|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:27 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
ــــ 4 ــــ
كان
شباب متحمسون يرددون وهم يهزجون ويرقصون بلباسهم الفولكلوري الجميل والكل بانتظار
زعيم الشام العائد من المنفى…. عزيز، صبري، أهل الميدان، الشاغور،
كلهم زحفوا إلى القدم، جمهور غفير من سكان الشام ـ القلب، وجوهها، أعيانها،
وطنييها، سياسييها، كلهم جاؤوا منذ الظهيرة إلى الضاحية الجنوبية لدمشق، حيث تقول
الأسطورة إن محمد بن عبد الله، وهو مايزال شاباً يحمل تجارة خديجة إلى بلاد الشام،
أناخ جمله ثم أرسل بتجارته إلى المدينة، دون أن يذهب بنفسه. لماذا؟ لا أحد يدري،
فالرسول لم تطأ قدمه دمشق بل وطأت صخرة في ذلك المكان من طرفها الجنوبي فارتسمت
بأصابعها الخمس، بأخمصها، بكعبها على الصخرة، وظلت ماثلة هناك إلى أن قامت ضاحية
سكنية سميت بالقدم… تبركاً بقدم الرسول.. ثمة
دفوف تدق ومزامير تعزف وسيوف تلعب…. والشبان ذوو السراويل السوداء
بإلياتها المترهلة الواسعة كثيرة الطيات يقفزون بها عالياً يلوحون بها ذات اليمين
وذات الشمال، طاقياتهم البيضاء، قمصانهم المخططة كحمر الوحش، كوفياتهم المرمية على
الكتف، أو المعقودة على الرقاب، كل ذلك لوحة رسمها فنان مبدع لا يملك معها عزيز
إلا أن ينتشي فرحاً وسروراً… إشاعة
سرت سريان النار في الهشيم منذ الصباح الباكر… صاحب دكان ينقلها لصاحب دكان آخر،
عابر سبيل يوشوش بها لعابر سبيل آخر… ربة بيت تهمس بها لجارتها "عبد الرحمن الشهبندر.. عائد من مصر
اليوم… الزعيم في طريقه إلى دمشق الآن… الدكتور في عمان وسيصل بعد الظهر… الخ".. ودون أن ينظم أحد شيئاً أو يقوم حزب بدعوة الناس، أو
جند بسوق الرعية… راح الناس يتقاطرون فرادى وجماعات إلى
القدم ينتظرون قدوم الزعيم المحبوب الذي كان ذات يوم وزيراً للخارجية دافع عن استقلال البلاد بنواجذه، قاتل من أجل حريتها، وكافح مستعمريها
دبلوماسياً لا يشق له غبار وثائراً لا يشق له غبار.. كان
عزيز قد التقى به وزيراً للخارجية يوم كان فيصل ملكاً على البلاد وكان قد رآه
خطيباً مفوهاً يلهب الجماهير حماسة واندفاعاً، لكن حبه له وتعلقه به ترسخا حتى
فاقا كل حد، يوم جمعتهما ثورة الغوطة والجبل…. في بساتين الغوطة وبين أشجارها، عرف
عزيز كم كان الدكتور الإنسان ثورياً صلباً ومقاتلاً عنيداً لا يعرف الخوف أو
التخاذل. ثمانية عشر شهراً ظلا مع الثوار يقاتلون الفرنساوي، يكرون ويفرون،
يهزمونه وينهزمون أمامه إلى أن قرر جنرالاته بكل وحشية وقسوة أن يدمروا كل قرية تخرج منها رصاصة، أن يحرقوا
كل بستان يؤوي ثائراً فتحول أخضر الغوطة إلى يابس وعامر قراها إلى خراب… حينذاك
انسحب سلطان باشا الأطرش برجاله إلى بادية الأردن فوادي السرحان في جزيرة العرب… ومضى عبدالرحمن الشهبندر إلى مصر، وهو يعلم أنها قلب العروبة
الحي، وملاذ كل طالب لملاذ… عشر
سنوات كانت قد مرت عليه هناك، يدبج المقالات، يكتب الكتب، يخطب الخطب ولا هم له
فيها كلها إلا حرية بلاده واستقلال وطنه، فكيف لا تزحف الجماهير لاستقباله
اليوم؟.. فجأة
ران سكون… الدفوف تجمدت عليها أصابع الدقاقين، المزامير خرست تحت أنامل
العازفين فاشرأبت الأعناق…. عنق عزيز نفسه اشرأب باتجاه الطريق القادم من الجنوب حيث جاء لأول
مرة هدير سيارات عالية مكشوفة…"، وصل الموكب!!"… تعالت الأصوات من الأفواه ذات الأعناق المشرئبة وطافت ابتسامات الفرح بشفاهها… ابتسامة
عزيز كانت ترفرف بجناحين من فخار…. "حقاً الكبير يظل كبيراً….، كالجبل مهما حتته عوامل الزمن يظل جبلاً". على بعد عشرين
أو ثلاثين ذراعاً توقف الموكب… من السيارة الأولى نزل عبد
الرحمن.."إيه!! الشيب يخط فوديك وشاربيك أيها الزعيم!!!"… خاطبه عزيز دون كلام، فقد كانت صفوف من البشر تفصل بينه وبين
الزعيم… وكانت همسات ووشوشات تتواثب هنا وهناك مختلطة مشوشة فلا يصل منها
شيء إلى سمع الزعيم المشغول بشيء آخر… إذ ما إن وطئت قدماه الأرض حتى ركع
على ركبتيه، في شفتيه ارتعاشة وفي عينيه دموع…. سجد على التراب، يبارك جبينه به،
يتشمم أريجه، يتلمس ذراته لتختلط دموع حرى ذرفتها عيناه بذلك التراب… مرتين ثلاثاً أعاد الزعيم السجود مقبلاً التراب، لاثماً الحصى
فيما نزل من معه يحاكيه في مايفعل…. بعدئذٍ نهض فاتحاً يديه رافعاً وجهه
إلى السماء، هاتفاً: ـ
حمداً لك يارب، أن أريتني تراب وطني!! الفضل والشكر لك يا الله أن أعدتني إلى
أهلي!!… بعد ذلك طغت أصوات هادرة من أنساق من البشر راحت تتقدم باتجاه
الزعيم وهي تنشد:
"أهي النغمة نفسها؟ الأبيات ذاتها
التي استقبل بها أنصار المدينة ذات يوم موغل في التاريخ موكباً آخر؟ أجل عزيز سمع
من حكايات التاريخ عن ذلك الموكب الذي كان يحمل رجلاً عظيماً صنع التاريخ، رجلاً
حمل رسالة مقدسة وقاتل من أجلها………… مضحياً بالغالي والرخيص، قائلاً لعمه:
"والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما
تركته!!؟" وتساءل عزيز من جديد: "أهي رسالة العزة والمجد نفسها، رسالة
الحضارة والرقي، العلم والنور… أتراه يعيد التاريخ نفسه؟"..
عزيز ممتلئ حماسة، يحاول الوصول إلى الزعيم، عله يلمسه، يقبله، يهنئه بالسلامة،
إلا أن الزحام يمنعه…. مئات... آلاف الناس يريدون الوصول
مثله، والزعيم يصافح هذا، يسلم على ذاك، يقبل ذلك، والحلقة تضيق حوله والصفوف
يختلط حابلها بنابلها…. لكن على حين غرة أيضاً، وكأنما
بإيعاز من عصا ساحر، عادت الدفوف تدق والمزامير تعزف، فيما تشكلت من جديد فرقة
الفلولكلور الشعبي، تلوح بالسيوف فينزاح الناس يميناً وشمالاً، وينفتح الطريق أمام
الزعيم وصحبه يسيرون نحو دمشق. وأصوات الفرقة تتعالى مغنية من جديد:
عزيز
ردد… صبري إلى جانبه ردد…. وجوه الميدان، الزعماء في المقدمة… الكل يصفقون بأيديهم
إيقاع النغمة الساحرة ليعود مرة ثانية قائد الجوقة يهدر بصوته مغنياً:
وبصوت
هادر يشق عنان السماء، راحت الحشود تردد:
بخطى
واسعة متعجلة، ربما مدفوعة بالإيقاع الحماسي والنغمة اللاهبة سار الموكب إلى دمشق…. عزيز يمسك بيد صبري وصبري يمسك بيد الحواط، ربما كي يشكلوا صفاً
متماسكاً لا يخترقه أحد. الموكب كله صار صفوفاً متماسكة يشد بعضها بعضاً كالبنيان
المرصوص…. الزعيم في المقدمة تحيط به هالة من قادة الكتلة الوطنية، حزب
الشعب الذي أسسه ذات يوم وصفوة طبقات المدينة… خطى الزعيم متعجلة واسعة، كأنما تدفعه
اللهفة للوصول إلى المدينة، يلقي بنفسه بين أحضانها، عاشقاً يلتقي بمعشوقته بعد أن
أضناه الهجر والبعاد….. الطريق
مفتوح، لا جند، لا مصفحات، لا درك، لا سنغال…."أين ذهب الفرنساوي؟"… تساءل صبري وهو يلتفت ذات اليمين وذات الشمال…. لم يكن هناك أثر لجندي أو مستعمر. "أتراهم آثروا الغياب؟
أتراهم يخشون صداماً؟ أم تعلموا الدرس جيداً منذ ذلك الإضراب؟.." يتساءل وهو
يستعيد في ذاكرته صورة الفرنسيين الذين كانوا يتخبطون كالمجانين وهم يرون إلى دمشق
تتحول أيام الإضراب العام إلى مدينة مسحورة ماتت فيها كل حياة… جندهم في أسواقها لكن أسواقها مغلقة مصمتة لا باب فيها ولا نافذة،
مصفحاتهم في ساحاتها لكن ساحاتها خاوية على عروشها كأنها لم تعرف يوماّ حشوداً ولا
زحاماً، خيالتهم في أزقتها لكن أزقتها خواء وفراغ، فماذا يفعلون؟ أيقاتلون
الحجارة؟ أيسوطون الأرصفة؟.. ستين يوماً ظلت المدينة مسحورة، مدينة من تماثيل
وحجارة تتمزق لها الأفئدة وتبكي العيون… عيون الصحافة في أوربا بكت، أصوات
الإذاعات لعلعت، الولاويل من هنا وهناك في العالم كله تعالت عاصفة هادرة احتجاجاً
على حال دمشق، مدينة بولس الرسول، مدينة القدم والتاريخ… فلم تر باريس بداً من أن تنحني أمام
العاصفة.. وصدر
الأمر الثالث "ليأتِ وفد إلى باريس". في باريس، المفاوضات استمرت أشهراً….كانت مطالب الوفد فيها صريحة حاسمة: لا نرضى بغير إنهاء الانتداب….. نريد الحرية والاستقلال…. لكن كان من الصعب على الجنرالات
التخلي عن حلمهم التاريخي… القديم قدم الصليبيين: "السيطرة
على بلاد الشام" فكيف يتخلون عن حلمهم؟ راح
الجنرالات يلفون ويدورون، يهددون ويتوعدون لكن باريس تدعي الحضارة، والحضارة عقل
ومنطق… ووقعت باريس أول معاهدة تعترف فيها بحق سورية في الحرية
والاستقلال… المكاسب
التي نتجت عن ذلك الاعتراف: إعادة
الوحدة بين أشلاء البلاد الممزقة، إلغاء الحكم العسكري المباشر، إعادة دفة الحكم
لرجالات البلاد…. السماح للمنفيين بالعودة إلى الوطن،
والدكتور الشهبندر منفي، فكيف لا يعود؟
كانت
الأغنية تتردد وقد وصل الحشد أطراف الميدان، هناك كانت حشود أخرى قد اجتمعت لتنطلق
حناجرها كلها معاً..
فيما
انطلقت الزغاريد من الشرفات وقد غصت بنساء يذرفن دموع الفرح ويزغردن زغردات النصر… كانت دمشق قد خرجت كلها لاستقبال بطل من أبطالها غاب عشر سنوات
عنها، لكنه لم يغب لحظة واحدة عن ساحات النضال من أجلها. كانت دمشق برجالها
ونسائها وأطفالها تعيش عرساً للفرح وعيداً للنصر ربما لم تعشه مذ دخلتها طلائع جيش
التحرير العربي تخلصها من براثن استعمار عثماني بغيض… شمس نفسها كانت بين النساء المزغردات،
آمنة زوجة صبري، أولاد هذه، أولاد تلك، فالكل كانوا يريدون رؤية الزعيم… لكن حين وصل الزعيم، كانت المآذن كلها تدوي بنداء قديم قديم
"حي على الصلاة"، وكان الخيط الأبيض قد اختلط بالخيط الأسود فلم تستطع
عينا شمس تمييز وجه الزعيم ولا رؤية عزيز.. سار
الموكب بالزعيم حتى منزله، رافق
عزيز الموكب وكل ما يشغله أن يسلم على صاحبه، أن يأخذه بالأحضان، أن يقبله على وجنتيه، لكن فأله خاب،
فالزحام الشديد، لم يسمح له بأي اقتراب أكثر من خمس أذرع وحين عاد إلى المنزل كان
يشوب فرحه أثر من حزن… ـ
لا تحزن يا عزيزي….قالت شمس ضاحكة، وقد شكا لها سبب حزنه،
تراه غداً أو بعد غد… لكن بعد أيام فقط استطاع صبري وعزيز
أن يريا الدكتور العائد من المنفى. كان ذلك مساء وكانت داره العربية تنم عن أصله
الطيب ورقة حال أهله… لكنها ككل دار عربية كانت تحوي فسقية
الماء، ولم يكن ثمة أعذب من الجلوس حول فسقية ونيسان ينسرب بدفئه في عروق الشجر
والورد، الطبيعة والناس… كان اللقاء حميماً، أخذهما الدكتور
سريع البديهة، حسن الذاكرة بالأحضان. -أوه!!
يوزباشي صبري!! شاويش عزيزا! ما أسعدني برؤيتكما!! بتلك الطيبة المتأصلة في نفسه
استقبلهما، بتلك الحميمية شدهما إلى صدره، رفيقين من رفاق الثورة… ثمة زوار آخرون جلسوا جميعاً حول الفسقية تداعبهم أنسام الربيع،
يناغشهم رذاذ الماء ويدغدغ أبصارهم ضياء القمر!! "إيه!! يا للأمسية
الساحرة!!" كان لا يفتأ عزيز يبدي إعجابه، يعبر عن فرحه وهو يصغي للزعيم
الواثق من نفسه، المتحمس لأفكاره والمليء بالحكمة حتى الحافتين…
ردد
الزعيم بحماسته وفصاحته قول شاعر لم يكن عزيز قد سمع به من قبل.. اسمه الشابي.. من
تونس.. مات قبل بضع سنوات، لكنه عرف قيمة الشعب وغنى للشعب وآمن بالشعب فلم لا
نؤمن به مثله؟ يبتهج عزيز كل الابتهاج وهو يسمع ذلك التغني بالشعب.. "حقاً..
الشعب هو صانع الحياة، هو صاحب القوة الحقيقية، هو الخلود المتجدد الذي لا يفنى،
ولا يزول". لكن الدكتور لم يترك له المجال للشرود أكثر.. كانت الحكمة تفيض من
شفتيه درراً تخلب الألباب ولم يكن باستطاعة عزيز إلا أن يصغي. -المجد
الشرقي التليد هو مثل النسب الشريف الذي يتغنى به العظاميون لا يجلب لأصحابه منفعة
ولا يدفع عنهم ضراً مالم يتعهدوه بأسباب الحياة ويغذوه بالعناصر التي تنميه وتبعث
فيه روح الارتقاء من جديد… -لكن
ذلك المجد التليد سيدي، رد اليوزباشي العتيق، هو الأساس الذي ننطلق منه لبناء مجد
طارف جديد. -شريطة
أن ننطلق، تابع الزعيم فرحاً بتدخل اليوزباشي، أما أن نتغنى فقط، أن نقلد، أن نظل
في مكاننا، وكأننا خلقنا للتقليد والتغني فقط، فهذه هي الكارثة.. وللأسف، نحن لا
نعرف غير التقليد.. التقليد يظهر في عوائدنا، في زراعتنا، في صناعتنا، في تجارتنا،
في كل شيء. أأذكر لكم قصة رواها لي أحد الأجانب؟ وتعالت
الأصوات من كل جانب: نعم.. نعم.. -قال
لي ذلك الأجنبي وهو يضرب لي مثلاً عن التقليد في المشرق.. إنه رأى بعينه أحد
الفلاحين يحمل البطيخ على دابته فيضعه في أحد جانبي الشريجة ويضع في الجانب الآخر
حجراً للموازنة، وحين قال له: أن يقسم البطيخ إلى قسمين ويضعهما في الجانبين بدلاً
من حمل الحجر لأنه يتعب الدابة بلا فائدة، شكره على نصيحته، لكنه لم يعمل بها، لأن
التقليد احتوى عليه فصده عن الطاعة، والجهالة استحوذت عليه فصرفته عن الرشد، فحين
مر في اليوم الثاني كان قد عاود سيرته الأولى وإذ سأله الأجنبي لماذا لم تعمل
بالنصيحة؟ قال "هيك عاش أبي وجدي". ضحك
الحضور، لكن ضحك المرارة، فالكل يعلم ما في العادات المتوارثة من قصور وغباء،
ضحالة وجهالة كما يعلم ما في التقاليد البالية من أذى وضرر ولكن من يستطيع
تغييرها؟. الدكتور
يريد تغييرها، يشن هجوماً صاعقاً على كل بالٍ عتيق، على كل حاجز يعيق تقدم الأمة
وحضارتها، وكيف؟ بالشباب. -الشباب
هو سر الأمة والجعبة التي تحوي الميراث من الآباء والأجداد، يتابع الزعيم حديثه
الشيق، وهذه الجعبة هي أمانة في أعناقنا، ورأس مال لنا تظهر ميزاتنا به وتتجلى
مواهبنا على قدر ما نحسن استخدامه والتصرف فيه. كلام
جميل كان يقوله الشهبندر، ولا يملك عزيز إلا أن يتابعه مفتوناً بأفكاره، مفتوناً
بحماسته.. "مثل هذا الرجل هو الجدير، بقيادة البلاد، القادر على إيصال
سفينتها إلى بر الأمان..". وانقطعت سلسلة أفكاره على الشهبندر وهو يرد على
أحد الأسئلة. -أقول
لك: لماذا الشباب؟ لأن تقدم البلاد وتقدم الشعوب سياسياً وعلمياً وأدبياً إنما
يحتاج إلى شجاعة واندفاع وتضحية قلما تكون في غير الشباب، لا شك أن نظرات الكهول
والشيوخ الصائبة وآراءهم الناضجة لها في نجاح الأعمال العامة تأثير أي تأثير، لكن
الأعمال الوطنية الكبيرة لا تقوم على غير سواعد الشباب لأن التضحية من مستلزمات
هذه الأعمال والتضحية لا يقوم بها إلا الشباب… صفق
الحضور استحساناً وكل كهل فيهم يتمنى أن يعود إلى الشباب لكن الدكتور المتحمس
للفكرة تابع: -أتعلمون
من صنع الوحدة الألمانية؟ إنهم الشباب، الطلاب الذين ألفوا فيما بينهم اتحاداً ضم
جميع الطلاب في الجامعات الألمانية أطلقوا عليه اسم "بورشن شافت"، وكان
الأساس العملي والروحي الذي قامت عليه الوحدة الألمانية والثقافة الجرمانية فيما
بعد… بعد
ذاك تحدث الزعيم العائد من مصر عن حياته في مصر، عن اتصالاته، علاقاته، كتاباته في
مجلتي الهلال والمقتطف إلى أن سأله أحدهم عن المعاهدة الأخيرة مع الفرنسيين. -لا
يغرنكم حبر على ورق، رد وزير الخارجية العتيق، الاستعمار لا يعترف بمعاهدة ولا
يحترم اتفاقاً إلا إذا كان مرغماً إرغاماً أو يخدم مصلحته. -لماذا
وقعوها إذن؟ عاد الرجل يسأل: -هم
خائفون.. هتلر الآن في أوربا قوة صاعدة كالشهاب لا يعلم أحد أين يصل… هو يبني قوة عسكرية هائلة، ينادي بألمانيا فوق الجميع، وهل تدرون
ما معنى "ألمانيا فوق الجميع؟". لم
يجب أحد وكأنما أرادوا أن يشرح لهم فشرح: هذا يعني هيمنة ألمانيا على أوربا كلها
وربما على العالم.. هتلر يتوسع، في العام الماضي فرش جناحه على النمسا، اليوم على
تشيكوسلوفاكيا. إنه يتوسع. يلتهم ما حوله لقمة لقمة فما تراها لقمته القادمة؟. -هو
الخوف إذن!! قال صبري شبه مغمغم، لكن الوزير السابق الراسخ القدمين في السياسة،
أحابيلها وكواليسها، استأنف: -لاشك
أن لإضراب الستين يوماً وصلابة شعبنا وتماسكه دوراً هاماً في فرض المعاهدة، لكن
وراء هذا كله الخطر الداهم الذي يمثله هتلر في ألمانيا، موسوليني في إيطاليا
والمستقبل الغامض الذي ينتظر أوربا ويجبر الفرنسيين على كسب ود الشعوب المستعمرة
حتى إذا ما قامت الحرب لم ينقلب هؤلاء عليهم أو يتحالفوا مع أعدائهم. -إذن،
علينا أن نستفيد من الفرصة الآن فنشدد عليهم النكير علنا نبلغ الاستقلال، تدخل
عزيز وقد بلغت الحماسة منه أشدها. -هذا
ما ينبغي أن نبحث فيه مستقبلاً، لكن دون أن ننسى أبداً أن الاستعمار ذئب نهاش غادر
لا يفوت فرصة للنهش إلا واستغلها.. بحراً
من المعرفة كان الرجل، محيطاً واسعاً من الفهم والثقافة، أنى نقرته يرن….. وكان عزيز متعطشاً للمعرفة والثقافة فنهل منها إلى درجة ظل
أياماً يفكر "لماذا نهمل شيئاً كالثقافة!؟ الثقافة هي الأداة التي تصقل عقل
الإنسان، فلماذا نغفل تلك الأداة؟" "أنت رجل سيف، لا رجل قلم" رد
في داخله لسان آخر كان عزيز يعلم أن الحياة الطويلة التي عاشها للكفاح والصراع،
للضرب والحرب لم تتح له أن يتفرغ يوماً لقراءة أو كتابة، فكيف يجد المرء ثقافته
دون قراءة أو كتاب؟ حياة القرية، الجيش العربي، الخدمة العسكرية في حماة. العمل في
الثورة، الهرب من المستعمر والتخفي بعيداً عن مطال يده، كل ذلك لم يدع لعزيز فرصة
يقرأ فيها أو يتثقف.. عمله في التجارة كان يعيقه عن ذلك، إذ كيف يمكن لتاجر يمضي
حياته في الحل والترحال أن يجد فراغاً لقراءة أو ثقافة؟ بل حتى عملياته السرية مع
البطحيش كانت تشكل عائقاً… شهراً أو شهرين يظل يفكر، يستقصي،
يخطط لمثل تلك العملية، وبعد التنفيذ يظل أيضاً شهراً أو شهرين متهرباً من
عواقبها. آخر
مرة كاد ينشكف أمره.. خطط مع البطحيش للعملية، كمنا لدورية الجندرمة قرب شلالات
مزيريب، وحين وجدا أن الدورية دركيان لا ثلاثة استبشرا خيراً، فقد سدد كل منهما
بندقيته على دركي ثم أطلقا النار وهوى الدركيان صريعين لكن سرعان ما نبق ثلاثة
آخرون من وراء التلة، …رأوا
مصدر النار فترجلوا عن جيادهم لتبدأ معركة لم ينقذهما منها إلا الوادي العميق الذي
رميا نفسيهما فيه تخفيهما شجيرات الأحراج وظلمة الليل." رغم كل شيء يجب أن
أقرأ، الثقافة أرقى حاجات الإنسان". وأسرع إلى الأخضر… ابنه يحب القراءة، يأتي بالكتب، إذن، لم لا يفيد منه؟. -أي
خبر سعيد هذا يا أبي؟ أنت تريد كتاباً؟ -أجل..
في المحل التجاري يعذبني الفراغ أحياناً فلم لا أملأه قراءة؟ رد
الأب على الابن وهو يتفحص معه كتب مكتبته الصغيرة التي بناها لبنة لبنة… -العقد
الفريد.. ما رأيك تقرأه؟ -أقرأه،
أجاب الوالد وهو يأخذ الكتاب الكبير المجلد تجليداً مذهباً جميلاً.. -ماذا؟
تقرأ؟ سألته شمس باندهاش شديد وهي تراه يدخل بالكتاب المجلد المذهب إلى غرفة
النوم، فعهدها به لا يدخل إلى غرفتهما سوى جريدة يقرأ فيها أخبار السياسة أو مجلة
يتابع فيها طرفة أو نادرة. -تعلمين؟
مع الشهبندر تشعرين أنك بأمس الحاجة للمعرفة والثقافة… -بارك
الله بالشهبندر، دافعاً يدفعنا للمعرفة والثقافة. -تريدين
الحقيقة؟ بودي أن أراه كل يوم… -ونحن
لا نراه أبداً!؟ كأنما حرام علينا أن ننهل من ينبوع معرفته.. -ولماذا
لا ترينه؟ -كيف؟
أين؟ والرجال يملؤون وقته كله؟ -اسمعي..
منذ ثلاثة أيام بدأ يذهب إلى النوادي، يحاضر في الجمعيات، لماذا لا تدعوه رابطتكم
النسائية؟ -رابطتنا
النسائية.. أجل، هو ذا المخرج.. قالت شمس فرحة وقد أمسكت برأس الخيط.. في
اليوم التالي ذهبت إلى الرابطة، رأت عايدة الجزائري، نازك العابد، وعدداً من
قيادات الرابطة، طرحت الأمر عليهن، ناقشنه بسرعة وبسرعة اتخذن القرار. نازك
كلفت بمهمة الدعوة، فثمة صلة قرابة ومعرفة وثيقة، وأفلحت نازك في تحديد موعد. لكن
حظ شمس خذلها هذه المرة، فقبل الموعد بثلاثة أيام فقط جاء نواف من القرية… كانت قد مضت عليه أشهر لم يأت إلى دمشق وكانت مشوقة له حتى الموت…. هذا الابن المتوسط القامة المتين البنية الجميل المحيا يسحرها..
هو صورة طبق الأصل عن أبيها نواف!! مذ صار الصبي يافعاً بدا أنه يكره الجدران،
يبغض الأزقة والشوارع، يحب الفلاة والبرية… "أنت بري"، صارت تقول له
كلما اقترح عليها أن يذهب إلى البرية والمضارب. "خير من أن أكون
مدجّناً" يجيبها مازحاً. ولكي لا يكون مدجناً، عافت نفسه المدينة والمدرسة
فبدأ يغادرها إلى القرية حيناً وإلى المضارب حيناً آخر… عند جده، علي المر، فينة وعنده جده
الشيخ نواف فينة أخرى… وامسكي به يا شمس إن كنت كانت
كل مرة ترسل له الأخبار، الرسل، لكنه يأبى أن يأتي… وإن جاء فلكي يظل أياماً ويعود.. لكنه
هذه المرة جاء دون أن ترسل له أحداً. -خير؟
سألته أمه باستغراب. -افرشي
لي بيت العنكبوت لأحط رأسي وأموت، رد نواف وهو يتظاهر بالضعف والضنى. -بعيد
الشر يابني… اطلب وتمنَّ.. بودك بنت الوزير؟ بنت
القاضي؟.. بنت السلطان؟. تابعت مازحة وقد تذكرت الحكاية القديمة التي طالما روتها
لها جدتها عن الشاطر حسن الذي يضنيه العشق فيأتي طالباً من أهله أن يخطبوا له
البنت التي وقع في هواها. -بل
بنت عمي.. قال نواف الذي نفض عنه فجأة غبار الصمت وشد بذراعه كتف أمه التي لا تحب
منه أكثر من حركته تلك.. لم
تفاجأ شمس، ربما كانت، هناك في أعماق اللاوعي، تتوقع مثل ذلك.. مقدمات نواف كلها
توصل إلى تلك النتيجة… -دملجة؟
سألته وهي مازالت تتفرس في وجهه… لم
يجب، لكنه أومأ برأسه إيجاباً.. آخر مرة زارت فيها القرية مع أبيه رأت دملجة تحوم
حول نواف، بل رأت بنات القرية كلهن يحمن حوله… لكنها أحست بحدس الأنثى أن المغناطيس
الذي يشد نوافاً إلى دملجة أشد قوة وتأثيراً.. سألت عن ابنها.. في القرية، في
المضارب، فسرها أن يكون الجواب "نواف قبلة أنظار البنات.. حلم العذارى
كلهن". "ولم لا يكون كذلك؟" تساءلت حينذاك وهو الفتى الجميل، القوي
الشجاع، ابن الحسب والنسب، وما عساها تريد الفتاة غير فتى مثله؟ بمن تحلم ان لم
تحلم بنواف؟". شمس تعلم أن الفتاة تدخل سن النضج ونصب عينيها هدف واحد: تأمين
الزوج، فلماذا لا تسعى دملجة وغير دملجة لأن يكون زوجها نواف؟. -وأنت؟
تحبها؟ سألته من جديد، لكن هذه المرة بلهجتها البدوية التي تعود إليها من حين لآخر
وفي أشد لحظاتها الحميمية… بشيء
من حمرة في الخدين، وإطراقة في العينين، راح نواف يهز رأسه إلى الأعلى و الأسفل،
تبسمت الأم لكن بمسحة من مرارة. لم تسأله إن كانت هي تحبه، فحين رأتهما معاً أحست
بأن دملجة لا تحبه وحسب، بل تراهن عليه بعمرها كله، ترمي بكل ما في جعبتها من سهام
الأنوثة والجاذبية لتصرعه أرضاً.. لكن حينذاك لم يكن قد صرع أرضاً، ففي المضارب
كان ثمة زهور، ابنة أخيها سلطان، وكانت هي الأخرى ترمي بشباكها لنواف.. كلتاهما
جميلة وكلتاهما تستحق أن يحبها نواف ونواف حائر متردد: أيأخذ ابنة الخال، ابنة
البادية والخيام والترحال؟ أم ابنة العم: بنت القرية والاستقرار؟ لم يكن الصراع قد
حسم بعد… إذ
ذاك تمنت شمس في سرها أن تنتصر ابنة الخال… لا تدري لماذا؟ لكنها تمنته.. أهي
العصبية؟ أهي الجذور التي تضرب راسخة في أعماق تربتها؟ أهي الرغبة في تعويض خسارة
أنزلتها يوماً بالقبيلة؟ لا تستطيع شمس الجواب، لكنها شجعت ابنها من طرف خفي أن
يحسم الصراع لصالح البدوية الصافية كماء الغدير، الحرة كالطيور الجوارح في ذرى
الجبال، لكن هاهو ذا يحسمه لصالح ابنة العم… ولا تملك إلا أن تخالط ابتسامتها مرارة
راحت تقطر من الشفتين… شمس
لا تنسى أبداً أن دملجة هي ابنة عليا… وعليا، مذ وقعت عليها عينها أول مرة،
قرع في داخلها جرس إنذار.. في زياراتها لبيت عزيز، وهي فارس ملثم، في لقاءاتهما
على بيدر، في حقل، على طريق، كانت كل منهما تحدج الأخرى بنظرات الريبة والحذر.. بعدئذ
تطورت الريبة إلى نفور والحذر إلى كراهية ثم إلى تهجمات واتهامات حين عرفت عليا
حقيقة الفارس الملثم. كانت عليا قد رأت فيها منافستها بل ضرتها. وكان من الطبيعي
أن تحمل لها الحقد والكراهية وهاهي ذي الأيام تدور ليقع ابنها في حب ابنتها… ويعيد الحب شبك ما مزقته الكراهية وجمع ما كان قد افترق منذ تلك
الأيام.." "يا
لسخرية الأقدار!!" وتنهدت شمس تنهدة طويلة أثارت للتو خوف نواف.. -ماذا..
أمي؟ أنت غير راضية؟ لا توافقين؟ -ليس
المهم أن أرضى أنا وأوافق.. المهم أنت؟ أتحبها؟ تحبك؟ -حب
العبادة.. أجاب هذه المرة بحماسة واندفاع قاطعاً عليها الطريق.. منذ أن بدأت
الذهاب إلى القرية، كنت أشعر أن دملجة تهتم بي، تظل قربي، ترعاني.. وكنت أنا أفرح
برعايتها، أسر بقربها.. حتى جاء هذا الشتاء وبتنا لا نستطيع افتراقاً… "أجل..
هو ذا الحب الذي يربط بين قلبين فلا يستطيعان بعده افتراقاً" شردت شمس مع
أفكارها فيما كان نواف يتابع حديثه عن دملجة، ابنة العم التي اكتشف منذ أشهر فقط
أنه يحبها حب العشق وأنها تحبه حب العبادة… شمس تستعيد إلى ذاكرتها لحظة اكتشاف
أخرى "عزيز يكشف عن وجهها اللثام وهما بجانب قناة الماء… هي لا تزال ترى بعين مخيلتها عينيه الجاحظتين وفمه الفاغر دهشة،
تسمع بأذنها صيحته التي لا تزال تتردد عبر الزمان "الفارس الملثم بنت؟".
بعدئذ اكتشفت أن الصداقة التي كانت تربط بينهما كشاب من أم العيون وفارس ملثم من
البادية إنما كانت تخفي حباً كامناً في الأعماق يضحك عليهما معاً وهو يمهد لهما
الطريق وييسر الأسباب إلى أن تأتي اللحظة المناسبة فيقول لهما "كفاكما
تمثيلاً، أنتما ذكر وأنثى لا يجمع بينكما سوى الحب". نواف
الآن يعترف أنه يحبها، وهي تحبه، فهل تستطيع الا أن توافق؟.. هي شمس التي تدين
بدين الحب مذ عرفت الأنوثة، شمس التي تخلت عن كل شيء من أجل الحب.. لا.. حيث يكون
الحب، تكون شمس "أدين بدين الحب حيث توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني"
حسمت شمس أمرها وهي تنظر إلى ابنها العاشق من جديد، وقد سكت، شاعراً، ربما، بأنها
ساهمة عنه لا تسمعه.. -وعدتها
بشيء؟ سألته بلهجتها البدوية نفسها، علامة الحميمية والقرب.. -إي..
أمي.. قلت لها أروح للشام أجلب أهلي.. رد نواف باللهجة نفسها.. -ولإيش
العجلة يا وليدي؟ -ابن
الحمود يريد يخطبها إن تأخرت.. "آه..
القصة نفسها دائماً، لكأن التاريخ لا يملك إلا أن يعيد نفسه". وتبسمت من جديد
لذكريات بدأت تنسرب إلى ذهنها طافية إلى السطح بعد طول هجوع.. معجون ابن عمها يضغط
عليها، على أهلها، على أخيها سلطان، يريد أن يستغل الفرقة، عزيز غائب لا يعرف له
أحد مكاناً، لم يبعث خبراً، إذن لم لا يُقدم؟ لم لا يطلب يد شمس؟ سلطان مع ابن
عمه، وعده بتقديم يد العون له ويوشك أن يرغم أخته على الزواج منه، لكن شمساً وضعت
شرطاً: "أتزوجه شريطة أن نتبارز بالسيف، إن غلبني قبلت به". وذات فجر
راحت الروابي تردد صوت براز، حمحمة خيل وصليل سيوف، ورجل قاتم البشرة قبيح الوجه
يرتعد مذعوراً أمام ضربات سيفها وهي توشك أن تلقيه أرضاً.. -هه..
ايش قلت أمي؟ عاد نواف يقطع عليها شرودها فلم تملك إلا أن تبتسم: -زين،
أنا أكلم والدك.. -الليلة!!
وغداً نسافر!! -غداً..
لا أظن ذلك صعب.. سيد نواف، قالت أخيراً وهي تربت كتفه ثم تنهض فقد كان الباب
الخارجي يقرع… وكانت
جارتها أم روضة -أين
أنت يا أختي؟ أي والله والله… مشتاقة لك من صميم قلبي، بادرتها أم
روضة وهما تدخلان غرفة الاستقبال التي فرشتها شمس على الطريقة الشامية، أرائك
ومقاعد وثيرة وستائر تنسدل حتى الأرض مانعة كل أثر للشمس.. "إن كنت في قوم
فاشرب في إنائهم"، وشمس في قوم نساؤهم لا يسمحن للشمس أن ترى وجوههن… فلم
لا تفعل مثلهن؟ -القلوب
عند بعضها أختي أم روضة، ردت شمس على الجارة التي باتت منذ سنة وأكثر تتودد لها
تودداً غير عادي.. "لماذا؟" سألت نفسها مذ لحظت ذلك التودد: هي تذكر
دائماً قوله سبحانه "وجعلنا لكل شيء سبباً". إذن، لابد أن وراء ذلك
التودد سبباً، ففي دمشق، مدينة الياسمين والفل، لا يفسحون مجالاً كبيراً للعواطف
والأحاسيس، كل شيء لديهم بحساب، وكل علاقة لغاية.. في دمشق، المدينة الجميلة التي
تحبها شمس، تصول المصلحة وتجول، وحدها المنفعة سيدة الموقف، وحدها تحدد العلاقات
والروابط وانطلاقاً منها تبنى جسور وتهدم جسور" ترى، ما الجسر الذي تريد
إقامته أم روضة؟" بعد زيارتين أو ثلاث فقط استطاعت شمس أن تجد الجواب: كانت
الجارة أماً لخمس بنات، صغراهن في الثانية عشرة، وشمس أماُ لثلاثة شبان، أصغرهم في
الخامسة عشرة، فكيف لا تبحث لدى شمس عن الود والحب؟ في القرية، الفتاة تبحث عن
عريسها كما في المضارب تماماً: الحياة حرة مفتوحة، الفتيان يرون الفتيات، يلتقون
على طريق الورد، في حقول الشغل، مشاعب الحطب، يفرحون معاً يحزنون معاً، يداً بيد
وكتفاً بكتف يدبكون معاً، لكن أين يلتقي فتيان الميدان بفتياتها؟ هنا أيديهن
مغلولة، حركتهن محظورة، الحجاب ضرب عليهن، الأبواب مقفلة في وجوهههن، الحرملك لا
يلتقي بالسلملك إلا في الحلال.. لكن كيف يجيء -سمعت
الأخبار؟ بدأت أم روضة بنبرة الهمس الحريمية وقد مالت على شمس. غامزة ضاحكة هزت
شمس رأسها علامة النفي، فجعبتها منذ يومين خالية من القيل والقال، ومن وشوشات
الحريم التي تتناقل الإشاعات عن فلان وعلان، هذا الجار أو تلك الجارة.. -جارنا
أبو مرتضى غائب منذ عشرين يوماً. -لماذا؟
أين؟ تساءلت شمس وقد ساورها خوف أن يكون شر ما قد نزل بذلك الجار الكهل الذي يصلي
كثيراً ويصوم كثيراً ويحج إلى بيت الله كثيراً.. سجنه الفرنساوي؟ تابعت شمس
تساؤلها. -أي
فرنساوي؟ ردت أم روضة ضاحكة: يقولون انه في حيفا.. -إذن،
يشارك في قتال العصابات اليهودية..؟ تابعت تساؤلها وقد ازداد خوفها، كانت القوات
البريطانية والعصابات اليهودية قد استطاعت إخماد ثورة الشيخ عز الدين القسام، بعد
قتل أبرز القياديين هناك وعلى رأسهم سعيد العاص، ذاك القائد العسكري الذي حزن عليه
عزيز كثيراً… -بل
هو يشارك في إغناء الغواني اليهوديات.. تابعت أم روضة ضاحكة مقهقهة.. -الغواني
اليهوديات؟ -أجل،
يقولون انه وقع منذ زمن في غرام يهودية شقراء… وتجارته، كما تعلمين، هناك في حيفا،
يذهب بين الحين والحين لتستقبله بالأحضان صاحبته، يعيش معها، ينفق عليها….. ربما هو قد تزوجها… من يدري؟ ألقت أم روضة سؤالها الأخير
وهي تبرم شفتها، بمعنى: "يا مؤمنة على الرجال، يا مؤمنة على الماء في
الغربال".. الجارة،
في هذا، على حق.. ففي دمشق، مدينة التجارة والتجار منذ إيلاف قريش، إيلافهم رحلة
الشتاء والصيف، التجار يذهبون بتجارتهم إلى فلسطين، مصر، اليمن، العراق…. وهناك تطول رحلتهم.. المسافات بعيدة والجمال لا تسير بالمحركات
النفاثة، كما أن الرجل يحتاج إلى المرأة.. وكيف يلتقي الرجل بالمرأة إن كان مؤمناً
ومؤمنة إلا بالحلال؟ التاجر الدمشقي مؤمن ولهذا السبب، ربما يتزوج.. بل ربما منهم
من يتزوج امرأة في القاهرة وأخرى في صنعاء وثالثة في بغداد حتى إذا ذهب إلى أي
مكان منها وجد بيته وحلاله، طعامه وشرابه. شمس تعلم ذلك وتعلم أنه معقول، لكن أن
يتزوج أبو مرتضى غانية يهودية، فهذا هو غير المعقول.. -لكنه
حاج تقي ورع يصلي كثيراً.. بدأت شمس معربة عن استغرابها. -لا،
أختي شموس، لا… قاطعتها أم روضة ما إن بدأت، لا تخافي
إلا من النهر الهادي… المثل يقول: ياما تحت السواهي دواهي… أجل،
شمس التي عرفوها بالميدان أول ما جاءت باسم شموس وظلوا ينادونها به حتى اليوم تعلم
أن تحت السواهي دواهي وأن النهر الهادئ هو النهر العميق الغور الذي يمسك بتلابيب
من لا يعرف السباحة فيغرقه… بعدئذ،
عادت أم روضة تفصّل قصة التاجر الدمشقي الذي يذهب إلى حيفا يعبث ويلهو مع صاحبته
اليهودية فتحلبه حلباً، ثم ختمتها قائلة: -وليس
هو وحده من يفعل ذلك.. بل هناك الكثير من الرجال من دمشق وحلب، حمص وطرابلس. كذلك
الرجال الفلسطينيون أنفسهم، تبتز اليهوديات أموالهم، يسلبنهم أراضيهم حتى إذا
أبقينهم عظماً بلا لحم ألقينهم للكلاب… -تفضلي
اشربي قهوتك!! قالت شمس للجارة بعد أن جاءت وضحة بالقهوة والماء… فأسرعت ترشف أول رشفة من فنجانها.. -أجل..
أنا أحب قهوتك.. خاصة العصرية.. -عال
إذن.. أريدك أن تبصري لي.. أنت بصارة شاطرة، لو كنت مكانك لاتخذت منها مهنة.. -لا،
أنا أبصر فقط إذا كنت رائقة المزاج!.. ثم أبو روضة لا يسمح لي.. يقول.. هي
خزعبلات.. -اية
خزعبلات أم روضة؟ أنت لا تقولين إلا ما ترين.. -إذن..
اسمعي.. بدأت أم روضة تبصيرها وهي تدقق في الفنجان متفرسة متفحصة…. فأصاخت شمس سمعها بكثير من التصنع المازح: عندك طريق وعلى الله
التوفيق…. فارس ببيتك يبحث عن فرس مثلك… هي قريبة منك. بابها على بابك.. حمراء
بيضاء.. كحلاء جيداء تحت الايد متل حبل الوريد الرزق بمزودة هذه الفرس جيبيها قبل
ما يأخذها العسس. مرج أخضر الدنيا قدامك افتحي على المرج الأخضر بابك.. وشردت شمس
"كم ينطبق كلامها على الواقع!! أتراها سمعت ما جاء من أجله نواف؟ أم هو الغيب
ينكشف لها فتقرأ ما دار بينها وبينه؟". شيء
عندك كان ضايع.. تابعت أم روضة الشاردة من شرودها، واليوم لاقيته.. طويل، عريض،
أخته تعشقه، بعد اليوم لا تفلتيه…
"إذن، لم تكن
تقصد نوافاً في كلامها السابق بل تقصد الأخضر". ولم تملك شمس إلا أن تبتسم في
سرها. كانت أم روضة قد لمحت أكثر من مرة أنه لا يناسب روضة كالأخضر. فرس وخيالها. بالمزاح،
بالمداعبة، كانت تقول "الجار للجار والأقربون أولى بالمعروف" أو
"أختي شموس، لماذا لا نضع جبناتنا على خبزاتك ونقول يا الله؟". إذن،
الآن تضع عينها الثانية على نواف، تريده لابنتها الثانية صبحية.. تبصيرتها هذه
كلها لتلك الغاية، "مسكينة، أنت أم روضة… لا تدرين أن الرياح تجري بما لا تشتهي
السفن.." لم تكن شمس تسمع ما تهذي به الجارة، فقد انكشفت اللعبة وماذا يعنيها
ان تدخل تلك اللعبة؟ "نواف لصبحية؟ حسن.. نواف عاشق متيم يريد البناء
بمعشوقته.. الأخضر لروضة؟ لا، ما حزرت، جارتي أم روضة. الأخضر لا يفكر بأية فتاة..
ربما حياء وخجلاً، وربما هماً وانشغالاً. وكانت شفتاها تفتران عن ابتسامة ملأى
بالألغاز وهي تودع جارتها أم روضة… نواف
يتسكع في شوارع دمشق وساحاتها. هو، منذ أربعة أشهر، لم يأتِها… الشوق في صدره يدفعه للتسكع فيها… يتجول هنا وهناك، يرى ماذا تغير بعده،
ماذا استجد… باب الجابية، الحميدية، الحجاز، كلها كانت كما
هي، زحام وباعة، عمال في الساحات وتجار في المحلات والسوق الذي يحجب سقفه المعدني
أشعة الشمس مليء بالغادين والآتين، الحواة والمحتالين، بسطات على الأرض، بضائع على
الحبال، سلع معروضة هنا وهناك، والكل ينادون بأصوات تختلط حتى لا يميز المرء
واحدها من الآخر.. ضجيج وعجيج، وعازف ناي يعزف أنغاماً ساحرة تضيع في قلب الزحام
فلا يسمعها أحد…. على
ضفة بردى وجد نواف نفسه.. هناك لم يكن عجيج ولا ضجيج… بل صخب نهر تصطفق مياهه وهي تلطم
جنباته.. كان آذار في أواخره، وكان قد جاء دافئاً كربيع الهند ساكناً كبقر بوذا..
لم تتحرك عواصفه ولم تهدر رعوده… شمسه بلا غمائم تهيء شواظها لصيف قاس
وتذيب في الآن نفسه ثلوجاً تراكمت على ذرى الجبال… مياه بردى عكرة… تكاد تصل حافة الضفة.. في سنين كثيرة يطوف النهر… ذوبان الثلوج يأتي بمياه فوق طاقة النهر الصغير فتفيض على كلا
الجانبين. وحيداً
راح نواف يتأمل النهر المتدفق، سارحاً بخياله إلى غدران وقنوات، سواق ومستنقعات..
هناك في أم العيون حيث الحبيبة، ربما، تتنقل "الله!! ما أحلى تلك المرابع!!
ما أجمل العيش في أحضان الطبيعة!!" وتبسم نواف وهو يستعيد في ذهنه آخر مشوار
ضمتهما فيه أحضان الطبيعة… "الله أبدع الطبيعة.. وصنع
المدينة الإنسان، وشتان بين ما يبدع الله وما يصنع الإنسان!!" وأعجبته
الفكرة. هو لا يدري كيف جاءت أو من أين لكنها أعجبته. "سأعمل على العودة
غداً" تمتم بكثير من التصميم" إذن.. اذهب إلى أبيك… لا تعتمد على أمك فقط، بل فاتحه هو نفسه بالأمر" وقفل نواف
عائداً للتو. كانا
يغلقان المحل، الأب وابنه البكر، فهشا للقادم الجديد وبشا… بالأحضان أخذاه فيما تناول هو يد أبيه مقبلاً. -كم
أنا مشتاق إليك!! قال للأب الذي ضمه بين ذراعيه طويلاً… ثم علق معاتباً: -لو
كان ذلك صحيحاً، لما كنت تغيب عنا الشهور… -أنا
أكره المدينة، أنت تعلم يا أبي!! الأب
يعلم، بل هو نفسه يكره المدينة.. هذه المسارات المحددة، هذه الأزقة الضيقة، تلك
الجدران التي تنتصب أمامك حيثما نظرت. كم يكرهها!! كم يريد التحرر منها!! كم يحلم
بالانفلات في برارٍ واسعة لا حدود لها يجري على ظهر حصان فيشعر أنه على بساط ريح!!
لكن ماذا يفعل؟ الظروف لا ترحم، الحياة تدفعك في هذا المجرى أو ذاك كما يدفع النهر
بمياهه دون أن تملك من أمرها شيئاً. دونما
إبطاء، بدأ يسأله عن القرية، الأهل، الأصحاب، الأحباب، وهم يسيرون في طريقهم إلى
المنزل، الأب وأبناه، هذا من جانب وذاك من جانب فخيل للأب لحظة من الزمن أنه نسر
بجناحين يحلق بهما عالياً فوق الأزقة والجدران… فوق السابلة والزحام… "من مثلي؟ جناحان قويان يحملانني حيثما شئت، بعيداً عالياً
كيفما أردت". في
المنزل، تستقبله شمس وماؤها الساخن كالعادة.. هو يستحم كل يوم، ولم لا؟ دمشق
بأنهارها السبعة غزيرة المياه وافرة العيون فلماذا لا تستفيد شمس من مياهها تلك
نظافة واستحماماً؟ كل عصر، كانت تحمي الحمام.. هنا، ليس كما في المضارب أو أم
العيون تغلي الماء على الموقد.. لا.. الحمام جاهز يكفي إعطاءه عود كبريت، ثمة زيت
كاز، مازوت، حطب وكلها سريعة الاشتعال تعطي ناراً لاهبة تحول الماء إلى متعة ودفء.
لم تعد شمس بحاجة إلى حمام سوق كما كانت في حماة ولا إلى أم عمر تدلك لها ظهرها… هنا… الحمام عند الطلب، وضحة تحضره بطرفة
عين فتستحم شمس ويستحم عزيز. شمس تستمتع أن تحممه بيديها، طفلاً بين يدي أمه،
معشوقاً بين ذراعي معشوقته، بل ليس هناك أمتع من أن تفرك جسده بالليفة والصابون،
تسكب عليه الماء، تتلمس بشرته، تتخلل بأناملها شعره، وتحتوي بكل ما فيها من حواس
ذكورته الهاجعة حيناً، المتيقظة حيناً، تلك التي باتت منذ ما يقرب العشرين عاماً
قطب رحاها… -الشغل
زين؟ -الحمد
لله. من قنع عاش.. -لكنك
اليوم فرح لا قانع.. -نواف
أفرحني.. كنت بحاجة إلى رؤيته. -إلى
رؤيته أم إلى أخبار القرية؟ سألت ضاحكة وهي تعلم تعلقه بالقرية. -الله!!
قال عزيز متنهداً متجاهلاً السؤال، كم شعرت بالفرح وأنا أسير بينه وبين الأخضر
كأنني نسر أحلق عالياً وهما جناحاي… -صحيح..
العيال كبرت.. قالت شمس وهي تنوي أن تستغله مدخلاً إلى القضية الجديدة.. -فقط،
العيال؟ قال مبتسماً وهو يدور على كرسيه الخشبي الواطئ طارفاً بأجفانه من بين
قطرات الماء المنسكبة على رأسه. -ماذا
إذن؟ أتعني أني أنا كبرت؟ ردت ممازحة وهي تجلس القرفصاء أمامه لتغدو عيناها في
عينيه وشفتاها قرب شفتيه، وضعاً طالما انتقلا منه إلى عناق سريع محموم. -لا..
لا.. لا.. معاذ الله.. أنت لا يمر عليك زمان، ولا يعرفك حدثان. -أجل..
معك ألغي الزمان.. أشعر كأنني أسبح في الهواء عالياً عالياً وهو تحتي على الأرض،
يمد يده فلا يطولني، يقفز إلي فلا يصل.. أنا معك أظل الصبية الفتية التي لا تكبر،
الشباب الدائم الذي لا يشيخ.. -كم
أنا محظوظ إذن!! فليس أبغض إلى قلبي من تجاعيد الوجوه وتقوس الظهور!! -لا..
اطمئن.. معك، وبحبك، أظل الفتية النضرة الغضة البضة.. -وأنا
أموت في الفتية النضرة، الغضة البضة، قاطعها وهو يضمها بين ذراعيه فتندلق على صدره
مهلبية بيضاء رجراجة.. -يا
إلهي! ما ألذك وأمتعك!! غمغم عزيز، فيما بدأت شمس تتملص منه متلفتة متمتمة: -العيال
يسمعوننا.. هم.. بانتظارنا.. -أتدرين
شمس؟ تابع الرجل وهو يشتعل شوقاً للمرأة التي ما انفكت تؤجج فيه النار. كل يوم أجد
فيك سحراً جديداً، متعة جديدة.. قولي ما السر؟ -الحب..
ردت وهي تكاد تذوب شوقاً للجسد المحموم الذي تملصت منه للتو، حيث يوجد الحب يوجد
السحر، التجدد، المتعة.. يوجد كل ما يشتهي الإنسان… -وأنت،
مازال لديك ذلك الحب؟ -متأججاً
كعهدك به.. بل تدري عزيز؟ أحياناً.. أشعر كأنني مازلت وإياك بجانب الغدير هناك، في
حميا الصبا وجذوة الحب… -إذن
يحيا الحب!! قال شبه هاتف وهو يأخذ طاسة ماء ساخن يسكبها على رأسه… -هو
حي باق.. متجدد إن لم يكن فينا ففي أبنائنا.. -ماذا
تعنين؟ وللتو
روت له قصة نواف، من جاء بدافع الحب وكله رجاء أن يمدا له يد العون… -نمد
له يد العون.. قال عزيز وقد أبهجه أن يكون نواف امتداداً له في دوحة الحب… -تخطبها
له؟ -أخطبها… -وتذهب
إلى القرية؟ -أذهب… -غداً؟ -غداً..
ولم تملك شمس إلا أن تفغر فاها عجباً من سرعة موافقة عزيز. ملء
عزيز إحساس طاغ بأن التاريخ يعيد نفسه. هو في السيارة إلى القرية مثلما كان قبل
عشرين عاماً يقطع الطريق ذاته لكن على صهوة فرسه الشقراء.. يدفعه شوق عارم للوصول
إلى الحبيبة، شمسه المشرقة وبرفقته فصيل عسكر، إيفاء لوعد كان قد قطعه للشيخ
نواف.. "أهكذا
نواف ياترى؟" وهز رأسه بالإيجاب.. عزيز على قناعة الآن أن التاريخ لا يملك
إلا أن يعيد نفسه… الإنسان واحد، في شرق الأرض، في
غربها، في قديم الزمان، في حديثه. المشاعر ذاتها تتملك الإنسان، العواطف نفسها
تدفع به، الغرائز، الأفكار لم يتغير ولن يتغير شيء… ذلك الحب الذي دفعه إلى شمس ذات يوم
يدفع نوافاً الآن إلى دملجة… التوق،
الشوق، الانجذاب، كل ما جعله يطير إلى حبيبته ذات يوم، يجعل ابنه يطير إلى حبيبته
اليوم، فماذا تغير؟ ماذا هناك من جديد؟ النسخة نفسها تتكرر، الإنسان ذاته يعود،
ترى أليس هذا هو الخلود الذي يبحث عنه الإنسان؟ يجد نفسه في أبنائه، يتجدد في
ذريته.. فيرضي في داخله توقاً أبدياً للخلود… بالأمس
أراد أن يسبر ابنه، يسبر عواطفه وأحاسيسه، وهم يتحلقون حول مائدة العشاء. مازحه،
سأله الكثير من الأسئلة وكان في كل جواب من أجوبته يجد نفسه، هو عزيز المر يعود
فتى نضر العود غض الإهاب يشعله لهب الحب وتحرقه نار العشق فلا يملك إلا أن يبحث عن
الماء الذي يطفئها… "أأنت
متأكد من حبك لها؟" سأله فتململ نواف محمر الوجنتين خجلاً من الكلام عن سر
دفين غال ربما يكره أن يعرضه للأنظار…؟ ألم يكن هذا هو شأني نفسي، يوم
اكتشفت الأنثى في الفارس الملثم، واكتشفت حبي لها!؟ ألم ألزم الصمت أياماً وشهوراً
لا أبوح بما في نفسي ولا أريد لأحد أن يعرف ما في صدري حتى جاءت على حصانها الأدهم
تطلب إلي أن أخطبها؟" تساءل في سره ثم تابع مبتسماً!! "وهي؟
أتحبك"؟ "حتى الجنون" أجاب هذه المرة بمزيج من الفخار والحماسة
"لكنها ابنة عمك، ألا تشعر بها أختاً لك؟" بل أشعر بها نصفي الآخر الذي
لا يمكنني العيش بغيره. "وأعجبه جواب نواف" النصف الآخر، أجل، ذاك الذي
يشعر المرء بحاجته الشديدة إليه حتى يجده، فإذا وجده أراد التوحد معه، الانصهار
فيه. أهو نصف الدارة الآخر، لا يسري فيه تيار كهربائي إذا لم يكن موجوداً؟"
هو، عزيز، كان يتملكه ذلك الإحساس، وهو يناجي النجوم، يخوض المعارك، يقطع الفلوات،
كان يشعر أن هناك نصفه الآخر، بعيداً، في مكان ما من البادية. وأن حياته كلها
تتوقف على استعادة ذلك النصف، على الالتحام به حتى يسري تيار الكهرباء في دارته
وتكتمل دائرته من جديد. "وجدك.. علي المر؟ أهو موافق؟" "جدي كاد
يطير فرحاً، بل قال لي (سأستعيد بك أباك الذي فقدت)".. أجابه الفتى العاشق،
فشرد الأب. "إيه يا أباً أعبد!! كم كان بودي أن نعيش معاً!! نحمل معاً أعباء
هذه الحياة، نعالج معاً سراءها وضراءها.. لكنها الرياح تشتت الغيوم لتتطاير أشلاء
هنا وهناك، وربما لا تلتقي أبداً." "وأبوها
يونس؟ أمها عليا؟" سأله عزيز وهما مازالا على مائدة العشاء. لكن هذه المرة
أجابت شمس سابقة ابنها، هازة رأسها "عليا!؟ كان حلمها أن تتزوج أباه فكيف لا
يكون حلمها الآن أن يتزوج ابنه ابنتها؟" ولم يملك عزيز إلا أن يبتسم.. شعور
الضرة مازال يعتمل في داخلها حتى اليوم.. رغم الزمان والمسافات، ظلت شمس تشعر أن
عليا هي الغريمة التي كرهت والمنافسة التي أبغضت. "لا تخف، أبي!! عمي يونس
يحبني، امرأة عمي عليا تعبدني.. البيض المقلي لي، الزبدة لي، فخذ الفروج لي.. أنا
المدلل لديها بلا منافس فكيف لا توافق؟" "حسن.. دعني أفكر يومين..
ثلاثة" قال أخيراً بنوع من سبر غوره. وانتفض نواف للتو "لا، أبي،
أرجوك.. وعدتها أن أعود بكم في الحال" وأحس عزيز بحميا الشباب وحرارة الحب
تلفح وجهه "إيه!! هو ذا الشباب: دفق من حماسة واندفاع، هو ذا الحب: لهيب من
توهج واشتعال" ولم يستطع عزيز الإفلات فقد سارعت الأم تناصر ابنها، "لا
ينشغل بالك نواف.. أبوك وافق أن نذهب غداً".. وتفرس
عزيز في وجه شمس، هي متحمسة أكثر مما تصور لمشروع يجمع بين ابنها وابنة المرأة
الغريمة والضرة.. "أهي مشاعر الحب تتقمصها من جديد؟". هو
نفسه كان يتقمص تلك المشاعر وهو ينهب الطريق نهباً إلى أم العيون.. كأنه لا يصدق
متى يصل "أجل الشباب.. حماسة واندفاع. الحب حرارة ولهيب… ليس كحب الكهولة أناة وهدوءاً، تروياً وتفكيراً يضرب جذوره عميقاً
في التربة كسنديانة موغلة في الزمان". كانت
السيارة تدرج بهم وهم في طريقهم إلى القرية وكان نواف فرحاً، ساعات ويصل… لم يعد هناك مسافات. كانت الحضارة قد ألغت المسافات… والطريق إلى أم العيون لم يعد يحتاج إلى أيام وليالٍ… عند الضحى ساروا… قبل المغيب سيكونون هناك "الله!!
ما أروع الحضارة!! ما أعظم عقل الإنسان يبدع كل ما يوفر الراحة للإنسان، يخترع كل
ما يسعد الإنسان!!". كان
الطريق حتى حمص معبداً.. لا حجراً ولا حصاة.. حملة الطرق التي شنها الفرنساوي إنما
كانت لغاية في نفس يعقوب، عزيز يعلم ذلك، هم يريدون ربط المدن، القرى، الدساكر،
الضياع كلها ببعضها بعضاً، شبكة تسهل الحركة لسيارات الجيش ومصفحات الجند، مع ذلك
الطريق حضارة، فيها فائدة للناس جميعاً، عزيز لا ينكر ذلك. الإسفلت يجعل السيارة
تجري أسرع من فرسه الشقراء، تلك التي حزن عليها كثيراً حين ماتت… لكن الطريق الترابي من حمص حتى أم العيون، لم يكن يسمح بمثل ذلك
الجري، الغبار، المطبات، الحفر كلها كانت تعيق حركة السيارة، تبطئ من سرعتها حتى
ليغدو السير على ظهور الجمال أرحم بكثير… صدم
عزيز وهو ينظر إلى السهول حوله.. أين الخضرة؟ الزروع؟ الأعشاب؟ الزهور؟ الورود؟ في
المدينة ينسى المرء الطبيعة، تغيب عنه ويغيب عنها فلا يفكر بها… كل ما كان يفكر فيه عزيز وهو في دمشق أن آذار خذل الناس ذلك العام
فلم يأت ماطراً هادراً كعهد الناس به بل جاء هيناً ليناً، دافئاً ساكناً وكأنه لم
يعرف الزمجرة والهدر يوماً. عزيز يحب ربيع أم العيون.. حين تتحول الدنيا كلها إلى
مروج من سندس أخضر تزينها أزهار من كل صنف وتطرزها ورود من كل لون. هنا وشاح من
أقحوان، هناك شريط من نرجس، هنالك الخزامى، شقائق النعمان ومتع عينيك على مد البصر
مهرجان من ألوان… لكن ها هوذا ربيع أم العيون بلا مروج
ولا سندس، بلا مهرجان ولا ألوان.. وجرض عزيز بريقه متسائلاً بعينيه، فرد الابن: -كان
المطر عزيزاً هذا الشتاء، أبي!! ثم جاء آذار ليزيد الطين بلة.. قطرة مطر واحدة لم
تسقط فيه، فامحى العشب وذوت الزروع ظمأ لقطرة ماء. ونظر
عزيز إلى شمس بحرقة وحسرة: -أتذكرين
ربيع أم العيون؟ -أنا
التي تذكر… وتنهد كلاهما وهما يسرحان، ربما في
المروج الخضراء التي كانا يتبارزان فيها بالسيف ويتسابقان على الخيل ولا يشبع
واحدهما من الآخر دون أن يعرفا سبباً لذلك.. لكن
خلافاً لجفاف الطبيعة كان ثمة خصب في عواطف الأهل: علي المر، يونس، حفيظة، عليا… الدار التي باتت تغص بالغرف والسكان فاعت كلها تستقبل القادمين
بالأحضان.. الكل يقبل ويلثم، عليا تزغرد، وقد طغى فرحها على جميع القيود.. ولم
يملك عزيز إلا أن يشعر بغصة في الحلق.. وحدها أم يونس كانت قد افتقدتها الدار.
وحدها أم يونس كان قد خطفها الموت. في
الغرفة العتيقة، أول غرفة بناها علي المر، جلسوا ذلك المساء، أحاديث شتى وأسئلة
وأجوبة لا تنتهي. كانت الغرفة تزدحم بآل المر، صغارهم وكبارهم، حتى فاضت إلى الغرف
الأخرى.. فيونس، بزوجتيه الاثنتين،
كان قد ملأ الدار أطفالاً.. دزينة أنجبتها عليا وستة عشر أنجبتهم حفيظة ولولا منجل
الموت الذي حصد بعض هؤلاء وبعض أولئك لكان من الصعب أن تحويهم دار واحدة… اللقاء
حميم والشوق عظيم، شؤون كبيرة وشجون كثيرة وعزيزة يريد وصل ما انقطع. هو يجلس
بجانب أبيه، ينظر إليه ولا يشبع.. علي المر الذي جاء إلى أم العيون في مطلع
الكهولة قوي البنية شديد العزم كبير المطامح، غزا الشيب شاربيه، لحيته، رأسه حتى
غدا كتلة من ثلج ناصع. حفيظة نفسها، انطبعت أقدام إوز تحت عينيها وحول شفتيها، كما
حفر الحبل والزمن أخاديد عميقة في جبينها.. يونس أيضاً. كان الشيب يخط فوديه
"آه منك أيها الزمان يدور دولابك ساكناً صامتاً فلا يشعر المرء، إلا وقد صار
في الأسفل.. حيث القاع والتراب!!". -إذن..
قحط هذا العام!؟ سأل عزيز أباه أخيراً. -أجل،
للأسف، أجاب الشيخ الذي صار رأسه كتلة من ثلج، لكن دون أن يكون قد خف سمعه أو ضعف
بصره… بل دون حتى أن تكون قد ذبلت الحمرة في وجنتيه وشفتيه. منذ البداية
كان المطر عزيزاً من حين إلى حين كان يهطل لكن خفيفاً عابراً، إلى أن جاء آذار
بضربته القاضية -المثل
قديماً قال، تدخلت عليا وهي تزفر، إن أمحلت وراءها آذار، وإن أخصبت وراءها آذار.. -تعني،
ليس هناك أمل؟ سأل عزيز أباه من جديد. -ربما،
إن جاءت مطرة الرابع أحيت بعض الموسم… وأضاء
قبس من أمل صدر عزيز… فالرابع من نيسان كثيراً ما يأتي
بالمطر لكأنه من ثوابت الطبيعة… هو يذكر، كم يعقدون من آمال على مثل
هذه الثوابت: العجائز، السابع عشر من آذار، الرابع من نيسان كلها مواقيت تحمل
للناس المطر، وإن خابت مرة فإنها نادراً ما تخيب.. -والمساحة؟
أقصد… زرعتم كثيراً؟ -أوه..
كثيراً.. كثيراً.. رد هذه المرة يونس الذي كان قد أصبح مزارعاً خبيراً وملاكاً
كبيراً، فعلي المر لم يفوت فرصة في وضع يده على هذه الأرض وتلك من سهول خاوية
وأراض بور.. وكل ما حول أم العيون سهول خاوية وأراض بور: "قليب الثور، تل
الأحناش، أم الرجوم كلها كانت سهولاً بلا أصحاب وأراضي لم يستغلها أحد، إذن، لم لا
يستصلحونها، هم الذين جاؤوا من الريحانة هرباً من ظلم العصملي وقلة الأرض وضيق ذات
اليد؟ في
اليوم التالي، تجول عزيز ورأى بأم عينه كيف نمت القرية وترعرعت، سكاناً وعمراناً… السكان الجدد الذين رفدوها، اللاحقون بهم من هنا وهناك، البدو
الذين بدؤوا يتوضعون فيها رعاة لأغنامها، كلهم كانوا قد أسهموا في نموها وازدهارها… كانت السنوات الخصيبة قد تتالت عشراً أو تزيد، وكانت الغلال
الوافرة قد فتحت باب الوفرة والثروة، وكان علي المر قد ترجم ذلك كله أغناماً
وأبقاراً وخيولاً.. قطيع أغنامه يتطلب راعيين، أبقاره تملأ الدار خواراً والخيول
تحمحم وتصهل.. بيت عز صار بيت علي المر.. عزيز يتجول فيه ويذكر الشاة الأولى التي
جاء بها إلى تلك الدار.. يذكر الراعي العنزاوي الذي التهم الجبس التهاماً، هتافه
مازال في أذنيه "حروش!! يابا.. ما أطيبه الحروش!!". يصل
إلى المطبخ.. خمسة مواقد متجاورة هناك.. قدران يفوران على النار.. ورائحة الدهن
واللحم تغزو أنفه. -مشتاق
للمغطوطة؟ تبادره عليا مذكرة إياه بأم رؤوم خطفها الموت باكراً، يهز رأسه
بالإيجاب.. في الحال… سأحضر لك رغيفاً في الحال… تتابع، طابعة قبلة هنا وقبلة هناك على وجنتيه أختاً حنوناً لا
أكثر… ويضحك عزيز… لذكريات صباه!؟ أم لسرعة فهم عليا؟!
أم لرغيف المغطوطة الذي يتراقص بخاره أمام عينيه؟ عليا
منهمكة، مشغولة، ذاهبة آتية، أليست أم عروس؟ ويتساءل عزيز "أين عليا"
تلك التي كانت تضج شوقاً للرجل وشهوة لامتلاكه؟ تلك التي حاصرتني في المغارة تريد
افتراسي؟ غزتني في فراشي والناس من حولنا رقود قد توقظهم أقل نأمة؟" وأحس
بغصة في حلقه…. كان الزمن قد أوغل في البعد، وكان كل
ذلك قد مضى بعيداً، ربما دون أن يترك أثراً لأقدام.. دملجة زهرة متفتحة، عطرة نضرة
كأمها أيام زمان. كلها حيوية ونشاط. عيناها تشعان حباً لنواف كلما نظرت إليه..
"الولد صاحب ذوق.. الفتاة تستاهل" فكر عزيز وهو يحضر نفسه لطلب يد
الفتاة. -البنت
ابنتك، رد يونس على الطلب ثم حسم علي المر الأمر. -هاتوا
الشيخ رجب الحمود يقرأ الفاتحة…. أنهى
رجب الحمود قراءة الفاتحة فانطلقت الزغاريد تملأ أرجاء أم العيون… لا زغاريد عليا وحسب.. بل حفيظة، نرجس، وحتى شمس التي لم تكن تتقن
فن الزغاريد. -بعد ثلاثة أيام، العرس… حدد علي المر الموعد، إذ كان عليهم أن يعدوا العدة له، يدعوا
المعازيم، يأتوا بالشيخ نواف وقبيلته من الغرب حيث بارزت شمس ذات يوم ابن عمها
معجون، وبين هذا وذاك أن ينزلوا إلى حماة، يأتوا بالحلي والملابس، بالذهب والعطور
جهازاً للعروس.. أياماً ثلاثة لم يعرف فيها عزيز رأسه من رجليه، في حماة كان عليه
أن يرى الأصدقاء القدامى، حسني الدباغ الذي ترهل كثيراً.. امتلأ كرشه شحماً ولحماً
حتى لم يعد يستطيع حمله.. الدكتور نورس، صابر، المحامي إبراهيم، كلهم رآهم، وشمس
وعليا تجهزان العروس!.. لكن حين بدأ العرس: قرع طبل وعزف مزمار، كان عزيز على رأس
الدابكين، يمسك بيد شمس ويلوح بمنديله فرحاً حتى الحافة، سعيداً حتى اللانهاية،
يدق الأرض بقوة وعزم وملؤه شعور طاغٍ بأنه يجدد الحياة مرة ثانية، يعود للشباب من
جديد… |