة من دفع (الفيسبا)، وأصوات الحيوانات راحت تنطلق من عمق وادي مسعدة، تحيط بنا، أصبحنا في موقف لا نُحسد عليه فعلاً. إذا تقدمنا فالجيش أو الألغام بالانتظار. إن عدنا إلى بانياس سنواجه المشكلة ذاتها، وإن بقينا هنا فقد تأتي الضبعة وترشقنا ببولها، وتجرنا خلفها إلى المغارة، رأينا أن الانتظار هو الحلّ الأمثل، وعبرّ كمال عن الانتقادات التي ستوجه إليه من بيتنا الأنثوي وكانت له مكانة خاصة، فوالدته صديقة أمي. قلت: ـ أنا عند جميل فلا تهتم. جرت العادة أن أزور جميل بين وقت وآخر، وأقيم عنده، صار كمال يدخّن بكثافة، ويعيد ترتيب ثيابه ظنّاً منه بأنّي لا أعرف ماذا يخفي تحتها؟ قلت: ـ إن كانت زجاجات العطر تسبّب مشكلة ما فدعنا نرميها في الوادي. ضحك على عجل: ـ لا المشكلة ليست في الزّجاجات. أنا أعرف جيداً أن المشكلة أخطر من ذلك بكثير وأن وقوفنا هنا سيعرّضنا لمشاكل مع المكتب الثاني. تهريب مناشير، هي تهمة شنيعة عندهم، وهم يعتقلون الناس إن تكلموا أو لمجرد الاشتباه بهم. ظهر عن بعد ضوء ضعيف لعربة قادمة، سمعنا صوتها يقترب، فالتمع الأمل بالنجاة، لكنها جعلت كمال في حالة خوف حقيقي. قال: ـ مرور السيارات يتوقف ليلاً إلا للمهمات الخاصة. قلت: ـ قد تكون. اختفت العربة عند المنعطف القاسي المحاذي لتل الفخار ثم بدأت تظهر، وهي تئن من شدة الصعود. قال: ـ يجب أن نبعد (الفيسبا) عن الطريق، ونختبئ. قلت: ـ ماذا تقول وهي أملنا في الخلاص؟ قال: ـ نعود بعد مرورها إلى تل الفخار، ونطلب النجدة. قلت: ـ قد نرمى بالرصاص، فنحن لا نعرف كلمة (السر) (وليس بمقدورنا الاقتراب من الموقع). كنت قد تعلمت ذلك من خلال مرافقتي لوالدي، وأكد كمال ما قلته واقتنع معي بإيقاف العربة القادمة وكان في حالة ليست طبيعية. لوحت للسائق القادم، فتنبه لوجودنا، وكان كمال يقف بمحاذاة الوادي، استعداداً للهرب كما أظن في حال اكتشف أي شيء، لكنه لم يوضح لي ذلك، وكانت تهمه نجاتي فقط. كانت العربة من نوع (الجيب) يرتدي سائقها خوذة وإلى جانبه بندقية حملها، حين توقف، وصوبها نحوي وهو لم يشاهد كمال حتى الآن، وقبل أن يترجل سأل: ـ (شو بتريد يا شب!؟) اقترب كمال وأجابه: ـ (مدنيين. مدنيين.) كانت البندقيّة موجهة صوبي، وإلى جانبي وقف كمال بعد أن تأكد أنه ليس المقصود بحضور العربة كونها تقل سائقها فقط، أي بما معناه ليست دورية مطاردة للمكتب الثاني. قال: ـ ماذا تعملون هنا؟ حاول كمال أن يخطو خطوة واحدة صوبه فصرخ: ـ توقف في مكانك لا تتحرك. وكان على أهبة الاستعداد لمواجهة أية حركة. ـ أيديكم لفوق. نفذنا. ـ انزلوا إلى الأرض. حاول كمال أن يتدخل. قاطعه بحدة. ـ نفذ ما أقول: وبعدين بنتفاهم. ***** قفزت أخيراً، وتخلصت من وضعي المعلق على الجدار، وسقطت في أرض البصل، وأتلفت كمية لابأس بها، وتلطخت ثيابي بالطين لأن الأرض كانت مروية، لكنني لم أصب بأي أذى، رغم علو القفزة. صرت أتطلع إلى الجدار الذي تحول إلى ذكرى، وأنا في حيرة من أمري. كيف قفزت دون كسر ما؟ لم تطل إنعام، ولم أسمع صوت (أم كلثوم)، من الغرفة الجانبية حاولت فتح الباب، لكنه مغلق، إذن أنعام في غرفة داخلية. تساءلت لماذا لم تترك باب الغرفة مفتوحاً على الأقل؟ فجأة عاد أبو معين يقرع الباب الخارجي بقوة تنفيذاً لوصيتها . جاء صوتها من الداخل: ـ مين..؟ خرجت وهي تضحك. لم تزل ليلة القفزة محفورة في ذاكرتي، أين إنعام الآن قد تكون جمجمة في أحد قبور القرية؟ وقد تكون حية ترزق، هل سأراها في يوم ما، بوجهها الأسمر الذي كان يلونه الفرح دائماً؟.. كان الأولاد يتابعون مايجري: لحظة للبكاء، وأخرى للضحك. لماذا القفز يا إنعام؟ ألم يكن الدخول من الباب والخروج منه أفضل؟ على كل حال لم أزل إلى الآن أنا هو ذلك المراهق المعلق فوق الجدار، ينتظر ابتعاد سعال أبي معين. قال الجندي: ـ لا فائدة ياشباب موتور (الفيسبا) مكربج. قال كمال: ـ تابع أنت مع الأخ، وأنا سأظل هنا. عاد كمال إلى طبيعته، بعد أن زال تخوفه بسبب قدوم العربة وبعد أن تأكد بأن مهمتها ليست لها أية علاقة بوجودنا هنا، وأن مناشيره في أمان. قال الجندي: ـ من غير المعقول أن تبقى هنا فالمنطقة مليئة بالحيوانات المفترسة، سنترك (الفيسبا) في معسكر التل. ثم قفز إلى العربة وأدارها عكس اتجاهها بصعوبة بسبب ضيق الطريق، ورحت مع كمال ندفع (الفيسبا) وقاد هو الجيب ببطء أمامنا. ******** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |