|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:27 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
6- "يا إلهي!! أي اختراع رائع هذا الذي يسمونه البريد!!" كانت شمس لا تفتأ تكرر مذ جاءتها أول رسالة من الأخضر تطمئنها على وصوله بالسلامة إلى باريس. وكلما أبدت إعجابها بذلك الاختراع الرائع كان عزيز يزداد ضحكاً. "البريد موجود منذ القدم وليس هو اختراعاً جديداً.. أيام الخلفاء الأمويين، العباسيين، كان هناك بريد وموظفو بريد!!" "صحيح، لكنهم كانوا ينقلون مراسلات الدولة بين الولايات والعاصمة، الأطراف والمركز... وليس كهذا البريد الذي ينقل رسائل الناس كلهم إلى الناس كلهم وبسرعة لا تقل عن سرعة الحمام الزاجل" "هه!! أمسكتك!! الحمام الزاجل!! بعظمة لسانك قلت هذا!! بسرعة الحمام الزاجل، وماذا كان يفعل الحمام الزاجل؟". على هذا النحو كان الزوجان يتناقشان. عزيز يصر على أنه ليس هناك من جديد بل كله قديم يتطور شيئاً فشيئاً وشمس مفتونة باختراعات جديدة تفرزها الحضارة كل يوم: بدءاً من البريد وحتى الطيارة، السيارة، الهاتف، الحاكي، الإذاعة، الكهرباء، والقائمة تطول وتطول. "من يصدق؟ هذه الرسالة خطتها يد الأخضر قبل خمسة عشر يوماً؟ خلال نصف شهر فقط قطعت تلك المسافات الطويلة.. عبرت بلدان أوربا كلها لتصل إلينا هنا في دمشق!!". شمس مفتونة بما يتفتق عنه العقل البشري، عن ابتكارات كان يحلم بها الإنسان... بساط الريح، المرآة السحرية، افتح يا سمسم، كلها أحلام كانت تراود الإنسان مذ عرف الأحلام، ثم هاهي ذي كلها تتحقق.. بهذا الشكل أو ذاك تتحقق. شمس تسمع الأخبار، الأحاديث، الأغاني من مذياع لا يزيد حجمه عن سحارة بندورة... حسبها أن تدير قرصاً صغيراً ليأتيها صوت المذياع الذي يتكلم من لندن "هنا، هيئة الإذاعة البريطانية ثم ينقل أخبار العالم" تشامبرلين طار إلى باريس ليلتقي بنظيره الفرنسي.. هتلر يستعرض قواته العسكرية الهائلة.." وإذا أرادت أن تشف أذنيها بصوت سيد درويش أو عبده الحمولي وضعت أسطوانة على الحاكي ثم أدارت إبرة.. "إبرة تخرج صوتاً رخيماً وموسيقا عذبة، كيف؟ يا إلهي!! فقط لو أعرف كيف؟" ولم يكن باستطاعة عزيز أن يشرح لها كيف.. نازك، صديقتها حاولت، لكن وقفت في النهاية عاجزة إزاء استفساراتها الكثيرة فاكتفت بأن زجرتها ضاحكة "تريدين العنب أم قتل الناطور؟" هي تريد العنب، صحيح لكن الإنسان خلق وكله فضول وحب استطلاع... حين ركّبوا لها الهاتف في المنزل، بلغ فضولها أشده. وطوال أيام ظلت ولا شاغل لها إلا أن تدير مقبضه، ترفع السماعة ليأتي صوت السنترال "نعم.. من تريدين!؟ أي رقم تطلبين؟" وتطلب أم فريد، جارتها أم قعود، زوجها في المحل.. متعجبة، مندهشة، تتحدث وكأنها لا تصدق أنها تتحدث، لا تصدق أنها تسمع. وحين باحت بعجبها ودهشتها تلك، تنطع عزيز للشرح "افرضي عندنا قط، رأسه في البيت وذيله في المحل، إن دعست أنا على ذنبه ماذا يحصل؟" "يموء، يصرخ"، ردت شمس "عليك نور"، تابع عزيز شبه هاتف "يطلق صوتاً، وهكذا الهاتف: قط يدعسون على ذنبه هناك فتسمعين صوته هنا" "لو أسمع صوت الأخضر فقط!! لو يحدثني من فرنسا!!" راحت شمس تتمنى "لا، أنت طماعة، شمس" رد عزيز مداعباً "حسبك أن رسائله تأتيك بانتظام فتعلمين كل شاردة وواردة". شمس تعلم أنها طماعة، أحلامها كبيرة.. دائماً، لا تفتأ تنتقل من حلم إلى حلم، وكأنها تجسد البشرية التي ما فتئت مذ وجدت تحلم، تطلق لعنانها الخيال، فتتخيل الأفضل، تحلم بالأحسن ليعمل العقل بعد ذلك على تحقيق الأفضل والأحسن... -ما هذه خالتي؟ سألت روضة الخالة شمساً وهي تجلس إلى جانبها، قرب المدفأة. -رسالة الأخضر الجديدة، تدخلت بدور ابنة الرابعة عشرة غامزة ضاحكة... تقرأها ولا تشبع منها أبداً، مثل بعض الناس... -اذهبي.. اذهبي.. هاتي لنا إبريق شاي... زجرتها أمها بنبرة المداعبة، فقد كانت نار المدفأة تغري بشرب الشاي. خرجت بدور دون تردد "عطشان الشاي يرويك.. بردان الشاي يدفيك" كان الكل يقول ذلك، مردداً الدعاية في الإذاعة البريطانية، وكان شباط البارد يدفع المرء للبحث عما يدفئه. -ماذا يقول؟ ما أخباره؟ سألت روضة على استحياء وهي تشير بإصبعها إلى الرسالة، وكأنها لا تعرف عنها شيئاً.. -بخير.. صحته جيدة.. دراسته ممتازة يقول انه أنهى دورة اللغة.. صار يتقن الفرنسية مثل الفرنسيين.. بدأت شمس بزهو يبرق في عينيها، ويد تحرك الرسالة يمنة ويسرة متشممة رائحتها كلما اقتربت من وجهها.. فيما كانت عينا روضة تلاحقان الرسالة وكأنما هما مشدودتان إليها بخيط سري.. -يخلي لك إياه خالة... الأخضر شاطر.. ذكي.. علقت الفتاة بنبرة الهمس وكأنما تخجل أن ترفع صوتها.. -طوال عمره هكذا.. في الشهر العاشر بدأ يتكلم وفي الثاني عشر كان يمشي.. عند الكتّاب كان أبرع التلاميذ وحين أدخلناه المدرسة هنا أدخلوه مباشرة في الصف الثالث. -أعلم.. خالة.. هو حكى لي ذلك.. -صحيح!؟ كان يحكي لك؟ سألتها شمس وقد داخلها استغراب مفاجئ. -أحياناً، عندما كنا صغيرين.. كنا نلتقي.. وكنا نلعب معاً.. شمس تتذكر أن روضة كانت تأتي كثيراً إلى المنزل.. بدور أصغر منها بسنتين والأخضر أكبر منها بثلاث، بين بدور والأخضر، كانت روضة تجد ضالتها من لعب ولهو، تسلية وتفريج. أخواتها في المنزل يصبنها بالضجر، كلهن بنات، لا يعرفن غير الزعيق والصراخ.. وأمهن لا تنفك تلاحقهن "دعي هذا" "افعلي ذاك"، "اذهبي هناك" "تعالي هنا" فلماذا لا تهرب؟ في منزل الخالة شمس لا أحد يلاحقها، لا أحد يأمرها، بل الكل لطيفون دمثون، يعاملونها بكياسة.. الأخضر أكثرهم لطفاً وكياسة.. هو يجيب على أسئلتها، يلبي رغباتها، فيما بدور تعطيها كل ما لديها من ألعاب، تلعبان معاً كلما وجدتا الفرصة. في الصيف ينضم إليهما الأخضر، يلاعبهما الاستغماية، تختبئان عليه في بيت المؤونة، تصعدان إلى العلية لكنه سرعان ما يكتشف مكانهما، يمسك بهما ليأتي دوره هو في الاختباء. ذات مرة كانت تختبئ في خزانة الثياب وكانت تحسب أنها في مأمن، تستند على باب الخزانة وتصيخ السمع. لم يكن هناك صوت، لكن فجأة فتح باب الخزانة ووجدت نفسها تهوي في أثره.. زعقت لكن سرعان ما انكتمت زعقتها وقد صار فمها على صدر الأخضر ورأسها بين يديه، ثم انقلبا معاً على الأرض وقد احتضن كل منهما الآخر، أهو خوف عليه؟ أم رغبة في الالتصاق به؟ روضة لا تتذكر، كل ما تتذكر أنها كانت لحظة عجيبة، أحست فيها أنها تمتلك الدنيا كلها بيديها وهي تحتضن الأخضر، تحس بدفء جسده لصق جسدها، بدفء أنفاسه قرب وجهها، فيما لمعت أمنية خفية في رأسها "ليتنا نظل هكذا فلا نفترق أبداً"، لكن بمثل تلك السهولة، هيهات أن تتحقق الأماني. بدور بالمرصاد جاءت فنهضا عن الأرض ينفضان ثيابهما ويضحكان. لكن منذ تلك اللحظة صار الأخضر بالنسبة لها ينبوع الدفء الذي لا تريد أن تنهل إلا منه. كانت في العاشرة يومذاك، ومنذ العاشرة صار الأخضر حلمها الجميل يرفرف معها في فضاء غرفتها كلما همت بالنوم، وتفتح أجفانها على طيفه كلما استيقظت.. معاً ترعرعا، هي والطيف، معاً كبرا هي والحلم... متباعدين حيناً متقاربين حيناً آخر... كانا ينموان.. طفلين، فمراهقين.. ثم ما إن خط الشعر شاربيه حتى جاء السفر.. على حين غرة جاء.. هو طموح.. يريد أن يصبح طبيباً، حدثها مذ كان صغيراً عن حلمه ذاك، لكنها لم تكن تظنه سوى حلم.. إذ كيف يمكن لفتى رقيق، ناحل العود، غض الإهاب، أزغب الشاربين أن يصبح طبيباً؟ كانت كثيراً ما تتساءل "الطبيب ينبغي أن يكون رجلاً قوى البنية عريض المنكبين، جهم الوجه، مقطب الجبين، كث الشاربين، أبيض الشعر، وأنى للأخضر مثل هذه الصفات؟". لهذا ربما، كانت مطمئنة أن حلمه لن يتحقق أبداً وأن الأحلام غالباً ما تظل أحلاماً... ولهذا ربما، لم تكن تعترض على أحلامه، بل لم تكن تناقشها.. فذات يوم سيجد نفسه أمامها، هي روضة الحلوة المحبة، ولن يجد له خياراً سواها. لكن هاهو ذا الحلم تحقق.. على حين غرة، خرج عفريت من قمقم، وقال لعلاء الدين "شبيك لبيك، عبدك بين يديك.. اطلب وتمنّ، "وتمنى علاء الدين أن يذهب إلى فرنسا يدرس فيها الطب، فحمله العفريت إلى هناك أمام سمعها وبصرها وهي لا تملك إلا أن تقف مذهولة تكاد لا تصدق ما ترى. -ضعي حطباً، بدور.. قالت الأم لابنتها وقد أحست بالنار تهمد.. كانت الفتاة قد جاءت بالابريق، وضعته على مدفأة الحطب ثم دارت على عقبيها، هامة بالخروج. -تأمرين.. يماً.. ردت البنت بلهجة أمها البدوية التي كانت تداعبها بها أحياناً، ثم عادت تقرفص إلى جانب المدفأة تلقمها قطعاً حطبية عبر فوهة لا تشبع. -قرأتها لك بدور، أليس كذلك، سألت الأم روضة التي كانت تتطلع إلى الرسالة وتشرد حيث لا تدري شمس. -ثلاث مرات، أسرعت بدور للرد ضاحكة وهي تغادر الغرفة من جديد. -لا تصدقيها، خالة، مرة واحدة قرأتها لي.. ردت روضة بنبرة التملص.. -وماذا في ذلك؟ مرة.. مرتين، ثلاثاً.. أنا أعلم أنه ابن حارتك ورفيق طفولتك.. وهو غال عليك.. فماذا إن كنت تهتمين بأخباره؟ "رفيق طفولة فقط؟ غال علي وحسب؟ آه يا خالة لو تعلمين ما أكن له في قلبي!؟" بدأت أفكار تعبر دماغها، لكن سرعان ما نفضت رأسها وهي ترى إلى الخالة تتأملها.. -لا شيء.. أكيد.. هو ابن حارتي.. ولم تستطع أن تكمل. كانت عينا شمس تحدقان إليها متغلغلتين في العمق وعلى نحو بدا لها كأنها تحاول أن تكشف الغطاء عن كل ما تخبئه هناك في العمق. فجأة تذكرت شمس يوم رأتهما معاً متجاذبين متقاربين يكاد واحدهما يحشر نفسه في الآخر... -هو ابن حارتك فقط؟ عقبت شمس مبتسمة وقد خطر لها أن تدخل معها في لعبة استغماية، فتقلب الأدوار... وأطرقت الفتاة أرضاً فيما تحولت وجنتاها إلى بركتي دم "ماذا أقول؟ كيف يمكن للساني البوح بما في نفسي؟". شمس تعرف معنى هذه الإطراقة، تعرف معنى ذلك الاحمرار، تتذكر يوم خلعت ثياب الفارس الملثم وعادت فتاة إلى جناح الحريم.. كانت وجنتاها تحمران كلما فكرت بعزيز أو تحدثت عن عزيز!!" ايه فوز!! أتذكرين يوم كنت تسألينني عن حبي له فلا أدري ما أقول!!؟ أنا الفارس الملثم الذي خاض المعارك وواجه الرجال وبارز الفرسان كنت أتعثر وأتلجلج كلما أردت ذكره أو هممت بالبوح بما في النفس!؟". -الشاي، خالة، هتفت الفتاة فجأة، وقد فار الإبريق على النار.. أسرعت شمس تبعد الإبريق عن المدفأة.. وهي تضحك. -هذه المدفأة كالتنور!! سرعان ما يغلي عليها الشاي.. إلى جانب المدفأة راحت تصب الشاي، وهي تتذكر مواقد النار التي كانوا يشعلونها هناك في المضارب.. حيث الحطب أعواد سرعان ما تشتعل وسرعان ما تنطفئ، ليتحول الموقد إلى رماد. هنا.. الحطب من أشجار الغوطة، يقطعونها قطعاً متساوية جميلة، وفي المدفأة تتوهج ناراً وجمراً، هو خير علاج لبرد الشتاء. -لكن خالة، أنا لم أفهم.. هل هو سعيد هناك؟ سألت الفتاة على حين غرة وهي تنظر من جديد إلى الرسالة. -بالتأكيد.. ولم لا يكون سعيداً؟ ردت الأم وقد أحست بظلال شك توشح سؤال الفتاة.. فتى يحقق طموحاته ويحول أحلامه إلى واقع، كيف لا يكون سعيداً؟ ألم تسمعي ما قال: سألت الأم وهي ترفع الرسالة أمام عينيها قارئة فقرة من فقراتها. -كل شيء هنا جميل يا أماه!! المدينة، الطبيعة، الغابات، الناس.. ولم تستطع روضة أن تتابع ما تقوله شمس. إذ سرعان ما شرد خيالها إلى الفتيات هناك "هن من يقصد بالتأكيد... فتيات باريس باهرات الحسن والجمال.. الكل يؤكدون ذلك فهل سيقع في شراكهن؟" لكن الأم قطعت عليها شرودها وهي تقدم لها الرسالة. -انظري.. بنفسك.. ألا يبدو سعيداً من كتابته؟ خطه، أحرفه نفسها ألا تدل على مقدار راحته وسعادته؟ ونظرت الفتاة إلى كلمات الرسالة المنظومة عقداً من لؤلؤ وجمان... "ما أشد الحسرة في قلبي!! لو أستطيع فقط أن أقرأ" لكن أباها لم يعلمها القراءة والكتابة.. هو لم يكن يؤمن بذلك.. ولِمَ تقرأ الفتاة وتكتب؟ ألكي تسهل عليها مكاتبات الغرام؟ تكتب الرسائل للفتيان وتقرأ رسائل الفتيان؟ أمها على قناعة تامة بكل ما يقول أبو روضة "البنت للبيت والزواج، لا للمدارس والخواجات". وظلت روضة وأخواتها أشبه بإن وأخواتها دون تعليم. في غفلة من شمس، مررت روضة الرسالة أمام وجهها، تشممت رائحتها، لثمت الأحرف السوداء المسطورة بانتظام ودون أن تشعر سالت دمعتان من عينيها.. التفتت شمس فلم تملك إلا أن تشفق.. -أتريدين أن توصيه بشيء، سألتها وهي تشدها بذراعها إليها، إشفاقاً وحباً.. الليلة سأكتب له رسالة.. -أوصيه أن يحذر من الفتيات هناك، ردت الفتاة على عجل. -أنت تغارين عليه؟ علقت شمس ضاحكة.. -بل أخاف عليه.. فالكثيرون يتحدثون عن بائعات.. لا أدري ماذا يسمونهن... وعن أمراض زهـ.... زهـ...لا أدري ماذا يسمونها... وتبسمت شمس من جديد مربتة كتف الفتاة شادة إياها إليها. -بائعات هوى!؟ ومرض الزهري!! -أجل.. الكل يقولون انهن يغوين الرجال فلا يفلت أحد... وأنه مرض خطير لا يشفى منه أحد... -وحده الأخضر لا تخافي عليه.. هو ابني وأنا أعرفه.. ما من امرأة تستطيع أن تغويه.. وجاء صوت عزيز جرس إنذار. كان يرد تحية وضحة بصوته الجهوري الأجش فهبت الفتاة ملء طولها وهي تعلم أنه في طريقه إلى امرأته.. -عن اذنك خالة، قالت لشمس وهي تتجه نحو الباب. -مع السلامة، روضة، لكن روضة توقفت عند العتبة وبنبرة الرجاء غمغمت. -لا تنسي خالة.. سلمي لي على الأخضر كثيراً. -بالتأكيد، هو نفسه لا ينساك في رسائله، يهديك دائماً سلاماً خاصاً، فكيف ننساه نحن؟ ردت شمس وهي تهز رأسها للفتاة التي أسرعت في الخروج وقد ازدادت احمرار وجنتين وإطراقة رأس. قبلة على الوجنة اليمنى ثم أخرى على الوجنة اليسرى.. عادة ألفاها مذ تزوجا.. يعود عزيز إلى المنزل فتستقبله شمس بالقبلات. في البداية كانت القبل من نصيب الفمين المتشوقين دائماً والشفاه المتحرقة دائماً، وكانت تلك القبل تتحول إلى عناق وربما حمل بين الذراعين وانصهار بالأحضان، لكن شيئاً فشيئاً بدأت تتحول إلى الوجنات وإلى قبل هادئة ربما بدافع العادة أكثر مما هي بدافع الشوق. -ما لها روضة خرجت على عجل؟ سألها وهو يخلع المعطف والطربوش مقدماً إياهما إليها... -حياء العذارى، ردت ضاحكة وهي تعلقهما على المشجب.. كان قد ترك عادة لبس العباءة والفروة في الشتاء. مذ غادر حماة ترك تلك العادة، تجار دمشق يلبسون المعطف والطربوش وإن كنت في قوم اشرب في إنائهم.. إذن لماذا لا يلبس المعطف والطربوش ويبدو واحداً من تجار دمشق؟. خرج عزيز إلى الصنبور يغتسل ويتوضأ.. لم يعد هناك حاجة لأن تصب له الماء على يديه ورجليه.. الصنبور وفر عليها ذلك العناء.. عبر أنابيب وتمديدات تأتي المياه من نبع الفيجة.. حسب شمس أن تمد يدها إلى الصنبور تفتحه فينسكب الماء قوياً كالرصاص غزيراً كالشلال "يا إلهي!!" هتفت يوم وصلت المياه إلى منزلها أول مرة" الماء يصل إلى خدمتي وأنا في مطبخي!! أي شيء رائع هذه الحضارة!! أي إنجاز عظيم هذا الإنجاز!!" وطوال أيام ظلت تأتي إلى الصنبور، تفتحه ثم تغلقه، تفتحه ثم تغلقه وتطرب أيما طرب لصوت الماء وهو ينسكب قوياً كالرصاص غزيراً كالشلال، تتأمله وتتحسر على نساء هناك في البادية، في القرى، يقطعن المسافات الطويلة إلى أن يردن الماء.. ويذقن الأمرين قبل أن يوفرن نقطة الماء.. "الله أكبر! الله أكبر!" ارتفع الأذان من المئذنة القريبة، فأسرع عزيز ينهي وضوءه ويتجه إلى المسجد حيث يحرص أن يصلي المغرب دائماً في الشتاء. على العشاء فقط عاد عزيز يسألها عن حياء العذارى، ذاك الذي جعل روضة تمر بقربه مسرعة لا تلوي على شيء. -الفتاة تحب الأخضر.. بدأت شمس مائلة عليه هامسة رغم أنهما كانا وحيدين على العشاء. فمناف وبدور عند الجيران وكل في فلك يسبحون. -وأين هي من الأخضر؟ رد عزيز باستغراب، كأنما لم يخطر بباله من قبل أن شيئاً يجمعهما.. -يبدو ثمة شيء، فليس هناك رسالة منه لا تحمل سلاماً لها.. -لكنها أمية لا تقرأ ولا تكتب.. -الحب لا يميز بين أمي ومتعلم.. فقير وغني.. بدوي وحضري وغمزت بعينها غمزة خاصة أعادته إلى مضارب الشيخ نواف والفرس الشقراء التي طارت به مع فصيل عسكري يطلب يدها زوجة وحبيبة. -صدقت.. الحب لا يعرف تفرقة ولا تمييزاً عنصرياً.. لكن.. هل قال شيئاً؟ هل اعترفت بشيء؟ -لو تأخرت دقائق كنت سأجرها إلى الحديث.. أجعلها تعترف.. -المهم ألا يكون قد وعدها بشيء.. أنت تعلمين.. تتعلق البنت وتنتظر، وهو قد يطول به الزمن، من يدري؟ -هذا ما أريد التأكد منه.. أم روضة جارتي مثل أختي.. والبنت مثل بنتي.. ولا أريد لها أي أذى. -هذا ما أقصده.. ربما تكون قد بنت قصوراً في الهواء وهو.. -لا.. لا.. هو ليس بريئاً.. قاطعته شمس مبتسمة ملوحة برأسها، أم أنكم معشر الرجال تضعون اللوم دائماً على النساء؟ حواء هي التي أغوت آدم.. هي التي أطعمته التفاحة، أنزلته من الجنة.. وأنتم مساكين أبرياء لا ناقة لكم ولا جمل.. -الله!! الله! الفارس الملثم يتكلم بهذه الطريقة؟ منذ متى، يا مهجة روحي، يا حبة عيني؟ وشرع يدغدغها مداعباً وهي تضحك وتبتعد متجنبة حركات يديه.. -أرأيت؟ عاشر القوم أربعين يوم تصير منهم.. قالت بلهجتها البدوية التي لا يمتعها كالعودة إليها من حين إلى حين، وكلما حشرت في الزاوية، ربما تعبيراً عن أخص خصوصيات نفسها الكامنة هناك في الأعماق. -بالمناسبة.. احزري من زارني اليوم!؟ سألها وهو ينكمش قليلاً كأنما تذكر شيئاً يدعو للانكماش. -لو كنت في المضارب لحزرت.. لكن هنا.. في دمشق.. بدأت جوابها، لكن فجأة خطر لها خاطر فتوقفت لحظة ثم تابعت، من؟ عواد؟ -عواد!؟ مسكين!؟ رد عزيز وقد بدا على سيماه الإشفاق، مذ أخفق في الحصول على البكالوريا العام الماضي صار وكيل معلم مقسماً الأيمان المغلظة ألا تراه عين حتى يحصل عليها.. -من الذي زارك إذن؟ -القومندان!! -رينو! صاحت شبه فاتحة عينيها. -أجل.. رينو! رد وهو يطلق زفرة طويلة. -لم نرتح منه إذن؟ سألت شمس وهي تزفر زفرة أكثر طولاً. -لا راحة لمؤمن إلا بلقاء وجه ربه، قال عزيز بين المازح والجاد.. بالأمس فقط عاد من بيروت فأراد الاطمئنان علينا. -حين عطست الفأرة بادرها القط "اسم الله"، فردت الفأرة "أرحنا أنت من شرك ونحن بألف خير من الله.." -ما أحسبه سيريحنا.. بالعكس هو يقترح علي أن آخذه الشهر القادم إلى الريف والبادية.. فقد حدثه بعضهم عن جمال الطبيعة هناك في الربيع.. -أحسن!! يذهب هناك، يسأل ويتقصى.. لابد أنه مصر على معرفة السر.. -وهذا ما يخيفني.. الرجل له هدف ولا يثنيه شيء عن بلوغه ذلك الهدف. لكن القومندان كان يبدو في غاية الكياسة، يتصرف في غاية الدماثة والأدب.. بل هو لا يلتقي بشمس مرة إلا وينحني على يدها يقبلها كما يفعلون هناك في الشانزليزيه وفرساي، حاول الزوجان الابتعاد عنه أكثر من مرة، بل اقترحت شمس في البداية الرحيل عن دمشق لكن الظروف.. المتغيرات جعلتها تنسى الاقتراح. الرجل يتقرب بذكاء وحنكة.. بلطف وأدب إلى درجة لم يستطيعا معها إلا أن يكونا لطيفين مؤدبين.. هو حضاري، سلوكه حضاري، حواره، مفاهيمه، أفكاره كلها حضارية تفحمك، وهناك خدماته!! عزيز لا يحتاج إلى شيء من السراي، الدرك، التعليم إلا ويسارع إليه فيسارع الرجل إلى تلبية حاجته.. "ثم هناك خدمته الجلى.." عزيز يقول لشمس كلما تحدثا "المنحة التي أمنها للأخضر لا تماثلها خدمة!!" فالقومندان الذي عرض مساعدته على الأخضر بكلام عرضي عابر، سرعان ما شمر عن ساعديه ونزل ساحة العمل والجد حين ظهرت نتائج الامتحان. استصدر له القرارات التي يحتاج، أخرج له الجواز. أنهى ترتيبات السفر. بل حمله معه بسيارته إلى مرفأ بيروت.. ثم زوده برسائل توصية وتزكية ورافقه مع أمه وأبيه إلى متن السفينة يودعونه هناك. يومذاك طغى على عزيز الشعور بالعرفان والامتنان إلى درجة كاد ينسى معها شكه وريبته. "أخوك لا يخدمك مثل هذه الخدمة" "إنها بألف خدمة".. "هي دين له في عنقي حتى الممات"، كان لا يفتأ يكرر وكانت شمس لا تملك إلا أن تسكت. الحيرة تأكل لسانها والعجب يذهب بقدرتها على الحكم.. لم يكن الرجل في الفترة الأخيرة يلح على شيء أو يشير إلى ما يريب... سلوكه لا غبار عليه.. كلامه عسل مصفى.. فلماذا تخاف منه؟ لقد باتت على ثقة أنه مختلف عن جيرار.. هو لا يعاملها كأنثى، لا ترى في نظرته نزوة أو شهوة. إذن لماذا تلبسه لبوس جيرار؟ ألا يعقل أن يكون نزيه الغاية عفيف النفس، لا بغية له فيها ولا مطمع!؟. الظروف كلها تغيرت.. هي نفسها تغيرت.. شمس تشعر بذلك.. لم يعد الرجال يتلمظون حين يرونها، ولم يعودوا يدورون ويلفون لإغوائها، حسني، خالد، إبراهيم، جيرار.. كلهم مضوا مع حماة وأيام حماة. هي الآن في دمشق.. رجال مختلفون، مجتمع مختلف.. ثمة حدود بينها وبين الرجال.. هامش لا يجرؤ أحد على تخطيه.. صبري، أبو روضة، الجيران، الدكتور الشهبندر، القومندان، كلهم لا يحاولون تخطيه.. "أهو الحرملك والسلملك الذي حرصت على الحفاظ عليه؟ أهو السن"؟ كثيراً ما كانت شمس تتساءل وهي تنظر إلى وجهها في المرآة، إلى صدرها، إلى جسدها فيخيل إليها أنه لم يتغير شيء.. ما يزال الوجه مشعاً كالشمس توهجاً وألقاً، الشعر أسود فاحم يحيط بوجهها كما تحيط الهالة بالبدر، الصدر كاعب كصدور العذارى.. جسدها حين تتأمله في الحمام الدافئ أو في سريرها العريض يجعلها تتنفس الصعداء راحة وطمأنينة وهي تراه لا يزال مشدود العضلات، متماسك الجلد، أهيف الخصر، أملس البشرة، لا تجاعيد فيه ولا تغضنات.. تماماً كما يقول لها عزيز "أنت المرأة التي لا يجرؤ الزمن على الاقتراب منك" إذن لم اختلفت نظرة الرجال إليها؟ لماذا لم تعد مضطرة إلى الدخول في معارك معهم؟ كل منهم حيوان مفترس وهي الفريسة؟ صحيح أنها هنا لم تفتح مضافة لهم، لم تكن تجالسهم، لكن ثمة مناسبات كثيرة التقت فيها برجال، انفرد بها رجل، مع ذلك ظل الاحترام هو الرابطة التي تربطها بهم، الأدب، الكياسة.. "فلماذا؟" كانت دائماً تتساءل "هل السر بي أم بهم" "هل ذهبت "الكوكيت" اللعوب مني إلى الأبد؟ "جيرار وصفها ذات يوم "بالكوكيت" ولم تكن قد انتبهت لنفسها يومذاك.." ربما كانت الأنثى في داخلي تتصرف بما لا يملك معه الرجل إلا أن يثار؟ "الإغراء مطية إبليس.. وما من آدم إلا ومن الممكن أن يكون مطية إبليس.. وما من آدم إلا ويجد في الأنثى حواء تلوح له بالتفاحة ومن تراه لا يحب التفاح؟!". لعل حادثة جيرار قتلت فيها الكوكيت... هي تتذكر جيداً كيف وجدت نفسها حبيسة داره، الحارس على بابها ولعلعة الرصاص في أذنيها.... ساعات طوالاً ظلت ترتعد وهي تنتظر في أي لحظة أن يفتح جيرار الباب، وبالقوة والسلاح يفترسها.. "هو غبي" كثيراً ما كانت تردد وهي تستعيد تلك اللحظات "لو دخل شاهراً مسدسه، مزق ثيابي عن جسدي واغتصبني اغتصاب القوي المقتدر، ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ كيف كان لخنجري أن ينقذني؟" هي تعلم أن استهتاره ولا مبالاته هما اللذان أنقذاها من براثنه، لكنها تعلم أيضاً أن فرائصها كانت ترتعد.. طوال انتظارها له، ثم وهي تنقض عليه بالخنجر، بعدئذ وهي تعبر أزقة الليل والخوف لاطئة من جدار إلى جدار.. ألهذا السبب ماتت فيها الأنثى؟ انقطعت عنها الدورة الشهرية فلم تحبل بعد ذاك ولم تلد؟ شمس لا تدري.. كل ما تدريه أن خوفها تلك الليلة كان شديداً.. هو نوع من ذاك الخوف الذي يقطع الجوف.. لقد قطع جوفها، مزق أحشاءها وربما قتل البييضات في مبيضها، فكيف تحبل أو تلد؟ كيف لا يتغير سلوكها مع الرجال؟ كيف لا يتغير سلوك الرجال معها؟. الاحترام، الهوامش، الحدود، ذلك ما بات يميز علاقتها بالرجال... الكل يعرف حده ويقف عنده، وهي سعيدة، راضية. عزيز يملأ عليها حياتها.. حبه ما يزال ملء جوانحها، لكنه حب من نوع جديد... هو عميق هادئ كنهر النيل... لا صخب، لا زبد، لا اضطرابات.. مياه هائلة تجري بطيئة متمهلة، لا يعرقلها شيء ولا يعكرها شيء. لكن يظل السؤال "لماذا تقرب هذا القومندان؟" "لماذا خدماته لنا؟" "لماذا رغبته في أن يعرف ماضينا؟" "لماذا الحاحه على الدخول في حياتنا؟" كثيراً ما كانت شمس تطرح تلك الأسئلة على نفسها لكن الأكثر بكثير هو طرحها إياها على عزيز فيقلبان أوجه المسألة ليظلا حائرين، وتظل الأسئلة حائرة. دخلت وضحة الغرفة، حملت العشاء وقد انتهى الزوجان منه. -تريدان الشاي عمي، عمتي؟ سألت وضحة الزوجين بلهجتها البدوية التي لم تغيرها ولم تبدلها. -اي.. لكن شاي ثقيل.. أكرك عجم، أجاب العم باللهجة نفسها كي لا يبدو نشازاً. فيما اكتفت العمة بهز رأسها للفتاة التي عنست وكبرت، سمنت وترهلت وهي تخدمها، رفيقة لا تفارقها في حل أو ترحال. -تدري، أنا خائفة من هذا القومندان.. قالت شمس ما إن أغلقت وضحة الباب وراءها. -معك حق.. الرجل يخوّف ويحير، عقب عزيز وهو يطرق أرضاً ثم تجذب عينيه نار المدفأة فيمسك بالملقط يحرك عبر فوهتها قطع الحطب التي تحولت إلى جمر متوهج.. تلك الحيرة والخوف هما اللذان دفعا شمساً لأن تفكر بالهرب "لكن المشاكل لا تحل بالهرب، "قال لها عزيز حينذاك"، المشكلة يجب أن نواجهها كي نحلها لا أن نهرب منها لتلاحقنا ثم تقضي علينا". الأحداث نفسها جاءت متسارعة لتدعم رأى عزيز.. القومندان يتطوع من تلقاء نفسه لخدمة عزيز وشمس. لا يطلب حاجة، لا يبتغي جزاء ولا شكوراً فلماذا يهرب عزيز؟ صحيح، هو خائف بل خوفه مزدوج.. خوف تعرفه شمس وخوف لا تعرفه البتة.. إذ لم يكن عزيز يلتقي بالقومندان مرة إلا ويتساءل في سره "أهو يشك بماضيّ أم بحاضري؟ أيتقرب لحل لغز قديم أم لغز جديد؟ "ذلك أن علاقته مع البطحيش، وان تمكن حتى ذلك الحين من إخفائها، هي التي كانت تشغله وهي التي كان دائماً يضعها في الحسبان" ماذا إن كان الفرنساوي قد وقع على أثري؟ عرف شيئاً عن أعمالي تلك؟". صحيح أن غياب البطحيش أشهراً طويلة، ولجوء عزيز إلى السكينة، طمأنه قليلاً، إلا أن الصحيح أنهما، بعودته، عادا إلى العمل من جديد. كان الإغراء أقوى من أن يقاومه عزيز، وكان البطحيش قادراً دائماً أن يلوح بذلك الإغراء. إذ لم يمض على زيارة عزيز للوكر المختبئ في أحشاء الكرك شهر أو شهران حتى دعاه الداعي لعملية جديدة كانت حصيلتها جندياً سنغالياً وعشر بواريد أخذها الصديقان اللذان كان قد تملكهما هاجس فلسطين وحاجة أبناء فلسطين للسلاح. لكن إن كان الفرنساوي قد ظل عاجزاً عن معرفة سر عزبز والبطحيش، هل يعني ذلك أنه عاجز عن البحث والتقصي؟. عزيز يساوره خوف الحاضر بقدر ما يساوره خوف الماضي. هو يعلم أن للقومندان يداً في الاستخبارات وأنه قد لا يكون سوى شرك نصبه الفرنساوي للإيقاع به. "قد يكون أصدقاؤك كلهم مزيفين، لكن ثق أن أعداءك كلهم حقيقيون" عزيز لا يدري ممن سمع تلك الحكمة لكنه على يقين أنها صحيحة... "مزيفون!! أجل ما أكثر الأصدقاء المزيفين.. يأتي إليك الصديق، يسبغ عليك القبل، يعطيك الحلاوة من طرف لسانه، لكن ما إن تحين اللحظة حتى يلدغك، فما الذي يضمن ألا يلدغك القومندان؟". القومندان يتحرك.. يغيب.. يظهر.. هو في بيروت حيناً، في باريس أحياناً وفي دمشق أكثر الأحيان... المندوب السامي يثق به.. فرنسا نفسها تكلفه بمهام خاصة... كلهم في دمشق يعرفون ذلك.. عزيز سأل الزعيم، سأل صبري، سأل ذوي الشأن فأكدوا كلهم أن القومندان راسخ الأقدام، عميق الجذور، موضع ثقة دولته. إذن، كيف يمكن أن يكون موضع ثقة عزيز أو شمس؟. مع ذلك ظل السؤال: لماذا أرسل الأخضر إلى فرنسا؟ لماذا مهد له الطرق كلها؟ قدم له تلك الخدمات كلها؟ فأخبار الأخضر مفرحة كل الافراح.. ما إن وصل إلى باريس وقدم رسائل التوصية حتى وجد كل عناية وترحاب من إدارة السوربون ومن الدكاترة الأساتذة... راتبه عال يعيش به عيش الأمراء، مسكنه مؤمن، حاجاته مقضية، بل حتى أخت القومندان سارعت إليه، عرضت عليه صداقتها، عرفته بزملاء وزميلات، دعته إلى منزلها، عرفته بأهلها. "جانيت فتاة رائعة، هكذا كتب لهم في آخر رسالة "تقدم لي كل عون.. لا تبخل علي بجهد أو وقت" وعادت الحيرة من جديد "ترى ما هو ذلك القومندان؟ ملاك أم شيطان؟ ينوي بنا الشر أم يريد لنا الخير؟" أسئلة تحير فكيف يمكن لعزيز وشمس إلا أن يكونا رهن الحيرة والشك؟ -تريد رأيي.. لا تأخذه معك إلى القرية.. قالت شمس وهي ترشف الشاي الذي جاءت به وضحة. -لو كان الصيف لتهربت.. رد عزيز وهو يتنهد.. بحجة العمل.. التجارة.. يمكنني التهرب لكن الآن ولا عمل سوى القعود في المحل.. بماذا أحتج؟ -بأية حجة.. المهم أن تبعده عنا، عن ماضينا.. -صحيح، لكن كيف؟ بعد كل ما فعله لنا من معروف نقول له: اذهب عنا.. لا نريدك.. ألا يثير هذا شكوكه أكثر؟ شمس تعلم أن هذا يثير شكوكه أكثر، لكن ماذا تفعل؟ -لا أدري.. المهم أن نحمي أنفسنا منه.. هو نار والاقتراب من النار خطر.. ألا تذكر يوم دعوناه إلى الغداء؟ سألته شمس: -وكيف تراني لا أذكر؟ أجاب عزيز وهو يهز رأسه، رغماً عنه كان قد دعاه.. فالخدمة التي هي بألف خدمة كانت تثقل كاهله وكان يريد أن يردها له بهذا الشكل أو ذاك. يومذاك كان والده علي المر قد جاء من القرية يودع الحفيد الذاهب إلى فرنسا وكان يرافقه نواف، الحفيد الآخر الذي تزوج واستقر في القرية، قوة لجده علي المر وعوناً لعمه يونس... وكانا يحملان معهما خرافاً، فقطيع الأغنام الذي بدأ بنعجة عزيز العنزاوية بات يعد بالمئات، وبات باستطاعة علي المر أن يذبح لضيفه الخروف والخروفين دون أن يرف له جفن فماذا يحمل معه إلى الشام؟ أقل من ثلاثة خراف؟ عزيز شال برأسه زهواً... ثلاثة خراف تصنع وليمة، بإمكانه أن يدعو لها أعيان القوم ووجوههم فيعيد عزيز عزه. الدكتور الشهبندر، فارس الخوري، صبري العسلي، جميل مردم، كلهم دعاهم عزيز كما دعا شريكه -صبري وعلى رأس الضيوف كان رينو. يومذاك، كان القومندان في أوج فرحه، يمازح هذا، يضاحك ذاك، يتباسط مع الكل، يكيل المديح للمضيف حاتم الطائي، جوداً وكرماً، ثم أبى إلا أن يأكل الثريد بيده "أنا أحب العرب.. أحب طريقتهم في الأكل.. فلا يكون وسيط بين الإنسان وطعامه.." قال إذاك مبرراً إقباله على الطعام بيده رغم الشوك والمعالق التي كانت من فضة والتي حرصت شمس أن تزين بها المائدة. "لورنس كان كذلك"، قال عزيز معلقاً، وقد تذكر ذلك الضابط الإنكليزي الذي كان يرافق الأمير فيصل في حملته لتحرير الشام. "أتعرف لورنس؟" سأله فجأة القومندان وقد اكتسى وجهه سيما الجد. ارتبك عزيز وتعثر وقد أدرك أنه أخطأ، فالقومندان لا يحرص على شيء حرصه على الغوص في ماضيه، وها هو ذا يعطيه أدوات الغوص كلها.. ما أنقذه هو تدخل صبري... صديقه وشريكه "أنا الذي يعرفه... وأنا الذي حدثه عنه"، بدأ متضاحكاً وفي نيته إبعاد الكرة عن مرمى عزيز، هو الذي يعرف عنه كل شيء"، "كان يأكل بيده ثم يمسح بها لحيته ويقول: صابون العرب لحاهم" وضجت المائدة بالضحك... مع ذلك لم يفوت القومندان الفرصة، حين خرج يغسل يديه وجاءته شمس بالمنشفة "أنت مشبعة حضارة ومدنية.." قال لها شبه منحن إعجاباً بطعامها وشرابها" أنا لا أصدق أنك جئت من البادية إلى دمشق مباشرة.. ألم تعيشي في مدينة أخرى من قبل؟". شمس تذكر ذلك السؤال، لكنها لا تذكر جيداً كيف تخلصت من جوابه. شيء كالرعب تملكها للتو فارتعدت مفاصلها.. لا... لا.. يمكن أن يكون ذلك السؤال بريئاً.. هي تعرف ذلك.. لكن ماذا تفعل وهي لا تستطيع قطع الصلة بالقومندان ولا تستطيع نكران جميله؟ -محيّر هذا الرجل.. محيّر.. رددت أخيراً وكأنما تردد لنفسها. -بالتأكيد، رد عزيز وهو يلاعب الجمر بالملقط، لكن ما أظنها إلا لعبة ذكاء فرضت علينا، ولابد لنا من أن نلعبها.. -أمي، أبي، قاطعتهما بدور، الصبية الكاعب، وقد دخلت الغرفة لاهثة مقطوعة الأنفاس. -ما بك.. بدور.. ماذا هناك؟ سارعت شمس للإجابة فيما بدا على الأب سيما التعجب والاستغراب. -روضة خرست.. -خرست؟! ماذا تقولين؟ صاح الأب والأم معاً. -أجل... لم تعد تستطيع النطق.. صارت خرساء... ووجدت شمس نفسها تهب ملء طولها.. وألف دافع يدفعها لأن تمضي إلى روضة الخرساء.. وصلت شمس فوجدت أم روضة تلطم صدرها وتسفح الدموع نائحة. -تعالي.. انظري.. أختي.. شموس.. روضة خرست.. ما عاد لسانها ينطق بحرف.. خرساء روضة صارت.. خرساء.. وأمسكت بها شمس من كتفيها تربتها مهدئة.. -توكلي بالله.. أم روضة.. هو خرس عارض ولا شك.. روضة كانت عندي العصر.. ما أحلاها!! بلبل يغرد!! -البلبل الآن صار حجراً.. لا ينطق.. لا يسمع.. لا يفهم.. تعالي انظري أختي شموس. وسارت أم روضة بصاحبتها إلى داخل الغرفة، حيث كانت روضة وسط حلقة من أخوات ثلاث والكل يشهقن ويبكين.. -روضة؟ ماذا بك خالة؟ أسرعت شمس إليها هي لا تصدق ما تراه.. لكن روضة اكتفت بفتح فمها والارتماء بين ذراعي شمس. شدتها شمس إلى صدرها لحظة مربتة ظهرها، ثم أبعدتها عنها، ماسحة بيديها الدموع عن وجنتيها. -هه.. تكلمي.. بدأت شمس وكلها حب وتشجيع.. روضة.. قولي.. ماذا بك؟ فتحت روضة فمها على سعته، لسانها تحرك بين سقفه وأرضه، لكن دون أن يخرج إلا خليط من أصوات مبهمة خرساء تحاول النطق فلا تستطيع.. -يا إلهي!! روضة!! قبل ساعتين فقط كنت عندي، كان لسانك ينطق، وكنا نتحدث، ما الذي جرى؟ انطقي.. تكلمي.. حاولي.. لكن محاولاتها باءت بالفشل من جديد.. ومن جديد عادت دموعها تنهمر ونواح أمها يتعالى. وجه روضة شاحب كوجه تمثال، عيناها جاحظتان رعباً وهلعاً.. ربما هي نفسها لا تصدق أنها صارت خرساء. أخواتها لا يصدقن. -لكن كيف؟ كيف حصل هذا؟ سألت شمس الأم وقد يئست من البنت. -هكذا فجأة، أختي شموس!! بدأت الجارة تشرح وهما تجلسان بجانب روضة.. بعد المغرب جاؤوا يخطبونها لابراهيم ابن أبي إبراهيم النجار.. أنت تعلمين!! أبوه جار أبي روضة.. عنده ورشة نجارة يصنعون فيها الموازييك والمعشقات والمنمنمات.... أبو إبراهيم معلم في النقش، والحفر على الخشب.. كدت أزغرد فرحاً.. أنت تعلمين... البنات يجب أن يتزوجن والولد عريس لقطة.. إبراهيم تتمناه كل بنت.. لكن حين نقلت لها الخبر انكمشت وارتعدت.. اصفر وجهها وغمغمت "لا.. أمي.. لا أريده. " صرخت في وجهها" ويلك!! ترفضين إبراهيم؟ فلم تزد أن قالت "لا أريده.. لا أريد أن أتزوج". وخشية الفضيحة ذهبت إلى أبيها قبل أن يقرأوا الفاتحة. قلت له "البنت لا تريده" وفي الحال هاج وماج حالفاً بالسبعة الأبراج، ليقطعن عنقها ان سودت وجهه أو كسرت كلمته.. حاولت تهدئته، لكنه رماني جانباً حاملاً ساطوره، أنت تعلمين ساطور الجزار الكبير وأسرع إليها. رأته ففتحت فمها تستنجد لكن لم تخرج كلمة الاستنجاد... بل صرخة رعب مبهمة لم تنطق بعدها بحرف. -هو الخوف إذن!! سألت شمس وهي تنظر إلى روضة التي كانت ما تزال شاحبة الوجه فاغرة الفم دامعة العينين، تمثالاً للذهول والرعب.. -الخوف.. غير الخوف.. لا أدري.. لكنها فضيحة، أختي شموس.. فضيحة.. ماذا سيقول الجيران عنا؟ أية إشاعات سيتناقلونها؟ -قولي مصيبة.. أم روضة.. هذه مصيبة.. ليقل الناس ما يقولون.. ليشع الجيران ما يشيعون.. المهم أن تعود روضة سليمة.. أن يرجع لسانها فينطق.. -صحيح.. لكن هذا العريس ذهب.. إبراهيم طار من يدنا، ماذا أفعل أختي شموس.؟ ماذا أفعل؟ -لا تفكري بهذا.. أم روضة.. فكري ببنتك الخرساء.. كيف تعيدينها؟ كيف تشفينها؟ -صحيح!! كيف تشفى؟ هل تشفى؟ يا للمصيبة!! يا للكارثة!! وعادت أم روضة تلطم صدرها وتنوح من جديد، فيما عادت شمس إلى روضة تحتضنها، تمسد خدها، ماسحة دموعها، محاولة إزالة الرعب من عينيها. -لا تخافي.. روضة.. أنت ستتكلمين.. فقط انظري إلي.. اسمعيني... وتوقفت شمس وقد خطر ببالها خاطر.. أم روضة! قالت وهي تلتفت إلى جارتها، خذي البنات واخرجن.. دعيني مع روضة لحظة... لم تكذب أم روضة الخبر.. غريقاً يتعلق بحبال الشمس، أشارت إلى البنات أن يتبعنها ثم خرجت بهن، وكأنما راودها الأمل نفسه بأن تفك عقدة لسانها. -هه.. أخبريني.. ما الذي جرى؟ سارعت شمس إلى حثها على الكلام وقد خلا لهما الجو. فتحت روضة فمها من جديد تريد أن تتكلم لكن من جديد استعصى عليها الكلام، بارودة استعصى رصاصها فوقف في بيت النار لا يدخل ولا يخرج.. همهمة وهمدرة، اختلاط أصوات ومحاولات نطق. -أ.. أ.. أ.. تبعتها هأهأة.. هـ.. هـ.. هـ.. ثم شعور بالعجز فيأس فانهمار دموع من جديد. -خفت من ساطور والدك؟!!؟ وهزت روضة رأسها دافنة إياه في حضن شمس وشمس تدرك أن الخوف يعقد اللسان.. هي تذكر قصصاً رويت وأحداثاً وقعت عن تأثير الخوف ذاك الذي يحيل الشعر الأسود إلى أبيض. أجل، الخوف يشيب الشعر فكم هو فظيع هذا الخوف!! كثير من الناس حبس لسانهم الخوف فلم يعودوا ينطقون.. في قبيلتها أكثر من بنت انعقد لسانها في موقف كهذا.. خافت من أب أو فزعت من أخ فانعقد لسانها.. هناك في المضارب يدعونها الحبسة والحبسة تعالج.. بل هي أحياناً تشفى دون علاج، بالملاطفة، بالكلام الجميل، بالمعاملة الحسنة، تشفى الحبسة. -هيا.. روضة.. لا تخافي الآن.. نحن وحيدتان.. انطقي.. حاولي.. راحت شمس تحسّها وهي تمد يديها إلى شفتيها ولسانها، مثيرة، محرضة، وكأنما تريد أن تعلمها كيف تنطق.. روضة تحاول، تفتح فمها على مصراعيه، تطلق الهواء من رئتيها آمرة حنجرتها بترديد الأصوات المفهومة.. لكن فجأة تشعر وكأن حبالها الصوتية أوتار جلدية في ليل صقيعي، يمر بها الهواء فلا يحرك ساكناً.. روضة أحست بذلك الجليد مذ وقعت عينها على ساطور أبيها يحمله بيده ويدخل غاضباً مزمجراً. "هي تريد أن تروى لشمس كيف صرخ بها: ترفضين إبراهيم؟ لماذا؟ قولي.. "تريد أن تصف لها كيف كان الساطور يلمع في يده، الغضب يلمع في عينيه، الموت يلمع هنا، هناك في فضاء الغرفة، تريد أن تحكي لها ما فكرت به، لكن كيف ولسانها لا ينطق؟ روضة تعي لحظة بلحظة ما حدث معها بعد ذلك.. تريد أن تحكي لها ما فكرت به "أأقول له أحب الأخضر؟" لمع السؤال في ذهنها فارتعدت من أخمص قدمها حتى قمة رأسها" إذن هو الموت؟ لكنني لا أريد إبراهيم.. لا أريد سوى الأخضر.. أحب الأخضر.. أحب الأخضر ولا أرضى بديلاً عنه "لكن زمجرة جاءت أكثر حدة وغضباً "قولي.. هيا.. تكلمي.. لماذا ترفضين إبراهيم؟ "وتراجعت روضة أمام أبيها نحو الزاوية.. "أبي.. أرجوك.. فقط لا أريد إبراهيم".. صار للبنات لسان ينطق...." زمجر الأب من جديد". رأي بمن يتزوجن.. يرفضن.. أو يقبلن.. قسماً لأقطعن لسانك إن ترفضي.. هيا.. تريدين إبراهيم أم لا؟ تكلمي.. أجيبي. "كانت روضة قد صارت في الزاوية، محشورة كفأر في جحر، الساطور فوق رأسها يلمع كحد السيف والموت يتراقص أمام عينيها شيطاناً للرعب، فتحت فمها تريد أن تتكلم، أن تجيب.. أطلقت الهواء من صدرها.. أمرت حبالها الصوتية أن تقول "كما تريد يا أبي!! أنا بأمرك يا أبي!!" وخيل إليها أنها نطقت العبارة التي علمتها إياها أمها من قبل فالأب لا يعصى والبنت لا تملك إلا أن تقول له "كما تريد يا أبي!! أنا بأمرك يا أبي" لكنها لم تسمع صوتها.. ربما هي نطقت العبارة لكنها لم تسمعها.. كانت تريد أن تبعد شبح الموت... وتلك العبارة وحدها تبعد شيح الموت.. "إذن لماذا لا أقولها؟" ومن جديد أمرت حبالها الصوتية بتردادها.. فعينا الأب بدتا أكثر غضباً وسيما وجهه أكثر احتقاناً وهو ينتظر جواباً لا يجيء. -ماذا قلت؟ انطقي.. تكلمي.. هدر صوته من جديد.. فيما كانت يده تتحرك بالساطور عالياً تريد أن تهوي... من جديد فتحت فمها تريد أن تتكلم.. لكن من جديد لم يخرج جواب ولم يسمع صوت... لا أبوها سمع صوتها ولا هي سمعته. إذن، أين ذهب ذلك الصوت؟ -أ.. أ.. أ.. هـ.. هـ.. هـ.. وحده ما خرج من فمها في المرة الثالثة والرابعة والوالد يزداد غضباً وزمجرة، إلى أن أدركت أن حبالها الصوتية تخذلها، لسانها يخذلها عاجزاً عن النطق. في اللحظة نفسها، ودون أن تشعر، أطلقت صرخة حادة وقد ملأ عينيها ذعر أشد من ذعر الموت ثم سقطت أرضاً، وكأنما تبحث فيها عن النطق ذاك الذي أضاعته، فكيف تعيده إليها شمس؟ أنى لمحاولاتها أن تجدي نفعاً وقد عقد لسانها الخوف؟ في الأيام التالية صارت روضة شغل الحي الشاغل، صندوق فرجة يريد الكل أن يتفرجوا عليه... وكان ذلك كل ما تخشاه أم روضة، الفضيحة... مذ توقف لسان روضة عن النطق خشيت الفضيحة.. "أية إشاعات!! أية أقاويل!! أية فضيحة" كانت لا تفتأ تكرر وقد وجدت نفسها عاجزة عن التصرف.. تستقبل النساء الآتيات لمواساتها في ابنتها أم تطردهن؟ كسيرات حزينات يأتين لمشاركتها في مصابها، فهل تردهن على أعقابهن؟ يذرفن معها الدموع، يلطمن خدودهن، فكيف تشك في عواطفهن؟ فتيات الحي، نساؤه كلهن يفتحن أعينهن تعجباً من لسان روضة الذي عجز عن النطق فجأة، حاولن حل عقدته، فك عقاله.. لكن بدا وكأن العقدة لا تحل، والعقال مشدود على نحو لا فكاك له.. -خذيها إلى الطبيب، قالت شمس لجارتها وقد ذهب هول الصدمة الأولى... -وماذا يفعل لها الطبيب؟ هي حبسة لسان وما يفهم الطبيب بحبسة اللسان؟ ردت أم روضة التي لم يكن الطبيب قد دخل مخَّها يوماً، فالأطباء دجالون، مشعوذون، لا يعرفون شيئاً. -هناك طبيب، صديق عزيز، يفهم كثيراً.. -لا.. لا.. الأطباء كلهم لا يفهمون.. -لكن، صدقيني.. هذا غير شكل، الدكتور عبد الرحمن يفهم، دارس برا.. وهو صديق عزيز.. نأتي به إلى روضة يراها ولا نخسر شيئاً.. وكادت أم روضة تقتنع... إلا أن الجارات الأخريات تدخلن.. -لا.. لا.. حرام أن يكشف عليها رجل، قالت إحداهن. -ولماذا الطبيب؟ هي ستشفى من تلقاء ذاتها، قالت أخرى: -ولماذا لا تأخذينها إلى الشيخ عمر؟.. قالت ثالثة.. وانطلقت أصوات أخرى في الحال تثني على الاقتراح العبقري، الشيخ عمر حجة الميدان والشاغور، بل دمشق كلها، يكتب الحجب التي لا يقف في وجهها شيء، يرقى الرقى التي لا تخيب.. التعاويذ حرفته، التمائم شغلته... الأمراض كلها يشفيها، السخونة يرفعها، البرص يزيله بل حتى العقم يجتثه من جذوره.. كثير من النساء العاقرات ذهبن إليه وخرجن منجبات مخصبات كتربة الغوطة.. الأهم من هذا كله أنه "مخاوي" الجن.. وأن هؤلاء يسلسون له قيادهم فلا يعصاه أحد منهم.. سألت شمس الجارة التي أبدت حماسة شديدة للاقتراح، فراحت تتكلم عن مقدرات الشيخ عمر، أعماله ومعجزاته تلك التي تصل حد المعجزات والكرامات.. -عجباً.. جارة.. كيف تسألين هذا السؤال؟ حصانك نشيط قوي، يجري هنا وهناك، فجأة يتوقف في مكانه عاجزاً عن الحركة، ما الذي يكون قد جرى له؟ -ماذا؟ ردت شمس وهي لا تدري قصد الجارة من مثالها ذاك. -أحدهم عقل قائمتيه، ربطهما معاً بعقد أو حبل فعجز الحصان عن الحركة.. صح؟ سألت الجارة على حين غرة النساء من حولها. -صح، جاء الرد من النساء جميعاً وقد تحمسن للفكرة والمثال. -هكذا اللسان، تابعت الجارة منتصرة مزهوة، يتكلم ويتحرك إلى أن يأتي جني فيعقده.. وتلك هي الحبسة.. -صدقت جارتنا.. أم محمد الحداد صار معها ذلك.. وذهبت إلى الشيخ عمر.. من أول مرة فك عقدة لسانها وعادت صحيحة سليمة من جديد.. -خلاص، أم روضة خذيها إلى الشيخ.. -أجل.. جارة.. ليس لك إلا الشيخ. -الشيخ مضمون أختي أم روضة، بجلسة واحدة يطرد لك الجني ويعيد اللسان إلى طبيعته... راحت التعليقات تترى من هنا وهناك، إلى درجة وجدت شمس نفسها حصاة في وجه تيار، لا تملك إلا أن تسلم أمرها له. -بالتأكيد، هو جني مريد، قال الشيخ عمر وهو يفحص الفتاة التي كانت تفتح فمها أمامه عاجزة عن الكلام. -والعمل سيدي الشيخ؟ سألت الأم واللهفة ملء عينيها، أرجوك، سيدي الشيخ... أنقذها سيدي الشيخ ولك كل ما تريد. -لست أنا من يريد، بل هو الجني المريد، قال الشيخ أبيض اللحية، أعجف الجلد وهو ينقر بعصاه جانب وجه الفتاة.. لقد دخل هنا ولن يخرج إلا بعمل.. عمل صعب.. وفدية كبيرة. -أنت تأمر.. سيدي الشيخ.. -الخميس تعودين إلي ومعك خروف لا يخالط سواده ابيضاض ولا قرنيه اعوجاج. -تأمر، سيدي الشيخ -ولا تنسي أن تأتي بجام من البخور وقنينتين من العطور، ثلاث من عصي الخيزران وخمس من الذهب الرنان.. -تأمر، سيدي الشيخ.. يوم الخميس عادت أم روضة بابنتها حاملة جاماً من البخور وقنينتين من العطور، ثلاث عصي من الخيزران وخمساً من الذهب الرنان. -ادخلي إلى هذه الغرفة، أمر الشيخ، المتربع على دكته العالية، روضة التي كانت تقف أمامه، شاحبة الوجه، مرتعدة الفرائص، همت الأم بالتحرك معها، إلا أن صرخة "قف" غاضبة سمرتها في مكانها. -وحدها تدخل الغرفة، تابع الشيخ، أم تظنين أن الجن يخرجون في حضور الإنس؟ أحنت الأم رأسها طاعة وخضوعاً، فيما كانت عيناها تتابعان ابنتها بإشفاق وهي تتخطى خائفة وجلة عتبة الغرفة الأخرى. عبق البخور ملء الغرفة، دخانه شبه حجاب، روضة لا ترى من ورائه شيئاً، لا تميز شيئاً، الوجل في قلبها يجعلها تهم بالجري كأرنب مذعور لكنها لا تتجرأ. تتلفت وراءها إلى الأم الخائفة المشفقة فتشجعها الأم بحركة من يدها وغمغمة من شفتيها لا تفهمها روضة، فيما الشيخ فص ملح وذاب.. يدان كأيدي الفتيات أمسكتا بيدي روضة، ناعمتا الملمس، طريتان لم تعرفا كدحاً ولا شقاء.. نظرت روضة عبر دخان البخور وعبقه فرأت غلامين، ربما هما في سنها أو أصغر.. قادها الغلامان إلى لوح في صدر الغرفة.. أومأ لها أن تنبطح عليه.. دون تردد انبطحت الفتاة، وجهها إلى الأرض يداها إلى الجانبين.. لوح الخشب تحتها صلب قاس، لا يخفف من قسوته حصيرة أو حشية. أحد الغلامين شد وثاق يديها إلى عمود عند رأس اللوح، الآخر فعل ذلك برجليها عند أسفله.. بعد ذلك سمعت الشيخ يهمهم بشيء.. رفعت رأسها فرأته يلوح بمبخرته إلى الأعلى والأسفل، اليمين والشمال. الشيخ يتحرك حول اللوح، الدخان ملء خيشوميها، ملء عينيها، ملء صدرها، وتسعل، تعطس، ثم تهمد. شفتاه تتمتمان بشيء لا تسمعه روضة.. الغلامان يتحركان إلى الوراء، كل منهما في زاوية يرقب الشيخ وهو يلوح بمبخرته، قاذفاً إياها إلى الأعلى، مطيحاً بها إلى الأسفل، مغمغماً مهمهماً. الدخان يتكاثف والعبق يشتد، وشيء كالدوار يبدأ في رأسها.. أنامل من خدر وغشيان تمتد إلى أصابعها، إلى عينيها، إلى أذنيها لتتحول الدنيا كلها إلى شيء من سديم، هيولى لم تعرف التشكل بعد.. أخيراً سمعت صوت الشيخ وهو يدمدم، خافتاً مبهماً في البدء ثم عالياً واضحاً فيما بعد. - شمروخ، ممروخ.. يامن لا تلبس حرير.. ولا جوخ، لماذا جئت إلى ذلك البيت؟ وماذا فعلت بهذه البنت، تباً لك! تباً لك! تدخل إلى الإنسان فتخرس اللسان... اخرج أيها الجان، يا سليل الشيطان!! شمروخ ممروخ! تباً لك!! تباً لك!! ملعون ابن ملعون!! اخرج يا مأفون!! النار مهواك وجهنم مأواك!! تباً لك!! تباً لك!! شمروخ ممروخ!! شمروخ ممروخ!! لكن فجأة انتفض كل ما في جسد روضة.. فجأة توقفت عن أن تسمع أو ترى، وقد سرت في جسدها موجة وجع شديد.. كانت عصا الخيزران قد بدأت تنهال على ظهرها، كتفيها، ردفيها، فخذيها.. بسرعة وقوة كانت تنهال الضربات وابلاً من مطر صيفي لم تملك معه روضة إلا أن تصرخ، صوتها يشق عنان السماء، جسدها كله يتخبط فوق اللوح وهي تحاول الهرب.. لكن أنى لها الهرب ويداها موثقتان؟. أنى الهرب ورجلاها مقيدتان!؟ العصي قاسية لا ترحم.. ضرباتها موجعة.. تشعر روضة أنها تحفر عميقاً في جلدها والشيخ الهرم لا يتعب.. حاولت روضة أن تستغيث، أن تقول له: ارحمني.. لا تضربني.. لكن عبثاً فلسانها المنعقد لم تنفك عقدته. العقال الذي يشده إلى لهاتها لم تحله الضربات، هي تصرخ، تصيح لكن صراخ الخرساء وصياح معقودة اللسان، ماذا تفعل؟ الألم شديد.. ظهرها أسياخ من نار، إليتاها شواظ من لهب وهو يضرب، يضرب، عصاه تنكسر، فيسرع الغلام بعصا جديدة، الثانية تنكسر فيسارع الغلام الثاني بعصا ثالثة والشيخ يعاود الصراخ: شمروخ ممروخ يا صاحب الجلد المسلوخ.. اخرج أيها الجان، يا سليل الشيطان!! لا!! ليس من عينها، ويحك تفقأ عينها.. ويشتد هلع روضة.. تود لو تستطيع مد يدها إلى عينها تحميها من الجني.. لكن يدها موثقة.. فترتعد وتتلوى والعصي تنهمر عليها وصرخات الشيخ تلعلع من جديد. لا.. لا تخرج من أذنها ويحك!! تجعلها طرشاء.. ثم تنهال الضربات موجعة حارقة كشواظ النار.. لا تخرج من أنفها، لا تخرج من يدها، لا تخرج من بطنها.. اخرج فقط من إصبع رجلها الصغرى. اخرج.. اخرج.. اخرج.. وتغيب روضة عن بقية الصرخات وقد بات لضربات الخيزران وقع أشد إيلاماً من أن يتحمله وعي إنسان. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |