|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:27 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـــ 3 ــــ الشمس في مركز الدائرة، هالات حولها ومدارات، تسير عليها الكواكب وتدور الأقمار، تستمد منها الضوء، والحرارة، تأخذ الطاقة والحياة..... فماذا يحدث إن انطفأت تلك الشمس؟ ما ترى يجري للكواكب والأقمار؟.. فلك شمس كله اضطرب، مداراتها كلها تقاطعت وتصادمت، كواكبها وأقمارها تحيرت في أماكنها وارتبكت، وقد غرق الكون كله في الفوضى والظلام.... بدور أحست بذلك الظلام مذ فتحت عينيها. فليس أحب على قلبها من أن ترى وجه أمها أول ماترى تصطبح به شمساً مشرقة، تشع لها الدفء وتمنح الحنان..... طفولتها الأولى قضتها هناك في البادية حيث الحل والترحال وحيث الأم هاربة، متخفية، وبدور شاغلها الوحيد... لم يكن هناك دار ولا حبيب: عزيز يقاتل في صفوف الثورة أو مختف هنا أو هناك، والدار بيت من شعر تقوم بخدمته وضحة فتنكب شمس على فراخها الذين لم ينبت زغبهم بعد، تزقهم، تحنو عليهم وتفرش جناحيها رعاية وحماية.... لكن... الأخضر، نواف، مناف صبية، والصبية يخرجون إلى الفضاء الرحب، يلعبون، يلهون، يشتبكون مع الصبية الآخرين، ويغيبون، فيما بدور تظل مع أمها أنى ذهبت وكيفما توجهت، في حجرها، بين ذراعيها، على كتفيها، بدور دائماً مع شمس وشمس لا تستطيع فراق بدور. حين انتقلوا إلى دمشق كانت بدور قد بلغت الخامسة... وفي أحشاء الحي العتيق، الميدان ذي الأزقة الضيقة والدور الكالحة والعليات المتلاصقة عاشت مع أمها غربة من نوع جديد... لم يكن هناك أقرباء ولا أصدقاء... الأهلون في البادية وأم العيون ودمشق غربة تامة... كل مافيها ومن فيها جديد على الأم والبنت فاشتدت العلاقة بينهما حميمية وازدادت الوشائج وثوقاً. الأب يخرج والأخوة يتفرقون لتبقى البنت لأمها دمية و سلوة... بيدها تطعمها، بيدها تسقيها. في الصباح توقظها بنفسها، تمسد براحتها الدافئة جبينها، تلاعب وجنتيها، تعبث بشعرها، ولا يسعد البنت كصحبة الأم، فتفيض عليها دفئاً وألقاً. أول مرة ذهبت إلى المدرسة بكت عليها الأم مر البكاء، كما بكت البنت وشهقت ... فهما ستفترقان... وللمرة الأولى تفترقان.. لكن كان يعزي البنت أنها ما إن تفتح الباب عائدة من المدرسة حتى تجد أحضان الأم مفتوحة لها تغمرها دفئاً وحناناً... وفي الصباح توقظها أشعة الحب والحنو يطلقها وجه "الشمس المشرقة" فكيف لا تشعر بمثل ذلك وهي تستيقظ فلا تجد شمسها..؟ الظلام "يصاحبه القرس" والقرس بدأ يشوبه الرعب حين جاء الأب إلى المنزل فلم يجد الأم. "أين عمتك؟" "لا أدري رجعت من السوق فلم أجدها" الصبية الصغيرة توجست شراً وهي ترى أباها يتسمر في مكانه مفاجأ مذهولاً... جواب وضحة زاد سيماه اصفراراً وشفتيه ارتعاشاً". هو إذن خائف عليها؟"... فكرت الفتاة بعجب واستغراب... الأب، في عينيها فارس الفوارس، رجل الرجال.... كيف إذن يصفر وجهه وترتعش شفتاه؟ "المدينة مقفلة والمظاهرات ملء الشوارع، مظاهرات نساء لا رجال"، قال لها مناف بعد أن خرج الأب مسرعاً، ربما يبحث عن ذرة طمأنينة... كان مناف قد خرج قبل ساعة وكانت أخباره مثيرة للرعب..... "أمي في المظاهرة والاشتباكات على قدم وساق مع الفرنساوي". فزاد الطين بلة في عين بدور وفي قلبها، حيث القرس والرعب غابة من أشواك اشتعلت فيها النيران. ـ دعنا نخرج.. نبحث عنها، اقترحت بدور على أخيها فرد مناف شبه مرتجف. ـ نبحث عنها.. أين؟ ـ هناك في المظاهرة... بين النساء، ردت بحماسة شديدة، لكنه هز رأسه.. ـ الجندرمة في كل مكان من الشوارع يسدون الطرق ويسوطون الناس بكرابيجهم... أنا نفسي نالني أحد كرابيجهم... قال مناف الرقيق، مرهف المشاعر، وهو يمد يده إلى ظهره يتلمس موضع السوط بأسى وقهر. مناف، ابن الرابعة عشرة، طالب "البروفيه"، يكره العنف ولا يجد كثير وقت للتفكير بالشغب والمظاهرات... مشاغله تأخذ كل وقته... صحبه يمنعونه حتى من التواجد في الدار فتلهو معه بدور بعض الوقت.. هو يحب الهدوء والسلام وحيثما يكون صخب وضجيج لا يكون. صحيح إنه يشارك في مظاهرات المدرسة لكن مشاركة من لا يصرخ ولا يصيح، لا يصعد على الأكتاف ولا يشتبك مع الجندرمة... ومن يضمن لـه الآن ألا يشتبك مع الجندرمة ان خرج؟.. ومع من؟ مع أخته، اليافعة التي بدأ جسدها يتكور، أنثى لا يعرف ما تجر عليه من ويلات... ـ ماذا نفعل إذن؟ نقعد؟ هلم مناف!! وحاولت بدور أن تسحبه من يده. ـ لا... لا فائدة.. قال وهو يتملص، سنكون كمن يبحث عن إبرة في كومة قش... وشعرت بدور بالإحباط...مناف أكبر منها، والأكبر منك بيوم أعرف منك بسنة، وهو يحسب جيداً، قراراته حكيمة، كيف تخالفه؟ لكن كيف تتحمل كسوف الشمس؟ كيف تصبر على فقدان الحرارة والضياء؟ ألا تتحير في مكانها وترتعش؟ ألا يحل على دنياها كلها الظلام؟.. الظلام الذي بدأ خفيفاً شاحباً باهتاً بدأ يزداد قتاماً وقد عادت بعض النسوة من الحي ممن شاركن في المظاهرة ولم تعد شمس... سألتهن بدور فازدادت خوفاً. ـ لم أرها البتة، قالت إحداهن. ـ رأيتها في الطليعة تهتف ثم غابت عني، قالت ثانية. ـ لا تسألي.... لا أحد يعرف شيئاً عن أحد... ردت ثالثة.. وهي ما تزال تلهث خوفاً من الجندرمة الذين لا حقوها بهراواتهم حتى شارع الحميدية ولم تنج منهم إلا بشق النفس.... مع أذان العصر عاد الأخضر وهو يضحك، فخيل إليها أن أمواج الظلام والرعب والقرس كلها تتلاشى أمام ضحكته.... الأخضر أخوها الأكبر ولا يمكن أن يضحك إلا لخبر مفرح سعيد.. ـ هـ..ى.. خبِّرنا... بادره مناف وقد أحس هو الآخر بزوال الخطر.... علام تضحك..؟ ـ على عواد؟ ـ مابه عواد؟ تدخلت بدور بنوع من الصدمة وقد عاد توجسها للشر. ـ ذهب يتسوق الخضار فتسوقه الفرنساوي.. وهز مناف رأسه ضيقاً واستنكاراً: ـ ماذا تقول؟. أخضر؟ حينذاك روى لهم الأخضر بروح دعابته نفسها كيف أغلق المحل حين سمع بالمظاهرة واتجه إلى المرجة.. لكن الزحام والشرطة والجند كل ذلك جرفه إلى سوق الهال وسوق العتيق.. هناك رأى الجمّالة الذين جاؤوا بأحمال الحنطة يحملون الخضار والفواكه وقد أناخوا جمالهم. صخب المظاهرات وأصوات الرصاص والاشتباكات جعلتهم يسرعون في تحميل جمالهم.... وحده عواد كان قد دفعه الفضول لأن يذهب فيستطلع وظل جمله بلا أحمال... حاول الأخضر الاقتراب من المظاهرة لكن النساء أنفسهن كن يمنعن أي رجل من الاقتراب... بحث عن عواد هنا، هناك، لكن عبثاً... فالإبرة داخل كومة قش. أطراف المظاهرة كانت تمتد من سوق الحميدية في الأعلى إلى سوق الهال في الأسفل، أشبه بموج البحر تتقدم كارة على الشاطئ لتنسحب فارة إلى الداخل. حاول الأخضر اختراق أمواج البحر لكنه لم يستطع... كان يبحث عن عواد ولم يكن يعلم أن أمه هناك في طليعة الأمواج كارة... فارة... هم قالوا إن عواداً ذهب يتفرج... حميته لم تسمح له أن يسمع بمظاهرة ولا يشارك فيها.... وإن لم يستطع فليتفرج عليها، وذلك أضعف الإيمان.... لكن الأخضر اضطر لأنّ يوقف البحث حين ارتد عليه الموج في أحد انحساراته جياشاً طاغياً حتى كاد يلقيه أرضاً... أدرك الأخضر أن من العبث الاستمرار... فعاد أدراجه بلا عواد... لكن ما إن وصل إلى سوق الهال حتى وجده خالياً من رفاق عواد أيضاً فالجمالة الذين رأوا الخطر داهماً، وقد لعلع صوت الرصاص قريباً منهم، أسرعوا إلى جمالهم، ينهضونها بأحمالها ويولون الأدبار.... جمل عواد وحده، كان قد ظل نائماً يجتر ويحرك عنقه الطويل ذات اليمين وذات الشمال... ووجد الأخضر نفسه في مأزق... إن ترك الجمل ربما خسره عواد إلى الأبد، وإن أخذه تورط في مأكله ومبيته... كان سوق الهال قد أقفل وكانت المحال كلها قد أغلقت وأصحابها أطلقوا سيقانهم للريح، فمن يعلم، حين ينفجر البركان، أين تقع حممه؟.. حائراً، متردداً، ظل الأخضر هنيهة يقلب الأمر... في نفسه بعض الأمل أن يعود عواد، وفي قلبه الكثير من الخوف أن يصله بعض من شواظ الحمم... أخيراً حسم الأمر.. صاح بالجمل "هـ... ي... تج... هـ.. هـ... ي... تج"، كما سمعهم أكثر من مرة يصيحون بجمالهم.. فنهض الجمل دون أن يوقف اجتراره وحركة رأسه القلقة المضطربة، أمسك الأخضر بزمامه ثم أسرع به مبتعداً عن فوهة البركان فيما دوي انفجاراته وصخب حممه ينذران بالويل والثبور... طوال الطريق إلى المستودع ظل الأخضر يضحك... هو يصبح جمالاً والجمال يصبح متظاهراً يعارك الفرنساوي ويقاتله... الأخضر على ثقة أن عواداً كان قد شارك في المظاهرة، وإلا أين هذا الغياب؟ بل ربما تفاقم الأمر سوءاً ووقع في أيدي الفرنساوي...، "إذن... ذهبت في داهية يا عواد، "كان الأخضر لا يفتأ يفكر ويضحك.."، و"الجمل..... ماذا تفعل به يا أخضر؟"... كان يسأل نفسه ويضحك أيضاً... هي ورطة... أن ترى جملاً لا تعرف كيف ترعاه، ورطة مابعدها ورطة.. لكن ما عساه يفعل، وقد وجد الجمل وحيداً، لا جمل معه ولا جمال!!... هز مناف رأسه وقد سمع قصة أخيه، لكن الأخضر اهتز كله وقد سمع بغياب الأم... ـ أمي في المظاهرة؟ خرج وهو يدرك جيداً ما معنى اشتباك أمه مع الفرنسيين.... ثم جاء الوالد مطرق الرأس متهدل المنكبين، وجهه غمامة من ظلام.. ـ ماذا هناك؟ ـ ماذا بك؟ ـ ما أخبار أمي؟ أسرع إليه الأولاد بالأسئلة وقد صدمهم جميعاً أن ينهد ذلك الطود الشامخ فيحني هامة لم تنحنِ من قبل. ـ أمكم في السجن!! دون أن يرفع رأسه، غمغمت شفتاه الراعشتان، وكأنما تكرهان نطق تلك الأحرف.. كانت الشمس قد غابت وكانت أصوات المؤذنين ترتفع من المآذن القريبة مختلطة بالنبأ ـ القنبلة الذي فغرت له أفواه وجحظت عيون... وككل نبأ ـ قنبلة... لا يصدقه الناس في البدء فيلجؤون إلى تكذيبه أملاً منهم أو خوفاً، وعاد مناف يسأل: ـ أبي!! ماذا تقول؟ ـ أقول... أمكم اشتبكت مع الفرنساوي... جرحت واعتقلت. النبأ الثقيل صار قنبلتين. وفغر الفم صار فغرين وجحوظ العينين صار جحوظين. ـ كيف؟ ـ متى؟ ـ من قال ذلك؟ راحت الأسئلة تترامى رشاً ودراكاً، فالأبناء يفجعون بأعز مالديهم... يصابون في صميم القلب، جرحاً دامياً شديد الإيلام... روى لهم عزيز ماسمعه عن حماسة الأم وهي تهتف، عن شجاعتها، وهي تتقدم الصفوف، وكانوا في كل ذلك مزدهين تملأهم مشاعر الفخار والعزة، لكن ما إن بدأ يصف لهم كيف نزلت الهراوات على كتفي شمس، ظهرها، صدرها، رأسها، حتى زعقت بدور وقد تفتت قلبها إلى دموع ملء العينين ونحيب ملء الشفتين.. بدور يمكنها أن تتصور كل شيء إلا أن تضرب أمها، ربة العزة والدلال، وماذا؟ تضرب إلى أن تسقط أرضاً فاقدة الوعي؟ حين فتحت شمس عينيها من جديد، خيل إليها أن نور الشمس قد تلاشى وأن السماء قد استبدلت بزرقتها السواد... طرفت بأجفانها المرة تلو الأخرى، لا تكاد تصدق: "ماذا حل؟ كيف تبدل كل شيء؟.." تلمست وجهها، صدرها، رجليها... كل شيء مايزال في مكانه... تلمست الأرض تحتها.... ليس هناك حجارة رصيف....بل إسمنت مصبوب... مدت يدها أبعد.... ثمة جدار.... الجدار رطب بارد.... رائحة عفنة... حدقت النظر جيداً، موسعة حدقتيها متفرسة في الظلمة. ليس ثمة سماء... لا زرقاء ولا سوداء. بل سقف عفن رطب هو الآخر... وكوة هناك... كوة صغيرة مشبكة بقضبان يهرب منها بعض الضوء... "أنا في زنزانة"، وللتو عادت الذاكرة ترمح هائجة مضطربة، يختلط بعضها بالبعض الآخر..."لكن كيف جئت؟ من حملني إلى هنا؟".. وخيل إليها أن طيفاً من ذكرى يعبر ذهنها حاملاً معه صورة غامضة ليد قوية من هنا ويد قوية من هناك تمسكان بكلتا يديها وتجرانها على حجارة الرصيف... تلمست ثيابها... فأدهشتها مزق هنا ومزق هناك... ثقوب وأوساخ في ملاءتها السوداء... غطاء رأسها ذهب مع الريح"... لابد أن الجند كانوا بمنتهى الرقة واللطف وهم يجرونني على الأرض". وفجأة تملكها شعور بالرعب "ثمة شيء غير المزق والأوساخ... سائل!! هذا سائل متجمد"... وتفحصته بأطراف أناملها، ثم براحة كفها.. السائل المتجمد، يمتد من أعلى الرأس، حيث خصلات الشعر قد تحولت إلى كتلة من خثارة... منحدراً مع العنق.. صدر الملاءة فالذراعين فالكمين... "دم!!"... كان من الواضح أن ثيابها كلها مضرجة بالدم.... وكان الدم قد تخثر في كل مكان ماعدا أعلى الرأس.... فهو مايزال دافئاً لزجاً هناك، وكأنه ماء نبعة صغيرة تنز من صخر... ـ اي.. أنتم يا من هناك!!... بدأت تصيح وهي تنهض عن الإسمنت... ظهرها يؤلمها، يداها تؤلمانها... ووجع في عنقها، وجع في بطنها، رجليها... جسدها كله يوجعها... "ماذا فعلتم بي يا أبناء السفلة!؟... فشمس لم تكن تعلم أن وقع الهراوات على جسدها وجرها على الرصيف الطويل إلى أن وصلوا بها إلى سجن القلعة لم يكونا ليذهبا هباء... بصعوبة وقفت على رجليها، بصعوبة خطت باتجاه الباب....، "أجل، هو ذا الباب... الكوة في الأعلى... وضوء مصباح كهربائي يأتي من هناك".. تلمست الحائط إلى جانبها... الباب في المنتصف حديدي ثقيل... نقرت عليه بظاهر أصابعها فرن....."الأوغاد يسجنون النساء!!؟"... وارتعش كل مافي جسدها "لم يعودوا يرعون حرمة ولا يخفرون ذمة!!"، مع ذلك كان عليها أن تعلم أين هي... أن تتواصل مع بشر... الزنزانة المحكمة الإغلاق، المعتمة الآفاق، الرطبة الجدران توشك أن تقطع عليها الأنفاس... عنقها بين أصابع جبارة تضغط... تضغط... "أنت أيها الحارس.. افتح أيها الحارس..."، عادت تصيح وهي تدق الباب الحديدي وتوجه صياحها نحو الكوة لكن الدار قفراء نفراء... لا نأمة ولا حركة... "أهي زنزانة في صحراء؟"... وتحولت الرعشة في داخلها إلى رجفة فرعدة... الدم الدافئ اللزج يرفض أن يتخثر، العتمة والبرد من حولها قاسيان، والوحدة وحش فاتك يفتح فكيه هاجماً عليها.... "لا بد من أحد... لا يمكن أن أكون في صحراء".... ومن جديد راحت تصرخ وقد تملكها هاجس واحد: أن ترى بشراً.... "الجدي الذي يبعق ترضعه أمه".. هكذا يقول المثل لكن بعاق شمس لم يأتها بثدي أم يرضعها بل بسطل ماء بارد اندلق عليها على حين غرة، بعد أن فتح الباب على حين غرة أيضاً.. هول المفاجأة وشدة الصدمة أوقعاها أرضاً وهي تشهق محاولة التقاط أنفاسها من جديد... الماء وسخ، عفن الرائحة، لا تدري من أين جاء به ذلك الحارس الرقيق المشاعر المرهف الأحاسيس... على ضوء المصباح كانت قد لمحته، جندياً جهم الوجه قاتم الملابس، ضخم الجثة ظهر لحظة واحدة من الباب، سكب عليها سطل الماء البارد بدفقة هائلة القوة طرحتها أرضاً ثم عاد وأغلقه بصفقة هادرة كالرعد... ـ يا أخ، أيها الحارس الطيب!! عادت تنادي بنبرة من لطف ومسحة من رجاء، آملة ألا تثير حفيظته، فيفتح لها الباب دون أن يفاجئها بسطل آخر من الماء.. مرتين، ثلاثاً، عشر مرات كررت شمس النداء، لكن: "لا حياة لمن تنادي"، فكرت أن تعاود الدق على الباب، أن ترفع صوتها بالنداء بل أن تصرخ وتهدد لكن سطل الماء وقف أمام عينيها، مهدداً متوعداً فتراجعت. من جديد أبت اللزوجة الدافئة في أعلى رأسها إلا أن تدفعها قدماً: أرجوك... أيها الحارس الطيب... يا أخ... أنا بحاجة للمساعدة... أسعفوني... دمائي تنزف... ـ اخرسي، أو فتحت عليك فوهة الجحيم!! جاءها صوت الحارس جهم الوجه ضخم الجثة من وراء الباب فلم تجد أمامها سوى أن تخرس..."سطل الماء وحده مرعب فكيف بفوهة الجحيم؟ لا... لا... شمس... أيتها الحرة الأبية تماسكي.. لا تخبطي، طائر الحر إن وقع لا يخبط".. وعادت إلى ذهنها ذكريات صيد الحر... "شلت يداك يا شمس! كيف تذهبين مع شبان القبيلة، تتسلين باصطياد ذلك الطائر الجميل... تلقين له الحمامة ـ الطعم وعلى ظهرها شبكة إن أمسكت بالحر علقته فلم يستطع خلاصاً... ها أنت الآن حرة تقع في الشباك، وتهاوت على الأرض، حزينة، يفتت قلبها الأسى. "الحرية!! كيف نستبيح لأنفسنا استلاب حرية الآخرين؟... كيف نضعهم في القيود والأقفاص؟".. وجاشت نفسها أسى: "ظلم.. ظلام... ظلم... ظلام... العالم كله ظلم وظلام"... متهاوية جلست على أرض الزنزانة الرطبة تكاد الدموع تفر من عينيها. مرق في خيالها طيف نازك، وجه عزيز، عينا بدور فانفرجت بعض من أساريرها: "لا، ثمة نور، ثمة أمل، ثمة حب".. وبدا لها وهي تتفحص أرض الزنزانة، وجدارها القريب بأنها بأمس الحاجة إلى ذلك الأمل، إلى ذلك الحب، إلى ذلك النور. كانت الرعشة قد بدأت تسري في أوصالها... فماء السطل بلل ثيابها ورطوبة الزنزانة زادت البلل سوءاً، فيما رائحة العفن جعلت روحها أضيق من خرم الإبرة... أرادت أن توسع ذلك الخرم، أن تتملص من تلك العفونة، ذلك البلل، لكن أين تذهب؟ الزنزانة متران بمتر.. يجب أن تكون خنفساء كي تتحرك بحرية.. البرد في أوصالها يشتد... يصل إلى أسنانها فتصطك: "أهو أشد من ذلك القرس الذي ألم ببدور؟... شمس لا تعلم أن ابنتها تشعر مثلها بالبرد وأن أوصالها ترتعش وأسنانها تصطك... هي تعلم فقط أنه لا يوجد في هذه الصحراء المقفرة سواها.... حدودها ضيقة... متران بمتر. البرد قارس وفي شعرها مايزال سائل لزج يسيل... "لا تعرف خيره حتى تجرب غيره"... لمع في ذهنها المثل الشعبي وهي تتكوم على نفسها مقشعرة البدن، مرتجفة الأوصال،... تذكرت الغرفة الواسعة الشاسعة حسنة الأثاث، التي أرسلها إليها الكابيتان جيرار... كان يريدها أن تتهيأ له، بل ربما تتزين وتتبرج حتى إذا ما عاد إليها آخر الليل وجدها ينبوع لذائذ دافئة ومتع شهية... الحارس يومذاك كان طوع بنانها، جاء لها بالطعام، بالشراب، بل لو أرادت النبيذ والويسكي لجاء بهما. "أين هو من هذا الحارس الجلف الوقح؟"، وفي قلب الظلمة رأت شمس وجه ذلك الحارس وهو يدخل غرفتها على وجل. لعله كان قد تلقى تعليمات محددة.. لعله كان يعرف الرحمة.... يشفق على مصير امرأة لا يرضاه لأخته أو أمه. وارتعشت شمس من جديد... وهي تستعيد في ذهنها صورة الكابيتان جيرار يدخل غرفتها منتفخ الصدر منتبج الأوداج، طاووساً في عز زهوه. لكن هي الأخرى كانت في عز قوتها وحميتها... الخنجر في طيات ثوبها كان يمنحها شعوراً بالقوة ولا أعظم.... الفارس الملثم لم يكن بعد قد اكتهل أو شاخ... وكان الإنذار وكانت الطعنة القاتلة في الصدر... "لكن.. الآن من أقتل؟ من أواجه؟ وبماذا أواجه؟" هي عزلاء... لم يخطر ببالها أن تحمل خنجراً معها... "آه".. لماذا لم تحمليه؟"... شرعت تقرع نفسها، فلو كان معها خنجر لعاد إليها ذلك الشعور بالقوة، لكان باستطاعتها الدفاع عن نفسها... بل ربما قتلت صاحب الهراوة ذاك قبل أن يرميها أرضاً... لكن نازك، القيادة النسائية كلها كانت مصممة أن تخرج المظاهرة سلمية، دينها اللاعنف دين غاندي الهند، وسلاحها الكلمة واللسان، كما كان يوصي غاندي الهند. يبرد الجسد فينكمش على نفسه ويتقلص.. كأنما بتقلصه ذاك تضيق مساحة حرارته.، ويدخل بعضه في بعض كأنه بذلك الدخول يمنع وصول البرد إلى اللب فيه. أوصاله ترتجف وأسنانه تصطك لكأنه بتلك الحركة يولد حرارة من جديد تصد البرد عنه وتعيد له التوازن... شمس في زاويتها تمارس تلك الطقوس كلها... البلل في ثيابها كلها، والقرس في عظامها، فماذا تملك سوى أن ترتجف أوصالاً وتصطك أسناناً؟ أمام عينيها يرتسم طيف... ذراعاه القويتان تضمانها، صدره الدافئ يحتويها، موجة من دفء تغمرها" آه!! عزيز!! حبيبي!! كم أنا بحاجة لذراعيك الآن!! كم أنا بحاجة لحضنك!! لذلك الحب الإلهي يشع علي بهجة ودفئاً!! آه!! حبيبي!! أين أنت الآن؟ ماذا حل بك؟ كم أنت مشغول البال، قلق حزين علي!! الأولاد... حبيبي.... أولادنا!! مايفعلون الآن؟ كم يعانون!؟".. واندفعت في عروقها دفقة من دم تلتها دفقة.... الدم الحار لم يعد يخرج إلى السطح من رأسها، بل يسري عميقاً في عروقها، مالئاً الشرايين، الأوردة، الشعيرات. ثواني، دقائق ثم شعرت أن كل شيء فيها يتمدد، ينبسط، ان الدفء يملأ جنباتها فيفك انقباضها ويفرد جسدها من تكومه لتنبعث همتها من جديد "لا...... لن أكون الضعيفة المستكينة، لن أذعن أو أستسلم... سأقاوم حتى النهاية ... سأصمد حتى الرمق الأخير... من أجلكم... من أجلك، حبيبي، من أجلك، وطني!!" لكن فمها كهف من رمل صحراء لم تعرف مطراً ولا ندى... لسانها، حلقها، كل مافي فمها عوسج وقتاد، كيفما حركته الريح ترك وخزاً وإيلاماً.... وتساءلت، "منذ متى لم أشرب؟" على بركة الماء، مع قهوة الصباح كانت قد رشفت بضع رشفات من ماء عين الفيجة الزلال.... ثم جاءت الأحداث تترى... العطش يفح من كل خلية من خلاياها أفعى تقدح عيناها شرراً.... ثمة شيء آخر أيضاً... جوفها ذئاب تتناهش، عواؤها في أذنيها لكأنها في شتاء تكدست ثلوجه فقطعت عليها الرزق وسدت سبل الطعام..."، منذ متى لم آكل أيضاً؟".. وتذكرت أنها لم تأكل طوال ذلك اليوم. "الأوغاد، حتى الماء والطعام يضنون بهما علي.... يسجنون الناس ويميتونهم عطشاً وجوعاً؟" دفقة من حماس جعلتها تهم بالنهوض لكن جسمها خذلها... كانت حتى عظامها تئن ألماً وتشكو وجعاً، مع ذلك كان عليها أن تنهض، فالعطش والجوع لا يسمحان لها بالقعود... على أربع زحفت حتى الباب... هناك تمسكت بضلع حديدي من أضلاعه، ثم نهضت "من حقي أن آكل واشرب فلماذا لا يعطونني بعض حقي؟ "دفعها السؤال قدماً على طريق الشجاعة والاقدام لكن صورة الحارس الفظ الذي ينفض الناس من حوله رعباً وهلعاً جعلتها تنكمش من جديد مترددة ساحبة قبضة يدها بعد أن كادت تقرع الباب".. ماذا لو رماني بسطل ماء آخر؟" هي بين الإقدام والإحجام ريشة في مهب ريح تلف بها ذات اليمين وذات الشمال.........الخوف شديد والحاجة للطعام والشراب شديدة.... والصراع بينهما أشد ... تُقدِم أم تحجم؟ تلبي حاجة الغريزة أم تستسلم للخوف؟ زمناً لا تدري مداه ظلت أمام الباب... ثمة حركة في الخارج... ربما الحارس نفسه يروح ويجيء، عيناه تقدحان شرراً، ووجهه الجهم غليظ الملامح قبالة بابها يتوعدها شراً.......... "يجب أن أعيش...... من أجلهم يجب أن أعيش...... أن أصمد...... أن أقاوم..... وكيف أقاوم بغير طعام أو شراب؟ كيف أتحمل هذا الضغط الهائل أسفل بطني؟" فقد داهمتها فجأة حاجة لا مجال معها لإقدام أو إحجام، خوف أو تردد. ودون أن تشعر سمعت شمس يدها تطرق الباب. لم تكن طرقات قوية ولا صاخبة، بل طرقات خفيفة كأنما هي بقية من خوف أو تردد. لكن، يالدهشتها، ويد تسارع إلى المغلاق تفتحه!! ثم ينفرج الباب الحديدي المصمت عن الكوة ذات القضبان. وجه أبيض البشرة حليق الذقن والشاربين أطل من الكوة.. ـ أتريدين شيئاً؟ ألك حاجة؟ وفوجئت شمس بالنبرة اللطيفة، والسؤال البشري يدغدغ أذنيها...". إذن مايزال ثمة بشر.... ليسوا جميعاً وحوشاً فاتكة"... ونظرت إلى الوجه الأبيض البشرة، حليق الذقن والشاربين يحدق إليها بعينين سوداوين ملؤهما البراءة والطيبة.. ـ أنا بحاجة إلى كل شيء.. وبحركة لا إرادية انطوت على نفسها متشنجة عاصرة، رد فعل على تموجات أسفل البطن... فحاجتها للإفراغ كانت قد طغت على كل شيء بعد أن دهمتها على حين غرة... فتح الحارس الباب وقد رأى الحركة فوجدت شمس نفسها في ممر طويل ضيق يفصل بين مجموعة من أبواب حديدية إلى اليمين وأبواب حديدية إلى اليسار... توقفت متحيرة متلفتة يمنة ويسرة، فأدرك الحارس أنها لا تعرف الطريق إلى المرحاض... بإشارة من يده وجهها ثم لحق بها وهي تغذ الخطى... حين اقتربت من طرف الممر كانت رائحة النشادر وأبخرة التعفن كافية لإرشادها إلى بقية الطريق... نظرت وراءها باستحياء، ثم أسرعت تدخل غابة النشادر والأبخرة تفرغ فيها أحمالاً أثقل من الجبال... في طريق العودة وجدت نفسها خفيفة نشطة، وقد ارتفعت معنوياتها من جديد: ـ أنتم هنا ما تطعمون ضيوفكم؟ ما تسقونهم؟... سألت بنوع من الدعابة وبلهجة بدوية سرعان ما فوجئت هي نفسها بها، إذ كانت قد تخلت عن استخدامها خارج أسرتها عامدة متعمدة مذ دخلت دمشق. ـ أنت بدوية؟ هامساً، متلفتاً يمنة ويسرة رد على سؤالها بسؤال ربما كان دافعه الدهشة والفضول، هو الذي فوجئ بها: بدوية في زنزانة إثر مظاهرة نسائية في دمشق!! ـ وابنة شيخ!! أجابته بنبرته نفسها، ربما يشجعها على البوح وجه الحارس السمح وعيناه السوداوان الطيبتان... ـ حيا الله الشيخة بنت الشيخ... رد الحارس هذه المرة بلهجة بدوية مماثلة...... وكي يقطع الطريق على التساؤل الحاد الذي لمع في عينيها، تابع: أنا أيضاً من عرب بني خالد .... من لبنان. ـ وما الذي جاء بك إلى هنا؟ ـ إي... هذه قصة أحكي لك إياها بعد.... قولي الحين تريدين تاكلين؟ تشربين؟ ... ـ أموت جوعاً وعطشاً... منذ الأمس لم أذق طعاماً ولا شراباً... أرجوك..... أنجدني... وأسرع الحارس ينجدها بعد أن أنار لها مصباح الزنزانة الكهربائي وأغلق الباب على عجل... "لك الله أيتها الكهرباء!! تبددين الظلمة كالشمس، تؤنسين كالحبيب، تبعدين الأشباح والرعب كالأهل، فما أعظم من اكتشفك!!" كانت شمس مذ جاءت دمشق، ورأتهم يستبدلون بمصابيح الكاز مصابيح الكهرباء، معجبة بذلك الإنجاز. لم يكن العالم من قبل قد عرف شيئاً يدعى الكهرباء... فجأة بدأ الناس يتكلمون عن تيار يسري كتيار الهواء أو تيار الماء لكن دون أن تراه عين.. عبر أسلاك من نحاس يسري، يصل إلى البيوت فينيرها، إلى الآلات فيحركها.... لم تعد المرأة بحاجة إلى مكواة الفحم......ثمة مكواة تعمل بالكهرباء، مذياع يتلقى الأنباء من العالم بواسطة الكهرباء، بل حافلات في الطرق تسير على الكهرباء"... الله، ما أروعك من اختراع أيتها الكهرباء!!"... ـ آسف!! ليس لدي سوى هذه اللبنة وحبات الزيتون!! بادرها الحارس الذي يمت لبني خالد وهو يضع أمامها صينية صغيرة عليها صحنان وزجاجة ماء سرعان ما وجدت يدها تمتد إليها، تضعها على شفتيها ثم تجرع وتجرع حتى آخر قطرة... ـ شكراً لك!! قالت وهي تعيد له الزجاجة، في عينيها أشد العرفان... ـ عطشى إلى هذا الحد؟ تساءل وهو لا يصدق عينيه ثم أسرع من جديد يملأ لها الزجاجة. حين عاد كانت قد أتت على صحني الزيتون واللبنة ورغيفي الخبز.... كانت الذئاب التي تعوي في داخلها قد التهمت كل شيء نظرت إليه وهو يحدق إلى الصينية الفارغة فاستحيت... ـ لا تؤاخذني... الجوع كافر... ـ بل أنت لا تؤاخذيني... ما لدي سوى ذلك العشاء البسيط... ورفاقي كلهم نيام... ـ لا... الحمد لله... شبعت... وألف شكر لك... ـ لكن ماهذا الذي على شعرك وثيابك؟ قال الحارس وهو يتأمل خثرات الدم على شعرها وبقعه على ثيابها... حينذاك فقط تذكرت الدم الذي كان قد شغلها من قبل فمدت يدها إلى رأسها. ـ الحمد لله قد توقف!!.. قالت بفرح طاغ وهي تتلمس الخثرات المتجمدة على شعرها وقد صارت باردة... ـ لكن... لابد من دواء لك... من ضماد... ألم يسعفوك؟.. ـ أسعفوني!؟ من؟ أصحابك... أبناء الحضارة والمدنية؟ وأسرع يغلق الباب خلفه دون أن يرد على أسئلتها الساخرة... شاش،كحول، سائل أحمر... كان يحمل معه وهو يفتح الباب ويسرع إليها... ـ لابد من تطهير الجرح حتى لا يلتهب، قال وهو يفتح زجاجة المطهر فتغزو رائحته خيشوميها.. ـ كثر الله خيرك، ردت وهي تستجيب لإشارته، فتحني رأسها ليبدأ غسل الجرح... وخزات إبر اخترقت أعلى جمجمتها هابطة إلى اللب من دماغها.. كزت على شفتها كي تكتم صرخة ألم أحست أنها على وشك الإفلات.. ـ يؤلمك!؟.. سألها وقد أحس بانكماشها على نفسها وتشنجها.. ـ كثيراً!!.. ـ لم لم تصرخي إذن؟ وعادت إلى ذاكرة شمس ذكرى مخاضها الأول... الطلق الذي كان يمزق أحشاءها هناك كان يفجر الدموع في عينيها ويرسل الصرخات حادة إلى شفتيها، لكنها كانت تكتمها كتم عزيز مقتدر... تطبق فكيها الواحد على الآخر فلا تفلت صرخة، تكز على شفتيها حتى تسيل منهما الدماء... أظافرها كانت تنغرس في أذرع من حولها من نساء... تضغط، تشد، تتألم، تتوجع، ولا تطلق صرخة. كانت تحسب أنه لا يليق بفارس ملثم مثلها أن يصرخ... الصراخ ضعف وعجز فلماذا تصرخ؟.. لكن ما إن قالت لها القابلة "اصرخي، صيحي".. وأطلقت لحنجرتها العنان، حتى شعرت بأصابعها تسترخي وتوترها يزول..."، فلماذا لا أفعل مثل ذلك الآن؟"... الخثرات المتجمدة على شعرها والجرح تحته لم يدعاها ترد على السؤال، إذ ما إن وصلت يد الحارس إلى هناك وتقشرت الخثرة السفلى حتى مزقت رأسها موجة ألم أكثر حدة من أن تستطيع كتمها... ـ آخ!!... انطلقت صرختها، فارتعشت يد الحارس بالقطن والمطهر... ـ لحظة... لحظة واحدة... الجرح كبير وينبغي تنظيفه... مع التنظيف، تتابعت الصرخات، وتعالت الآهات، لكن ما إن وضع المطهر حتى أطلقت شمس صيحة توجع شديد، كتلك التي أطلقتها والأخضر يشق طريقه إلى الخارج يوم ولادتها تلك. وضع الحارس سائلاً أحمر ثم مسحوقاً أبيض أحست معه للتو بأنفاسها تعود إليها بعد أن كانت قد انسحبت منها حتى الشفتين... الشعور نفسه تتذكره حين أكمل الأخضر خروجه تاركاً إياها بلا ألم كأن لم يكن هناك شيء... "يا الله!!.. كيف يأتي الفرج بعد الشدة؟ الخلاص بعد الضيق!!" ثم تبسمت وهي تنظر إلى الحارس الطيب يلف حول رأسها برعاية الأخ وحنانه شاشاً أبيض نظيفاً تصورت معه نفسها شيخاً يلفون حول رأسه لأول مرة عمامة المشيخة البيضاء... ـ سلمت يداك!! قالت وهو ينهي لف العمامة، لا أدري ما كان سيحل بي لولاك؟ ـ الخير...الخير... قال وهو يتعجل الخروج، كأنما خاف فجأة من شيء.... أتريدين شيئاً الآن؟ ـ سلامتك.. أيها الخالدي الطيب؟ على عجل أغلق الباب وعلى عجل ابتعد... "صحيح، لا تخلو الدنيا، وإن خلت خربت....". لكن سلسلة تفكيرها توقفت وقد قطعها صوت يقول شيئاً ثم صوت الحارس يرد عليه..."، لابد أن نوبته انتهت وهذا هو الحارس البديل...". في الحال عادت إلى ذهنها صورة ذلك الحارس الفظ وسطل الماء البارد: "لا... لا... لا تدعيه يشعر بوجودك.... نامي شمس".... كان فراشها بطانية مهترئة وسخة، ولحافها بطانية أخرى أشد اهتراء ووسخاً، مع ذلك شعرت أن النوم سيكون راحتها الوحيدة. كانت قد قضت حاجتها الغريزية للإفراغ، أطفأت ظمأها، أسكتت جوعها، فيما بدأ الجرح يرقد بسلام وهدوء تحت مسحوقه وشاشه... فلم تشعر شمس إلا وهي تستغرق في سبات عميق.... لكن أنى لعزيز أن يستغرق في سبات عميق أو يرقد له جفن؟ كان كالسمكة في البحر يتلوى، يذهب، يجيء، فالفراش شوك موجع لا يمكن لجنبه أن يلمسه... الأخضر ومناف ناما.... لكن عينه هو لم تنم.... بدور تنام بعض الحين ثم ينطلق صراخها فجأة... كابوس مرعب يمسك بخناقها فيسرع إليها يهدئها وينيمها من جديد.. مسكينة بدور لم يرقأ لها جفن طوال النهار... كانت تنشج وتنشج حتى لم يظل في صدرها أنفاس، ولا في عينيها عبرات... ثم ما إن رقدت حتى بدأت تنتابها الكوابيس: "يما... يما".... أكثر من مرة انتفضت من رقادها صارخة، وفي كل مرة كانت تروي له كيف ترى أمها بين مخالب ذئاب تمزق ثيابها، وتهشم وجهها الجميل.... وجه الشمس المشرقة... ـ هو ذا عينه ما يعذبني، قال لها وقدعادت إلى ذاكرته صورة سوداء قاتمة: سجن حماة... صنوف التعذيب التي لقيها هناك، الكابورال، السرجان، الأجضان، الكابيتان، والحقد الذي صبوه جميعاً على رأسه."أتراهم يصبون على رأسها مثل ذلك الحقد؟ أيضعونها في الدولاب الآن؟ أيشبحونها من يديها ورجليها؟ أيعلقونها بالسقف ورأسها مقلوب إلى الأسفل؟ أيعرونها من ثيابها؟ أيجلدونها بالسياط؟ أيغتصبونها؟".. أسئلة كثيرة كانت تحرقه بشواظها وهو لا يملك لها جواباً. جبال من الهم تحط على كتفيه، براكين من القهر تعتمل في صدره فماذا يفعل؟ أسد يرى لبؤته في قفص... أيعض القضبان بنواجذه؟ أيمزقها بمخالبه؟ عزيز يعلم أنه لا جدوى والقضبان حديد صلب لا تؤثر فيه نواجذ ولا مخالب. كان الأمر كله قد فاجأه، هو الذي تحدث مع البطحيش عن الذهاب إلى فلسطين وتحدث مع صبري عن المشاركة في الثورة. لم يكن يتوقع أن يقف في طريقه ذلك الطارئ: مظاهرة تقوم بها النساء!!! شرك تقع في حباله شمس!!!! لا، ليس شمساً فحسب... بل سبع وعشرون امرأة... حركة عزيز هنا، هناك، سؤاله هذا، ذاك، بحثه، استقصاؤه كله أدى إلى نتيجة واحدة: النساء السبع والعشرون باقيات في السجن والفرنساوي لن يرحمهن... "يوم الكابيتان جيرار خلصت شمس نفسها، لكن كيف نخلصها الآن؟" ظل عزيز طوال الليل يتساءل، هو الذي يعلم أن الأمر أخطر بكثير هذه المرة... في الماضي كان الكابيتان معتدياً اعتداءً شخصياً لا قانون وراءه ولا نظام.. اليوم، شمس هي المعتدية، هي المخالفة للقانون والنظام... تهاجم الدولة؟ تطالب بخروج فرنسا من البلاد، وعصبة الأمم نفسها انتدبتها على البلاد؟... "لا... لا القضية أشد خطورة الآن".. مع ذلك، لم تذر الغزالة قرنها في الأفق الشرقي حتى كان عزيز ينطلق ساعياً في مناكبها من جديد... صبري يعاني القهر ذاته، الصدمة والإحباط ذاتهما، ولا يستطيع أن يتمالك نفسه فيسب ويشتم.. ـ الكلاب... الوحوش يعتقلون نساءنا؟.. يهتكون أعراضنا؟.. ويشعر عزيز أن قلبه بين جنبيه يعتصر... يتفتت دون أن يستطيع شتماً أو سباً.. كلاماً أو صراخاً... صامتاً يريد أن يتحرك، خفية يريد أن يعمل.. عله يخلص شمسه من براثن الذئاب... ـ وما جدوى الشتم والسب؟ سأل الرجل المفتت القلب وهو يزفر.. ـ صحيح... بيدك حق... الجدوى للعمل... للحركة.. ـ لكن: أين؟ كيف؟ من نرى؟ من نكلم؟ سأل عزيز رشاً.. ـ شكري بك، أجاب صبري بسرعة واقتضاب، شأنه شأن أيام زمان، يوزباشياً يقود فصيل الطليعة في الجيش العربي ويتقدم لتحرير دمشق......... مضى الصديقان إلى شكري بيك، لكن دون شكري بيك خرط القتاد.... دوريات الجندرمة في كل مكان، الجند بحرابهم المشرعة يعترضون كل عابر سبيل... في الساحات والميادين مصفحات ودبابات توجه مدافعها إلى البشر كلهم.... ـ ماذا هناك؟ لم كل هذه التعزيزات؟ سأل عزيز، لكن اليوزباشي السابق لم يكن بحاجة لإجابته... الشرر المتطاير من عيون الجند وهالات الرعب المنداحة من جنازير الدبابات ورشاشات المصفحات كلها كانت تجيبه وكلها جعلته يقود مرؤوسه السابق بعيداً عن الجندرمة والجند.. كان يريد الوصول إلى شكري بيك، فاتخذ إليه أكثر الأزقة ضيقاً وأكثرها تعرجاً وطولاً.... لكن حتى شكري بيك لم يكن موجوداً.... بل لا أحد في منزله يرد على قرع الباب أو رنات الجرس.... ـ هل اعتقلوه أيضاً؟ عاد عزيز يسأل وهو أكثر خوفاً وحيرة من قبل. ـ من يدري؟ رد صبري وهو يرى في الطرف الثاني للشارع مصفحة تصوب رشاشاتها نحو البيت الذي قصداه. لنسرع، لنسرع، تابع صبري، وقد أدرك أن ثمة خطراً يتهددهما.... نسيب بيك، فارس بيك، جميل بيك، كلهم قصدهم الصديقان لكن دائماً لا أحد..... فقط عند جميل بك وجدوا جنائنياً عجوزاً يعمل في حديقة المنزل... وبخوف وحذر أسر لهما: ـ قد تجدانه في دوما... ولمعت في ذهن اليوزباشي فكرة. ـ لابد أنهم جميعاً مختفون... ـ مختفون؟. أين؟.. ـ إن كان جميل بك في دوما... فنسيب بك قد يكون في مزرعة في الغوطة الغربية وشكري بك في بالا في الغوطة الشرقية... ـ لنذهب إلى بالا... ـ نذهب لكن بعد أن نتأكد... وبدا لعزيز أن اليوزباشي العتيق مازال يحسب جيداً.... فمن يدري؟ قد يتحملان مشقة الذهاب إلى بالا دون أن يجدا شكري بك هناك... ـ أنت على حق.... ينبغي التأكد... ولكي يتأكد صبري، كان عليه أن يتصل ببعض معارفه وأصحابه، ولم يكن ثمة حاجة لوجود عزيز ... ـ اسبقني إلى المستودع.... ألحق بك... وسبقه عزيز إلى المستودع، فتح الباب الخارجي للساحة ففوجئ... كان جمل عواد باركاً على الأرض، ممدداً عنقه على التراب، وكأنه يستريح من عناء صيف شاق طويل... ـ عواد!! أجل!! صاحبك أيضاً في السجن، تمتم للجمل الذي حرك رأسه رافعاً إياه ما إن رأى القادم الجديد، بعدئذٍ أرغى بشيء لم يستطع عزيز فهمه..... كان الأخضر قد روى له قصة عواد الذي اختفى دونما أثر وبعيره الذي تركه أصحاب عواد مولين عنه الأدبار. لكن من يذكر أمراً كهذا والكون كله عاصفة مزمجرة هادرة؟.. كان عزيز قد نسي قصة عواد وبعير عواد... لكن هاهو ذا يفاجأ بالحقيقة الواقعة أمامه... رغاء البعير يعلو... وزبده يتطاير.... لابد أنه بحاجة لشيء.... دنا منه عزيز فلم يجد أمامه سوى التراب... ـ ألم يطعمك الأخضر أمس؟ ولوح البعير بعنقه الطويل يمنة ويسرة راغياً مزبداً من جديد وكأنما يحتج على سؤاله ذاته... ـ يا إلهي!! كيف يدعك بلا طعام ولا شراب؟ سأله، لكن دون أن ينتظر جواباً، أسرع إلى المستودع، فتحه، أخرج عدلاً فيه بقية من شعير، وضعه أمام البعير، ثم عاد إلى مضخة الساحة يملأ سطلاً بالماء ويسرع به إلى البعير الذي انكب عليه في الحال يعب ماءه عباً وبرمشة عين، ربما، لم تظل فيه نقطة ماء. الشعير في العدل، توجه إليه، تشممه قبل أن ينوشه بمشفريه الغليظين ثم بدأ يلتقم حبات منه لكن بغير حماسة أو إقبال... ـ ماذا!؟ ألست جائعاً؟ ونظر إليه البعير نظرة شزراء، كأنه يستهجن سؤاله...لماذا لا تأكل إذن؟ لكن البعير لا يرد، بل هو يدنو من الشعير، يتلمس حباته، يقمقم بعضها وبتردد يدخلها إلى ذلك التجويف الهائل لكن بحذر وخوف.. ـ لعلك هرم لم يبق في فمك أضراس... فكيف تطحن الشعير؟ وكأنما فهم البعير كلامه، حرك أذنيه إلى الوراء والأمام، الأعلى والأسفل، ثم لوح بذنبه إلى اليمين والشمال، ربما مشجعاً إياه على متابعة معروفه.... ـ أأنقعه لك؟ سأل البعير وهو يشير إلى الشعير... أجل... هم ينقعون لك علفك ثم يضعونه كتلاً كتلاً كالكبة للبشر.... فتزدرد واحدتها دون مشقة أو عناء... لكن كان من المستحيل على عزيز أن ينقع له شعيره ويصنع له كتل العلف تلك... ـ كل شعيرك فليس لك من خيار سواه،، قال لـه وهو يمضي إلى المستودع...فهمومه أكثر بكثير من أن يعطي وقته لبعير ومشاغله أكثر بكثير من أن يجد فراغاً لبعير.... كانت شمس في مركز الدائرة منه وكان هو كوكباً يدور في فلكها، كل مافيه ينجذب إليها، يفكر بها، يبحث عن خلاص لها لتعود فتمنحه الدفء والضياء..... في المستودع، انتظر ساعات... لم يعد عليه أن ينقد الزوجة والحبيبة فحسب... بل ثمة عواد..... ذلك الفتى الناحل الذي ذهب تحت الأرجل... ما شأنه وشأن مظاهرة النساء؟ كيف تورط في ماليس يعنيه؟ "كان عزيز يتساءل طوال الوقت.... ربما من المنطق أن تذهب شمس إلى السجن، هي التي كانت في رأس المظاهرة تهتف وتصيح، لكن ما ذنب فتى كعواد، لا ناقة لـه ولا جمل؟.. وقرر عزيز أن يخرجه بأي شكل.... مثله مثل شمس، أن يسعى من أجلهما معاً إلى أن يخلصهما من براثن الوحش.... ساعات ولم يأتِ صبري... نفد صبر عزيز... فأسرع يملأ سطل الماء من جديد، يضعه أمام البعير ثم يمضي... ناره لم تعد تحمله وعليه أن يسعى قبل أن تغيب الشمس... لكن عبثاً كان مسعاه، فقد غابت الشمس، ولم يستطع رؤية أحد. شكري بيك، نسيب بيك.. بل حتى اليوزباشي القديم ذهب ولم يعد... كانت المدينة كلها مضطربة منقلبة رأساً على عقب... الناس متجهمو الوجوه... المحال مغلقة... الحركة جامدة.... فقط الدوريات تتحرك، والجند يشرعون حرابهم استعداداً للانقضاض. ذهب عزيز هنا، ذهب هناك وكل همه أن يجد أحداً يشكو له همه... يحمل معه ذلك الهم، يسعى لإخراج شمسه من جب الأموات... لكن مع غروب الشمس تسرب إلى نفسه اليأس، مع الأذان أحس بقدميه تقودانه إلى أقرب مسجد، فركعة بين يدي إلهه قد تحمل له الراحة والاطمئنان... لحظات خشع بين يدي ربه ولحظات أحس بالراحة والاطمئنان، لكن ما إن غادر باب المسجد حتى عاوده الوسواس". شمس، عواد، يجب أن أسعى لإخراجهما..."، ... لم يقصد منزله،، ففي منزله لن يجد سوى الوحشة والألم والعذاب.. منزل صبري أقرب فأسرع إليه. سأل عن صاحبه، لكنه لم يكن قد عاد... مع ذلك دخل إلى المنزل، استقبله فريد، سقاه القهوة، وجلسا يتحدثان وينتظران.... مع أذان العشاء جاء اليوزباشي القديم: ـ تأخرت كثيراً!؟.. ـ لم يكن باستطاعتي غير ذلك.. ذهبت إلى بالا... ـ ورأيت شكري بك؟ ـ بالطبع...؟ ـ أوعدك خيراً؟ أيسعى لإخراج شمس؟ ـ لم تعد القضية قضية شمس... ـ قضية من إذن؟ سأل عزيز وقد فاجأه جواب رئيسه العتيق. ـ قضية وطن!! ـ ماذا؟ كيف؟ عاد عزيز يسأل وقد جحظت عيناه!! ـ هناك عشرات النساء في السجون...مئات السجناء السياسيين في تدمر، المنفيين في أرواد والجزيرة... المسألة كما يرى شكري بك لم تعد خاصة... بل مسألة عامة ولابد من حلها... حلاً جذرياً... ـ أجل.. هو على حق... لابد لها من حل جذري، ثنى عزيز وقد عاد يشغله الهم العام... هم ناسه ووطنه... ـ لهذا السبب... ثمة قرار خطير.... قال صبري وهو يميل عليه شبه هامس.. ـ حقاً؟ رد عزيز بالنبرة نفسها وقد داخله شعور بالفرح، ماهو؟ أخبرني... ـ إضراب عام، أجاب صبري بإشارات الشمول والتعميم من يديه كلتيهما، فسرت في أوصال عزيز رعشة لم يكن باستطاعته أن يحدد ماهيتها.. في الصباح التالي، بدت دمشق مدينة ميتة ألقت عليها الساحرة طلسمها فتجمدت الدماء في عروقها، مرت عليها بعصاها فتسمرت الدابة حيث هي، والبشر حيث هم تماثيل من حجارة لا نأمة لهم ولا حركة.... أعوان الساحرة وحدهم يذهبون ويجيئون فاغري الأفواه جاحظي العيون... الجماد من حولهم يخيفهم وتماثيل الحجارة تبث في قلوبهم الرعب... هم يتوجسون شراً من كل ما تقع عليه أبصارهم... من وراء كل حجر قد يخرج لهم الموت، من بين الأشجار قد ينبثق الخطر... أشباح تترصدهم في كل مكان تراهم ولا يرونها فماذا يفعلون؟ حركة خافتة، همسة خفية تجعل إصبع واحدهم تضغط على الزناد ويلعلع الرصاص تر... ر... ر... تر... رـر... وتضحك تماثيل الحجر من السحر الذي انقلب على صاحبه فغدت آلة الرعب ترتعش من الرعب... لحظت شمس ذلك الرعب على ملامح آلة الرعب... حاولت أن تعلم السبب لكنها لم تستطع... كان الحارس الطيب قد غاب عنها أياماً... "أتراهم عرفوا بتعاطفه معي؟ بمساعدته لي؟"... لكن ظهوره من جديد أثلج صدرها... وأوقف سيل أسئلتها.. في الهزيع الأخير من الليل، وقد علا شخير السجينات اللواتي عرفت شمس بعض أسمائهن واستطاعت أن تتواصل مع القريبات منهن، فتح الحارس الطيب عليها باب الزنزانة ثم همس: ـ إضراب عام شامل في المدينة... ـ ماذا؟ ـ منذ عشرة أيام لا سوق، لا دكاكين، لا ورشات، لا عمل... إضراب تام لم يسبق له مثيل... ـ لكن... لماذا؟ سألت وهي تريد أن تتأكد.. ـ يقولون: من أجلكن... ولن يتوقف الإضراب حتى يطلقوا سراحكن... ـ حتى يطلقوا سراحنا؟ فقط؟... ـ لا... ثمة مطالب أخرى: إعادة المنفيين، إطلاق سراح السجناء السياسيين، إعادة الجند إلى ثكناتهم.... وتوقف الحارس الطيب وهو يتلفت يمنة ويسرة وكأنما أحس بحركة قريبة... ـ إي... وماذا بعد.. أيها الصديق الطيب!؟ ـ البدء بالمفاوضات من أجل إنهاء الانتداب... ـ هذا عظيم... هذا وحده يحمل لقلبي الراحة والطمأنينة. ردت شمس بنبرة همس مزدهية... من أجل هذا خرجنا إلى الشوارع..... يجب إنهاء الانتداب.........أو ذهبت تضحيتنا هباء........ الكتلة الوطنية، حزب الشعب، المستقلون، كلهم كانوا قد اتفقوا على إنهاء مهزلة كانت قد كتبتها يدا سايكس وبيكو، وهما يشربان الويسكي ويلهوان بالشقراوات... مصر كانت حافزاً أولاً... مظاهراتها، إضراباتها، اشتباكات وطنييها مع قوات المستعمر ورجالات الإنكليز كانت قد أرغمت هؤلاء على عقد معاهدة تعترف بحرية مصر واستقلالها... بعدئذ جاء العراق وهو يضغط ويقاتل، يهدد ويتوعد، ورضخ الإنكليز من جديد، "إذن لماذا لا نفعل كما فعلوا؟ لماذا لا نضرب ولا نتظاهر؟ لماذا نرضى بغير الحرية والاستقلال بديلاً؟" كان تساؤل القادة الوطنيين ثم البحث عن جواب. وكان الجواب قرار الإضراب العام الشامل الذي شل المدينة وأوقف الدم في عروق المندوب السامي، ومن حوله من أعوان.. ـ أطلقوا سراح السجناء، ممن لا يشكّلون خطراً على فرنسا... كان الأمر الأول الذي أصدره المندوب السامي، وخرج اثره عواد في الحال. هرول الفتى الطويل الذي ازداد نحولاً في السجن إلى مستودع عزيز... هناك استقبله الجمل مرغياً مزبداً تقدح عيناه شرراً. "تتركني هكذا، لا راعٍ ولا صاحب؟".. ولم يملك عواد سوى الاعتذار. اعتذر لجمله كما اعتذر لعزيز، فالفضول وحده هو الذي دفعه للتفرج... ثم جاء السيل فجرفه مع من جرف: مشاركين ومتفرجين أبرياء ومذنبين. بعدئذٍ لم يصدق كيف امتطى بعيره وأطلق له العنان مخلفاً وراءه دمشق، بكل مافيها من مظاهرات وإضرابات... بعد خمسة عشر يوماً، كاد صواب المندوب السامي أن يطير جمع أركانه ثم هدر: ـ غير معقول... المدينة قفر يباب.... لا أثر فيها لحياة.... أين السكان يا ترى؟.. أين الناس؟ الأسئلة كثيرة لكن أحداً لم يكن يملك جواباً... غمغم هذا، تمتم ذاك، أخذوا، أعطوا، لكن لم يكن ثمة جواب... ـ لنلبِّ مطالب دمشق... اقترح أحدهم على حذر.. ـ لا... هذا خضوع، احتج جنرال كثير النجوم، كثير الأوسمة... إن خضعنا مرة خضعنا كل مرة... ـ أجل... ثنى جنرال آخر لايقل عنه أوسمة ونجوماً، أرجلنا فوق رقابهم ولن نرفعها حتى يصرخوا استغاثة واستسلاماً.. لكن المندوب السامي كانت تصله ماتقوله إذاعات العالم وصحف العالم، يصله غمز أمريكا ولمز الاتحاد السوفييتي... سخرية هتلر وهزء موسوليني " فرنسا ضعيفة، عاجزة، قاسية لا ترحم، لا تعرف حقوق الإنسان ولا حقوق الشعوب"، فاقترح هذه المرة، لكن دون حذر، بل بحماسة واندفاع... لم يملك الجنرالات إزاءها إلا أن يوافقوا.. ـ أطلقوا سراح النساء.... هكذا جاء الأمر الثاني. وفتحت الزنزانات لتخرج شمس طارفة بأجفانها منبهرة وقد بدت لعينيها شمس الحرية، لكن ما جعلها تطرف بأجفانها أكثر وتنبهر أكثر إنما هو المدينة التي كان قد حولها الغضب إلى مدينة مسحورة، كل مافيها جدران مصمتة وتماثيل من حجر....... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |