|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:27 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-5- -أمي، أمي، الفرنساوي.. الفرنساوي، دخلت بدور هاتفة بأمها وقد أفاقت للتو من قيلولتها... -الفرنساوي؟ ردت الأم وهي تجلس في سريرها، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... هل فعل أبوك شيئاً؟ هل يسأل عنه؟ -لا... أمي، بل هو يسأل عنك.. أنت.. -أنا؟ وماذا يريد مني الفرنساوي؟ -لا أدري، أمي.. لكنه ذلك الضابط الكبير الذي زارنا من قبل. -القومندان رينو!! قالت وهي تنزل من سريرها إلى الأرض، بعجالة واضطراب تبحث عن ثيابها، أيريد أن يكون جيرار آخر؟ تمتمت دون إيضاح ثم اتجهت إلى ابنتها تدفعها دفعاً، اذهبي إلى وضحة... دعيها تدخله إلى غرفة الضيوف.. وكما دخلت بسرعة خرجت بدور بسرعة، فيما تابعت شمس بسرعة أكبر ارتداء لباس يمكنها به أن تقابل ذلك الضابط الكبير الذي عرفته أول ما عرفته وهي معتقلة مع النساء السبع والعشرين.. ثلاث مرات ساقوها من زنزانتها الرطبة المعتمة ذات الرائحة النتنة إلى مكتبه فاخر الفرش واسع المدى عالي السقف كأنما بني ليكون مخدعاً للملكة المغناج ماري أنطوانيت، لكن القومندان الذي كان يشارف الأربعين حوله إلى مكتب للتحقيق. كل مرة كان يسألها الأسئلة نفسها: من أنت؟ ما دورك في المظاهرة؟ ما علاقتك بالتنظيم النسائي؟... وكانت كل مرة تجيبه الأجوبة نفسها؟ أجوبة عامة عائمة لكنها صحيحة صادقة لا أثر فيها لكذب. في المرة الثالثة دعاها للجلوس، طلب لها فنجان قهوة فانكمشت خائفة "أيعيد سيرة جيرار؟" لكنه لم يعد سيرة ذلك الكابيتان الذئب الذي أراد أن يفترس ليلى. بل كان معنياً بأن يعرف المزيد عن شخصيتها، هويتها، ماهيتها. وخيل إلى شمس أنها تسمع جرساً يقرع منذراً بالخطر، وللتو تحولت إلى سلحفاة تحتمي بقوقعتها من الخطر. "لا تخافي.. بل اعتبريني صديقاً لا محققاً.. وحدثيني عن نفسك". لكن كيف تحدثه عن نفسها وهي مذ جاءت إلى دمشق لا تعمل إلا لإخفاء نفسها؟ كيف تعتبره صديقاً وهو فرنسي مستعمر لم تر من أمثاله إلا الشر والويل؟ كيف لا تعتبره محققاً وهي مجرد سجينة يؤتى بها وتؤخذ رهينة الأوامر والنزوات؟ ولم يستطع القومندان الآتي من باريس، الحامل شهادات عالية من معاهد وكليات باريس المدنية والعسكرية أن يستجر السلحفاة من قوقعتها.. كانت شمس قد كزت على شفتها السفلى توجساً من شر قادم، وخوفاً من معركة ضارية تلوح نذرها في الأفق، لكن القومندان الأشقر الرشيق المائل للطول لم يأت شراً ولم يفرض معركة... العكس كان الصحيح، فقد أكد لها أنه لا يكن لها إلا كل احترام، فهي أولاً وأخيراً امرأة تؤمن باستقلال وطنها وحريته، تكافح من أجل استقلاله وحريته. فتحت عينيها إذ ذاك استغراباً لكنه أزال كل استغراب حين شرح لها أن التحقيق ليس مهمته، لكنه لكي يساعد النساء اللواتي زججن في السجن، طلب أن يحقق بنفسه معهن، وأنه لا يريد إلا التخفيف عنهن ومساعدتهن، بل هو سيطلب إخلاء سبيلهن.. "مكره أنت لا بطل"، خاطبته في سرها حينذاك، فدمشق كما أخبرها الحارس الطيب كانت مضربة إضراباً كاملاً، وفي رأس مطالبها لفك الإضراب إخلاء سبيل النسوة المعتقلات.. لكن القومندان عاد فأكد لها أن الإضراب عمل وطني هام وأنه هو نفسه مع كل عمل وطني بل هو ضد المندوب السامي وتصرفاته، هو الذي يرفض حبس النساء وقمع الحريات، ويبذل ما في وسعه لإطلاق سراحهن، كلام جميل لم تستطع شمس معه إلا أن تفغر فاها دهشة. لكن حين جاء الأمر بإطلاق سراحها، دهشت أكثر إذ أشرف القومندان بنفسه على إخراجها من السجن وإرسالها معززة مكرمة إلى منزلها، طالباً إليها فقط أن تسمح له بزيارتها، ولم تستطع شمس أن ترفض... مرتين متباعدتين زارها بعد ذاك تعرف فيهما إلى زوجها، حدثهما عن نفسه، سألهما عن نفسيهما طلب إليهما أن يزوراه، لكنهما لم يفعلا، فلمَ يزورهما مرة ثالثة؟ -مرحباً بك، سيادة القومندان.. رحبت به شمس وليس في ذهنها سوى ذلك السؤال. -مرحباً بك... مدام.. شموس.. رد القومندان بلكنته الأجنبية التي سرعان ما ذكرتها بالكابيتان جيرار... فكرت، من لا يأتي معك تعال معه... وكادت شمس تضحك من العين التي استعصت على القومندان فخرجت همزة.. لكن فكرة أخرى كتمت ضحكتها لينطق لسانها دون سابق تصميم: -أرأيت؟ العين تلفظها همزة... والحاء هاء... -وماذا أفعل.. أحاول لكن.. لا... أستطيع... -كي تعلم أن العربية تستعصي على كل أجنبي فكيف تريدوننا أن نسلم لكم قيادنا؟ -ومن قال لكم أسلموا قيادكم؟ -حقاً؟ أنت لا تريد ذلك...؟ -أبداً... بل لا يعجبني فيكم أنتم العرب سوى هذا الإباء، عزة النفس... "ايه يالعزة النفس!! يا للإباء!! هل ترك الدهر لنا شيئاً منهما!؟ مئات السنين من القهر، الاستعمار، الظلم، الطغيان.. هل أبقت شيئاً من الإباء وعزة النفس للعرب؟" شردت شمس مع أفكارها حزينة متفكرة فيما كان الكولونيل يتحدث عن إيمانه بأن العرب أمة عريقة بنت حضارة وتستحق أن تفتح لها أبواب الحضارة... شعب من الأحرار، يستحق أن يعطى كل أسباب الحرية. -تدري؟ أنا لا أصدق أذني؟ قالت شمس ساحبة نفسها من شرودها سحباً وقد أثارها أن يتكلم الرجل عن الأمة العريقة والشعب الحر... -لا.. صدقي... مدام.. أنا مذ كنت في السويداء، كنت مع الشعب ضد الكابيتان كاربييه... رد القومندان بلكنته الأجنبية المكسرة وعينه التي تخرج همزة، بل أقول لك شيئاً.. حين وقعت حادثة القطة.. -وما حادثة القطة؟ من هو كاربييه؟ قاطعته شمس بفضول شديد هي التي لم تسمع بمثل تلك الحادثة... -الكابيتان كاربييه كان الحاكم العسكري لجبل العرب وكنت أنا معاونه. كان الرجل متسلطاً مغروراً لديه ما يشبه جنون العظمة وأنا أكره التسلط والغرور فكيف بجنون العظمة..؟ سنين وهو يمارس على الناس ممارسات كريهة يرفضها العقل: يضرب، يقتل، يسجن، يفعل ما يشاء دون أن يحسب حساباً لوجدان أو أخلاق... ذات مرة ضاعت قطته فماذا فعل؟ -ماذا؟ ردت شمس السؤال بسؤال آخر. فتش بيوت السويداء بيتاً بيتاً ثم فرض حظر التجول على المدينة كلها إلى أن يأتي أهلها بالقطة وحين لم يأتوا بها، حبس مختارها، اعتقل عشرين من وجهائها وألزم السويداء بدفع خمس وعشرين ليرة ذهبية. -يا له من جبار طاغية؟!! لم تملك شمس نفسها فهتفت وهي تتصور المعاناة التي يمكن لحاكم ظالم أن ينزلها بالشعب!! -لهذا وقفت في وجهه، حاولت دائماً الحد من ظلمه... وحين سافر في إجازة إلى باريس حرضت الناس على التظاهر ضده مطالبين بعدم إعادته!! -أنت!؟ -بالطبع.. وتلك هي المظاهرات التي مهدت للثورة!! بل كانت الشرارة التي أشعلت الثورة.. -غريب!! أنت رجل غريب صدقني، وأنا أستغرب ما أسمع!! -لا.. مدام.. لا تستغربي أم أنت تحسبين أن كل من في فرنسا يحب الاستعمار؟ ظلم الناس؟ قتل الناس؟ -هذا ما أحسب... -خطأ مدام.. هناك في فرنسا أناس يكرهون الاستعمار مثلكم.. أناس يؤمنون بمبادئ الثورة الفرنسية نفسها، حرية، عدالة، مساواة... وبالتالي هم يؤمنون بالمساواة بين الشعوب، بحرية الشعوب، بحقها في الاستقلال.. -كم يسعدني أن أسمع ذلك.. قومندان!! قالت شمس وهي تتفحصه مدققة النظر، كأنما تريد أن تتغلغل إلى أعماقه فتتأكد أهو صادق أم كاذب؟ في نفسه غاية أم لا؟ -وكم يسعدني أن تصدقي ذلك فتعامليني على أساسه!! مرة أو مرتين فتحت شمس فمها لتقول له "ذات مرة صدقت كابيتاناً" قبلك فعاملته معاملة الند للند والصديق للصديق لكن تبين بعد ذلك أنه مجرد ذئب يريد نهشي"، ومرة أو مرتين عادت فأغلقت فمها وهي ترتعد خوفاً من أن تنبش قصة قديمة من قبر لن تخرج منه إلا أنتن الروائح. -أ.. أ.. نا.. أ.. صدق.. أفلحت أخيراً في النطق وهي تتلعثم وتتأتئ، فتبسم القومندان وكأنه يعرف أسباب التلعثم والتأتأة. -أنا أدري أن من الصعب عليك تصديقي، قال بحذر وتمهل، لكن كوني على يقين أنني معكم، مع نضالكم من أجل الحرية، ولهذا السبب أعجبت بكن وأنتن في السجن.. ولهذا السبب طلبت أن نوطد التعارف أكثر، أن نصبح أصدقاء أكثر... وعادت صورة الكابيتان جيرار من جديد.. صديقاً يأكل مناسف الأرز والفريكة في بيتها وحين تلوح له الفرصة يغرز أنيابه ومخالبه في لحمها.. -يشرفنا.. قومندان.. ردت بتلعثمها السابق وتأتأتها، يشرفنا أنا وزوجي أن تكون صديقاً لنا!! -صحيح.. أين عزو؟ سأل وهو يتلفت حوله كأنما يبحث عنه. -للأسف.. كومندان.. عزو في حوران.. هو كما تعلم يتاجر بالحبوب وهذا موسم الحبوب.. -آ.. صحيح.. مدام.. وهو تاجر ناجح.. مثلما كان في الماضي عسكري.. ناجح... قال بتردد ونبرة من سرية أرفقها بابتسامة ونظرة ذات مغزى. وللتو أحست شمس بشيء في داخلها يتقلص وينكمش.. بركة مائها الساكنة تضطرب وقد سقط فيها أول حجر. -عـ.. عـ.. سكري.. ناجح!؟ رددت متسائلة.. ما.. ماذا تقول؟ -تدرين، مدام ؟ مذ رأيتك هناك في مكتبي أثرت في نفسي الكثير من الفضول وفي ذهني الكثير من التساؤلات.. قلت في سري يجب أن أعرفك أكثر.. أعرفك عن قرب.. أنت ورجلك وأهلك.. وعرفت.. قال بعد توقف وبنبرة الواثق من نفسه المتيقن من كل حرف ينطق به. -وماذا عرفت؟ سألت شمس وهي تتصنع الشجاعة، فقد كانت في داخلها ترتعد ارتعادة فأرة فوجئت بقط. وكيف؟ وممن؟ تابعت تساؤلها وكلها إحساس أن القومندان رجل خطير وأن وراء زيارته أهدافاً أكثر خطورة. -لا، لا يهم ما عرفت، وكيف أو ممن؟.. المهم عرفت شيئاً مما أريد وربما سأعرف الباقي... سأعرف كل ما أريد..قال بعد أن تفحصها لحظة من الزمن وهو يؤكد كل كلمة من كلماته... واشتدت الارتعادة في داخلها.. نظرته كانت تعني الكثير.. "يا إلهي!! ماذا إن عرف أنني قاتلة جيرار!؟ إذن سيعدمونني!! الفرنساوي لا يسامح.. أقتل ضابطاً من ضباطه، إذن لن أفلت من عقابه!! وما العقاب؟ المقصلة؟ يا إلهي!! الموت بالمقصلة فظيع!! لا.. لا أريد الموت بالمقصلة!!". -ما.. ماذا مدام؟ أيزعجك حديثي؟ قال وهو يبتسم ابتسامة سكب فيها كل ما تعلمه في باريس من لطف ورقة تعامل بهما النساء. -تفضل.. سيدي القومندان.. قهوتك، قالت وهي تسرع إلى وضحة، تأخذ منها صينية القهوة وتقدمها له، متجاهلة سؤاله. -ميرسي.. مدام.. قال القومندان وهو يقف ملء طوله، وبكل أدب يأخذ فنجان القهوة.. محاولاً هو الآخر أن يتجاهل سؤاله. "آه!! ليته هنا!! عزيز يمكنه أن يوفر علي التجربة!! يريحني من الجلوس معه وحيدين.. عيناه تتغلغلان عبر مسامي!! تبحثان عن ماضيّ!! عن أسراري!! أتراه يريد ابتزازي؟ يعرف الحقيقة ثم يطلب ثمن السكوت عنها؟!! يا إلهي!! أين عزيز؟ في المرتين الماضيتين لم أشعر بالخوف منه!! كان هنا عزيز، درعاً تقيني!! أما الآن.. فأنا دريئة مكشوفة.. معرضة لكل ما في جعبته من سهام.." -أنت تشردين كثيراً مدام!! هل هناك ما يشغلك؟ قال بنبرة خاصة وهو يرشف أول رشفة من قهوته. -لا.. لا.. فقط.. مشاغل الزوجة وقد غاب عنها زوجها، الأم وقد بدأ يبتعد عنها أبناؤها. -بالمناسبة.. مبروك زواج نواف!! -كيف عرفت؟ من قال لك؟ سألته وقد زاد خوفها، فالكومندان يعلم عنها أكثر مما تتصور. -أهو سر، مدام؟ -لا.. لا.. نواف تزوج جهاراً نهاراً... عرسه كعرس ابن السلطان.. -عظيم!! وقد وصلتنا أخبار عرسه!! عرس ابن السلطان!! "إذن هو يلاحقني؟ "راحت تتساءل وهي تستمع إليه يحدثها عما سمع من أنباء العرس ناظرة إليه بمزيج من تعجب ودهشة". جيرار آخر؟ يريد أن يدخل عالمي؟ يعرف أسراري؟ يا إلهي!! أية مصيبة!! "لكن توقفه المفاجئ عن الحديث جعلها تسارع إلى كسر الصمت. -كان عرساً رائعاً ليتك شرفتنا بحضوره.. سبعة أيام بسبع ليال لا أحد يأكل أو يشرب إلا من عرس نواف.. عندكم هناك، قالت وهي تشير بيدها إلى البعيد، لم تعودوا تقيمون مثل هذه الأعراس؟.. -عندنا.. هناك.. رد مبتسماً يشير الإشارة نفسها، لم يعد أحد يؤمن بمثل هذه العادات!! أعراس!! أياماً وليالي لماذا؟ الفتى عندنا يضع يده بيد الفتاة ويذهبان إلى الكنيسة أو السجل المدني، يسجلان زواجهما وينتهي الأمر... "هو ذا الفرق بيننا، شرق وغرب.." كادت تقول له كما قالت ذات يوم للكابيتان جيرار "والشرق والغرب لا يلتقيان". -أليس هذا أسهل، أكثر راحة، تابع القومندان حديثه دون أن يعير شرودها انتباهاً. -بالتأكيد.. أسهل.. وأكثر راحة.. لكن أعود فأسألك: كيف؟ من أين عرفت؟ -لا.. مدام.. أنت أذكى من أن تسألي سؤالاً كهذا.. "أذكى!؟ ليتني كنت كذلك". بدأت تفكيرها الصامت لكنها لم تكمل فقد لاح في ساحة الدار ابنها الأخضر وهو يتجه إلى الغرفة الأخرى.. -الأخضر!! يا لأخضر!! هبت مسرعة إلى الباب وهي تناديه وقد شعرت أن باباً للفرج قد فتح لها.. هي لا تريد أن تجلس وحيدة مع القومندان. لم تعد تحب الجلوس وحيدة مع الرجال.. -مساء الخير، قال الأخضر وهو يدخل فرحاً بنداء أمه، لكن سرعان ما تسمر في مكانه وهو يرى القومندان. -ابني الأخضر.. أريد أن أعرفك إليه سيادة القومندان. -بون سوار.. مسيو أخضر!! أنت طالب المدرسة!؟ قال بكثير من العفوية والتباسط وهو يمد يده للفتى النسخة طبق الأصل عن عزيز.. بطوله الفارع وبنيته المتينة وعينيه السوداوين بنظراتهما الحادة كنظرات الصقر.. -بون سوار، مون قومندان!! رد ابن الثامنة عشرة وقد استعاد رباطة جأشه ماداً يده مصافحاً.. -بيان، تري بيان!! أنت تتكلم الفرنسية!؟ -مي.. وي... مون قومندان.. أنا تقدمت لامتحان البكالوريا هذا العام.. -حقاً؟ أنت فتى ذكي إذن!؟ -دائماً الأول في صفه.. تدخلت الأم وفي ذهنها أن تغير الجو كله وتزهو بابنها البارع المتفوق على أقرانه دائماً.. -إذن.. يجب أن تدرس في الجامعة!! تتابع دراستك بعد البكالوريا!! -أكيد!! قال الفتى فتابعت الأم: -سيدرس الطب. -الطب!! لكن.. أين؟ سأل القومندان بشيء غير قليل من الدهشة. -هذا ما لم نعرفه بعد.. قالت الأم فاكتفى القومندان بهز رأسه وكأنما كان يفكر، أخيراً قال وهو يربت كتف الفتى: -إن كنت جاداً في دراسة الطب.. أخبرني.. ربما أستطيع مساعدتك!!! ثم نهض مودعاً الأم وابنها قبل أن يتاح لهما أن يسألاه كيف... الأخضر، مذ دخل المدرسة، لم يكن يتصور نفسه إلا طبيباً يلبس المريلة البيضاء، ويضع السماعة على أذنيه، يمر بيده على المجذوم فيشفى وعلى الكسيح فيقوم، وكان ذلك الحلم يحضه على أن يبرز في صفه... "السرتفيكا" نالها بتفوق، "البروفيه" حاز عليها بامتياز و"البكالوريا" قدمها قبل أسبوعين وكله أمل أن يكون المتفوق كعادته.... في الصيف. هو يعمل مع أبيه، يساعده في تجارة الحبوب، يبيع، يشتري، لكنه في الشتاء طالب وحسب. لا يذهب، لا يأتي، همه الدرس والتحصيل، يسهر حتى مطلع الفجر، يفيق باكراً ولا يعرف غير درسه ومدرسته... شمس تحب الأخضر كثيراً، تعجب بدأبه ومثابرته، بفهمه ومعرفته... مذ هربوا من حماة إلى القرية والبادية كانت تبدو عليه مخايل الذكاء. جده، علي المر، وضعه عند الشيخ الخطيب يحفظ القرآن، ويعلمه الكتابة والهندي... عند الخطيب برز الأخضر شديد الذكاء، سريع الحافظة.. رفاقه كانوا ما يزالون في جزء "عم يتساءلون" عندما كان هو يقفز قفزات أرنب حافظاً السور القرآنية واحدة تلو الأخرى مرتلاً آياتها بفصاحة الخطيب نفسه... وحين حفظ سورة البقرة أقام له الجد الفخور بحفيده حفلاً لم تشهد أم العيون له مثيلاً... أولاد القرية كلهم تجمعوا في دار الخطيب.. وضع الشيخ المصحف على رأس التلميذ النجيب الذي ختم المصحف بستة أشهر، ربط يديه كلتيهما فوق المصحف ثم جاءت الصبايا بدفوف يدققن عليها ويغنين. مر الموكب بأزقة القرية كلها، وكلما مر بباب خرج أهل الدار يرشونه بالزهور والأرز، بالملبس والسكاكر، فيفرح الأولاد ويزدادون هزجاً ووثباً والفتيات دقاً للدفوف وغناء، منحنين جميعاً على الأرض يلتقطون الملبس والسكاكر. وحده الأخضر لم يكن يستطيع التقاط شيء، فيداه مثبتتان فوق رأسه والمصحف تحتهما يفرض عليه أن يظل الوقور المهيب الذي لا يرف له جفن. في ساحة القرية توقف الموكب، فك الخطيب وثاق الصبي الصغير ثم قدم له ورقة، فانطلق خطيباً في أهل القرية، يتحدث عن فضائل العلم والمعرفة، عن الفوارق بين العالم والجاهل فيما أهل القرية كلهم إعجاب بالصبي الذي مازال يلثغ... لسانه رغم قدرته على القراءة، لم يستقم بعد.. أحرف عدة لا تخرج منه سليمة تماماً... مع ذلك لم يثر ضحكهم بل إعجابهم... جده علي المر صفق له بحرارة وحماسة. أهل القرية كلهم صفقوا له بحرارة وحماسة، وحين انتهى احتضنوه جميعاً، بالدور احتضنوه، مقبلين لاثمين بل بعضهم رفعه بين يديه ثم قذفه إلى الأعلى كرة تطير في السماء... سنتين بعد ذلك ظلوا في القرية، وسنتين ظل الأخضر عند الخطيب يقرأ ويكتب، يتعلم الهندي والخط حتى صار خطه يضاهي خط الخطيب نفسه جودة وإتقاناً. مقدرته على الجمع والطرح، الضرب والتقسيم لا تفوقها قدرة.. لكن ذلك كان السقف، ففي القرية لم تكن ثمة مدرسة، لا صفوف ولا شهادات.... لهذا ما إن جاء عزيز ينقلهم إلى دمشق حتى كانت فرحة الأخضر لا تضاهيها فرحةٍ ففي دمشق مدارس وبإحدى تلك المدارس التحق الأخضر يشق طريقه بسرعة النيزك. ألهذا السبب كانت تحبه شمس؟ قلبها متعلق به تعلق العشق والهيام؟ لا... لا.. أبوه يقول: "ثمة سبب آخر"، ماهو؟ "تسأله فيجيب ضاحكاً" أليس هو نسخة عني أنا الحبيب الأول؟ "صحيح. شمس تعلم أن الأخضر نسخة عن عزيز وأن الحب للحبيب الأول فقط.. مهما نقل المرء فؤاده. شأنه شأن المنازل، مهما غيّر فيها وبدل... حنينه يظل لأول منزل. كما يقول أبو تمام: شمس ترعى الأخضر، تحنو عليه كما لا ترعى أحداً أو تحنو.. طعامه خاص، تود دائماً أن تطعمه بيدها، تسقيه بيدها.. ... تشفق عليه وهي تراه منكباً على كتبه، يقرأ، يدون، يستذكر، ... في بعض الليالي يسهر حتى تصيح الديكة ويرتفع الأذان في المآذن فتسرع إليه "وليدي... أشفق على نفسك... نم قليلاً.. خذ قسطاً من الراحة". وكالطفل الصغير تغمره بحنانها وقبلها ثم تطفئ النور لينام... في قرارة نفسها، كانت أحياناً تكره جده الشديد ودأبه المتواصل.. تريده أن يرتاح، أن يرى نفسه، يعيش حياته.. هي ترى بنات الحارة يحمن حوله، سرب قطا حول غدير: روضة، فريدة، ميسر، حنان... كلهن يأتين لزيارة العمة شمس.. زيارة بدور.. بهذه الحجة أو تلك يأتين وهي على يقين أنهن لا يأتين إلا لرؤية الأخضر، لاستراق نظرة منه، لاختلاس كلمة، لكنه دائماً يخيب أملهن. روضة تحاول لفت نظره: تحية من هنا، سؤال من هناك وترغمه على رد التحية والإجابة على السؤال، بل هي يوم استقبال الدكتور الشهبندر، استطاعت أن تحشر نفسها بجانبه وتتبادل معه بعض العبارات.. روضة تحبه، شمس ترى ذلك في عينيها، في تلميحات أمها، في كلامها عنه وعنها...لكن ماذا عنه، هو المشغول أبداً، المنكب على كتبه دائماً؟ حين جاء نواف يقول لأمه "مدي لي فراش العنكبوت لأحط رأسي وأموت" كان احتجاج الأب المداعب أن الزواج من حق الابن البكر.. فكيف يتعدى عليه ويأخذ دوره نواف؟ لكن الابن البكر تنازل راضياً عن دوره وبارك لأخيه الزواج. الابن البكر همه الوحيد أن يتعلم. أن يصبح طبيباً... حين خرج الأخضر من امتحان البكالوريا.. كان على ثقة أنه سينجح بتفوق، لكن كيف سيحقق حلمه الكبير؟ أين يدرس الطب؟ ذلك كان شاغله فكيف لا يفرح وقد وعده القومندان بالمساعدة؟ -حقاً، أمي.. أيساعدني القومندان؟ أتظنينه صادقاً؟ راح يسأل أمه المرة تلو المرة قلقاً وتلهفاً.. ومرة تلو المرة كانت الأم تهز رأسها حيث أشياء أخرى كان قد أثارها القومندان. -لا أدري... ربما والدك يملك الجواب.. انتظر إلى أن يعود أبوك.. كانت تجيبه كلما سألها.. لكن الأب لا يعود.. هو منذ عشرين يوماً ونيف في الجنوب، يشتري الحنطة والشعير.. يحملها على ظهور الجمال قوافل قوافل.. تأتي إلى مستودع الميدان، تفرغ حمولتها وتعود، وهو هناك متربص مقيم. الأخضر يسألهم عنه فيجيبون "الموسم خفيف هذا العام.. وأبوك لا يريد أن ينعكس ذلك عليه.. هو يتحرك هنا... هناك كي يسبق الآخرين، يدفع سلفاً للفلاحين فلا يبيعون للآخرين". قبل أن يطلع الموسم، كان الشريكان قد تنبها للأمر. "السنة محل، والغلال ستكون ضئيلة وعلينا أن نؤمن حاجتنا مسبقاً" وأعجب عزيز بالفكرة فتحرك في الحال إلى أبي دحدل وأبي شدهان.. شرقي حوران، غربيه يمد يد العون لهذا الفلاح المحتاج أو ذاك المعتاز، ويدفع سلفاً ثمن غلالهم. "السلف" طريقة في البيع يعرفها الفلاح ويضطر لممارستها على الدوام. فهو الفقير دائماً، الذي يجد نفسه رهن العوز والحاجة دائماً لا يملك إلا أن يبيع غلاله قبل جنيها.. الشعير يكون ما يزال زرعاً أخضر في الأرض، الحنطة لم تسبل بعد، مع ذلك يبيعها صاحبها مراهناً على أنها ستعطي سنابل في كل سنبلة مائة حبة.. بثلثي الثمن يبيعها الفلاح أحياناً وبنصفه أحياناً أخرى، التجار يستغلون حاجته فيفرضون عليه السعر الذي يشاؤون لكن عزيزاً لا يفعل ذلك... صبري نفسه لا يوافق على استغلالهم، "نعطيهم الآن ثم نحاسبهم بسعر الموسم" كان يقول لعزيز وكان عزيز يمضي بوجدان راض وضمير مرتاح إلى أصحابه في حوران يقدم لهم السلفة وينتظر الموسم تاجراً أثيراً وصديقاً صدوقاً. في الخربة، الطيبة، أم المياذن، نوى، داعل، كان الصديق الصدوق يجد أصحابه وقد هيؤوا له غلالهم، وكان يعبئ العدول لتحملها الجمال إلى الشام.. قافلته نفسها، جماله ذاتها، جمالوه ذاتهم يعملون معه كل عام، فعزيز لا يتخلى عمن يعمل معه. وحده عواد لم يستطع العمل هذا الموسم.. فالفتى الطويل النحيل كان يقدم البكالوريا.. لكن سوء حظه، أو ربما شدة فقره جعلته يقع صريع المرض.. أهي سوء التغذية؟ فقر الدم؟ عواد لا يدري.. ما يدريه هو أنه قدم ثلاث مواد وكل شيء على ما يرام، لكن ما إن جاءت المادة الرابعة حتى أحس بدوار في رأسه ثم خلل في توازنه... أفاق بعده فإذا هو في الغرفة الطينية البائسة التي استأجرها في درعا كي يقدم امتحانه... أسبوعاً كاملاً ظل عواد طريح الفراش.. صريع الحمى... وزائرتي كأن بها حياء.... فليس تزور إلا في الظلام. هو في النهار واهن ضعيف، ناعس يغالب النوم، بارد الجسم بارد الأطراف لكن ما أن يجيء الليل حتى تأتي الحمى لاهبة تئج أجاً فيئج معها جسمه أجاً... "يضيق الجلد عن نفسي وعنها.... فتوسعه بأنواع السقام" وهكذا ظلت، تغيب في النهار لتعود في الليل.. سبعة أيام بسبع ليالٍ، ثم ما أن ولت حتى كان امتحان البكالوريا نفسه قد ولى. لكن نظام الامتحانات الفرنسي رحيم... لعلهم هناك في فرنسا كانوا يعلمون مسبقاً أن عواد بن عايد العوايدة سيمرض في الامتحان ويتعذر عليه إكماله.. فخرجوا بفكرة "الإكمال". يرسب الطالب بمادتين أو ثلاث في فحص الصيف فيقدمها في فحص الخريف. فكرة جميلة أحس بها عواد، كأنما هي المن والسلوى نزلت على قلبه وآلى على نفسه أن يتفرغ للدرس لا يعمل في نقل الحنطة أو الشعير، جمّالاً أو عتالاً إلى أن يؤمن نجاحه. عزيز زاره أكثر من مرة في منزله، ربت كتفه مباركاً، حاشراً بعض النقود في جيبه صديقاً مساعداً يشفق أكثر ما يشفق على الفتى المكافح الذي توفي أبوه وهو ما يزال في اللفائف فأبت أمه إلا أن تنشئه خير تنشئة حتى لو كدحت ليل نهار، تفلح أرضها وتزرعها كالرجال، تحصد وترجد كالرجال لتثبت كل يوم أنها أخت الرجال. عزيز فرح بقراره، بتفرغه للدراسة، هو يريد له النجاح كما يريده للأخضر... "لكن المسكين حظه عاثر!!" كانت أمه لا تنفك تردد" لم تأته الحمى إلا يوم الفحص، "وكان عزيز حزيناً على حظه العاثر، كما كان يفتقده، مثلما يفتقد البطحيش... البطحيش يفتقده أهل درعا، حوران، بل الحاكم الفرنسي، قائد الجندرمة، الجندرمة أنفسهم يفتقدونه... فالمنطقة مذ غاب، قبل عشرة أشهر ونيف، لم تسمع بغارة مفاجئة على مخفر، لم تشهد قتل ضابط أو إطلاق نار أو تفجير قنبلة، وكأنما في الأرض السلام وفي الناس المحبة... بعضهم قال انها المعاهدة أتت أكلها، اقتنع الناس بها وقبلوا بنودها.. بعضهم الآخر كان يؤكد أنه هدوء الانتظار والتربص... يرقب الناس سلوك الفرنساوي أهو جاد حقاً في إعطاء البلد استقلاله أم هو ثعلب مراوغ؟" وبانتظار الجواب كانت قد توقفت العمليات.... لكن القلة منهم كانت تعرف الحقيقة... عزيز من هذه القلة، هو الذي بات يداً وحيدة.. واليد الوحيدة لا تصفق، يده الثانية البطحيش والبطحيش كان قد ذهب إلى فلسطين. كان العرب يسمعون من هناك نداء الاستغاثة وكان بعضهم يلبي، فيما بعضهم يصم الآذان... من جبلة انطلق شيخ أسمر البشرة أبيض اللحية، أسود الجبة ومعه كوكبة من فرسان مدججين بالبنادق والرصاص.. اتخذ من يافا موقعاً له، جمع حوله الرجال، شيباً وشباناً وكلهم يشتعلون حماسة للوقوف في وجه يأجوج ومأجوج ذاك الذي جاء من الغرب ولم يجيء من الشرق+... جند صفر الوجوه، سود القلوب كانوا يتحركون مع يأجوج ومأجوج، يلتهمون الأرض، يلتهمون البيارات، يلتهمون الثروات... سماسرة يغرون ويبتزون، نساء يغرين ويغوين، عصابات تهدد وتقتل ولا يملك رجال فلسطين إلا أن يخضعوا للتهديد والابتزاز، للإغراء والإغواء. شيخ جبلة، أسمر البشرة، أبيض اللحية، أسود الجبة، حث الرجال، شحذ الهمم، شحذ معاولهم، يريدهم أن يبنوا سداً في وجه يأجوج ومأجوج... فأرغى الريح الأصفر وأزبد "لا أحد يقف في وجهي... أنا الريح الأصفر أمر على الأخضر فييبس، اليابس فيحترق.. أنا الطوفان يكتسح أمامه كل شيء".. في قلب ذلك السد كان البطحيش، صخرة صوان لا يحتها سيل ولا يخرقها رصاص.. أشهراً ظل يقاتل.. عصابات، إرهابيين، شتيرن، آراغون... يهوداً، انكليزاً، كلهم أعداء كانوا وكان البطحيش يعرف كيف يقاتل الأعداء. في الليل يمكن أن تمر دورية جند فيرسل لها قنابله حجارة من سجيل تجعلها كعصف مأكول... في النهار يقنص.. بندقيته ألمانية حديثة، يده ثابتة لا تهتز.. وتل أبيب جارة يافا، تمر عصابة فيصوب إلى الرأس ويجندل الرأس، حواجز طيارة يرفعها في وجه المعتدين فيصفي المعتدين.. السماسرة يهاجمهم، تجار الأرض يباغتهم، عاهرات يهوذا يرعبهن فالمعركة معركة حياة أو موت ولا رحمة لمن يهددك بالموت.... المعركة واضحة، الأهداف واضحة والشيخ أسمر الوجه أبيض اللحية أسود الجبة يحددها بدقة: طرد يأجوج ومأجوج، منع الجراد من أن يغرز في التراب... يبيض ويفقس في الأرض.. المؤامرة كبيرة، هو يعلم ذلك، ويحدث رجاله بذلك... لكنه يقول بكل ثقة وإيمان "لا يموت حق وراءه مطالب.. فكيف إذا كان وراءه مقاتل؟" وكان الرجال كلهم يتحولون إلى مقاتلين... بل لقد رأى البطحيش، بأم عينه، النساء يتحولن إلى مقاتلات... نساء يافا، حيفا، القدس.. كن يقفن جنباً إلى جنب مع الرجال، يزودنهم بالطعام، يحملن الذخيرة، يضمدن جراحهم، ويزغردن.. يهتفن ويزغردن كلما حقق رجالهن نصراً... "لن ندعهم يغتصبون أرضنا"، كانت النسوة يرددن وراء الشيخ أبيض اللحية، "نروي ترابنا بدمنا ولا نفرط بذرة منه". وحين بدأ الجند صفر الوجوه أتباع يأجوج ومأجوج بالتساقط، دبر بعضهم مكيدة "نرسل لجنة"، "فيك الخصام وأنت الخصم والحكم"، رد الشيخ أبيض اللحية.. "لا.. اللورد بيل رجل نزيه محايد"، وضحك الشيخ المهيب "لو يد جورج يفاوض لو يد جورج، هكذا قال سعد زغلول ذات يوم" وتابع الشيخ القتال... يده تقترب من رأس الأفعى، تشد على العنق، تكاد الأفعى تلفظ الأنفاس.. لكنها تفح صارخة، تستيغث، فيشدد رجال بيل النكير على الشيخ، يضربونه بقوة على اليد التي تشد على عنق الأفعى... وبيل يلوح براية المهادنة والصلح "تقسيم البلاد إلى ثلاثة أقسام" قسم ليأجوج ومأجوج وقسم لكم وقسم يظل تحت حمايتنا.." وتتعالى الصرخات من جديد رفضاً لحل أشبه بالكارثة.... واحتجاجاً على مكيدة تكاد تنفذ.. رأس الأفعى يفح فرحاً وقد اقتنص الاعتراف الأول بدولة يأجوج... "ترفضون اقتراحنا!؟ تعصون أوامرنا؟ خذوا إذن"، عربد زبانية بلفور، الرجل الذي أعطى مالا يملك.. فانهمرت عربدتهم على الرافضين رصاصاً وقنابل راحت تمزقهم إرباً إرباً.. إحدى تلك الرصاصات أصابت عظم الفخذ من البطحيش فألقته أرضاً يروي دمه التراب... أحد رفاقه حمله نازفاً حتى الثمالة، وضع له الأعشاب التي تقطع النزيف، سقاه الدواء الذي يحفظ اللحمة ما بين الروح والجسد فأبت روحه أن تفارق جسده... بعدئذ، نقل إلى أقرب قرية، أسعفه المجبّر، عالجه الحكيم العربي وهناك ظل شهوراً طريح الفراش.... ثم ما إن بات باستطاعته أن يسير على رجليه حتى كان كل شيء قد انتهى: السدود كلها انهارت، ويأجوج ومأجوج يعيثان فساداً في فلسطين. -البطحيش يريدك، همس فتى يافع في أذنه دون أن يعلم كيف، أو من أين جاء. -وهل عاد؟ صرخ صرخة فرح كادت تفشي السر. فعلى البيدر، حوله، كان بضعة رجال وفتيان.. وكانت القافلة على أهبة الاستعداد محملة بالحنطة والشعير... الليلة صيفية قمراء، بدرها يحتضن أشعة الشمس فينسكب فضة على الأرض ويشع ألقاً ساحراً للأبصار آخذاً بالألباب. -أجل... هو حيث تلتقيان عادة... قال الفتى ثم أسرع بالانسحاب. كان عزيز يريد مرافقة القافلة، فقد انتهى الموسم وأخذ عزيز ما يريد من حبوب.. لكنه البطحيش... الرفيق الغائب فكيف لا يطير إليه؟.. الكرك حي متشابك البيوت، ضيق الأزقة، متصل الأسطح، حتى ليشكل كتلة واحدة في وجهك يذكرك بقلعة الكرك ذاتها، تلك التي ظلت تتوسط الفيافي قروناً وقروناً مشرفة من علٍ، شامخة أبية، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها.. في عمق الأعماق من تلك القلعة وفي أبعد زاوية من أحشائها كان البطحيش يتمدد على حصيرة عتيقة، عكازه إلى جانبه، فالفخذ لم يعد كما كان.. والرحلة مضنية من القرية المطلة على البحر إلى هضاب العدو، من جبال السامرة إلى وادي الأردن.. بحيرة طبريا عبرها بزورق صياد، اصطاد له سمك المشط ثم شواه على رمل الشاطئ الشرقي.. "آه يا لطبرية الرائعة!! يا لمياهها الدافئة!!! يا لسمكها الشهي اللذيذ!! "كان البطحيش يسري في الليل ويسير في النهار.. قبل طبريا كان الإنكليز، حماة اليهود وصنائعهم، وبعد طبريا كان الفرنساوي حلفاء الإنكليز وأنصارهم... فكيف يظهر البطحيش؟ هو يعلم أن الفرنساويين يترصدونه. غيابه تلك الفترة لا يعني نسيانهم له... هم أرباب الحقد والانتقام، أينسون حقدهم عليه وحبهم للانتقام منه؟ مع وادي اليرموك سار.. أتان صبور حملته على أوعر الطرق واجتازت أضيق المسالك.... وتحت جنح الظلام، حين يتحول الكرك إلى بعبع يخيف الفرنساوي فلا يقربه جند ولا درك، تسلل البطحيش إلى عمق الأعماق ذاك، إلى عش النسر تلك الزاوية القصية من أحشاء الكرك... عزيز يعرف مسالك الكرك، يعرف دورب عش النسر. جاءته الهمسة فأمر القافلة بالمسير ومثلما انسل البطحيش انسلالاً فعل عزيز ذلك إلى أن وصل إلى العش. بالأحضان استقبله البطحيش، وبالقبل أغرقه عزيز. -حمداً لله على سلامتك!! أي فراغ تركت!! أي خوف عليك خفت!! وانسابا جنباً إلى جنب نهرين من شوق. صاحت ديكة الليل وسكتت شهرزاد عن كلامها المباح ولم تصح ديكتهما ولا سكتا عن الكلام، مباحاً وغير مباح. كان عزيز يشتعل قلقاً لمعرفة ما جرى وما يجري على أرض فلسطين... الغموض يلفلف كل شيء... لكن البطحيش بات قادراً على كشف ذلك الغموض: الانتداب البريطاني على فلسطين جاء لغاية واحدة: تقديم فلسطين على طبق من فضة لأبناء يعقوب... بريطانيا وضعت خططاً سرية محكمة وحكامها اليهود ينفذون تلك الخطة: اضطهاد اليهود في أوربا.. طرد هتلر لهم من ألمانيا إنما كله لهدف وحيد: دفعهم للهجرة إلى فلسطين... ولكي يحققوا ذلك بيسر وسهولة يزرعون في أذهانهم أن الرب يهوه يفتح لهم الباب على مصراعيه لتحقيق حلمهم بالعودة إلى أرض الميعاد... أليسوا شعباً بلا أرض؟ إذن ليذهبوا إلى أرض بلا شعب... -لكن، ثمة أناس في فلسطين، فأين يذهبون؟ سأله عزيز وهو يتنهد حسرة. -في نظرهم، هؤلاء مجرد غوييم... أجاب البطحيش الذي بات يعرف الكثير عن اليهود وفلسطين -غو.. ماذا؟ قال بتعجب وقد فاجأته الكلمة. -غوييم... أي... بهائم.. قطعان من السائمة ليست من البشر في شيء... وكادت عينا عزيز تخرجان من محجريهما... -كيف إذن يسكتون عليهم؟ لم لا يفجرون بهم الأرض والسماء؟ -هم يحاولون.. وإلا ما الذي فعله الشيخ القسام؟ رجال الثورة؟ الكل هناك يعلن أن البلاد كلها، الشعب كله، على مفترق طرق، إما النصر والحياة وإما الهزيمة والموت... -إذن، لم توقفت الثورة؟ لم لم يستمر القتال؟ -حين ينتهي وقود النار هل تسأل لماذا انطفأت؟. بدأ البطحيش بنبرة من أسى، بعدئذ شرح لعزيز كيف تكالبت قوى جبارة على الثورة الوليدة: عصابات اليهود من جانب وجنود الاحتلال من جانب آخر، لا مبالاة الحكام العرب من جهة وسكوت العالم من جهة أخرى، حتى سقط رجالات الثورة واحداً تلو الآخر وانهارت قواها شيئاً فشيئاً. بعدئذ جاءت الضربة القاضية: الكتاب الأبيض الذي أصدره البريطانيون وليس له من غاية سوى خداع العرب وإسكاتهم إلى حين. -كم كان بودي أن أكون معك فأقاتل بجانبك، قال عزيز وهو يتنهد متحسراً على فوات فرصة من فرص العمر. -عزيز، الاستعمار واحد، في سورية، في فلسطين.. الاستعمار واحد، نقاتله هنا فكأننا نقاتله هناك... هز عزيز رأسه مثنياً على الفكرة، ثم اعترف لصديقه أنه طوال غيابه لم يستطع إطلاق رصاصة واحدة، شاكياً له فتور همة الناس وتسليمهم بالأمر الواقع، على أمل أن تعطيهم فرنسا حريتهم واستقلالهم... -الحرية تؤخذ ولا تعطى، قال البطحيش بحرقة وألم... والاستقلال لا ينال إلا على جسر من التضحيات.. -نعاود معركتنا إذن؟ سأل عزيز بفرح شديد، وكأن انقطاعه عن مقارعة الاستعمار كان غمه الأكبر.. -بالتأكيد... سورية يجب أن تتحرر.. البلدان العربية كلها يجب أن تتحرر... الآن أنا على قناعة تامة أن فلسطين ستضيع لأننا ضعفاء، مجزؤون، مستعمرون. بعد ذلك، تشعب الحديث شعباً شتى ثم لم يتوقف حتى بانت الخيوط الأولى للفجر، لكن قبل أن ترقد أجفانهما كانا قد تعهدا أن يتابعها سيرتهما الأولى: مقارعة للاستعمار لا تهدأ. عاد عزيز إلى دمشق فتبين له للتو أن عليه أن يقارع الاستعمار، ليس في ساحات القتال وميادينه السرية فحسب، بل في بيته ذاته. -أطلت الغياب وأنا بأمس الحاجة إليك، بادرته شمس هامسة وقد خلا لهما الليل والفراش.. -أنا أيضاً بأمس الحاجة إليك.. بأحر الشوق إليك، رد عزيز وهو يأخذها بين ذراعيه شاداً ضاماً، لاثماً مقبلاً وكل ما خطر بباله أنها حاجة الجسد وشوق الحب. -لا، لا ما هذا قصدت، غمغمت شمس وهي تتملص من بين يديه. انكمش عزيز متشنجاً وكله استغراب أن لا تكون شمس متحرقة شوقاً للقياه، أن لا ترمي بنفسها بين ذراعيه لتذوب توقاً ورغبة.. "إيه!! أهو السن أطفأ نار الحر!؟ أهو الزمان ولى برغائب الجسد ولهب الروح".. كانت عيناه تخاطبان الحبيبة بهمس خفي لا تسمعه الآذان بل تقرأه العيون عاتبة لائمة.. فالحب في قلب عزيز كان ما يزال راسخ الأركان، ضارباً جذوره عميقاً في تربته البكر.. فكيف لشمس أن لا تستجيب؟ كيف لحبها أن لا ينفجر حمماً وقد التقيا بعد غياب؟ هو يذكر أن أجمل ساعاتهما تلك التي يلتقيان فيها بعد غياب.... أحلى أيامهما أيام لم الشمل... لكأن الفرقة تضرم نار الحب، البعاد يدفعك للالتحام فتعمل على محو المسافات، على الانصهار في بوتقة الحب من جديد... -ماذا؟ زعلت؟ سألته وقد رأت انكماشه وتشنجه.. وحين لم يجب متفحصاً إياها متفكراً، تابعت.. أرجوك، عزيز، حبيبي، لا تؤاخذني.. ثمة أمر خطير يشغلني.. -أمر خطير!؟ يشغلك؟ ردد وقد استنفر شيء في داخله فجأة. -أجل.. القومندان رينو!! بدأت لكن دون أن تكمل، كأنها لا تدري كيف تنقل له الخبر. -ماله القومندان رينو؟ -جاء لزيارتنا في غيابك... أجابت، كأنما سهّل سؤاله عليها الجواب.. -كابيتان جيرار آخر!؟ -هذا ما فكرت فيه، لكن يبدو أن الأمر أخطر من ذلك أيضاً. -كيف عرفت؟ ماذا قال؟ بدأ أسئلته لكنها قطعت عليه الطريق مشيرة بيدها أن: مهلاً. كلمة بكلمة ولحظة بلحظة، نقلت شمس لعزيز زيارة القومندان فارتسمت على محياه سيما الخوف. -هكذا إذن!؟ عرف أنني كنت عسكرياً؟ -بل عرف كل شيء عن عرس نواف، عن القرية. -وحماة؟ -لم يأت على ذكرها، لكن الأمر واضح: زيارته ليست لوجه الله، بل تقربه كله منا ليس لوجه الله. -عزيز يعلم أن مخاوف شمس في محلها، فالسر الذي حرصا على إخفائه طوال اثني عشر عاماً مهدد بالإفشاء الآن.. هو يعلم أنه ما من أحد يعرفه، لكن إن أمسك القومندان برأس الخيط، تقصى وبحث، ألا يصل إلى نهاية الخيط؟ لكن... من أعطاه رأس الخيط؟ صبري؟ مستحيل... لورنس؟ أجل... ربما، فالكولونيل صديقه ولعله استدرجه فزلق لسانه بما يكشف شيئاً عن ماضيه. لكن كيف له أن يكشف السر نفسه وهو لا يعرفه؟ اطمأنت نفس عزيز قليلاً، وبنوع من المكابرة، استجمع شجاعته، وبصوت أجش قال: -لا، لا تخافي.. سرنا في بير عميق لا يمكن أن يصل إليه أحد.. -ما عدا هذا القومندان.. ردت شمس وهي تزفر زفرة حرى، انه ثعلب مراوغ لا تدري كيف يحفر الأنفاق للتحرك تحت الأرض هنا، هناك، فلا يراه أحد... عزيز... يجب أن نعرف من حديثه عنا. -ما أحسبه إلا لورنس. -إذن، يجب أن نتأكد من لورنس... في الأيام التالية، صار ديدن عزيز أن يذهب إلى لورنس، لكن الأمير غائب... ولا أحد يدري أين؟ ربما هو في البادية، ربما كان في نجد، في بيروت، فالأمير واسع العلاقات، كثير الارتباطات، سندباد رحلات.. لا يحط في مكان إلا ليرحل... يحب الحياة، يحب الجديد، يحب التغيير.. تستهويه الحضارة، تجذبه الكهرباء، أنوار باريس، لندن، لكأنما تعاف نفسه كثبان الرمال ومضارب العربان، داره الواسعة في الحي الذي سمي باسم عائلته تعج بالناس.. عبيد سود، بدو سمر، رجال بيض، خدم، حشم، ضيوف، أقارب، لكن دون أن ينقصهم شيء: الطعام، الشراب، المال، كل شيء يظل متوفراً لهم وكأن الأمير على سدة عرشه. -هو في القاهرة، أسر له أحد عبيده الأقربين، وعجب عزيز. لكن عجبه ازداد أكثر حين عرف السبب. أسمهان تغني هناك وهو يحب أسمهان. -أمن أجل أسمهان يذهب إلى القاهرة؟ لم يملك عزيز إلا أن يتساءل، فقد بدا له الأمر مثيراً للاستغراب. هو يحب الطرب، يستمتع بالغناء لكن أن يتحمل مشقة السفر إلى القاهرة كي يسمع غناء بدا له أكثر من مثير للاستغراب... لورنس يخالفه الرأي، هو يتباهى بحبه لأسمهان وتحمله مشاق السفر إلى القاهرة لسماع صوتها الرخيم الذي، كما يرى، لم يعرف العالم مثيلاً له. -آه!! صرح الأمير لصاحبه: ذاك الذي ظل ينتظره أكثر من عشرة أيام!! لو سمعتها وهي تغني: "أهوى... يا من يقل لي أهوى أسقيه بايدي القهوة.." إذن لحلقت في السماء طرباً ونشوة.. هز عزيز رأسه موافقاً على كلام الأمير، وكل ما يشغل باله أن ينتهي من أخبار الطرب ورحلته إلى أسمهان كي يتفرغ لحديثه عن رينو وما تحدثا عنه هو ورينو. لورنس لا يتذكر تماماً ما تحدثا عنه.. طلب إليه عزيز أن يتذكر، عصر لورنس دماغه عصراً لكنه لم يخرج إلا بصورة مشوشة غامضة: -هو يعلم أنك لست من الرولا.. ثم أراد التأكد مني... -وأكدت له؟ سأله عزيز بدهشة... -كان الحديث عرضياً و.. بدأ الأمير ثم جلس بعد اتكاءة وكأنما تذكر.. أجل.. أجل... هو حلفني إن كنت من الرولا أصلاً أم لا.. ولم أستطع أن أكذب.. لكن لماذا تسأل عزو؟ ألحق الأمير سؤاله إلحاقاً فتلجلج عزيز واضطرب.. -لا.. لا.. لا شيء.. رد عزيز باقتضاب مؤثراً الصمت على أن يزلق لسانه بكلمة.. لكن حين خرج كان على يقين أن القومندان يتقصى عنه هو وشمس.. ليس من الآن بل من قبل وأن استقصاءاته دافعها الشك والريبة. -دعنا نرحل، اقترحت شمس وقد عاد عزيز بجواب لورنس المشوش الغامض. -ماذا؟ سأل عزيز فاتحاً عينيه على سعتهما. -نرحل، نترك دمشق إلى حيث لا يجد لنا القومندان أثراً... -وبيتنا؟ أرزاقنا؟ تجارتنا؟. -حياتنا أثمن، عزيز.. وهي مهددة بالخطر!! -إلى هذه الدرجة خائفة.؟ -وأكثر عزيز.. أنت تعلم، ميتهم لا يموت.. واستقصاءات القومندان ليست عبثاً.. لابد أن لها غاية: مقتل جيرار. هو ولا شك لغز محير مازالوا يعملون على حله حتى اليوم... وإذا حلوه هلكنا.. أنا وأنت هلكنا. وبدت شمس خائفة أكثر من أي وقت مضى. -يا حيف!! الفارس الملثم يخاف إلى هذا الحد؟ عقب عزيز بنبرة فيها مزيج من معاتبة وتشجيع. -فارس ملثم!!؟ إيه.. سقى الله تلك الأيام!! حين كان الفارس الملثم قلباً كالصوان وزنداً كالفولاذ!! بمفرده، يملك الشجاعة لأن يواجه جيشاً.. هو الذي لا يخاف على نفسه أبداً. لكنه اليوم يخاف على الزوج والحبيب.. الأبناء والبنات.. وحده الفرح أنساها الخوف، أنساها الخطر، أنساها القومندان رينو... فقد طلعت الصحف في الصباح التالي بأسماء الناجحين في شهادة البكالوريا وكان اسم الأخضر في رأس القائمة... وللتو لعلعت الزغاريد في أرجاء الدار.. ثلاثة أيام بثلاث ليالٍ ظلت الدار تعج بالمهنئين والمهنئات. الحلويات توزع، المشروبات تقدم، القهوة تصب والفرحة ملء الدنيا.. شمس تود لو كانوا في المضارب.. عند الشيخ نواف، إذن لذبحت لنجاح الأخضر خرافاً وخرافاً.. لكن في المدينة!!؟ الجدران تسد الآفاق، البيوت تتزاحم، الأزقة تضيق بالناس ويكتفي عزيز بجوقة الفرح، تأتي في المساء، يلعب فتيانها بالسيوف، يرقصون ويهزجون، ومع رقصهم وهزجهم يرقص عزيز، ترقص شمس، تحلق بأجنحة الفرح.. نساء الحارة كلهن يحلقن معها فرحاً فليس في كل يوم ينال أبناء الحارة شهادة البكالوريا. الكتّاب هو غاية المنى، المدارس تعد على أصابع اليد الواحدة في البلاد كلها، الأمية متفشية، فكيف لا تفرح شمس وابنها ينال البكالوريا؟. -ابني.. حبيبي.. رفعت لي رأسي!! كانت تردد كلما رأته عبر الزحام وبعد الزحام، وكان يرد فرحاً وزهواً. -وسأرفع رأسك أكثر!! سأجعلك أم الطبيب!! -أجل.. أريد أن أكون أم الطبيب!! وتغزو رأسها نشوة لم تغزها من قبل كما ترى في عيني روضة فرحاً لا يضاهيه فرح.. ينكتم كلما سمعت بكلمة طبيب... عزيز يكاد يطير فرحاً هو الآخر.. يشعر أنه هو الذي نجح، هو الذي سيصبح طبيباً. شعور لم يعرفه قط!! "أهذا هو الامتداد؟ التجدد؟ الاستمرار؟". هو يشعر أن ابنه يحقق ما كان هو نفسه يحلم بتحقيقه.. يشعر أن الأخضر هو امتداده عبر الزمان، امتداده عبر المكان فكيف لا يفرح؟ بوده لو كان في القرية أيضاً، إذن لأقام الأعراس ولجاء بالطبول والزمور، ولذبح الخراف والجديان!!" آه!! يا للقرية، أمداء واسعة وآفاق شاسعة!! تتواثب فيها وتتقافز، تهتف وتفرح فيردد العالم كله أصداء فرحك!!". مع الفرحة عاد السؤال يدور في المنزل "كيف يصبح الأخضر طبيباً؟ أين يدرس؟" كانت جامعة دمشق ما تزال وليدة كلية الطب فيها ما تزال تحبو، فكيف يحقق الفتى حلمه؟ سألت شمس صديقتها نازك فأجابت: -في القاهرة.. يمكنه أن يذهب إلى مصر، يدرس الطب هناك. لكن حسبة بسيطة أجراها عزيز وشمس جعلتهما ينكمشان خوفاً، القاهرة بعيدة وهي بحاجة إلى نفقات ربما لا يستطيع عزيز تحملها، ومضى الأب بفرحه وهمه إلى الدكتور الشهبندر. -عظيم!! هتف الزعيم فرحاً بالنبأ!! ألف مبروك!! -بارك الله فيك ياسيدي!! رد عزيز يشيله جناحان من الزهو والفرح، لكن المشكلة أنه يريد أن يدرس الطب!! -وأين المشكلة؟ سأل الرجل المستنير الذي يجد حلاً لكل مشكلة، في بيروت جامعة أمريكية تدرّس الطب. أنا نفسي درست فيها، وهذه هي بيروت.. رمية حجر!! وبدا لعزيز أن الحل معقول.. كلية دمشق لم ينصحه أحد بها، لكن بيروت قريبة فعلاً والجامعة فيها أمريكية، جهاز التدريس، الإدارة، كل ما فيها كأنك في نيويورك، هكذا قال الدكتور الخبير الذي درس فيها قبل ثلاثين سنة ما يريد الأخضر أن يدرسه اليوم. -والنفقات؟ -بيروت رخيصة!! يعيش كأنه هنا.. ثم يمكنني أن أزكيه هناك فيساعدوه!! قال الطبيب وهو يتذكر كيف درس هو نفسه بمساعدة الآخرين دون أن يكلف أهله أي عبء.. أهذه هي الحياة؟ يساعدك الناس لتساعد الناس؟ إنها السنة التي لا يملك أحد لها تبديلاً، وخرج عزيز وهو يكاد يطير فرحاً. لقد وجد الحل... لكن ما إن وصل إلى المنزل حتى وجد في انتظاره حلاً آخر. كان القومندان رينو يتصدر غرفة الضيوف، وكان معه الأخضر، فيما سارعت شمس لاستقباله قرب الباب الخارجي. -لقد عاد.. عزيز... أنا خائفة.. الرجل لن يتركنا سيعكر فرحنا.. فماذا نفعل؟ -دعينا أولاً نرَ ما يريد. هدأ عزيز الزوجة التي عاودها الخوف من رجل ربما يستغل المناسبة كي يبحث ويتقصى لكن بكل لطف ودماثة بدأ الرجل الحديث.. مباركاً.. مهنئاً، فرحاً سعيداً حتى بدا وكأنه أكثر فرحاً وسعادة منهما، بعد ذلك توجه إلى الفتى، وبفرنسية رقيقة ناعمة بدت أشبه بنغمات أوتار، راح يحدثه ثم يسأله.. الأخضر يجيب والقومندان فرح بإجاباته. أخيراً توجه إلى شمس. -مدام، لقد وعدتك بمساعدته وأنا عند وعدي.. قال مخاطباً الأم التي كانت طوال ذلك الحديث تنقل ناظريها بين ابنها والقومندان انتقال مشاعرها بين الفرح والخوف. "معقول!؟" تردد السؤال في جمجمتها وهي تفتح عينيها دهشة وتعجباً... كان خوفها من القومندان قد أنساها وعده بالمساعدة فلم تأت على ذكره لعزيز، وكان تفكيرها بالسر الذي يبحث عنه القومندان قد غيَّب عن ذاكرتها كل ما عداه.. لكن ها هوذا يأتي مهنئاً مباركاً وقبل هذا وذاك يؤكد التزامه بالوفاء بالعهد. -أية مساعدة، سيادة القومندان؟ سارع عزيز للتدخل وقد فاجأه قول لم يسمع به من قبل... -هذا الطالب النجيب سيدرس الطب على حساب الحكومة.. أجاب الرجل وهو يربت ظهر الفتى الذي بدا وكأنه على وشك الطيران. -يدرس الطب على حساب الحكومة؟ هتف الأب والأم هتاف التعجب والفرح. هز القومندان رأسه هز التأكيد، مخرجاً من جيبه ورقة ختمت بخاتم الحكومة وكتبت بلغة لا يستطيع فك حروفها عزيز أو شمس... -أجل... قال، وهو يسلم الورقة للطالب النجيب، وهذه منحة باسمه يدرس بموجبها الطب في باريس... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |