موسيقا الرقاد-زهير جبور

رواية-من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

كانت الشمس تميل صوب الغروب، وفي مثل هذا الوقت يتناول الجنود وجبة العشاء قبل أن يتجهوا إلى مهامهم الليلية، ومنهم من يحمل (بطانياته) إلى الكمين المتقدم.

أثناء العشاء يتحدثون عن أحلامهم الصغيرة، بعضهم يحسب ماتبقى له في الخدمة، وآخر يتحدث عن سقف المطبخ الذي عليه إنجازه.‏

والقادم من الإجازة يحدّثهم عن الأهل، ومشاكله وكأنّهم على علاقة وطيدة بهؤلاء الأهل الذين لا يعرفونهم أصلاً لكن يعرفون تفاصيل عنهم من خلال الأحاديث وآخر يحمل صورة حبيبته المأخوذة بواسطة (كميرا) الماء القديمة.‏

قال أبي:‏

ـ إذا ذهبت إلى بيت أصالة سوف أتبعك بعد قليل.‏

قلت:‏

ـ سأذهب إلى بيت سمراء.‏

ـ لا يجوز يا ولد. أنت كبرتَ وسمراء وحدها، زوجها لم يعد من لبنان فماذا ستفعل هناك؟‏

قلت:‏

ـ سأذهب لبيت حسن.‏

غضب الوالد فهو لا يحب العناد دون سبب، لكنني كنت عازماً على أن أكتشف سر يوم القصف، ولماذا كان ذلك العناق السريع؟‏

في بيت حسن لا أسرار، ولا حماس، مجرّد جلوس مملّ واستماع إلى الراديو.‏

قلت:‏

ـ إذن نذهب إلى بيت أصالة.‏

صرخ الوالد:‏

ـ (قوم ولك. قوم من هون. شو عم تلعب معي. قوم عند بيت سمراء. حسن. أصالة المهم روح من وجهي).‏

صرت أضحك فوالدي لا يعرف السرّ، ولم يدرك بعد أنني كبرت.‏

كانت أصالة مقرفصة أمام موقد الحطب منهمكة في الطّبخ قال أبوها:‏

ـ أنت تحبّ البيض المقلي. وأصالة جمعت اليوم بيضات الدجاجات.‏

همست في أذنها:‏

ـ شو بطلّنا نلعب عريس وعروس.‏

قالت:‏

ـ (أنا كبرت. وبدي روح عروس.).‏

تطور جديدٌ طرأ على حياتها بعد غيبة استغرقت السنة الدراسية بكاملها.‏

كانت آخر مرة أرى فيها سمراء في الصيف الماضي، وهي تستحم وتستمع إلى (الراديو) وكان صوت (بابور الكاز) يختلط بصوت الأغنية وبرميل (الألمنيوم) فوق (البابور).‏

كنت أتابع سير (المجنزرة) من سطح المنزل وبعد عبورها وضعت قدمي على السلم الخشبي، لأجد الطاقة المطلة على الغرفة، حيث حمامها.‏

********‏

قال أبي:‏

ـ قصص عجيبة تُروى عن المدينة.‏

أجابه علاء:‏

ـ أمر طبيعي فلكلّ مجتمع قصصه.‏

ـ يا أخي هذه مدينة لها خصوصيتها، وهذا الخليط العجيب من البشر لم يجتمع هنا عبثاً.‏

كان أبي وعلاء يتحدثان، ونجاة تدخل وتخرج دون سبب والنظرات المتبادلة ظاهرة بوضوح. لكن والدي لم ينتبه لذلك، ولأنني أحب علاء فقد التزمت الصمت.‏

أمّا كمّال فكانت له خصوصيته التي تجعل الآخر يحبه فهو مرح. صريح. يفهم، وكانوا يتعاملون معه على أنه واحد من أفراد الأسرة، وهذا ماسهل موضوع مرافقتي له شريطة ابتعادي عن السياسة، لكن هدف كمال الأساسي كان اقترابي منه، وضمي إلى صفوف حزبه.‏

افتتح (راكان) مطعمه الذي صار يكتظّ بالزوّار. تفوح منه رائحة الشواء والعرق إلى الشارع. كان راكان القادم من إحدى المدن البعيدة أكثر جرأة في افتتاح المطعم وتقديم العرق علناً، وهذا ماكان يمانعه مفتي المدينة برغم الكميّات التي كانت تستهلك في البيوت.‏

كان المفتي يهتم بالمظهر الخارجي الذي ينعكس سلباً على بنية المجتمع، ولم يتدخل مثلاً فيما يجري في بيت أم أيمن، لأنه يعرف مدى نفوذها، ومن هم زوارها، لكنه واجه راكان بقوة، رغم الموافقات النظامية التي بحوزته، وكان راكان يجيب:‏

ـ هذا أمر طبيعيّ أن يرفض تقديم العرق، لكنّه لايستطيع مع تقديري الكبير له أن يكبت حرّية الناس.‏

ورفض المفتي اللقاء به، أو التحدّث معه،بصفته زنديق، كافر. ملعون، صديق للشيطان، إن لم يكن هو.‏

لكن راكان أثبت فيما بعد أنه لا يقل نفوذاً عن أم أيمن فسكت المفتي لاعناً الشيطان الرجيم.‏

صارت أصوات الزبائن تصل إلى الشارع، وكانوا يدخلون بوضعهم الطبيعي، ويخرجون مترنحين، متمايلين، منهم من يتحول إلى شرس قاتل، ومنهم من يفتَّش عن النساء وحتى الآن لم تستطع الجهات إلقاء القبض على من كان يغتصب الصغيرات ويقتلهن ويخفي جثثهن في أماكن متفرقة بعيدة عن المدينة.‏

هذا الإجرام خلق حالة ذعر في المدينة، وقرر راكان أنه سوف يقتل هذا المجرم بيديه، وسيعرفه حتماً مؤكداً أنه لابدّ أن يكون واحد من زبائنه فقد وجدت أثناء اكتشاف إحدى الجثث زجاجة عرق فارغة من نوع (ملوكي) ومصدرها الوحيد في المدينة هو مطعم راكان.‏

أدلى راكان بشهادته أثناء التحقيق ولم يُعتقل ولم يُثبتْ عليه أي شيء، علماً أنّ الشكوك كانت تدور حوله.‏

قيل فيما بعد أن راكان ضابط في الشعبة الثانية، وعمله هذا بتكليف من الدولة، وبالفعل كان يحل الكثير من المشاكل ويتدخل في جميع شؤون المدينة صغيرها، وكبيرها، وفي مطعمه كانت تدور الأحاديث الكثيرة، وهو خلف طاولة الحساب الصغيرة يتابع الجميع باهتمام ملحوظ ويستمع إلى أحاديثهم، ويتعرف على الزبائن الجدد، واستطاع بسرعة حفظ أسماء جميع سكان المدينة.‏

وجاءت هيفاء لتتحدّى هي الأخرى وتقتحم الحياة المهنية للمدينة. حين افتتحت صيدلية في شارع فرعي بمواجهة السمان (ياسين) الذي ثار في البداية، لكنّه تحوّل فيما بعد إلى خادم مطيع لها. حارس. مدافع. يقدّم المطلوب دون حساب، وصار حديث هيفاء على كل لسان حتى أنه طغى على حديث مطعم راكان ومشاكله.‏

قال فايز:‏

ـ يا حبيبي لوين رايحين نحنا؟ صيدلية، ومطعم، وأم أيمن؟ وأعلن المفتي أنه لن يسكت بعد الآن، وأن معركته مع المطعم، والصيدلانية سوف تستمرّ ولم يذكر بيت أم أيمن، وارتبطت هيفاء مع راكان بصداقة متينة.‏

واشترى عربة بيضاء من نوع (فيات) وجذبت هيفاء سكان المدينة، وقراها، وتعلقت العجائز بها بصورة عجيبة وكانت هيفاء تحبهن، وتقدم لهن الخدمات، وتذهب إلى زيارتهن، وترعاهن.‏

كانت هيفاء متوسطة الجمال، قصيرة القامة، حادة الذكاء من النوع الذي يجذب إليها الرجال، ففيها إثارة طبيعية وشكلت من حولها مجموعة من الشبان سيطرت عليهم : ياسين السمان، أنور الملاكم. راكان الخطير. وشخصيّات أخرى، وأقامت علاقات وطيدة مع نساء الضبّاط وكانت تزورهن في البيوت.‏

********‏

قدم لنا جنود تل الفخار العشاء المتأخر. أبدوا فرحهم في خدمتنا، وزيارتنا التي أخرجتهم من روتين ليلهم المعهود، زيارة ليست متوقّعة قادتنا إليها المصادفة.‏

كان كمال يحرص دائماً على إعادة ترتيب ثيابه. وثمة قيد ما يعيق حرية حركته، لكنه ظهر بين الجنود بحالته الطبيعية وهو يقدم الشكر للملازم الشاب بالذي راح يستدعي من الجنود من يفهم بالميكانيك.‏

جرت عدة محاولات من قبل شاب حلبي، لكنه وضح أن موتور (الفيسبا) بحاجة لفك، ويمكن أن ينجز إصلاحه غداً مساءً.‏

قدمنا الشكر للجميع، وتركنا (الفيسبا) عندهم، على أن نعود لأخذها فيما بعد، وانطلقنا مع سائق الجيب نحو المدينة ونحن نودع شبان التل هؤلاء الرجال الذين لا يعرفون إلا الوطن. الشجاعة. الصدق. ويعيشون أسرة واحدة.‏

كان سوق المدينة قد راح يصخب: محلات للأدوات الكهربائية. صالونات للحلاقة. للألبسة. بيوت لكلّ شيء، قال كمال:‏

ـ باع الحاج ممدوح عشرين ألف جهاز (ترانزستور) الشهر الماضي.‏

ردّ علاء:‏

ـ يازلمي في اليابان لا يُباع هذا الرقم في مكان واحد.‏

ـ إنها صفقة يحلم بها تجار اليابان أنفسهم.‏

كانت نجاة تسكب الشاي، وهي معجبة بما يقول علاء.‏

حضر صبحي من الساحل، حاملاً معه قالب العوامة والكنافة الجبلاوية، ثم اتبع نظاماً جديداً في البيع كي لا يزعل أحداً.‏

صار يسجل أسماء الراغبين في الحصول على الكنافة مع دفع القيمة مسبقاً، على أن يتم تسليمها في اليوم الثاني، فيما بعد جلس صبحي وراء مكتبه وترك العمل للشغيلة وتفرغ هو للجلوس في مطعم راكان أو في بيت أم أيمن. كما افتتحت صالة (النيشان) ببندقية الضغط استطاع صاحبها‏

شراء (الشيفروليه).‏

ـ مدينة كهذه تستهلك كل شيء يارجل.‏

انظر إلى راكان. الصيدلانية اشترت مجموعة بيوت في العاصمة. الناس بطرت.‏

رد علاء:‏

ـ مال الجيش لا بركة فيه. نحن نقدم أرواحنا والتجار يحصلون على رواتبنا، نحن نغيب عن أسرنا ونترك أولادنا في الشوارع وندفع الثمن، وغيرنا يترفه على حسابنا.‏

تحدى صاحب محل (النيشان) أسرة (جيهان) وهدد بخطفها، والزواج منها، لأنه يحبها، وانتشر الخبر مما دفع شقيقها لغرس مدية في بطن الشاب، الذي أسعف، ومات في المستشفى.‏

قالت أمي:‏

ـ بطر.‏

قال علاء:‏

ـ من الطبيعي أن يفقد صوابه.‏

ردّ كمال:‏

ـ الأموال ، ومايجري ناتج عن خلل في بنية المجتمع.‏

صرخ غازي:‏

-أنت تتفلسف دائماً. الأموال هبطت على التّجّار وليس على الموظّفين، وهؤلاء عليهم إنفاق رواتبهم من أجل الطّعام، وأثاث البيت، واللّباس، وماذا بعد؟‏

قال كمال:‏

-(هل تعتبر أنّ بيع الكنافة تجارة يا شاطر؟ ولك شو صاير بفكركم؟ صبحي اليوم أهمّ من أي تاجر، وصل لهون شحّاد صار بيك، والنّيشان ببارودة ضغط تجارة كمان، دكّان صغير بداخله لوحة، وبارودة ضغط بيدخّل ألف ليرة باليوم يعني راتب عشرة موظفين؟ ولك بياعة (الخبّيزة) بتدخّل مية ليرة باليوم، وأم قطيش بيّاعة الجبن اشترت نصّ حارة العرب، الموضوع ما طبيعي‏

حتماً يا فهمانين فكّروا شوي، خلّونا نعرف الحقيقة، بيدخل الواحد جوعان بعد شهر بيصير آغا).‏

********‏

ابتدأ التحدّي بين أنور وحمدو، انقلب أنور إلى وحش حقيقي برزت عروق ساعديه، ورقبته، أما حمدو الشاب النّخيل قصير القامة، ذو الشعر الأسود السّابل، والذي لا وجود لملامح عضليّة في ساعديه فكان يوحي بالضّعف وكنّا ننتظر أن يقسمه أنور إلى قسمين.‏

كان أنور من الشبّان الأقوياء في المدينة، وهو المدلّل عند هيفاء، وحين يجلس بعد الظّهر أمام باب الصّيدليّة يشرب الشّاي يختفي (زعران) المدينة من الشّارع كليّاً.‏

بدأت الجولة الأولى بين أنور، وحمدو، تعاطفنا مع أنور واعتبرنا هزيمته الأولى، هزيمة لنا فنحن لا نعرف حمدو إلاّ مجدّداً، جاء ليعمل (ميكانيك) مع هولو الداغستاني، قيل حضر من (حمص) وفي بداية الجولة الثّانية، استقرّت لكمة أنور قويّة على أنفه، فصفّقنا، لكنّ حمدو خيّب فرحنا حين قفز عدة قفزات في الهواء، وصرخ بصوت عال كلمات غير مفهومة، ثم راح بقدميه يكيل على وجه أنور ضربات سريعة حتى أوقعه على الأرض، ثم ساعده في النهوض، وكان الدّم يسيل من وجهه.‏

انحنى حمدو، وهمس في أذن أنور، الذي لم يجب.‏

كانت أنفاسه متلاحقة، ونظراته حاقدة، غاضبة، قدّم له حمدو قطعة قماشية، لينظّف دم وجهه النازف، فرفض بقوّة، وكنّا نتابع الموقف مندهشين أولاً لخسارة أنور، وثانياً لتلك الأخلاق العالية التي يتحلّى بها حمدو.‏

لم يزل أنور يسلّط نظراته الشّرسة، ولم يتقبّل الرّوح الرياضيّة التي أبرزها حمدو، وهي أوّل هزيمة له، وسوف ينتشر خبرها بالمدينة وقد كسر حمدو شوكته كسرة واضحة.‏

لا مجال لتبريرها، ويبدو أنّه خاف من متابعة المعركة وخاصّة أنّ ضربات حمدو كانت مفاجأة لم يحسب حسابها أبداً.‏

كان يردّد قبل اللّعب:‏

-هذا الصّعلوك الأجرب يتحدّاني.‏

ها هو الصّعلوك الأجرب يهزمه شرّ هزيمة.‏

تراجع حمدو إلى الوراء، راح يجفّف عرقه، ثم سار أنور عدّة خطوات للأمام، اعتقدنا أن المواجهة قد انتهت، تناول أنور من جيبه سكيناً كبّاساً وهجم على حمدو الذي صرخ:‏

-لا (لا يا أنور، ما يصير هيك).‏

قفز في الهواء نفس قفزاته السّابقة، لتضيع ضربة أنور التي كانت قاتلة لو جاءت في مكانها، قلّص حمدو قدميه ويديه، وشحن نفسه بطاقة غريبة وخارقة، وقفز مرة أخرى، وراح يسدّد الضّربات في وجه أنور.‏

لا ندري كيف سقطت السكين من يد أنور، وتناولها حمدو عن الأرض بطريقة مدهشة؟.‏

قال نزار:‏

-هذا جنّي.‏

وقف حمدو متحفّزاً للضّربة القادمة، وكانت نظراتنا تتابع ما يجري، ونحن لا نكاد نصدّق، وأنفاسنا محبوسة، والموقف لا يحتمل تدخّلنا.‏

قدّرنا أنّ حمدو سوف يغرس السكين في بطن أنور وهو يقترب منه بهدوء، وأنور يتراجع خائفاً. رمى حمدو بالسكين وصرخ:‏

-أنا لا أغدر يا جبان، ولا أقاتل بسلاح الخصم ومنذ البداية قلت لك دعنا ننهي هذه المشاجرة بروح رياضيّة. صفّقنا لحمدو معجبين به، وبروحه الرياضيّة العالية، ثم أدار ظهره لأنور مخترقاً دائرة المتفرّجين ومضى.‏

قامت علاقة متينة بين حمدو، وكمال، كان حمدو من النّوع الذي لا يتكلّم كثيراً، ويقوم بعمله على أكمل وجه. ويظهر سلوكه العام أنّه ليس من النّوع الشرس، كما هي ملامح أنور.‏

دخل أبو معين ليشرب الشّاي عند إنعام وكنت قد اختبأت خلف جدار الغرفة المنفردة، ثم فتحت الباب الخارجي، ورحت أمشي في الشّارع ببطء.‏

لماذا أدخلْتهُ هذه المجنونة؟ هي تلهو بي.‏

خرج أبو معين بعد نصف ساعة.‏

(هات عينيك تسرح في دنيتهم عينيا)‏

قرعت الباب، خرجت قائلة:‏

-لن أسمح بالدخول من الباب. يجب أن تقفز عن الجدار رحت أتأمّلها بغضب.‏

تابعت:‏

-كي أجرّب مدى تضحيتك من أجلي.‏

قلت:‏

ألا يوجد غير هذه الطرّيقة، من أجل التّضحية وإبراز إخلاصي؟ لن أعود ثانية.‏

انصرفت.‏

أكلت البيض المقليّ، وغادرت بيت أصالة باتجاه بيت سمراء، ثمّة أصوات نباح كلاب، وحركة للبقرات، ولحقت بي أصالة.‏

صرخت أمّها:‏

-لوين؟ ارجعي ساوي شاي.‏

قالت:‏

-انتظرني.‏

كان أبي يتحدّث عن جمال عبد النّاصر، وكمال يوجّه إليه انتقادات تثير غضب علاء، وغازي. كانوا مجموعة أصدقاء كلّ واحد منهم، اختار طريقاً له.‏

غازي التحق بالجيش، وعلاء معلّم في إعدادية (صلاح الدين) وكمال ترك وظيفته في البلدية، وتابع تعليمه الجامعي في كلية التاريخ.‏

قال كمال:‏

-أمة لا تحفظ تاريخها، ولا تستفيد منه يكتب عليها السّقوط.‏

قال غازي:‏

-عبد الناصر بطل تاريخنا المعاصر، وصانعه.‏

قال كمال:‏

-الشّعب هو الذي يصنع التّاريخ، الفرد يساهم مع الشّعب، شعب وراء الفرد تلك هي الحقيقة. أنتم تعكسون ذلك. الفرد لا يصنع الشّعب يا شباب.‏

قال علاء:‏

-يا أخي اتركنا من نظرياتك. نحن هيك بنفهم.‏

كانت نجاة تصبّ الشاي في الكوب، وأمام إعجابها بأفكار علاء ابتعدت يدها عن الكوب.‏

صرخ غازي:‏

(على مهلك، على مهلك، يا أختي، شو مانك شايفة؟)‏

وبالفعل لم تكن (شايفة). فقد تمكّن علاء من السّيطرة التّامة عليها، وفي بيتنا لا أحد يعرف بهذه العلاقة سوى الكبيرة التي كانت تباركها كما أظنّ، ولولا ذلك لأنهتها منذ زمن. لكنّ نجاة كانت تضع أسرارها عندها، فهي معجبة بشخصيّتها، وكانت الكبرى تتيح الفرصة أمامها، وتسهّل مواعيد اللقاءات مع علاء خارج البيت وكنت الوحيد الذي كشف الأمر.‏

قال كمال:‏

-تاريخ الشّعب يصنعه الشّعب وليس فرداً يعتمد على الشّعبة الثانية، فتّشوا عن عمل راكان، وهيفاء الصيدلانية، وأساتذة المدارس.‏

صاح علاء:‏

-اسكت يا كمال. اسكت رجاءً.‏

كنت قد صرت أُكْثِرُ من قراءة الرّوايات والتردّد على (السّينما) عندما شكّل الأستاذ عبد الرحيم فوج الكشّاف الأوّل، لم تلق الدعوة حماسة أسروية، مما جعل الأستاذ يدخل إلى كل بيت، ويناقش في أهميّة انضمام الطلاّب للفوج، وفوائده النفسيّة والاجتماعيّة والنّظام.‏

قالت الكبرى:‏

-وماذا عن الدّراسة يا أستاذ عبد الرحيم؟‏

-بالعكس الكشّاف يشّجع الطلاّب على الدّراسة، ويحثّهم على التفوّق، والمنافسة البيضاء.‏

اتّخذت الكبرى موقف العارف بكلّ الأمور عليها أن تثبت لأمّي التي تتابع الحديث أنّها أفهم من الأستاذ عبد الرحيم بل وأفهم من أحمد سعيد وكلّ من يصيح في إذاعة (صوت العرب).‏

اكتشف الأستاذ مركّب النّقص الذي تعاني منه الكبرى، وقدّر موقعها الحقيقي داخل البيت، فراح يناقشها بشكل مختلف تماماً.‏

-أنت يا آنسة تعرفين جيداً، أهميّة العمل الجماعيّ وكيف يؤدّي تعاون الأفراد مع بعضهم إلى نتائج طيبة، وبسلامة فهمكم يا آنسة فالكشّاف حالة.. تقاطعه الكبرى، وهي تتراجع للوراء، وتضع قدماً فوق قدم:‏

-يا أستاذ عبد أنا أعرف ذلك لكنّه الوحيد بيننا وحضرتك تعرف كيف نحافظ عليه؟ ويهمّنا نجاحه الدّراسي، يكفي أنّ الكبير قد فشل والتحق بالجيش.‏

كان الأستاذ يردّد:‏

-بالطبع. بالطّبع يا آنسة، أنا أقدّر، وأثق في فهمكم.‏

بعد نقاش طويل، استعمل فيه الأستاذ كلّ أساليبه في الإقناع.‏

أخيراً وافقت على أن أشارك في الفوج. انطلقنا إلى موقع المعسكر، نحمل أدوات الكشّاف (الونش) (الخيام) (البوصلة) (أدوات الطعام الجماعي) توزّعنا إلى عدة (أرهاط) وترأّستُ رهط (النّمر) وأخذ نزار (الفهد) وسعيد (الأسد) وأمين (الصقر).‏

نفّذنا في اليوم الأول وحتى ظهر اليوم الثاني، دروساً عن تركيب الخيمة، وفكّها، وعقدة الكشّاف والسير على البوصلة، وتوزّع نهارنا بين عمل لتأمين الطّعام وطهيه، وبين ساعة للثّقافة، والتّدريب الميداني، والمطالعة، والرياضة، ويوم الكشّاف المتفوّق المشرف على المعسكر.‏

حدّد الأستاذ مسيرَ بعد الظّهر باثنين كيلومتر على أن تقطع المسافة في مدّة نصف ساعة.‏

كان موقع المعسكر في سفح تلّ أبي النّدى، بالقرب من الطّريق العامّة التي تصل المدينة بقرى القطّاع الشّمالي كما كانوا يسمّونها، وهو الذي ينتهي عند جسر بنات يعقوب.‏

حدّد الأستاذ مسار الأرهاط، فأخذت الاتّجاه الشرقيّ الذي يمتدّ حتى قرية عين زيوان الشركسيّة وأخذ رهط الأسد الاتّجاه المعاكس للتلّ تماماً حيث كروم العنب، وأخذ رهط الفهد الذي يترأسّه نزار اتّجاه الغرب، وعليه العبور بمحاذاة معسكر (الجوبة) ثم قرية (المنصورة) وكان على (الصّقر) الصعود إلى أعلى قمة التلّ والعودة.‏

بدأنا المسير في الساعة الرّابعة بعد الظّهر، على أن نكون في موقع المعسكر الساعة الخامسة، وصلنا بالوقت المحدد باستثناء رهط (الفهد) الذي أخذ مساراً صعباً إلى حدّ ما. وعليهم اجتياز شبه واد، ومساحة من كروم العنب.‏

بدأت الشّمس تغيب، ونحن في انتظار (الفهد) الذي يترأّسه نزار وجماعته انعكس ظلّ تلّ أبي النّدى على موقعنا، أي بما معناه أنّ الساعة قد تجاوزت السادسة والنصف.‏

بدأ القلق ينتاب الأستاذ الذي طلب أن نشعل النار وهي علامة موقع المعسكر في حال الضّياع.‏

حلّ الظلام بثقله، وسيطر الخوف على الجميع.‏

أيعقل ألاّ يعود نزار وبقيّة الزملاء؟ كم سنكون تعساء لو حصل لهم أيّ مكروه، بعد أن أمضينا عدّة أيام هنا، ونحن نعمل، ونضحك بفرح.‏

أيعقل أن يكون قدرهم الموت في مهمّة كشفيّة خارج المعسكر السّير بواسطة البوصلة؟ هناك حقول الألغام التي تغطّي مساحات من المنطقة، وفي حال تجاوزهم لأيّ خندق، أو سلك شائك فسوف يقعون في الأسر. أو قد تطلق عليهم نيران الرّشّاشات. والبنادق.‏

أيمكن يانزار أن تكون قد وقعت في هذا المطبّ القاتل بسبب مهمّة صغيرة؟ ماذا تركت للحرب؟ وأحلامك والطيران؟ كان من الأفضل أن تقتلك رفسة البغل على أن تموت هكذا ميتة.‏

كنت أفكّر بذلك، وأترقّب الطّرق القادمة إلى المعسكر في انتظار سماع صوته بين لحظة وأخرى. وأضع كل الاحتمالات الممكنة في مثل هذه الحالة.‏

اتّخذ الأستاذ عبد الرحيم قراره وباشرنا التنفيذ....‏

*********‏

انتشرت أنباء هزيمة أنور، وسمعت هيفاء، وكنت قد بدأت بتقديم الخدمات لها، فهي قد دخلت بيتنا أيضاً، وأقامت علاقات متينة مع الكبرى، وأحبّتها أمي.‏

سألتني عن هزيمة أنور، ومدى صحّتها، وهل بالغ النّاس في نقل دقائقها؟ فرويت لها ما رأيت، وكانت تستوقفني عند كلّ نقطة.‏

-كيف تصرّف أنور هنا.‏

-لم يستطع مقاومة ضربات حمدو!!‏

تهزّ رأسها عدّة هزّات. تكرّر ما أقول:‏

-وقع على الأرض.. معقول!!‏

-طارت السكّين.‏

كانت تردّد وهي مندهشة، حتى شعرت أنها لا تصدّق أحياناً، حين انتهيت من سرد الحادثة. قالت بأسف شديد:‏

-حمدو القزم. يهزم أنور العملاق!‏

قالتها بمرارة كأنّها خسرت شيئاً ثميناً، وضّحت لها أنّني أحببت حمدو لأخلاقه، وروحه الرياضيّة العالية وأضفت:‏

-هو يتقن (الكاراتيه).‏

ردّت:‏

-أعرف شخصاً يجيد هذه الرياضة.‏

قلت:‏

-قوة خارقة تمكّن الإنسان من القفز في الهواء.‏

حدّثت كمال عن الذي دار بيني وبين هيفاء قال:‏

-أنت لا تعرف ماذا تعني هزيمة الحبيب. أنور بالنسبة لها أسطورة في القوّة، وهزيمته تعني انهيار الأسطورة.‏

كانت سمراء تحاول أن تجعل طفلها ينام، وهي تدفع أرجوحته الخشبيّة وتغني له.‏

قالت:‏

-عَمْ يعذّبني يا أصالة، هو يرفض النّوم.‏

حملته أصالة، وراحت تقبّله، وتداعبه، ثم وضعته على الأرجوحة وصارت تغنّي له.‏

أشعلت سمراء (بابور الكاز) فهي راغبة في أن نشاركها شرب الشاي.‏

سألتني سمراء عن أخبار الأسرة، والوالد، وسألت أصالة عن خطبتها، فضحكت بخجل، ولعنت سمراء الخطبة، والزّواج.‏

-هذا هو الزّواج، أن نبقى إلى جانب الطفل كلّ النهار والليل. الأب يعمل في لبنان ولا نراه إلا ليلة واحدة في الشّهر. أية حياة هذه؟‏

ردّت أصالة:‏

-خطيبي يعمل في لبنان أيضاً، ولكنّه سيعود ليلتحق بالخدمة العسكريّة.‏

عدنا إلى بيت أصالة، وكان أبي يلعب مع أبيها (بالباصرة) قال أبي:‏

-اذهب إلى الموقع، وسوف أتبعك بعد قليل.‏

لم أذهب إلى الموقع. بل توجّهت صوب بيت سمراء. التي كانت مستلقية بجانب طفلها على سرير الحديد.‏

سألتني عن أصالة:‏

-إنها في بيتها.‏

-لماذا عدت؟‏

لم أجب على سؤالها، وكانت قد جلست على حافة السرير.‏

قالت:‏

-يظهر أن الولد مريض، كأنّ حرارته مرتفعة هل ترافقني إلى المستوصف؟ قلت:‏

-نعم، شريطة أن أُعْلِمُ الوالد.‏

كان علينا أن نخرج من القرية، ونتّجه صوب الطّريق العام، لنتابع في طريق فرعي حيث مبنى المستوصف أو النقطة الطبّية كما يسمّونها.‏

قام الطّبيب الشابّ بفحص الطّفل، ووضح أنه يعاني من إرباك في المعدة، فأعطاها أدوية، ثم خاطبني:‏

-كيف حال الوالد؟ قدِّمْ له تحيّاتي، أنت تعمل في مساعدة سكّان القرية أيضاً؟ هذا شيء رائع.‏

قلت:‏

-هذا واجب.‏

لم يشكّ الطّبيب بشيء، وفي داخلي كنت أفّتش عن سرّ يوم القصف، الذي تكرّر من دون عناق فيما بعد. حين عدنا إلى القرية، تركتني سمراء، بعد أن قدّمت الشكر، وكنت أتوقّع أن تدعوني لشرب الشّاي، لكنّها لم تفعل.‏

رحت أتقلّب على الفراش، وأفكّر بتصرّفها، وفكّرت بالتسلّل إلى بيتها عدّة مرات، قدّرت أنها كانت ترغب في شيء ما، لكنّها اتّخذت موقفها بسبب أصالة التي حضرت معي إلى بيتها مع بداية الليل، أو أنّها لم تتشجّع لأنّها لم تتلقّ منّي أية إشارة توحي بذلك، كما أنّ مرض طفلها فاجأها، وكانت تفكّر في أخذه إلى الطّبيب قبل عودتي، غداً سأزورها في البيت.‏

بدأ القصف صباحاً.‏

قال أبي:‏

-عليك المغادرة حالاً، فالموقف شديد الخطورة ونحن في حالة استنفار قصوى. غادِرْ إلى البيت واعتنِ بأخواتك.‏

انطلقتْ سمراء إلى الوادي، تبعتْها أصالة، وكنت أصعد إلى الشّاحنة.‏

قبّلني أبي بحرارة، عانقني بشدة.‏

كانت المرّة الأخيرة التي أرى فيها أصالة، وسمراء وانتهت سذاجة ذاك المجتمع الصّغير الذي ظلّ يعاملني مع أصالة على أنّنا صغار لا نعرف ماهو الجسد؟ فيما بعد أدركت أن سمراء كانت ترغب لو تستطيع لعب العريس والعروس. لكنّ الزّمن حمَّلها مسؤوليات مبكّرة حرمتها أحاسيس الطّفولة.‏

انتهى مجتمع الدّجاجات، والبقرات، وحقل الذّرة، ونار الطّبخ، وأبي قائد الموقع المتقدّم.‏

********‏

انطلقنا نفتّش عن نزار وجماعته، توجّهنا صوب (الجّوبة) أعلمنا الجنديّ بأنّهم عبروا بمحاذاة الشّريط الشائك بحدود الرّابعة والنّصف، ثم استقبلنا الضّابط في مكتبه، وراح يجري اتّصالات مع مواقع أخرى، قدّر أنّهم سوف يعبرون بالقرب منها بحكم معرفته بطبيعة المنطقة، وكرّر خوفه من حقول الألغام.‏

أدركت الآن مدى حبّي لنزار، وكانت السّاعة تقترب من التّاسعة ليلاً.‏

رحت أسترجع ذكريات عملنا في الخان، وأوراق اليانصيب، وكرة القدم، ورفضت فكرة موته أو أسره، ما الشّعور الذي جعلني أصرّ على أنّني سأراه بعد قليل. سيعود نزار خائباً ضاحكاً متمرّداً شاتماً كما هي العادة.‏

سيلعن البوصلة، وساعتها، والأستاذ عبد الرحيم الذي لا يحبّه، ومعسكر الكشّاف.‏

قال الضّابط:‏

-طوّل بالك. طوّل بالك. خيرٌ إنشاء الله.‏

نبضة. نبضة أحببنا تلك المدينة، وكانت موسيقا ضفادع الرّقّاد أجمل موسيقا سمعناها.‏

كانت كروم العنب تسحرنا، كذلك غابة الصّنوبر الصّغيرة التي كانت تتوسّط المدينة.‏

ألم نزرع في هذه المواقع خطواتنا وأحلامنا التي تنمو معنا، ونحن نتابع سيرنا صوب المصير القادم معلنين أنّنا أقوى من أيّ قهر.‏

أصلح رجال تلّ الفخّار (الفيسبا) وأجبرونا على تناول طعام الغداء معهم. حدّثونا عن الوطن الموجود في قلب كل واحد منهم، حدّثونا عن شمس تشرق من الشّرق وتغرب في أرض حزينة محتلة.‏

قالوا:‏

-سنراكم هذا وعد.‏

-سوف نعود حتماً.‏

لم تتمّ عودتنا. ولم نفِ بوعدنا، وخرجت خائباً من ليلة (أنت عمري).‏

تركت إنعام على باب البيت، وتابعت سيري، كان صوت أم كلثوم (ياحبيبي تعال وكفاية اللّي فاتنا).‏

عبرت بغرفة جميل وجدته نائماً، وزجاجات النبيذ مرميّة على الأرض، وأم كلثوم تردّد وحدها:‏

(ياحبيبي تعال).‏

حاولت إيقاظه، فقذف عدّة شتائم وهو يتقلّب، تابعت إلى بيتنا كانت الأسرة مجتمعة في غرفة (الرّاديو) وكؤوس الشّاي الفارغة موزّعة، وعلاء يرشف بنظراته نجاة، وهي تبادله ذلك، وغازي غارق في حب عبد النّاصر الذي يتابع الأغنية، وأبي على الخطّ الأول يواجه الأعداء، وزكيّة لم تعد من القرية، ولن تعود لأنّ زوجها عاد في صندوق خشبي وتبعها بسيارة إسعاف، فيبست مزروعات البيت وكُلِّف أبو نجلاء بإيصال الأثاث إلى القرية، وبعد قليل غادرت العبده لتواكب موديلات العصر وتتفنّن في تزيين النساء، والتمايل على أنغام (البيتلز).‏

-لماذا القفز يا إنعام؟‏

وراح الأولاد يتابعون حزن أمّهم، أو ضحكها، فهم لا يعرفون شيئاً عن قبلات الجسر، ومشاوير اللّيل.‏

-ما الذي جعلك تصرّين على القفز يا إنعام؟‏

ردّت وهي تضحك وتجفّف دموعها‏

-بصراحة..‏

-نعم بصراحة، وكأنّها تحدّثني عن ليلة البارحة.‏

فهل هناك صراحة أو غير صراحة بعد كلّ هذا العمر؟‏

-نعم بصراحة.‏

-كنت أنهيت رواية (كازانوفا) الرّجل الذي لا يدخل إلى عشيقاته من الأبواب، بل يغامر بتسلّق الطّوابق العليا، ويدخل من النوافذ. كنت يومها أريدك (كازانوفا).‏

ضحكنا.. ضحكنا، وبكينا، والأولاد يتابعون بذهول.‏

من أجل (كازانوفا) افتقدت رائحتك في تلك الليلة الخالدة، ما أكثر ليالينا الخالدة، ليلة للوحدة بين سورية ومصر، وليلة لانتصار بور سعيد، وليلة لكمال حين وزّع المناشير، وكنت أتابع المظاهرة عن بعد فجأة وجدت نفسي وسط المظاهرة محمولاً على الأكتاف وأنا أردّد بناء على طلب من كمال:‏

((أمة عربية واحدة)).‏

سألني المحقّق:‏

-أنت بعثي.‏

حتّى ذلك الوقت لم أكن أعلم ماذا تعني هذه التّسمية! لكنّني أدركت أن كمال كان يوضّح لجنود تلّ الفخار معنى الوطن من خلال مفهوم البعث.‏

وجدنا نزار أخيراً، وجدناه في نقطة متقدمة جدّاً بعد ضياع استمرّ ساعات طويلة، كان في طريقه للأسر، فالفاصل لم يكن خندقاً بل كان الشّريط الشائك الذي وقعت أعمدته.‏

قال نزار:‏

-أيمكن تسمية هذا الشّريط حدوداً؟ لعن الله البوصلة وقبل أن تدركها اللعنات، كنّا قد ضيّعنا الاتجاهات ومن حولنا الصّخور، والضّباع، وفجأة يظهر الجندي:‏

-قف.. قف.‏

ويبكي عناصر رهط الكشّاف.‏

-كلمة السرّ.‏

وهم لا يعرفون ماذا يقولون؟ أو يتصرّفون، وصرخوا بصوت واحد:‏

-نحن من الكشّاف.‏

ردّ الجندي:‏

-ماهو الكشّاف؟ رئيس الحرس للتّعارف، لا تتحرّكوا من مكانكم وإلاَّ أطلقت النّار.‏

شربوا الشّاي في المعسكر. أكلوا. شعروا بعودة الرّوح والعمر الجديد الذي كتب لهم.‏

تركت هيفاء أنور، وأحبّت حمدو فهو الأقوى.‏

*********‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244