|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
نهار السواد بدأت القنابل تنهمر كالأمطار. فرّ صاحب الخان ولم يستطع حمل المال الذي جمعه بصفائح التنك، صار يبكي. فرّ التجّار. أغلقوا محلاّتهم، وانطلقوا مسرعين. صاح كمال: - سنموت هنا يا شباب. بعد قليل سيحمينا طيراننا، بعد قليل ستغطي (الميغ) هذه السّماء. خاب أملنا، والذي ننتظره لم يحضر أو لم يعد بإمكانه الحضور. كان علمُ البلاد يرفرف في ساحة (البلدية). صرخ كمال: - مستحيل أن نُهزمَ يا شباب. تحوّل نهار المدينة إلى سواد. لا ضحك فيه ولا نقيق ضفادع. ثم جاء يوم الجمعة خجولاً، فقد قبلنا وقف إطلاق النار، وبدأت تدبّ في شوارع المدينة حركة بطيئة، كنّا في حالة ذهول حقيقي، ماذا نفعل؟ ونحن لم نصدّق ما جرى؟ نتوقّع، أو لا نتوقع، نبكي، أو لا نبكي، ننتظر أمواتنا أم لا ننتظر، من الذي سيعود منهم؟ وماذا عن جيش مصر، ماذا جرى هناك؟ أسئلة كثيرة دون إجابة، أيّام عبرت فضاعفت من سنيي حياتنا، وأي رجاء ننتظر من مستقبل العمر النازف الذي دخلناه منذ بداية شبابنا في انتكاسة هي الأقسى. انطلق صوت الشيخ حمزة من جامع (العرب) يدعو إلى الصّلاة الحزيرانية (رميناهم بحجارة من سجّيل) صدق الله العظيم. جلست بعض النسوة بمحاذاة جدران البيوت، يحدّقن في وجوه بعضهن البعض، في انتظار عودة الآباء أو عدم عودتهم. مَنْ سيدفن مَنْ؟ الحيّ ميْت والميْت قد مات ولم ير ما حصل؟ مَن سيودع من؟ والغصة في الحناجر، والدّموع متحجّرة في العيون. -ماذا عن أبيك؟ لم يكن بإمكاني أن أرد. أحاديثنا ليست مترابطة، وأجوبتنا بلا معنى. كلماتنا مبعثرة دون هدف. بلا وعي. فالذي حصل أكبر من حجم حياتنا، وصراخنا. رغبت لو أستمرّ في البكاء فقط، فحاجتي إليه ملحّة أكثر من أي وقت. انتهى كلّ شيء وخسرنا. ذُبحنا وها نحن ننزف دمنا حتى النّهاية (حماة الديار) لم نكن نتوقّع أننا سنراكم منتكسي الرؤوس. لا وهج في طلتكم البهية ولا بريق يشعّ من جبهتكم العالية. ورحت أبكي لأتلقّى صفعة من كمال. تركت بصمات أصابعه على خدي. -اخجل. فالرجال لا يبكون. في الساعة العاشرة والنصف ظهراً، حمل الطفل سهيل كرتَه مخترقاً قيود الحزن والموت التي فرضت، وجمع رفاقه الصغار. جمال. عبّود. وبشير، وراحوا يلعبون بالكرة، بمحاذاة المشفى العسكري في المدينة، غير مهتمين وكان وقف إطلاق النار قد نُفِّذ. فجأة بدأ قصف الطيران، الذي لم نكن ننتظره، ونحن في قلب الحزن غطّت سماء المدينة طائرات، وقنابل، وصواريخ وراحت المدفعيّة تتصدّى للغدر، الذي راح يدمّر كما يشاء، تدحرجت الكرة بعيداً، دون أقدامهم الصغيرة. وحين وصلنا إلى مكان لعبهم وجدناهم أشلاء مطمورة بالتّراب، وكانت المدفعية المنتشرة حول المدينة تتصّدى. صرخ الجندي: -ابتعدوا من هنا. وفرّقتنا القنابل التي راحت تنفجر، فغمرنا بالتراب، والشظايا تحيط بنا رفعنا رؤوسنا ببطئ. أي حرب تلك. أي حقد. أي وقف لإطلاق النار. ونحن في قلب الهول!! وصلنا صوتٌ عَبْرَ المكبّر أن نبتعد عن الموقع، وسيتولّى الصليب الأحمر جمع الجثث. (ورميناهم بحجارة من سجّيل). وسقط الشّيخ حمزة مع مجموعة من المصلّين، حين انهار الجامع بقنبلة، رحنا نتراكض في كل الاتجاهات بحثنا عن مخرج حيث الأحياء الذين يتحوّلون بأقلّ من ثانية إلى أموات. إلى جثث مشوّهة. محروقة. قطع سوداء، أو أجزاء تتطاير في الهواء. رؤوس. أقدام. أيدٍ. امتطى كمال عربة الدفاع المدني، وراح يطلب من النّاس الهدوء والبقاء في الأماكن المحميّة، لكنّهم لم يتركوا أي مكان محميّ، وظل كمال يتكلّم، والطيران يقصف. سكت آخر مدفع من المدافع المحيطة بالمدينة، وكانت أم سهيل ترتمي على الأرض، وتنهض. -سهيل يا ويلي.. ثم تمزّق ثوبها، وتسرع النسوة لتغطية الأعضاء التي كشفت من جسدها. لا إسعاف. لا صليب أحمر. لا شيء سوى صراخ النّاس، والوحشية. تغيّرت جمل كمال، فمن الصبر والاختباء في الأماكن المحمية إلى لهجة آمرة بمغادرة المدينة حالاً. -يطلب من جميع السكّان، مغادرة المدينة، وعلى كلّ الأطفال والنساء التجمع في الساحة، ليتمّ ترحيلهم. وعلمنا أن دبّابات العدو في طريقها إلى المدينة، وأن بانياس ومسعدة، وجسر بنات يعقوب، وكفر نفاخ جميعها قد سقطت وأن جيشنا قد انسحب من مواقعه. ( وطني وصبايا وأحلامي وطني وهوايا وأيامي ) ستعودين يا إنعام لنلتقي بعد أن تنتهي الأوضاع، هكذا اتّفقنا، سوف ألتقي بسهير مرّة أخرى كي أحدّثها سوف أحرس أنا ونزار شارع بيت أمين وسنقيم معسكر الكشّاف. كنا هنا نخطط لأيام قادمة أكثر بهجة، فماذا جرى؟ أصبحت نظرات علاء لنجاة خرساء فارغة، فلعلّه أدرك أنّها الساعات الأخيرة لقصّة حبّ كتبت نهايتها بهذا الشكل الموجع، وكان على أبي حمدان زوج زكيّة أن يعود ليراها قادمة من القرية تحمل مؤونة البيت، لكنّه عاد بصندوق، ونشيد حماة الديار يتردّد في أعماقنا مفجّراً بداخلنا تلك الطاقات المشحونة بالعاطفة، تجمّعت النساء، والصغار في الساحة، وكان الطيران لم يزل يقصف. صرنا نساعد في ترحيل النّاس، وإيصالهم إلى الشاحنات والباصات. قال كمال: -يجب أن نواجه الدبّابات يا شباب. صرخ أحدهم: -(مقاومة يا كمال؟ يعني نحنا هالكام واحد، رح نقاوم محل جيش بكامله). وراح الرجل يبكي بصوت عال، وبرغم ذلك صرخوا: -اخرس. اخرس يا جبان. وهجم عليه بعض الأشخاص، لكنّ تدخّلَ كمال حال دونه ودونهم وهو يردّد بحزن: -كلام الأخ صحيح يا شباب. شو بدنا نساوي نحنا؟ فجأة وقع الرجل على الأرض فاقداً وعيه، ورحنا نعمل على إيقاظه، وحين صحا. راح يصرخ، وهو يقفز في الهواء. -(انسحبَ الجيش. راح الجيش. وَيْنِكْ يا أم قطيش.) وتبين أنه فقد عقله. خيّم الصمت على الساحة. لا شيء سوى صوت الطيّران الذي خفّ ورائحة الموت، وكلّ ما جرى ضرب من المستحيل تصديقه. كان نزار يلتهم (السندويش) كأنه لم يذق طعم الأكل منذ سنة سألني بأسلوبه الاستفزازي وهو يمضغ الطعام: - شوفيه بينك وبين سهير. - لا شيء. - كذّاب. - أنا لا أكذب. - يا شاطر أنت بتكذب على إنعام، وعلى أصالة. وسهير. العمى بعيونك شو خلّيت لبكرة؟ ضحكت. - هل سنكبر يا نزار؟ ونقيم بيوتاً، ونربّي الأولاد؟ ماذا قلت يا أبي؟ تريدني شامخاً على دبّابة. وسألت نزار عن حلمه في المستقبل. كان هذا الموضوع يشغلنا. قال: - طظ في المستقبل. أرغب الآن بالنّوم مع امرأة، وشرب بيرة باردة. - وماذا عن العلم. - ربّما تحدّد الحرب مصيرنا. قنبلة تسقط هنا سوف تنهي كلّ العلم، والمعرفة، والشّهادات، والمستقبل، بماذا تفكر يا غشيم. فعلاً بماذا أفكّر؟ وها نحن نحيا الدّمار. دمار يحيط بنا. دمار أنفسنا. ******** غادَرَتْ أسرتي مع المغادرين، وخجلت نجاة في السؤال عن علاء، ثم رأيت غازي. قال: - ارحل حالاً. قلت: - أرحل مع الشباب. - وماذا عن أبيك؟ - إذا كتبت له الحياة سيعود التحق غازي برفاقه المتّجهين خارج المدينة. ترى ماذا حل بوالدي؟ ورجال تلّ الفخّار، هل استشهدوا، أم انسحبوا؟ كيف واجهوا تلك الحرب؟ وماذا عن علي الوحش؟ وأصالة، وسمراء، كانت المدينة تئن. لقد سمعت أنينها كان كل شيء من حولنا أسود. توقف قصف الطيران عند المساء. باستثناء بعض الانفجارات البعيدة كنا نسمعها بين وقت وآخر. صمت لا كاشفات ضوء. لا فوّهات مدافع. لا نقيق ضفادع حل ظلام وعشش بداخلنا، كأنه يعود لمئات السنين. نسينا الطعام، والشراب، اكتفينا بالتحديق فقط كل منّا يحدّق بالآخر، وجلسنا على الأرصفة نراقب اللاشيء، وننتظر. بدأت أفواج الرجال المنكسرين. منكسي الرؤوس تصل وكذلك بعض العربات. مدينة دون نظام. مدينة أشباح، جثث. مدينة منهارة. أخيراً رأيت علاء: سألني عن الأهل، ونجاة، وأين سيقيمون هناك؟ وعن أمّ سهيل. نقلوا أمّ سهيل محمولة إلى الباص، وكانت فاقدة وعيها، وأمّ نجلاء ماتت على أرض ملعب الصّغار، وطمر تراب القذائف أمّ بشير. تجاوزت السّاعة الرابعة صباحاً، وبدأت أمواج القادمين من القرى البعيدة تصبّ في الساحة. رجال. نساء. أطفال. شيوخ. افترشوا الأرض. في انتظار عودتهم إلى قراهم بعد ساعات. بدأنا بتنظيم الناس من جديد. كنت أنتظر قدوم جماعة والدي، لكنّهم لم يصلوا بعد فأمامهم ساعات طويلة من السيّر. أشرقت شمس هزيمة اليوم الثاني، وكانت الدبابات المعادية قد سيطرت على مساحات شاسعة من الأراضي. وقفنا في ساحة مبنى البلديّة، والعلم يرفرف، وكان (الترانزستور) الذي نقل حفل أنت عمري ينقل تفاصيل ما يدور بشكل مقتضب، العدو في سيناء، وفي الضّفة الغربيّة. قال أحدهم: - ماذا حلّ بجمال عبد الناصر.؟ - استقال. - ماذا؟ وتجمّعنا حول الراديو الصغير، وراح علاء يبكي. - نخسر الأرض، والقائد مرّة واحدة. وغضب كمال لكنّه ردّ بهدوء: - ينجب الوطن مئات القادة العظماء. أما القادة فلا يستطيعون إنجاب وطن واحد. الخسارة أكبر من أن تعوّضها استقالة جمال عبد الناصر. وسرعان ما سقطت أفكار كمال، حين هبّت جماهير الأمة تطالب عبد النّاصر بالتراجع عن الاستقالة. قال كمال: - عجيب أنّ البشر. يخسرون الأرض. ويتعلّقون بشخص. كانت بيوت حيّ النهضة فارغة تماماً من سكانها وكأنهم هجروها منذ آلاف السنين. لا صوت. لا حركة. حتى أن القطط غابت عنه وكأنّه لم يكن بالأمس الحيّ الذي سهر مع (أنت عمري). رأيت أحذية مرمية على الأرض، وثياباً مبعثرة، وحفراً خلفّتها القنابل، وبقايا دماء، وكانت ضفادع الرّقاد صامتة، هدوء مميت. وقفت فوق الجسر. مشيت عدة خطوات إلى الأمام، ورجعت للوراء هنا قبّلت إنعام. وهنا.. هل تحوّل ذلك إلى ذكرى؟ عليّ أن أرحل بعد قليل مع الشباب، لكنّنا سنعود حتماً بعد عدّة أيام. سمعت صوت الطيران، وكانت الشمس تشرق بكسل عجيب ليست الشمس المعهودة فوق الحيّ الذي كان يضجّ بالحركة. ألقيت نظرة على كامل الحيّ. لا صوت إنذار. لا مدفعية لم أكترث بالطيران، ولا صوته، فهو غير قادر أن يفعل أكثر مما فعله البارحة. دخلت بيتنا. دقّات الساعة الكبيرة التي كانت تحدّد دوام المدرسة هديّة جدي لوالدي بمناسبة زواجه وكان والدي يقدّرها كثيراً. لم تتوقف الساعة فيما زماننا قد توقف. أيمكن أن يكون أبي قد أصبح من الأموات؟ لم أذق الطعام منذ يومين. كنت قد اعتدت على تدخين اللفائف. أنزلت (قطرميز) المكدوس عن الرفّ، أكلتي المحببة تناولت رغيف خبز يابساً، وقفت على (المصطبة) ورحت أتطلّع إلى تلّ أبي الندى. أغلقت الباب على أمل العودة القريبة بعد عدةّ أيام حتّى ثيابي المتسخة لم أبدّلها، أجلّت ذلك إلى حين العودة اتّجهت صوب بيت إنعام، لم أتسلّق الجدار هذه المرة. فتحت الباب الخارجي. صرخت: - مين هون. كرّرتُ الصراخ. كي أتأكد من خلو البيت. إذن لماذا تركوا الباب الخارجي دون إغلاق؟ عبرت الممرّ الإسمنتي، الأبواب الداخلية مقفلة بكاملها. غادرت بيت إنعام، صوب بيت فايز، رأيته يبكي. قال: - ادخل إلى المطبخ وكل. - أكلت في البيت. قال: - مستحيل الموت أفضل. - تجمّعنا في ساحة النصب التذكاري، وصعدنا إلى الشّاحنة كنّا في انتظار كمال كي يصعد. قال: - اذهبوا أنتم. سوف أتبعكم فيما بعد. قلت: - سوف أبقى معك. قال: - اذهب لا وقت للمناقشة. قلت: - سأنتظر والدي. قال: - أنتظره أنا. اذهب. وكفى. غادرنا أنا وفايز، ونزار، وعلاء، سارت الشّاحنة، وكان تلّ أبي الندى يغيب عن أنظارنا شيئاً فشيئاً. رحت أستعيد تفاصيل ليلة تلّ الفخار. فيما حمل أحدهم صورة حبيبته وقال. - هي تنتظر عودتي كي نخطب. صورة مأخوذة بكاميرا الماء. لا تبرز تقاطيع وجهها لكن الحب جعلها من أجمل صور الدنيا. هو يخاطبها كأنّها بيننا ويحدّق فيها ويطلق نظراته في المدى المحتل أمامه. تحدّث آخر عن ولده الصّغير الأوّل. هو يناغي الآن سبحان الله! لديه قدرة تميزني عن غيري مهما كان عدد الأشخاص. ردّ عليه أحدهم: -طبيعي يا أخي. الطفل يعرف أمه. أباه. ربّما من الرائحة وربّما من اللمس. حدّثنا آخر عن أمه، وآخر عن والده الذي يعمل حالياً وحيداً في محل (الحدادة) وهو ينتظر عودته ليرتاح قليلاً، وذاك الذي سيعود لإنجاز بيته الطيني، آخر يردد بين وقت وآخر (أنا كلّ ما قول التوبة يا بوي). رأيت كلّ الوطن في عيونهم. وهم يعيشون أحلامهم المعجونة بترابه، ولكن ماذا عن رجال تلّ الفخار؟ ماذا عن أبي؟ ********* كنت قد زرت معرض دمشق الدوليّ مرة واحدة فقط وأنا في السادسة من عمري، عائداً مع أبي من اللاذقية حين اصطحبني معه، وصلنا إلى دمشق مساءً، نمنا في فندق (قصر الحمراء) وكان أبي يقودني من يدي وهو يردد: -(خلّيك جنبي. لا تضيعْ). أكلنا يومذاك سندويش (فلافل) وشربنا (سفن آب) وها هي زيارتي الثانية لمدينة المعرض. الناس ليسوا بالناس، ولا أجنحة المعرض هي أجنحته، لا شيء سوى مساحة واسعة تمّ تخصيصها لتجمّع الجنود القادمين. كانوا يتوافدون بأعداد قليلة. منهم من يحمل بندقيّته على كتفه وآخر يحمل خوذته. منهم من (يعرج) منهم من يسقط على الأرض فاقداً الوعي. كنت ونزار نجلس على الرصيف المقابل للمدخل الرئيسي، ننتظر قدوم الذين نعرفهم. أبي وجنوده. رجال تلّ الفخّار وكنّا نسأل كلّ دفعة تصل عن الأماكن التي تركوها وماذا جرى فيها؟ كانت الشمس مسلّطة فوق رؤوسنا، والصمت يسود المكان فلا الجنود يتحدّثون، ولا الناس، وجميعهم يعيشون الذهول الكامل، حينذاك عبرَ بائع الصحف وهو يصرخ بكل صوته: - إسقاط أربعين طائرة للعدو. إسقاط أربعين طائرة للعدو. اقترب بائع الصحف مني سألته: - وين صارت هالمعركة؟ رد بنزق: - (أنا شوبيعرفني. هيك مكتوب بالجريدة. وهاي تَبَعْ الأسبوع الماضي.) - (وليش عم تبيعها هلّق). - (لأنوا ما في جرايد. وبدي أشتغل.) قلت: - (ولك كيف ما في جرايد؟ عم تكذب كمان). لم أكن أعلم حينها شيئاً عن توقّف الصّحف، وكان نزار يتابع الموقف، وقد بدأت أعصابه تثور. تناولت الجريدة، وتصفحّت العناوين، حقاً هناك أربعون طائرة سقطت للعدوّ في الجريدة. قدّمتها لنزار فأعادها للبائع قائلاً: - (روح من هون. روح بسرعة. أحسن ما قوم أقتلك.) ردّ البائع: - (ماني رايح. وبدّي ثمن الجريدة. ليش أخذتوها. وقرأتم العنوان). هبّ نزار واقفاً، وهجم على البائع وهو يصرخ: - (روح من هون ولك. بدك حق العنوان يا أخو). هرب البائع بعيداً. من يستطيع أن يضحك في مثل هذا الوقت؟ ولو كان هذا المشهد في غير مكانه وزمانه لضحكنا طويلاً على نزار، والبائع، لكنّ الموقف عبر ببساطة، دون أن يترك أي أثر وكانت المفاجأة غير المتوقعة، والتي تثير الضحك فعلاً هي عودة البائع ووقوفه بعيداً عنّا بقليل وهو يصرخ: - (وينك. وينك أنتي أخو. مو أنا. أمك وكل عيلتك.) - استباحوا عرضنا يا رجل. كانوا يتابعون أحلامهم، ويقاتلون، وحين انتهت معلّباتهم ومياههم، وخبزهم تحوّلوا إلى أبطال حقيقيين، وظلّوا صامدين. لم ينسحبوا من تلهم. وقرّروا تسجيل صفحات لتاريخ سوف يبقى يعتزّ بهؤلاء المخلصين. يطلّ التلّ على الطريق القادمة من تل أخر يسمونه (العزيزيات) تسمى طريق (التابلين) العائدة لشركة النفط. تلتقي التابلين مع صعود طريق بانياس- مسعدة في منعطف يواجه تماماً تلّ الفخّار الذي يطل على المنطقة بكاملها. لقد تمكّن جنود التل من إفشال تقدّم دبابات العدو عدّة أيام، ودمّروا منها الكثير، وحققوا لغة قتالية رائعة، جعلت العدو يعيد النظر بخطته، وقد اعترف العدو بتلك المقاومة الجبّارة التي واجهتهم في اقتحام التل. وهذا ما سمعناه من بعض الجنود الذين حضروا من عدة مواقع قريبة من التلّ. - وماذا عن الجنود؟ - لا أحد يعرف. كان عبد الناصر قد تراجع عن الاستقالة. ملبياً نداء الشّعب، وأبي لم يعد. - شهيد. مفقود. جريح. وصرخت أخيراً: - يا أبي. يا أبي. رأيته قادماً من عمق زمن آخر. ظهره محني، وذقنه طويلة بيضاء، لأوّل مرّة أراها على وجهه، كان يحلقها كل يوم. لم يتكلّم. لم يضحك، عانقته. قبلته. هل عاد أخوك؟ - عاد كان مكبّر الصوت يعيد الجُمَلَ التي حفظناها. شاهدته يبكي. الرّجل القوي يعرف الدموع أيضاً. لم تزل شمس حزيران مسلّطة فوق رؤوسنا، وكأنّ النيران تنبعث من أجسادنا فمنذ نصف شهر لم نغتسل. نسينا وجوهنا وأشكالنا. - وماذا عن كمال؟ - لم يعد هز رأسه هزّات متتالية. - إن لم يمت، فسوف يكون في الأسر. نقلوا إلينا أخبار كمال، الذي رفض الخروج. حمل علم ساحة البلدية، ظلّ واقفاً. رافضاً الكلام. الحركة. الطعام. ازداد عدد الباعة. صارت أصواتهم تحيط بنا من كلّ الجهات كانوا يستفيدون من تجمّع النّاس الجياع، والجنود وذويهم. عربات للسندويش. أخرى للعيران. للعرق سوس. للتمر هندي. حلويّات مشكلة. -(بطفي الشوب). بعضهم نصب ما يمكن أن يردَّ الشمس، وأحضر كراسي القشّ وراح يبيع القهوة، والشاي، والميلو بأسعار مرتفعة. فوضى. روائح. أنفاس. ذباب. أسماء. بكاء. بنادق منكّسة على الأرض. وخوذات متبعثرة هنا، وهناك. سوق سوداء. فماذا جرى؟ تغيّرت لغة مكبّر الصوت. - على جنود الوحدة... التجمّع في المكان. لم يحضر جنود تلّ الفخار. سألت عن رمز القطعة، وتابعت البحث عنهم. - يا أبي غادر هذا المكان فالحرّ لا يطاق. - يجب انتظار الأوامر. - نُعلِمكَ كل شي. - اسكت يا ولد. - لم يزل الجنود يتدفّقون، وقد تركت شمس حزيران آثارها على وجههم. وسواعدهم. وأخبار التل غائبة. وجثث مفقودة على امتداد المساحة من نهر الحاصباني حتى الحمّة. - (سندويش). - (على جنود القطعة). - (فلافل) - (شاي) - وطني صباي وأحلامي. هذه شوارع دمشق التي عرفتها أنا وسمير ونزار ومنير وفايز، وعشنا ساعات متعتها الجميلة، وعرفنا وجهها البديع، ونسماتها حاملة رائحة الياسمين، وتفاصيل أجساد صبايا (الصالحية) ونحن نمشي حتى مطعم (العيد) لنأكل (الشاورما)، ونبحث عن فيلم سينمائي مناسب وكثيراً ما كنا نفضّل أفلام (الكاوبوي) التي تعرضها (الزهراء) (العباسية) حيث (شامي كابور) والأغاني الهندية. قال نزار: - هذا فيلم سخيف. (فتى دمينو) أفضل منه بكثير. ردّ سمير: - هذه ثقافة هوليودية. مرفوضة عند الاشتراكية. غضب نزار: -أنت تقول هذا الكلام؟ واضح أنّك اشتراكي، وأبوك أيضاً. ردّ جميل: - (شُباك؟ شو كفر الزّلمي؟ بالعكس حكا أحسن منك، فعلاً (فتى دمينو) ثقافة أمريكية ما بتلزمنا). - (شوف التّاني. شوف. صار زكي الأرسوزي البركة). - كنا قد علمنا أن الأستاذ الأرسوزي معلّم كمال يجلس في مقهى الهافانا ويناقش في فكر الحزب. ضحكنا، ونزار يتابع: - على كل حال تبقى السينما الهندية جديدة. كان (جنكلي) قد أثار مناقشات مطوّلة، فيما بيننا، حسم منير المناقشة حين طلب أن نناولـه ما ترتب علينا من مصاريف وأعلمنا أنه في الزيارة القادمة سوف نزيد المصاريف لأننا سنزور (المكان العمومي) والموضوع يتطلب ليرات إضافية، وبدا النقاش من جديد، كيف؟ أين؟ لماذا؟. نقل منير إلينا الخبر، ونحن في طريقنا إلى (البرامكة) فغضبنا عليه، واتهمناه بالحقارة،وقذفناه بالشتائم، أما جميل فلم يكترث ولم يعلق فاقترب منه نزار قائلاً: -(جحشات الغجر، مشبعينك موهيك). ضحكنا. كنا بمحاذاة جسر فكتوريا في طريقنا إلى (البرامكة) حيث كراج النشواتي، وفهد الذي ينظم رحلات خطّ دمشق- السويداء، بنشاطه، وضحكه الدائم، وحبّ الركّاب له يرحب بنا: -(أهلين بالشباب. أهلين. وين كنتوا؟ بفيلم (جنكلي) شي حلو هالمغني (شامي كابور) بتعرفوا يا شباب حلمي صِيرْ مطرب؟) ثم يردّد: (يا مسافر وحدك، وفايتني. ليه تبعد عنّي وتشغلني) (فلافل- فلافل) (على جنود القطعة...) كانت شوارع دمشق حزينة. كأنه قَرْنٌ من الحزن والألم، ولم تكن هي التي عرفناها ترتدي ثوب خضرتها. دمشق مختلفة الآن. -يا أخي قدّيش حلوة إنّو الواحد ينام ولو ليلة بها الفندق. كان (سميراميس) يتصدّر الشارع، ونحن نتّجه صوب البرامكة وحلمت فعلاً بليلة واحدة. ترى ماذا في الدّاخل؟ ردّ منير: - (ما بيشّغلوك هون لجلي الصحون.) - ليش؟ - (الشّوام خيو. الشّوام للتجارة، والشغل). (قهوة) (شاي) (ميلو) كان أبي يدخّن بكثافة، ويشرب العديد من فناجين القهوة منتظراً، وراحت أخبار جنود التلّ تنقل إلينا بوضوح ورفض أبي الذهاب إلى المدرسة، التي جمعت المزيد من الأُسرِ النازحة، هكذا أُطلق علينا. قال: - سأعود قريباً إلى هناك. وأشار بيده صوب الغرب. كنا نظنّ أنها مجرّد أيام، وسنعود، وكانت أميّ حريصة على دجاجاتها، وبين وقت وآخر تطرح سؤالها: - يا ترى من يطعم الدجاجات؟ عدنا إلى دمشق كما وعدنا منير وأدخلنا إلى ذلك المكان لنشاهد المؤخرات الكبيرة، والنهود الضخمة، والأجساد الرخيصة. (تعال يا بيه) وأخرى تشير إلى جسدها: (ده عشان بسطك يا بيه) دخل منير. تبعته. خجلت فهي أول مرة أواجه بها مثل هذا الموقف. -وإن كنت ما تعرفش. أنا أعلمك. ضحكت ضحكة طويلة، وهي تضرب على مؤخرة منير العارية. (قوم يا خوي. قوم الفلوس بتاعتك خلصت) كان منير يلهث، ويهتز، ويرتفع، ويشخر، وهي ليست مكترثة. قالت: -(تعال انت. لازم تعرف إزّاي تشتغل. خجول يا عين أمّك). مضينا كلّ منا يحمل تجربته الصغيرة. صوب البرامكة مجدداً حيث فهد الذي كان بالنسبة إلينا وجه دمشق في الحضور والذّهاب، فهو الأول الذي يرحب بنا، والأخير الذي يودّعنا. حدثناه عن المصرية التي عاملتنا كصغار دون خبرة. ***** قلت لأبي: -كنتَ ترغب في أن أكون ضابطاً في الدبابات. هبّ الرجل واقفاً، وكعادته في حالة الغضب، قذف لفافة تبغه على الأرض. -اخرس يا ولد. اخرس. إيّاك أن تدع هذه الأفكار تغزو عقلك. جيشُكَ مقدّس، ومن يقدس وطنه. يقدس جيشه وإن خسرنا هذه الحرب، فلنا جولات قادمة، وسننتصر هل فهمت؟ التزمت الصمت، حين هبّ الباعة دفعة واحدة، فقد وصلت دفعة جديدة من القادمين، الجائعين، المنهكين. كنت أتوقع حضوره إلى مدينة المعرض، ليبحث عنّا على الأقل، وشرحت لنزار توقعّي هذا، فقال: -أنت حمار. سألته: - ما الذي جعلك تكتشف ذلك بعد كل هذا العمر؟ - أنا أعرف ذلك منذ زمن، لكنني لم أحب مصارحتك، يا حبيبي سمير لم يعد يذكرك. - وإن كنت تظنّ أن سهير تذكرك فأنت غلطان جداً. هؤلاء الناس بينسو بسرعة يا حمار. قلت: -سمير ممكن، أما سهير... واسترجعت ذكرى تلك اللّيلة، وبرغم الرائحة التي أشمها الآن، فلقد استطعت تحديد طبيعة رائحتها. ولعنت في سرّي الطيران، لا يعرف نزار تفاصيل ما حدث، لا يعرف ماذا جرى في نقطة الوسط، بين الممر، وشجرة التوت.؟ ولماذا استسلمت سهير هل كانت خائفة فعلاً؟ من صفارة الإنذار، لكن أباها لم يهتمّ وبقي في الداخل، وبعد عدة ساعات أطلّ علينا. قررت الذهاب إلى بيتهم في أقرب وقت. قال أبي: - ليتني متُّ هناك، كان أفضل لي من رؤية المآسي تلك وراح يشير إلى تجمّع الهزيمة. حيث القلوب المحطمة. إنها الحقيقة يا أبي فما العمل؟ وأنا أيضاً لم أتوقع أن أراك بهذا الشكل. كل ما فيك يوحي باستلاب. أنت العملاق. ها هي الحرب، وهزيمتها قد حولتك إلى هيكل فقط، ولم تزل تصرخ: -اخرس يا ولد. لماذا أخرس يا أبي؟ ترى ماذا حل بهم؟ هؤلاء الذين صنعوا تاريخهم الأبيض. لا تكترث يا أبي هي أمّةٌ سريعة النسيان يا بطلي الأوّل، والأخير لقد كذبت عليّ. كذبتم علينا جعلتم اللعنة تحل ونحن مع بداية تفتحنا، ماذا يخبئ لنا القادم؟ كبرنا كثيراً يا أبي كبرنا بما فيه الكفاية. -هذه فلسطين. أهكذا يا أبي، وماذا سأقول لولدي مستقبلاً؟ أين موسيقا الرّقاد؟ أين الطفولة. أين كلّ شيء؟ فجأة طوقت الشرطة المكان، وترجل عناصرها يحملون الهروات، والمسدسات، وراحوا يحطمون العربات الخشبية، وخيم الشاي، والقهوة. سألني أبي: - ما الذي يجري هنا؟ قلت: - الشرطة تلاحق الباعة. ضحك نزار لأوّل مرة بعد الهزيمة، كان الباعة يفرّون من أمام الشرطة في كل الاتجاهات، يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أدوات عملهم. شرطة تحمل بنادق، ومسدّسات، وكرابيج. غادرت الشرطة مختالة، فقد استطاعت السيطرة على المدينة وتفريغها من الباعة. قال نزار: - الحكومة لا تفرض هيبتها سوى على الفقراء. ضحكت. - (يا أخي البارحة كنت تقول: لقد استبيح عرضنا من قبل هؤلاء الباعة، ولعنتهم، فما الذي جعلك تدافع) عنهم اليوم؟ - (كل شيء لحاله. هَلّقْ الموقف بيتطلّب الوقوف معهم). ضد الحكومة. سرعان ما عادت أصواتهم ترتفع أكثر (فلافل) (شاي) (حلويات) عادت الأمور إلى حالها وغابت الحكومة. - من تنتظر يا أبي. الذي حضر. حضر، والذي لم يحضر إمّا في الأسر أو عند ربه في السماء. - اخرس يا ولد. لن أمشي من هنا حتى وصول آخر عسكري في الجبهة. - وماذا عن مسألة اخرس يا ولد في كل مرّة يا أبي؟ ردّ بعصبية: - اخرس يا ولد. اتجهت صوب بيت سمير في الحي الأنيق، اعتمدت على ذاكرتي في البحث. كنت بحالة شوق لسهير، ورحت أتوقع طريقة الاستقبال لابدّ أنهم سيفرحون كثيراً لهذا اللقاء سأطلب من والدها أيّ عمل لأساعد الأسرة في تخطّي ظروف معيشتها الصعبة، سأحصل على موعد من سهير، فهنا يمكن أن نلتقي في أيّ مكان. سوف أعاتب سمير لأنه أهمل، ولم يبحث عنّا في مدينة التجمّع. لم يرجع كمال. بقي مصيره مجهولاً قيل: إنه استُشهد في وسط الساحة، وهو يحمل العلم. قيل: إنه قيد الأسر هناك. قيل: خرج إلى لبنان عن طريق الحاصباني، وشوهد في قرية الخيام. ما الصحيح من هذه الأقوال؟ لم يزل الأمر غير واضح. سألتني نجاة عن علاء، وقررت أن أبحث عنه في التجمعات التي توزعت في الكثير من أحياء المدينة. سكن جميل في (مساكن برزة) وسعيد في (باب توما)، وأصبح من الصعب أن نجتمع لنعيد تشكيل فريق كرة القدم أو لإقامة معسكر كشفي. وقرر نزار أنه سيلتحق بكلية الطيران. رحنا ننتظر العودة، وبدأ كل منا يشقّ طريقه. كنا نجتمع في أحد البيوت بين وقت وآخر، ثم انقطعت هذه الاجتماعات، وتفرّقنا، وضعنا في زحمة هموم الحياة، وموسيقا الرقاد ترافقنا. وضعت إصبعي على ضاغط جرس الباب، وتراجعت للوراء كنت أتوقع ظهور سهير، وستكون مفاجأة دون شك، فُتِحَ الباب. تردّدت في السؤال. خشيتُ أن أكون قد أخطأت المنزل، لكن الرجل سألني: -ماذا تريد؟ قلت: -أعتقد أنه بيت أبو سمير. ردّ الرجل: -يظهر أنّك لم تزرهم منذ زمن. -نعم ردّ الرجل بهدوء: -جميعهم غادروا البلاد. قبل وقوع الحرب بيومين. -ماذا -كما سمعت. -والبيت لم يكن ملكاً لهم. -لا أبداً، البيت ملكنا، وقد أجّرناهم منذ عدّة سنوات. ثم تركوا، وغادروا إلى أين لا نعلم؟ جُنّ نزار وهو يسمع ما أقول، لم يصدّق في البداية ظنّها مزحة، لكنني حين أكدت له. راح يهزّ رأسه بعصبيّة وهو يردّد كالمجنون: (العرصات.. العرصات) تتالت أيام الغياب. مضينا في دروب الحياة، نستعيد الذكريات. غاب سليم جبور. غاب حلم العودة في عينيه. غاب وبداخله نزيف الوطن الحزين ............ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |