الطريق إلى الشمس - عبد الكريم ناصيف

ثلاثية روائية -3- الجوزاء من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-8-

-بماذا أوصيكم؟ بصوت خفيض ونبرة هادئة بدأ علي المر المستلقي على فراش المرض حديثه.‏

يونس، عزيز، نرجس، إبراهيم، نواف تابع معدداً أسماء المتحلقين حوله، متوقفاً بعد كل اسم وكأنما يتلذذ بنطقه ويستمتع بطعمه. تعاونوا، كونوا معاً على الدهر، في السراء والضراء ظلوا يداً واحدة.. لا يدخل بينكم طمع، ولا يحشر إبليس قرنه...‏

-أكيد، أبي.. أكيد.. لكن.. لا تجهد نفسك، خاطبه يونس وهو يرى أنفاسه تصعب ولهاثه يزداد.‏

-بل يجب أن تسمعوني.. ربما كان هذا آخر كلامي لكم.. عاد علي المر بعد أن ربت يد يونس التي امتدت تهدئه، ونظر إلى نرجس التي كانت تجلس على الفراش بجانبه، وكأنما هي جاهزة لأن تضع رأسه على ذراعها تهدهده... "صحيح!! من قال إن الإنسان يعود في شيخوخته طفلاً؟.. أهي الدائرة التي لا بد من أن تكتمل؟ يبدأها المرء طفلاً، يشب ويترعرع، يصبح راشداً كهلاً ثم شيخاً.. خطا دائروياً يرسم إلى أن يلتقي طرف النهاية بطرف البداية وتنغلق الدائرة". راح عزيز يفكر وهو ينظر إلى أبيه. لم يكن علي المر يشكو من شيء، صحته، سمعه، بصره، كلها على خير ما يرام، يقرأ القرآن، يسمع أدق الكلام، يذهب، يجيء، في مضافته يستقبل الأصحاب، الأقرباء، الغرباء، يلعب المنقلة والداما، ويضحك بقهقهة تسمع حتى آخر الزقاق. لكن فجأة أحس بوهن، تعرق جسده، تصببت جبهته ماء، ارتفعت حرارته. كانوا في الصباح قد جاءوا بالفول الأخضر وكان هو يحب الفول الأخضر.. أكل خمسة أو ستة قرون.. بعدئذ بدأت عليه الأعراض:‏

قيء، تشنجات، وهن، ارتفاع حرارة وعرف الكل أنه الفوال. في اليوم الأول أخذه يونس إلى الطبيب. في المنطقة كلها لا يوجد طبيب.. وكان عليه أن يأخذه إلى حماة. "البوسطة" الوحيدة التي تمر بقرى المنطقة تلملم ركابها، تذهب إلى حماة مرة وحيدة.. تغرب مع الفجر لتشرق مع المغرب.. الطبيب أعطاه الدواء، وبدا أن الجسم القوي الذي لم يفقد سناً واحدة، ما يزال قادراً على المقاومة. عاد يونس بأبيه إلى القرية مع تحذيرات الطبيب، لا تقرب الفول أبداً.. حذار من الفول.. يصيبك بانحلال الدم فوراً ويقتلك. ولم يقرب علي المر الفول بعد ذاك.. لكن انحلال دمه تلك المرة كان كافياًُ لأن يفتح الباب لعلل أخرى كانت كامنة ما دام الجسم قوياً.. ضعف فبدأت تظهر برؤوسها: التهاب مرارة، تشنجات قولون، اضطرابات معوية.. وأدرك علي المر أن الثوب بات مهلهلاً، أية شدة تمزقه.. فأرسل في طلب عزيز يودعه قبل أن يموت. الشدة التي تمزق الثوب عادت بعد يومين، برداء تصطك لها الأسنان وترتجف الأوصال ثم لا تدعه إلا خرقة مبللة.. أرادوا إعادته للطبيب فرفض.. إنه الموت ولا مفر من الموت..‏

-أبي! لا تقل ذلك، أنت ما زلت قوياً!! رد عزيز شاداً على يده مشجعاً وهو يكره أن يراه، هو الذي لم يعرفه إلا قوياً شديد العزم، يستسلم للضعف والموت.‏

-كنت، عزيز.. لكنه الزمن يا بني.. يبلي الحديد ويضعف القوي، أم نسيت أنني ابن ثمانين؟‏

-لم أنس.. لكن..‏

-لا، عزيز، لا تقل لكن، قاطعه الأب الهادئ النبرة، المطمئن القسمات، وكأنه ليس على فراش الموت. كلنا مصباح، ولكل مصباح زيت، ينفد فينطفئ المصباح.. أجل.. يا أولاد، اليوم أشعر أن زيتي ينفد.. ربما هذه آخر قطرة..‏

-أبي. أرجوك. صاحت نرجس شبه نادبة، شبه باكية..‏

-نرجس، لا تندبي ولا تبكي قبل أن تسمعي ما أريد قوله.. وضغطت نرجس على أعصابها، شادة بكفها على كف أبيها، فعادت الدموع المغرورقة في العينين إلى مكانها، وعاد الذعر المرتسم على المحيا إلى مكان هناك في الأعماق، ربما بانتظار لحظة أخرى..‏

-قل أبي، ماذا تريد؟ حثه يونس وقد أدرك أنه بالغ ما ليس منه بد.‏

-نرجس، خاطب الأب ابنته التي كانت قد حبلت وانجبت الكثير، سمنت وتضخمت حتى أصبحت جذع سنديانة عتيقة.. افتحي الصندوق وهاتي علبة منه...‏

ذهبت نرجس إلى صندوق أمها في الزاوية، فتحته وأخرجت علبة، سلمتها إلى الأب ففتحها.‏

-هنا، قال وهو يشير إلى الذهب الذي لمع للتو، مائتان وخمس وثلاثون ليرة عثمانية.. توقف الشيخ الذي أضعفه الفوال ثم تشنجات القولون والتهاب المرارة، فيما كان ناظراه ينتقلان بين الأبناء المتحلقين حوله، في عيونهم الحزن وعلى رؤوسهم الطير. وفي هذه الصرة ثلاثة آلاف وأربعمائة ليرة سورية.. هي كل ما نملك من مال.. لكن الأرزاق كبيرة والحمد لله...‏

-الحمد لله، صاح كل من حوله فاتحين أيديهم رافعين عيونهم للسماء.‏

-أنتم تذكرون... يوم جئنا أم العيون.. هاربين، خائفين، لم نكن نملك شيئاً.. لكننا اليوم نملك الكثير: أراضينا الواسعة هنا، في قليب الثور، في أم الرجوم، أغنام، أبقار، خيول، عربات.‏

-الخير كثير والحمد لله، الخير كثير، قاطعه يونس، ربما رغبة في توفير الجهد على أبيه.‏

-هذا الخير أريدكم أن تزيدوه وتكثروه.. حتى تظل راية آل المر مرفوعة لا تعرف انتكاساً..‏

-سيكون ذلك بإذن الله يا أبي!! اطمئن يا أبي!! طمأنه عزيز وقد أدرك الهم الكبير الذي يشغل باله..‏

-الفرقة وحدها تضعفكم، الخلاف وحده ينكس رايتكم.. فلا تختلفوا ولا تفترقوا.. أنتم أخوة.. أنتم الثلاثة، قال وهو يشير إلى نرجس وعزيز ويونس، وإبراهيم.. ابن أخيكم لكنه بمثابة عمران.. اعتبروه عمران.. واقسموا كل شيء على أربعة.‏

-بل على ثلاثة.. اندفع عزيز فجأة رافعاً أصابعه الثلاث، ففتح يونس عينيه هاتفاً:‏

-ماذا؟‏

-أنا أتنازل لكم عن حصتي.. لا أريد شيئاً..‏

-وأنا أيضاً أتنازل.. تابعت على الفور نرجس وقد ألهبها عزيز حماسة ومروءة.. أسامحكم بكل شيء.. لا أريد أرضاً ولا غنماً، خيلاً ولا بقراً..‏

-لكنه حقكما، عقب علي المر وهو ينقل ناظريه بين عزيز ونرجس.. بمزيج من التعجب والانبهار، الحزن والسرور..‏

-صحيح.. هو حقنا.. لكن الحمد لله!! أنا هناك بخير!! تجارتي رابحة وأحوالي حسنة... ولن أقاسم أخي وابن أخي على أرض لن أعمل بها.‏

-وابنك نواف!؟ تساءل وهو يرمق الحفيد الذي يحب.‏

-نواف.. سآخذه معي إلى الشام.. أنا بأمس الحاجة إليه هناك.‏

-وأنت، قال وهو يميل برأسه إلى نرجس..‏

-أنا بخير أيضاً.. أبو خليل الساهي جاء معك إلى أم العيون وكسب كما كسبت.. أيضاً.. لدينا أراض وأغنام.. خيول وأبقار فلماذا أقاسم أخوتي ثروتهم؟‏

-بارك الله بك وبه!! قال علي المر وهو يمسك بيدها ثم بيد عزيز، إذن، ماذا أوصيك، يونس؟‏

إبراهيم هو عمران.. ,عمران هو أخوك.. والأخوة سواسية يقتسمون قسمة الحق...‏

-لا، أبي، حصة عزيز ستظل لعزيز.. صحيح.. نحن نقبل كرم نرجس وتسامحها.. لكن.. عزيز.. لا.. ستظل حصته معي متى أرادها كانت له.. مالاً.. أرزاقاً.. أرضاً..‏

-كذلك حصتي، عمي يونس، نطق إبراهيم أول مرة وقد أثارته الحمية والنخوة، تظل معك وأظل أنا واحداً من أولادك نعمل معاً ونعيش معاً.‏

-الحمد لله! الآن أموت مرتاحاً مطمئناً! تمتم علي المر وهو يتنفس الصعداء..‏

-حقاً أبي!! لست خائفاً من الموت؟ سأل عزيز بكل جد وكأنما يريد أن يتخلص من شاغل يشغله.‏

-خائف!؟ كرر الأب الذي انعكست الراحة والطمأنينة قبل ثوان على سيماه، فبدت مشرقة بشيء كالنور. أنا أخاف من الموت، عزيز؟ تابع سؤاله بمسحة من عتب. لا.. لا.. الموت حق وما علي المر من يخاف من الحق..‏

-صحيح!! لكنه الموت يا أبي!! المجهول الذي نلقى في هوته!! الغول الذي ترتعد له فرائص الشجعان..‏

-لا.. عزيز.. الموت ليس مجهولاً ولا غولاً.. الموت مجرد انتقال.. من دنيا فانية إلى دنيا باقية.. من حياة زائلة إلى أخرى دائمة فلماذا نخاف ونحن ننتقل إلى البقاء والخلود؟‏

-والحساب.. العقاب؟ سأل عزيز بكثير من التردد..‏

-الحساب!! العقاب!! كرر الأب الذي بدا وكأنه يستمد قوة من ضعف، وصفاء من تشوش. هو ذا ما يخافه الناس عزيز، وليس الموت!! ومن يخاف إلا الآثم المرتكب؟ وحدهم المذنبون الآثمون يخافون.. أما الأنقياء الأتقياء الذين لم يذنبوا ولم يأثموا، ما ضروا أحداً ولا آذوا أحداً فلماذا يخافون؟ هم يعلمون أنهم بموتهم تنتهي حياتهم هذه، لكن لتبدأ حياة جديدة وعدهم ربهم فيها بجنة من سندس أخضر تجري من تحتها الأنهار.. فلماذا لا يكونون مطمئنين؟‏

وشعر عزيز بتيار من طمأنينة دافئة يسري في أوصاله.‏

-الحمد لله!! تنهد متمتماً..‏

-أجل الحمد لله!! ردد الأب وقد ارتعشت شفتاه فجأة وناست ذبالة المصباح في حدقتيه فجأةً.‏

مع ذلك شد بكفه على كف نرجس، وهي ما تزال ممسكة بها، ثم رفع سبابته اليمنى أمام وجهه مستأنفاً:‏

أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله!! مع الهاء الأخيرة سمع عزيز صوتاً كالحشرجة، فيما أحست نرجس بشيء ينسحب من كفها وبأنفاسها تنسحب من صدرها. نظرت إلى الأب فوجدت فمه انفتح على مصراعيه، وعينيه جحظتا وقد خبا منهما النور...‏

نظرة العينين نفسها، انفتاحة الفم نفسها، تخشب اليد نفسه كانت قد أحست بها يوم ماتت أمها قبل بعض الزمن.. إنه الموت.. نرجس تعرفه.. يأتي بالضباب والسديم فينشرهما على كل ما حوله ليترك القرس والحزن.‏

-لا.. أبي.. لا تمت، أبي!! دونما تفكير، دونما شعور، وجدت نفسها تصيح مولولة نادبة، فيما انكب يونس بخوف وهلع على يد أبيه، وانحنى عزيز على جبينه.. متحسساً بيديه، مقبلاً بشفتيه، الجبين ما يزال دافئاً لكنه ليس دفء الحياة، أنامله انحدرت مع صفحة الخد تتلمس الوجه الذي كانت تحب... الشفتان في الأثر.. تلثمان، تتحسسان.. لم يعد ثمة قلب يخفق، لم يعد دم يتحرك.. ثمة سكون.. برد..‏

-لقد مات!! تمتم عزيز وكأنه يخاطب نفسه فيما امتدت يده إلى العينين تغمضهما وإلى الشفتين تطبقهما بعد أن ظلتا منفتحتين على هاء الشهادة والطمأنينة.‏

سبعة أيام ظل بيت الشعر منصوباً في ساحة القرية والناس يتوافدون معزين.. من القرية، من الصابرة، من القرى الأخرى التي كانت قد نشأت وانتشرت خلال ذلك الردح من الزمن، لتشكل جبهة جديدة للحضارة والعمران في منطقة خالصة للبداوة والبداة. قليب الثور، أم الرجوم كانتا الأقرب إلى أم العيون وكان أهلوها قد جاؤوا من الغرب أيضاً، حيث الريحانة والجبال، لا هرباً من العصملي كما جاء علي المر وصحبه بل سعياً وراء الرزق وقد سدت في وجوههم أبواب الرزق.‏

لم تكن أم العيون قادرة على الاتساع للوافدين الجدد فقادهم علي المر إلى الشمال، حيث القباب الكثيرة، والعواميد الزرقاء التي إن دلت على شيء، فإنما تدل على عمران كان ثم باد.. حفروا هناك، فتشوا، بحثوا، فوجدوا آثار دور قديمة خربها الزمان، أساسات أبنية من حجر أزرق، دعامات وأعمدة من حجر أزرق وقد زينت بعناقيد العنب وأوراق الزيتون، كما وجدوا بقايا لمعاصر زيتون، وأباراً غطاها أهلها بصفائح من حجارة زرقاء. جفاف أو غزو جعلهم يرحلون على أمل العودة... ثم لم يعد أحد. رفع الوافدون الجدد الأغطية ثم أنزلوا الدلاء في الآبار فخرجوا بالماء.. أية نعمة إلهية!! كان علي المر قد شارك في بناء القرى الجديدة واستصلاح الأراضي الجديدة حيث المنطقة تعمر وتتوسع من جديد، وعلي المر رائد وطليعة، مرشد وشريك. سنوات خصب عشر تتابعت بغلال وفيرة ومواسم خيرة فجعلت دار علي المر تمتلئ حنطة وشعيراً، أغناماً وأبقاراً وجعلت صندوقه يعج بالذهب والفضة.. والناس كل الناس يحملون له الإعجاب والإكبار، الحب والود، فكيف لا يسارعون إلى المشاركة في عزائه؟.‏

خبر الموت ينتقل.. بسرعة ودون أن يعلم أحد كيف؟. وصل الخبر إلى قبيلة شمس فأسرع الشيخ نواف يعزي بالرجل الذي خاواه يوماً ثم ناسبه بعد ذلك ليصنعا معاً نسيجاً جديداً للحياة، لحمته وسداته: بدو وحضر، رعي وزراعة، يكمل واحدهما الآخر ولا يعيش واحدهما بغير الآخر.‏

خبر الموت انتقل أيضاً إلى الريحانة، وأسرع الأهل القدماء الذين لم تنقطع أواصرهم بعلي المر ولا انقطعت أواصر علي المر بهم... طوال ربع قرن كان ما ينفك يزورهم ويزورونه، يأتي بالحواصيد منهم ويستجر المهاجرين. مصاهرات قامت، علاقات امتدت، وظلت الريحانة المحج الذي لا يهنأ لعلي المرعيش إن لم يحج إليه العام تلو العام، ولا يطيب له طعام إن لم يأكل من زيته وزيتونه، جوزه ولوزه، دبسه وزبيبه. ظلت الريحانة الأرض التي تمتد فيها جذوره عميقاً في التربة كجذور الزيتون والسنديان فكيف يتخلف أهل الريحانة عن المشاركة في مأتمه؟. جدياناً حملوا، عجولاً ساقوا، وأحمال بغال من برغل وزيت سفحت كلها على روح علي المر وحملت لنفس عزيز كل شعور بالعزة والفخار.. فالرجل الذي فتح أرضاً جديدة بدا أكثر أهمية مما يتصور عزيز.. لكأنه ملك في مملكته الجديدة.‏

سبعة أيام ظل عزيز يستقبل المعزين.. متعبة كانت المراسم، متعبة كانت الطقوس.. لكنها الأعراف والتقاليد، وهل باستطاعته أن يغير الأعراف والتقاليد؟" لكن لماذا سبعة؟" كان لا يفتأ يتساءل وقد أرهقه استقبال الناس ووداعهم.. "أهو عدد مقدس؟ الأسبوع سبعة أيام، السماوات سبع، الأرضون سبع، الله خلق الكون في ستة أيام ثم استوى في اليوم السابع على عرشه.. أهو رمز الكمال والاكتمال؟ يستمد قداسته من قداسة الكمال والاكتمال؟". لم يكن عزيز يدري، لكنه كان يتساءل. في اليوم الخامس كان قد جاء المعزون من الريحانة، في السادس جاء صحبه من حماة: حسني الدباغ وأهله بعد أن مات الحاج صبحي.. الدكتور نورس، المحامي إبراهيم كلهم جاؤوا وحمل مجيئهم الكثير من العزاء لقلب عزيز.. "لم ينسني الناس هناك.. لم تذهب تلك المرحلة من عمري سدى".. وأكد له حسني أن الناس ما زالوا يذكرونه في الحاضر.. ما زالت النسوة تتحدث عن الشيخة ابنة الشيوخ التي ملأت ذات يوم الحب العتيق أحاديث كرم وقصص تفرد وشجاعة، لكن ما جعل عزيزاً يتنبه كل التنبه همسة حسني:‏

-تعلم؟ أحد المخبرين سألني قبل شهر عنك؟‏

-أحد المخبرين سألك؟ ماذا تعني؟‏

-أعني.. هكذا.. دون سابق إنذار، جاء رجل لم أكن أعلم أنه يعمل مع الفرنساوي، ثم تبين أنه مخبر.. تحري.. يعني..‏

-إي.. وما الذي كان يريد؟‏

-كان يريد أن يعلم أي شيء عن عزو المرارة.. عن امرأة تدعى شموس.. بدوية.. ابنة شيوخ..‏

-اي.. وبماذا أجبته؟‏

-قلت له أنا لا أعرف شيئاً عن مثل هذا الاسم.. لكني أعرف رجلاً باسم عزيز المر.. وامرأته شمس ابنة الشيخ نواف..‏

-سامحك الله!! قاطعه عزيز وهو يضرب كفاً بكف.. ما الذي فعلته؟‏

وبدا حسني الدباغ منبهتاً، فقد فاجأه الذعر في عيني عزيز.. حينذاك فقط تبين له سوء ما فعل. لقد جره ذلك المخبر، من حيث لا يدري، للإفضاء بكل ما يعرفه عن عزيز المر وزوجته الشيخة شمس التي دوخته ذات يوم، وكان على استعداد لأن يقدم لها تنكة من الذهب إن استجابت له.‏

في اليوم السابع فقط اكتمل سوء تلك الفعلة.. حين ظهر على حين غرة ثلاث سيارات يتعالى إثرها الغبار، وهي تشق طريقها إلى أم العيون. أولاد القرية الذين كانوا ما يزالون يعجبون من عربات تسير بلا خيول ودواليب ليست من معدن تكرج على طرق لم تمهد، استقبلوا الموكب عند أطراف القرية ثم تقدموه مرشدين إلى حيث بيت الشعر وعزيز الذي فتح عينيه على سعتهما وهو يرى القومندان رينو بنفسه ينزل من السيارة.. ثم يأخذه بالأحضان معزياً مواسياً.‏

-يا إلهي!! قومندان فرنسي!!‏

-موكب سيارات آتٍ من الشام لتعزية عزيز!!‏

-كم هو مهم، عزيز إذن!!‏

راحت الوشوشات تنداح في بيت الشعر، والناس ترى إلى القومندان بكل نجومه وأوسمته يخاصر عزيزاً، وراءه ضباط وجند، ثم يشقون طريقهم جميعاً إلى بيت الشعر ليحتلوا صدارته. لم يكن أحد من أهل القرية قد أحس بالخوف الذي سرى في أوصال عزيز وهو يرى الموكب، ولا بتوجس الشر الذي ملأ نفسه وهو يأخذ القومندان بالأحضان، ولا بالأفكار السوداء التي ملأت رأسه وهو يسير.‏

-هو يعرف كل شيء عنا، قال عزيز لشمس وهو يأوي إلى فراشه بعد يوم طويل من التعب والإرهاق.‏

-كل شيء!؟ كل شيء!؟ سألت شمس شبه مرتعدة، فقد كانت تعلم ما رواه حسني عن تحريات الفرنساوي، وكانت تعلم ما توصل إليه القومندان من استدراجه للأخضر في باريس، كما كانت على يقين من أن تحرياته القديمة وتقصياته لم تكن قد ذهبت بلا طائل.‏

-أعتقد... كل شيء.. أجاب عزيز وهو يحس بأمواج الرعدة تصل إليه..‏

-يا إلهي!! حتى علاقتنا بجيرار!؟ سألت شمس وقد صار وجهها قناعاً للذعر، ما هربت منه، هي وعزيز، سنين طويلة، وما حاولا معاً إخفاءه، سنين طويلة، بات الآن عارياً مكشوفاً أو يكاد..‏

-لا أدري.. هذا وحده ما يزال موضع شك، رد عزيز وهو يحاول أن يستعيد في ذهنه وجه القومندان عله يستشف من أمائره علامة للشك أو إشارة للاتهام، لكن القومندان كان قد جاء صديقاً، الود على محياه، والتعاطف في سيماه... لم يكن طوال ثلاث ساعات قد ألمح إلى شيء أو تحدث بما يثير الشك. هو رجل في منتهى التهذيب واللياقة.. عبر عن حزنه بوفاة الفقيد الغالي.. عن مسارعته للمجيء ما إن سمع نبأ الوفاة، عن سروره بمشاركة صديقه في عزائه، وحين قدمت المناسف أكل هو وصحبه، ردد العبارات التي يرددها الناس عادة في المآتم متمنياً لعزيز حسن الصبر والسلوان ثم امتطى سيارته ورحل.‏

-الغبي حسني.. لو نعلم فقط ما حدث به ذلك المخبر!؟‏

-ما قلته لك حرفاً بحرف..‏

-يا إلهي!! عزيز!! أشعر أن الأنشوطة تضيق حول عنقي!!‏

-أنا نفسي أشعر بذلك!! بل.. تصدقين!؟ شعرت، وأنا أراه ينزل من سيارته، أنه يحمل لي بيديه تلك الأنشوطة..‏

-إذن.. ماذا نفعل؟.‏

وكان ذلك هو السؤال الذي أرقهما حتى مطلع الفجر، فيما كان الجواب سبباً في إرباك ناس وقلب مخططات. دملجة، رغم الحزن على الجد الذي فارقه على عجل، كانت تكتم في صدرها سعادة لا تستطيع الحديث عنها لكن عينيها كانتا تبرقان بها. فعمها عزيز مذ وصل إلى القرية، كان قد قال لابنه "عليك أن تحزم متاعك إلى دمشق، أنا بأمس الحاجة إليك". "الحمد لله!! سنترك القرية"، راحت دملجة تهتف، وهي تكاد تطير فرحاً.. "سأعيش في المدينة".‏

كانت دملجة تحلم بالعيش في المدينة، بل ربما لم توقع نوافاً في هواها إلا لكي يأخذها إلى المدينة.. لكن أملها خاب بعد الزواج فكرهه للمدينة كان يجعلهما على طرفي نقيض. دملجة تعلم من قبل أنه يعشق الريف وأنه يريد العيش فيه، لكنها كانت تمني نفسها بتغييره بعد الزواج. "القرية!!؟ لماذا نعيش في القرية؟ هنا غبار وحر في الصيف ووحل وقر في الشتاء!!". كانت تقول له: "في القرية لا شيء سوى الشوك في الأرض والحشرات في الجو.. الضيق والحرمان.. الأقاويل والإشاعات" "في المدينة الطرقات المعبدة، الأبنية الجميلة وقبل هذا وذاك هناك الكهرباء". كانت تحاول إقناعه كلما خلا لها الجو، فالكهرباء كانت الساحر الذي يخطف الأبصار "حسبك أن تضغط زراً ليشع نور كنور الشمس"، كانوا قد تكلموا أمامها ففتحت عينيها إلى أقصى اتساع... "إذن، لن تكوني بحاجة لتعبئة زيت الكاز وغسل البلورة والمصباح كل يوم، قص الفتيلة وإشعال الكبريت؟" "لا، لا، ذلك الزر يغنيك عن هذا كله، يعفيك من كل تعب" بعدئذ سمعت دملجة أشياء أخرى: المكواة تصلينها بالكهرباء فتكوى ثيابك، التسخين، التدفئة، كله على الكهرباء والأهم الأهم الحاكي والمذياع.‏

في المدينة حاكٍ تضعين عليه أسطوانة فتسمعين الأغنية التي تشائين، الموسيقى التي عليها ترقصين... تديرين مفتاح المذياع فتسمعين محمد عبد الوهاب... أسمهان، أم كلثوم.. "يا إلهي!! أي حلم إذن، أن يعيش المرء في المدينة!!". على ذلك الحلم ظلت دملجة تعمل. نواف ضدها، أمها عليا، أبوها يونس، كلهم يريدون كسب نواف... إبقاءه في القرية، فهو قوة للعائلة ورصيد.. لكن دملجة غير معنية بقوة أو رصيد.. هي تريد أن تذهب إلى المدينة، تعيش حياة المدينة، حيث النظافة، الماء، الكهرباء، فتتيه على أخواتها ولداتها وتفقأ أعين الحاسدين والحاسدات..‏

في أيام المآتم السبعة كانوا كلهم في هم ودملجة في هم، كلهم حزانى باكون، وهي تكتم سعادة في القلب تكاد تفيض على الوجه والشفتين.. هي تخشى اللوم فقط فتكبت، وتنتظر اليوم الموعود.. كل شيء معد للرحيل.. وما تراه هذا الكل شيء؟ ما تراها تأخذ من القرية إلى دمشق؟" لا.. لا.. حسبي بعض ثيابي الداخلية، مصاغي وذهبي".‏

فقد كانت دملجة تعلم أن ثياب القرية لا تصلح للمدينة وأن عمها وامرأة عمها سيجهزانها في دمشق عروساً تزف لابن عمها من جديد. نواف نفسه كان قد استعد للرحيل، رغم نفوره من المدينة، رغم تعلقه بالقرية لم يكن ليخالف أوامر أبيه. "أنا بحاجة إليك"، إذن سيلبي نواف الحاجة ودملجة سعيدة بذلك.. أيام المأتم طويلة، تعدها دملجة بالدقائق والثواني وهي تعلم أن عمها لن يستطيع المغادرة قبل إتمام الطقوس: الأسبوع، الذبائح، النفقة على روح الميت، كلها لا بد من قضائها قبل العودة إلى دمشق. عمها رجل هام، يأتي الناس لتعزيته من كل مكان.. حتى من دمشق جاؤوا.. قومندان بطوله وعرضه ركب سيارته تلك المسافات الطويلة كي يقوم بالواجب.. وازدادت سعادة دملجة "سأعيش أروع عيش: عزاً وجاهاً، غنى وسعادة".‏

الكل في القرية يتحدثون عن المكانة التي يتبوأها عزيز في دمشق، عن غناه وثروته، عن علاقاته الواسعة بكبار القوم من سياسيين وذوي شأن، فرنسيين ووطنيين.. ومجيء القومندان أكبر دليل زاد في أحاديث أهل القرية وزاد في سعادة دملجة.. لكن ما إن جاءت ساعة الرحيل حتى جاءت معها الصدمة:‏

-ابق هنا الآن، قال عزيز لابنه فزفر قلب الابن فرحاً.‏

-تعني لم تعد تريدني في دمشق؟ سأل نواف أباه وهو لا يكاد يصدق.‏

-بل أريدك.. لكن.. لنؤجل ذلك الآن.. ابق مع عمك في القرية.‏

لم يسأل نواف عن السبب، ولم يرغب في معرفة الطوارئ التي دعت الأب لتغيير قراره.. حسبه أنه سيظل في القرية.. حسبه أن يثب فرحاً متراقصاً إلى دملجة، يأمرها بفك صررها ورزمها فتجحظ عينا المرأة على الحلم الذي يهرب.‏

-لا.. نواف.. لا تقل ذلك..‏

-بل أقوله.. هما سيسافران غداً.. نحن سنبقى.. وأنا سعيد.. سعيد.. سعيد..‏

طوال السهرة ظلت دملجة مع امرأة عمها تسأل وتستفسر.. لكن عبثاً.. شمس متكتمة واجمة مقطبة الحاجبين.. هي تعلم هول الصدمة على الكنة التي تفقد أغلى أحلامها، لكن ماذا باستطاعتها أن تقول؟ أتقول لها إن القومندان يلاحقها ملاحقة الهر للفأر؟ إن ثمة سراً تخفيه، وهو يسعى للكشف عنه؟ إن خطر الموت يهددها إذا ما كشف ذلك السر؟ أتحكي لها عن الكابيتان جيرار؟ ثورة حماة؟ مطامع جيرار بها؟ دفاعها عن نفسها؟ وعن ذلك التاريخ الطويل من الهروب والتخفي والتمويه، عل السر يضيع؟. لا، ليس باستطاعة شمس أن تبوح بشيء.. السر الذي حملته مع زوجها من حماة لم يعرف به أحد.. كانت حذرة طوال تلك السنين وكان عزيز حذراً.. لكن ها هو ذا من مأمنه يؤتى الحذر.. القومندان يستفرد بالأخضر في باريس كي يحدثه عن طفولته في حماة.. المخبر يأتي إلى حسني الدباغ كي يستجره للحديث عنهما..‏

لا شك أن القومندان يقترب من ذلك السر ولا شك أن الخوف يمور في قلبيهما كليهما.‏

"أشعر أن الأنشوطة تضيق حول عنقي" تقول لعزيز، ثم يسهران حتى مطلع الفجر وقبل أن يرقد لهما جفن يقرران "نسافر إلى دمشق فإن رأينا خطراً هربنا في الحال". لكن هل تستطيع شمس البوح بذلك لدملجة؟ هل تستطيع إشعارها بالخوف الذي يعتورها، بالحذر الذي عاودها هي وعزيز فقررا إبعاد نواف عن مكمن الخطر.. إبقاءه احتياطاً في القرية حتى لا يضعوا بيضهم كله في سلة واحدة؟ شمس تلتزم جانب الصمت ودملجة تكاد تنفجر قهراً وغيظاً سرعان ما تحولا إلى دموع سخان وهي تودع الراحلين إلى دمشق.‏

في دمشق، كان الجو مكفهراً متلبداً بالغيوم، ليس غيوم المطر والثلج، البرق والرعد، بل غيوم السياسة والدسائس، الحرب والضرب. قبل ثلاث سنوات كانت مفاوضات قد أجريت ومعاهدة قد عقدت لإنهاء الانتداب. لكن قبل أن يجف حبر المعاهدة بدأت فرنسا تسحب البساط من تحت الأرجل، متذرعة بهذه الحجة أو تلك، منسحبة من هذا الالتزام أو ذاك، مؤكدة أنها لا تخطط إلا لترسيخ استعمارها للبلاد، فالوزارة التي لا تركع عند قدمي مندوبها السامي تحل في الحال، رئيس الجمهورية الذي لا يكون لديها "شبيك لبيك عبدك بين يديك" يعزل، والمدير الذي لا يكون عبداً مطيعاً يرمى في القمامة... تراجعات متتالية قامت بها فرنسا، ضربات متتالية وجهتها لحلم الاستقلال لكن الضربة الأشد كانت لواء اسكندرونة.‏

قبل عشرين عاماً كانت تركيا "العصملي" قد خرجت من البلاد، لكن هل تخرج تركيا أتاتورك؟ أحلامها بسورية لا تستطيع أن تتحقق، فلم لا تتحقق بلواء اسكندرون؟ بالحرب والضرب لا تستطيع ذلك فلماذا لا يكون بالتآمر؟. كليكية، جزيرة ابن عمرو، ديار بكر، كلها أراض عربية، مع ذلك وضعت يدها عليها، بالقوة أخذتها، فلماذا لا تأخذ لواء اسكندرون؟‏

منذ زمن طويل كان أتاتورك قد كشر عن أنيابه يريد التهامه. لكن ثمة فرنسا.. كما في الموصل بريطانيا.. بريطانيا لم تتخلَّ عن الموصل لكن فرنسا تتخلى.. "نجري استفتاء" اقترح أبناء أتاتورك وهم يلوحون بثمن اللواء لفرنسا. الصفقة رابحة وفرنسا لا يغريها كالصفقات الرابحة.‏

عصبة الأمم أرسلت بعض المندوبين، فرنسا أطلقت لتركيا العنان، تزوّر وتحرِّف، تبدل وتغير، وجاءت النتائج كما يشتهي أبناء أتاتورك.. الثمانية والستون بالمائة من السكان العرب صارت ثمانية وثلاثين، والأقلية التركية صارت أغلبية وسلخ لواء اسكندرون!! سلخ وهو حي، عكس ذبائح الدنيا كلها، تلك التي تذبح أولاً ثم تسلخ.. لواء اسكندرون صلب على خشبة عالية، دقت المسامير في يديه وقدميه ثم بدأ جلاوذة أتاتورك يسلخونه. دماؤه تنزف، صرخاته تتعالى، أناته تقطع نياط القلوب لكن لا أحد يسمع.. عصبة الأمم التي جاءت لإحقاق الحق وإحلال السلام على الأرض، بريطانيا التي تدعي الصداقة للعرب والاهتمام بمصالح العرب، فرنسا التي التزمت ذات يوم بحماية الأرض التي انتدبت عليها، حتى روزفلت الداعي لحقوق الشعوب في الحياة وتقرير المصير، لم يسمع بصيحات اللواء ولم تصل أذنيه توجعاته وآهاته، لكنها وصلت مدوية موجعة إلى دمشق.‏

في المرجة، الحجاز، الحميدية، كانت صرخات اسكندرونة تتردد. في باب الجابية والصالحية، على ضفاف بردى وجدران الأموي كانت ولولات أنطاكية تنعكس مستنجدة طالبة الغوث. الأخت تسلخ جلداً عن لحم، لحماً عن عظم، فماذا تفعل أختها التوأم؟.‏

الأخت التوأم هبت إلى النجدة.. هي مكبلة اليدين مغلولة القدمين لا تملك إلا الصوت فتطلقه صراخاً، سمعه عزيز وشمس مذ وصلت بهما السيارة إلى شارع بغداد، ذلك الشارع العريض الذي شقته فرنسا عبر الرياض والبساتين كي تقضي على متمردين خارجين على القانون، يتربصون بجنودها فيصرعونهم أرضاً، يكمنون للدوريات فيمزقونها تمزيقاً.‏

الشوارع الأخرى غير سالكة.. حشود الطلاب، جماهير الناس تملأها كلها مانعة السير، موقفة كل حركة.. فلم يملك الزوجان إلا أن يدورا حول سور دمشق قبل أن يصلا إلى الشاغور فالميدان.‏

-أين مناف؟ سأل الوالدان وضحة، وهي تستقبلهما بكثير من اللهفة والشوق.‏

- لا أدري.. منذ الصباح خرج ولم يعد..‏

-تعنين أنه في المظاهرة؟ خائفة ملهوفة أسرعت شمس تسأل.‏

-الله أعلم..‏

-وبدور؟ سأل الأب هذه المرة‏

-لا.. بدور.. عند روضة..‏

وتنفس كلاهما الصعداء، يخرج الشاب مظاهرة، في الأمر وجهة نظر، لكن أن تخرج الفتاة، تعرض نفسها للخطر فأمر يبث الذعر في الأوصال.‏

-ناديها، وأسرعت وضحة إلى روضة التي كان الدكتور الشهبندر قد حل عقدة لسانها فعادت تنطق ككل خلق الله. بعدئذ عرفت أن القصور التي بنتها كانت مجرد قصور في الهواء.. شمس شرحت لها "حبك للأخضر من طرف واحد، هو بعيد في شغل شاغل فكيف تربطين مصيرك بمصيره؟ العريس جاء فلماذا ترفضين؟ "أنا واثقة أن الأخضر يحبني" ردت حينذاك "لكنه يقسم انه لم يصرح لك بشيء ولم يلزم نفسه بشيء" "صحيح" قالت بغصة في الحلق. "إذن.. كيف تتصورين أشياء هي مجرد أوهام"؟ "أنا أحبه وسوف أنتظره" "تنتظرين عبثاً.. فمن يضمن شاباً في بلد أجنبي؟ من يكفل ألا يقع في شراك امرأة هناك؟" وبدت الحجة مفحمة، بدأت روضة بعدها تطرد شيئاً فشيئاً خيال الأخضر من عينيها، صورته من ذهنها.. شيئاً فشيئاً بدأت تنزل من السماء حيث كانت تحلق عالياً بأحلامها المجنحة فترى نفسها تستقبل بالأحضان الأخضر العائد من باريس طبيباً قد الدنيا لتصنع معه عش الزوجية السعيد.‏

أبوها، أمها، لم يعودا يجرؤان على إكراهها: "خذي هذا العريس، خذي ذاك" كان خرسها قد علمهما درساً فتركاها تقتنع وتختار.. وكانت قد اختارت العريس الذي تستعد للبناء به بعد أيام.‏

-أهلك جاؤوا، نقلت وضحة البشرى للصبية ابنة الخامسة عشرة قاطعة حديث روضة عن العرس والعريس.‏

-حقاً!؟ هتفت بدور وهي تهب بسرعة، فقد كان في صدرها شوق عارم لرؤية أبويها وكأنهما غابا عنها شهوراً طوالا.‏

بالأحضان أخذها الأب، بالأحضان لفتها الأم، يقبلانها ويلثمانها. وردة عبقة الرائحة عاطرة الأريج. كان البرعم قد تفتح صدراً ناهداً وقواماً فارعاً وخصراً أهيف...‏

شمس تنظر إليها فترى فيها نفسها تتشكل من جديد.. الشعر الأسود الفاحم، العينان السوداوان، البشرة البيضاء، وحدها القامة أطول، العظام أغلظ، الكتفان أعرض، أتراها بنية عزيز؟ بدور مزيج من شمس وعزيز، وأي مزيج؟ شمس تنظر إليها ولا تشبع.. الصبا والجمال.. كلاهما معاً بدور، وبدور كلاهما معاً، فكيف لا تسر الأم وكيف لا يرضى الأب؟.‏

لكن الأب مشغول البال، مناف يشغله والدار لا تسعه.‏

-أنا ذاهب إلى المحل، قال لشمس وهو يخرج لا يلوى على شيء. بيت صبري قريب. مربه، قرع الجرس:‏

-أين أبو فريد؟ سأل من وراء الباب ومن وراء الباب جاءه الجواب:‏

-خرج.. لا أدري أين..‏

"أنا أعلم أين" قال، وقد وصل إلى المحل المغلق، لنفسه ثم للأنثى التي جاءه صوتها من وراء الباب، لا يعلم من هي.. أهي الأم أم الابنة؟.. خلف الأبواب تتشابه أصوات النساء فلا تستطيع الأذن تمييزها. صداقته مع أبي فريد لم تغير شعرة واحدة من علاقته بأهل بيته.. بيوت الميدان ما تزال متمسكة بالحرملك والسلملك.. حاجز عال يفصل بينهما ولا فائدة من محاولة اختراق ذلك الحاجز.. لكأنه الاسمنت ينطحه الوعل بقرنيه فينكسر قرناه.. صبري يدخل بيت عزيز، يجلس مع شمس، يتحدثان، يشربان، يأكلان... منذ أيام حماة كان صبري قد دخل بيت شمس واستقبلته صديقاً، لكن ما كان لعزيز أن يدخل حرملك صبري الذي أبى أن يغادر دمشق. أم فريد في بيت العائلة في الميدان، صبري يذهب، يجيء، يحل، يرحل وهي قاعدة في البيت العتيق جزءاً لا يتجزأ منه.. الأم، الأخوات، نساء الأخوة، كلهن يشكلن حرملكا متين البنيان متماسك الأركان، يرى ولا يُرى، يسمع ولا يُسمع، ثم يكيد للرجال ذلك الكيد العظيم.‏

طوال إقامته في دمشق، كان عزيز يتمنى لو ترمى الحجب وتزول الحواجز لتقوم علاقة طبيعية بينه وبين بيت صديقه، رفيق العمر أبي فريد.. لكن عبثاً كانت أمانيه.. أم فريد، أم صبري، البنات كلهن صديقات شمس وبدور ابنة شمس.. يلتقين، يتبادلن الزيارات، تربطهن أقوى الأواصر.. لكن حتى هنا وحسب.. فقانون الحريم صار يحرم عليه الاختلاط بالرجال: لا يرَ رجل وجهك، لا يلمس يدك، لا يسمع صوتك.. إلى آخر اللاءات التي سطرها قانون الحريم وتشرف على تنفيذها أمهات الحريم. عزيز يعلم رأي صبري، كرهه لذلك الحرملك والسلملك. لكن ما كان باستطاعته تغيير شيء فالعبدة أحرص على عبوديتها من سيدها، وأكثر دفاعاً عن قيودها من مقيّدها..‏

نفض عزيز رأسه، متخلصاً من أفكار قديمة كانت تراوده مذ جاء إلى دمشق واصطدم بحاجز الحريم.. جلبة ما تصل إلى مسامعه.. أصوات وهتافات تأتي مختلطة، غامضة مشوشة فيدرك أنه يقترب من المظاهرة ويفكر من جديد بمناف.‏

مناف في أحد أزقة سوق ساروجة.. حوله بضعة عشر من الفتيان، والزقاق كله حشد من الرجال، أصواتهم تتعالى هاتفة احتجاجاً على سلخ اللواء ورفضاً لتسليم فرنسا لواء اسكندرون... كانوا قد تجمعوا في قلب "العمارة" ثم زحفوا هاتفين متجهين إلى سراي الحكومة، لكن جند الحكومة اعترضوا طريقهم بالعصي والهراوات فتفرقوا هنا وهناك ثم تجمعوا من جديد في سوق ساروجة.. مناف متحمس، الفتيان من حوله متحمسون، كلهم ناقمون على فرنسا، على المستعمر الذي يتآمر ويكيد، ممزقاً الوطن بائعاً ترابه. بعض الفتيان زملاء مدرسة. بعضهم الآخر صبية وصناع، لكنهم جميعاً، شأنهم شأن الكبار، يدفعهم الحماس للدفاع عن الوطن، لمنع المؤامرة على الوطن..‏

اسكندرون عربية... لا تركية ولا فرنسية‏

كانوا قد بدأوا يهتفون فتردد المنعطفات البعيدة أصداء هتافاتهم:‏

يا عصملي يا طماع... عمرك أبداً ما بتشبع‏

يا مستعمر يا ملعون... كيف بتبيع اسكندرون؟‏

وكان المستعمر الملعون يسمع الهتاف من نوافذ السراي المطلة على بردى من جهة والمرجة من جهة أخرى فتنتفخ أوداجه غيظاً.‏

-فرقوهم.. لا تدعوا أحداً يقترب، كانت الأوامر تنطلق من الجنرال منتفخ الأوداج فينقض الجند، الشرطة، الجندرمة على الفتيان العزل والصبية الذين لا يحملون سلاحاً سوى الحجارة، يقتلعونها من هنا وهناك ويقذفون بها الأعداء:‏

النا النا اسكندرون ... مو للعصملي المأفون‏

ما منتنازل ما منتنازل ... عن ذرة من تراب الوطن‏

شيلي إيدك عصملية ... اسكندرون عربية‏

يا فرنسا برابرا ... اطلعي من هالأرض الحرة‏

كانوا يرددون وهم يحاولون مهاجمة السراي من جديد، يزرعون مطالبهم في مسامع الجنرال المنتفخ الأوداج وحجارتهم في سرايه. ساروا قدماً في الزقاق لكن الجند كانوا بالمرصاد، رشقوهم بالحجارة فانطلق وابل من الرصاص... زعقت نساء من داخل البيوت، وخلف الشبابيك فيما حدث هرج ومرج واختلط الحابل بالنابل والمتظاهرون يرتدون إلى الوراء مذعورين.. حول الزقاق التفوا، مناف في طليعة الملتفين، ثمة زقاق آخر، ربما لا يسده الجند. أشار إلى صحبه أن أسرعوا.. وأسرع الفتيان ملء أيديهم الحجارة وملء صدورهم الحماسة... الزقاق خال، نظروا إلى طرفه القصي، لكن لا أحد"سننفذ من هنا إلى السراي.. يجب أن نزرع سرايهم حجارتنا وآذانهم صراخنا" واندفع الفتية البضعة عشر، لكن ما إن وصلوا إلى المنعطف حتى انقض عليهم الجند، بعصي غليظة وهراوات ثقيلة.. على صدورهم، رؤوسهم، أكتافهم، ظهورهم، كانت العصي تنزلق ضاربة موجعة.. هراوة بادرت منافاً على ذراعه اليمنى فسقط منها الحجر الذي كان يحمله للسراي، حاول أن يحمي رأسه بيديه لكن الهراوة راحت تنهال على كتفيه، ظهره، ذراعيه ثم نزلت ضربة على رأسه.. تراجع وهو يشعر بالدم ينسرب إلى عينيه.. حاول أن يبصر لكن الدم غشاوة تمنع الإبصار، اندفع على غير هدى. هناك، لكن العصي كانت تنزل عليه. الهراوات تدقه. ثلاثة أو أربعة من الفتيان جاؤوا ينجدونه لم ير أحداً منهم، لكنه سمع صرخاتهم، وعلى رأسها: "الله أكبر على الباغي المعتدي" ثم توقفت العصي والهراوات وأمسكت أيدٍ به ترفعه عن الأرض ثم تدفعه متعجلة مسرعة فلا تقف حتى تصل إلى البيت.‏

فتحت له وضحة الباب فصدمت شاهقة متراجعة.. فركت عينيها في البداية وهي تراه:‏

ثيابه دم، شعره دم، وجهه دم، فلم تستطع إلا أن تولول لاطمة خديها، شادة شعرها، سمعت شمس الولولة فخرجت.‏

-مناف!! ابني!! صرخت تدفعها غريزة الأم لأن تولول، لكن الفارس الملثم استيقظ فجأة كاماً فمها مانعاً إياها.‏

-أسرعي، وضحة.. اذهبي إلى الدكتور الشهبندر.. ائتني به.. أعطت أوامرها وهي تحضنه بين ذراعيها قائدة إياه إلى غرفة القعود.. ثيابه كلها مضرجة بالدماء وفي رأسه أكثر من ينبوع ما زال يتدفق.. حائرة مرتبكة، راحت تتلمسه.‏

-بدور، صرخت أخيراً، هاتي لي ماء، هاتي منديلاً أبيض.. هاتي بنّاً.. هاتي تبغاً..‏

وبدت بدور أكثر حيرة وارتباكاً وهي تتنقل بين المطبخ، الغرفة، أرض الديار والأم، تلك التي لم تغسل يوماً دماً ولارتقت جرحاً.. لكن تذكر يوم كانت في حال مماثلة وغسل لها السجان الجرح.. هي تريد إيقاف الدم لكن الدم لا يقف.‏

-المجرمون السفلة يريدون قتلك!؟ بماذا ضربوك؟‏

-هراوات غليظة لم أرَ مثلها من قبل!! أجاب مناف وهو يستعيد في فمه طعم الهراوة تدق رأسه كما تدق سنابل الحنطة..‏

-يستقوون على فتى مثلك!! كسر الله أيديهم!! أعمى عيونهم!! السفاحون!! القتلة!! وكبست كتلة من البن على الجرح الأول..‏

-اكبسي إصبعك هنا، بدور، أمرت ابنتها مشيرة إلى الجرح في الجانب الأيسر، يجب أن نوقف الدم..‏

ثم انتقلت إلى الجرح في الجانب الأيمن تنظفه بالماء البارد ثم تكبس عليه كتلة أخرى من البن المحروق التي لا تعلم شمس كيف يوقف النزف لكنها متأكدة أنه يوقفه.. ثلاث مرات أعادت شمس جمع البن والتبغ ثم الضغط براحة الكف والأصابع على الجرح الذي يأبى دمه إلا أن يتسرب.‏

مناف يصرخ توجعاً وألماً، أمه تكاد تصرخ توجعاً وألماً لكن ما عساها تفعل؟.. إن لم توقف النزف لم تبق فيه قطرة دم!! هذا الدم الغالي يجب أن تحافظ عليه.. أن تبقيه في الجسم الذي شقي كثيراً حتى صنعه.. لكن ما لها وضحة تأخرت؟ عيادة الشهبندر قريبة.. في ساحة باب الجابية حيث تتفرع الطرق إلى مدحت باشا، الميدان، الشاغور، والباب الصغير فلماذا لم تعد؟‏

وضحة ملهوفة تتحرق.. وهي تقف أمام عيادة الدكتور. تطرق الباب، لكن لا أحد يفتح..‏

".. ماذا أفعل يا ربي؟ عمتي تريد الدكتور. مناف بحاجة ماسة إليه" لكن الدكتور غائب.. عيادته مقفلة.. فكرت أن تذهب إلى منزله.. واندفعت مسرعة، لكنها تذكرت أنها لا تعرف المنزل "أأعود بلا دكتور؟ ماذا سيحدث لمناف؟" وفجأة لمحته، حلاق باب الجابية، فهتفت مستنجدة:‏

-أبا عثمان!! داخلة عليك.. أسرع لإسعاف مناف..‏

وأسرع أبو عثمان، الحلاق الذي يمارس شتى أصناف المداواة: يضمد الجروح، يقلع الأسنان، يرفع بنات الآذان، يقطع السخونة، يصنع كاسات الهواء، بل بعضهن يقلن إنه يداوي حتى العقم، ولا أحد أحسن من أحد.‏

كان فارغ الأشغال، يقف في باب دكانه، الناس كلهم في المظاهرة، ولا أحد فارغ للحلاقة، فلماذا لا يسرع لإسعاف مناف؟‏

استقبلته شمس بعينين مفتوحتين على اتساعهما.. كانت تنتظر الدكتور الشهبندر فإذا به الحلاق أبو عثمان. لكن الرجل لم يدعها تستوضح.‏

-عن إذنك!! دعيه لي! قال لها وهو يبعدها عن رأس الفتى الذي بات باستطاعته أن يرى وقد غسلت الأم والأخت وجهه، لكنه لم يكن يستطيع أن يكتم أناته وتوجعاته، تلك التي تحولت إلى صراخ وأبو عثمان يغسل له جرحه الأول بسائل أحمر لم يكن يختلف كثيراً عن لون الدم.‏

-لكن أين الدكتور؟ همست شمس كازة على أسنانها عاتبة، وهي تميل على وضحة التي هزت كتفها.‏

-العيادة خالية!! لا بد أنه في المظاهرة.‏

الشهبندر لم يكن في المظاهرة وحسب، بل كان على رأسها.. فهو مذ أعلنت عصبة الأمم أنها ستجري استفتاء في اللواء لتقرير مصيره أدرك أن هناك مؤامرة. الصحف الغربية التي اطلع عليها، السياسيون، الصحافيون الأجانب والعرب الذين التقى بهم، الإشاعات والأقاويل التي تسربت إلى دمشق، كلها كانت تؤكد أن هناك مؤامرة. احتج، كتب المقالات في الصحف، قابل رئيس الجمهورية، حدث الوزراء، رجالات البلاد وكل غرضه: استنهاض هممهم لمنع المؤامرة. لكن المؤامرة سارت كما خطط لها: نتائج الاستفتاء ظهرت: وفرنسا تسلم لتركيا اللواء نفسه الذي كان الروم أنفسهم قد انسحبوا منه يوم انسحب هرقلهم من سورية أمام خالد بن الوليد معترفين بأن سكانه فينيق عرب، منذ عهد الفينيقيين العرب، فكيف يصبح اليوم تركياً.. كيف يصبح سكانه أتراكاً؟.‏

في ساحة الحجاز، كان الدكتور الشهبندر يسأل السؤال نفسه وهو يخطب في الجماهير التي ألهب حماسها زعيم حزب الشعب خطيباً مفوهاً لا يشق له غبار:‏

-وماذا يفعل من لا يملك من أمره شيئاً؟ ماذا يفعل من يرسف في أغلال الرق والاستعباد، الاستعمار والانتداب.. لقد نام آباؤنا وأجدادنا حتى صرنا مطمع كل طامع.. ثرواتنا تنهب، رقابنا تسترق، أرضنا تستعمر.. بل تعطى لأعدائنا لقمة سائغة، على طبق من فضة تقدم لهم ونحن لا حول ولا طول... كان عزيز قد شق طريقه بين زحام المتظاهرين إلى أن وجد نفسه في ساحة الحجاز.. الدرك، الجند يسدون المنافذ فلا أحد يستطيع التحرك.. والدكتور عبد الرحمن، على شرفة مبنى المحطة يخطب في الجماهير وفي عينيه وصوته بحة:‏

لا.. أبداً لا أرغب أن تفوتني هذه الفرصة من غير أن أتعرض للمتأخرين من السلف، أذكر إهمالهم وغفلتهم فلو كان فيهم جزء من اليقظة والقومية وحب الوطن ما أصيبت بلادنا بالآلام التي تعانيها، والكوارث التي تنصب عليها، لكنهم حصرموا فضرسنا وضحكوا فبكينا وتواكلوا ففشلنا..‏

"صحيح" شرد عزيز مع كلمات الزعيم مفكراً "لولا تواكلهم واستسلامهم لما ظل العصملي، أغبى بني البشر وأجهلهم، أربعة قرون ينيخ بكلكله على صدورنا.. صحيح.. لولا ذلك التواكل لما حلت فرنسا محل تركيا ولما كانت تقسم بلادنا على هواها وتعطي أراضيها هبات لهذا وذاك على هواها أيضاً..".‏

لكن لعلعة رصاص أوقفته، قاطعة عليه طريق الشرود.. كان الشهبندر قد بدأ هجوماً ضارياً على فرنسا، دولة الظلم والقهر والجور، وكان الناس قد بدأوا يهتفون ويصفقون، صابين جام غضبهم على المستعمر الذي يفرط بما يستعمر. أثار ذلك قائد الجند فأمر جنده بإطلاق النار.‏

اختلط الحابل بالنابل وقد سقط بعض القتلى وصرخ بعض الجرحى. كانت الأوامر تقضي بإطلاق النار في الهواء لكن بعض الجند يتلذذون بعذاب الآخرين، يسرهم منظر الدم يتدفق أحمر حاراً على حجارة الطريق، يشفي غلهم ذعر الناس، وصراخهم وهم يولون الأدبار.. وبدلاً من أن يسددوا فوهات بواريدهم نحو السماء خفضوها قليلاً فانزرع رصاصها في أجساد لم تكن تريد إلا الاحتجاج على غدر.‏

أسرع عزيز باتجاه المبنى وليس في ذهنه إلا أن يحمي الزعيم. هو يعلم أن فرنسا ناقمة عليه، المفوض السامي حاقد كاره، فمن يضمن ألا يستغل جنده الفوضى فيزرعوا جسده بالرصاص؟‏

عند باب المبنى التقى بالدكتور خارجاً، أحاطه عزيز بذراعه وهو يدفعه باتجاه الزقاق الجانبي فيما كان الرصاص يئز فوق رأسه أقرب إلى أذنه من حبل الوريد.‏

بضعة رجال تجمعوا حول الشهبندر وهو يعبر الزقاق الذي بدا يضيق كلما ابتعد عن ساحة الحجاز.. كانوا يبدون وكأنهم يشكلون درعاً حوله، عزيز في المنتصف منه، بعضهم كانوا ما يزالون متحمسين، ما إن ابتعدوا قليلاً عن أزيز الرصاص حتى عادوا يهتفون:‏

شو بتريد يا زعيم منساوي‏

بضرب السيف منحطم الفرنساوي‏

لكن الزعيم أوقفهم عن الهتاف وهو يعلم أن الصمت والتخفي وحدهما طريق النجاة..‏

-لكن العيادة خطرة.. لست هنا في أمان، قال عزيز وقد دخلوا العيادة مسرعين، ثم راح يتلفت حوله وكأنما يخشى وصول الفرنسيين في أية لحظة.‏

-إذن، أذهب إلى المنزل، رد الدكتور وهو يعلم أن صاحبه على حق.‏

-وهل منزلك أكثر أماناً؟ لا.. لا.. نذهب إلى منزلي.. هو أبعد.. ووصولهم إليه أصعب، قال عزيز شبه ممازح...‏

ثم مضى الصديقان إلى المنزل الذي كان قد ودع الحلاق الطبيب قبل دقائق فقط.‏

-أهلاً وسهلاً بك دكتور.. بادرته شمس وهي تسبق صاحب المنزل إلى غرفة الضيوف...‏

هل أخبروك أنا كنا نبحث عنك؟‏

-تبحثون عني؟ لا! لماذا؟ ماذا هناك؟ سأل الدكتور وقد داهمه شك ما..‏

شرحت شمس الأمر فأسرع الرجلان إلى غرفة مناف حيث كان يستلقي في فراشه وعلى رأسه عمامة من اللفائف والضمادات. نظر إليه الطبيب، تفحصه فوجد أنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً فقد قام الحلاق بمهمته على خير وجه. بعض الحبوب فقط أوصى بها للفتى منعاً للالتهاب.‏

كانت الجروح قد توقفت عن النزف، وكان جلده خارطة من كدمات زرقاء، جسده بعض حطام.. رأى الأب ذلك فاحمرت عيناه وثار في صدره بركان.‏

-يضربون ابني!؟ يقتلون فلذة كبدي.. كان عزيز يدمدم وهو يرى بأم عينه ما فعلت بجسمه الهراوات.‏

-احمد ربك.. ضربوه بالهراوة ولم يضربوه بالرصاص!! قاطعه الطبيب مهدئاً، زافراً، فلعلعة الرصاص في ساحة الحجاز كانت ما تزال ملء سمعه وبصره..‏

-وكيف يدعون أنهم دعاة حضارة؟ رسل مدنية؟ سأل عزيز وقد عاد الطبيب إلى غرفة الضيوف، فيما جاءت شمس بالقهوة.‏

-إن هو إلا ادعاء، رد الطبيب الذي كان قد أمضى يومه كله في مقارعة المستعمر تحريضاً وخطابات، يريدون به خداع الشعوب وتضليل الأمم، أما الحقيقة فليس هناك استعمار يقوم إلا على العنف والوحشية.‏

-لكن لماذا تفعل فرنسا فعلتها هذه؟ لماذا تتنازل عن أرض هي تستعمرها لبلد كتركيا؟‏

سألت هذه المرة شمس وقد بدا لها أن في الأمر سراً لا يفهم.‏

-كي تكسب تركيا..‏

-وماذا يعني كسبها لتركيا؟‏

-إبعادها عن هتلر..‏

-هتلر!؟ سألته شمس من جديد بكثير من التعجب..‏

-أجل.. هتلر يقيم تحالفات ومحاور الآن، وإذا أغضبت فرنسا تركيا، تحالفت هذه مع هتلر، وشكلت خطراً حقيقياً عليها، هنا في سورية، في لبنان.. في البحر..‏

-العجيب.. أن كل شيء يجري على حساب هذا الوطن.. علق عزيز وهو يطلق زفرة حرى.‏

-هو ذا شأن الضعيف دائماً.. يتناهشه الأقوياء دائماً.. ونحن ضعفاء أبا الأخضر، ممزقون متشرذمون.. فلماذا لا تعطي فرنسا لواء اسكندرون لتركيا؟ لماذا لا تعطي بريطانيا فلسطين لليهود؟ تقتطع الكويت من العراق؟ تهب عربستان لإيران..‏

-صحيح!! لماذا؟ ما يمنع بريطانيا أو فرنسا.. بدأ عزيز التساؤل، لكن سرعان ما تدخلت شمس:‏

-يقولون: هتلر يريد أن يمنعهما، وأنه مع الشعوب ضد كل المستعمرين أعداء الشعوب...‏

-لا.. لا تصدقي، شمس. قاطعها الطبيب العارف بأسرار السياسة، في أوروبا صراع مصالح وحرب نفوذ.. هتلر يريد حصته من العالم، مستعمرات ومحميات، أراضي وثروات.. والآخرون يقفون في وجهه، يحاولون منعه..‏

-وكرهه لليهود؟. طرده لهم من ألمانيا؟.‏

-هي ذي المؤامرة...‏

-مؤامرة؟ كيف؟ سألت شمس من جديد..‏

-كيف؟. سأقول لك، خاطبها وهو يميل بكليته نحوها متنهداً تنهدة الموجع المحروق. الصهيونية تريد يهوداً لفلسطين فمن أين تأتي بهم؟ من أمريكا؟ هم في أمريكا مستقرون ناجحون.. من روسيا؟ ستالين يتيح لهم أحسن الفرص عملاً وثراء ومناصب، من بريطانيا وفرنسا؟ في بريطانيا وفرنسا، اليهود في أحسن الأحوال، إذن ليطرد هتلر اليهود فيجدوا أنفسهم بلا أرض، بلا وطن، وما أسهل على الصهيونية حينذاك أن تسوقهم إلى فلسطين لتكون لهم الأرض والوطن..‏

-المؤامرة واضحة فعلاً.. هز عزيز رأسه وبرم شفتيه.. لكن سرعان ما قاطعه الدكتور:‏

-وبذلك يتحقق شعار الصهيونية، "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب".‏

-يا للهول!!- يا للقذارة!! ردد كل من عزيز وشمس. بعدئذ حدثهما الزعيم عن أرقام المهاجرين ففتحا أعينهما استغراباً ودهشة: مئات آلاف اليهود يهاجرون، طوعاً أو كرهاً، إلى فلسطين.. فهل سيبقى فيها شعب؟ ألن يسيطر عليها هؤلاء المحملون بعلوم أوروبا وخطط الصهيونية؟‏

-وإن قامت الحرب وانتصر هتلر؟ سألت شمس وهي على قناعة تامة أن هتلر صادق في كرهه لليهود، جاد في حربه عليهم، ألن يبيدهم حتى لو كانوا في فلسطين؟.‏

-هذا إذا انتصر.. لكن الحرب تظل هي الحرب ومن يعلم ان نشبت من ينتصر؟‏

كانت الحرب في الأشهر الأخيرة قد صارت حديث الناس جميعاً، الكل خائف منها، متوجس شراً.. تهديدات هتلر، تصريحاته اللاهبة، خطبه النارية، كلها كانت تنقلها الإذاعات، والإذاعة العربية من برلين توصلها طازجة إلى أسماع العرب في شرقي الوطن وغربيه، فيتحمس بعضهم لهتلر مراهناً أنه سيكون خلاصهم من بريطانيا وفرنسا، ويتخوف بعضهم بحجة أن النعل أخت النعل وأن المستعمر هو المستعمر سواء كان بريطانياً أو ألمانياً، فرنسياً‏

أم إيطالياً.‏

-تعلم؟ بودي أن تقوم الحرب اليوم، قال عزيز باندفاع مفاجئ، فينشب ناب كلب بجلد خنزير ونرتاح من هؤلاء المستعمرين جميعاً..‏

-إن تقاتلت الفيلة ذهبت الأرانب دعساً تحت الأرجل.. رد الطبيب الزعيم وهو يتنهد، وإن نشبت الحرب بينهم لن تكون إلا على حسابنا..‏

-أنت متشائم دكتور؟ تدخلت هذه المرة شمس شبه ضاحكة.‏

-وما الذي يدعو للتفاؤل ونحن على هذا الحال من الضعف والتجزئة؟.. لا.. أختاه!‏

..لا.. ما أظن إلا أن الآتي أعظم..‏

في الأيام التالية، تكشَّفَ أن نبوءة الدكتور صحيحة وأن الحرب قاب قوسين أو أدنى، وأن الآتي أعظم حقاً... أوروبا كلها كانت ترتجف قصبة في مهب ريح، وفي دمشق وزع الفرنسيون دباباتهم ومصفحاتهم في الساحات والشوارع، زرعوا جندهم ودركهم في الأزقة والحارات، ثم اندفعت كلابهم تطارد الفرائس من الوطنيين، كباراً وصغاراً تنفي وتزج في السجون.. بحجة الحرب الوشيكة تضاعفت إجراءات الطوارئ، زادت تعسفات العسكر، منعت المظاهرات، لوحقت التجمعات، أغلقت الصحف.. كل تجمع يزيد عن ثلاثة يلاحقه الجند بحرابهم، كل صحيفة تنادي بالحرية والديموقراطية أو تلمح تلميحاً إلى الاستقلال، تغلق أبوابها ويساق صاحبها إلى السجن. حتى الطبيب الزعيم جاء من ينذره، فالذئب يكشر عن أنيابه لالتهامه.‏

أهل دمشق منذهلون، ما بال أم العدالة والحرية والمساواة تضرب عرض الحائط بكل ما له علاقة بالعدالة والحرية والمساواة؟ معاهدة الست وثلاثين تداعت أرضاً.. يحتج رجالات البلد فيقول لهم المندوب السامي: "انقعوها واشربوا ماءها.. هذا هو الواقع رضيتم به أهلاً وسهلاً، لم ترضوا اذهبوا فبلطوا البحر.. لا مظاهرات، لا احتجاجات، لا حرية، لا استقلال"... وازداد ذهول الناس وهم يرون زحوف اللاجئين تصل إلى دمشق.. عرب اللواء يطردون من بيوتهم، تنهب أموالهم، تصادر أملاكهم، تغتصب نساؤهم فلا يجدون أمامهم من خيار إلا الفرار...‏

على رأس الفارين كان الأستاذ: رجل متوسط القامة، حنطي البشرة، هادئ القسمات، أنيق الملابس، الأستاذ يكتب في الصحافة منذ سنين، يخطب في الجماهير، ينافح ويكافح ضد مؤامرة كان على علم بها من قبل.‏

-حقاً! أستاذ؟ سأله عزيز وقد استقبله مع المستقبلين ثم جاء به ضيفاً إلى المنزل. أكنت تعرف بالمؤامرة من قبل؟‏

-بالطبع.. مذ كنت أدرس في باريس، قرأت الكثير عن تصميم تركيا على إعادة اسكندرون والموصل إلى حيازتها.‏

-إذن، ستستعيد الموصل أيضاً؟ سأله اليوزباشي العتيق، الذي لم يكن يفارق شريكه، بكل الاستغراب والتعجب..‏

-لا.. بريطانيا لا توافق.. في الموصل نفط.. وبريطانيا لا تفرّط بالنفط.‏

كان الأستاذ قد هرب من اللواء بثيابه.. كان يعلم أن تركيا تتربص به تربصاً...‏

فرنسا قبلها كانت قد سامته مر العذاب: تحقيقات وإهانات، وهي بلد الديموقراطية، فما تراها تفعل به تركيا؟‏

هو يعيش مع أخته، وحيدين لا أباً ولا أماً، لا زوجاً ولا ابناً، ومع أخته هرب، فالضبع الأتاتوركي لا يرحم وفكاه يطحنان العظام.‏

أياماً عدة ظل الأستاذ في ضيافة عزيز.. وليالي عدت ظل يسمع أحاديثه عزيز. الرجل علامة فهامة، درس في فرنسا، اطلع على شتى الثقافات: الأدب، الفكر، الفلسفة، كلها صنعته، اللغة مطيته وحواره لا أمتع ولا أشهى..‏

شمس أحبت أخته.. بسيطة، طيبة، أليفة ودودة تلك الأخت، تحب أخاها كثيراً، معجبة به كثيراً فأصيبت شمس بعدوى ذلك الإعجاب.. هي تسأله، عزيز يسأله.. وهو يجيب: "الاستعمار.. حذار الاستعمار.. هو بلاؤنا الوحيد، خلاصنا بالخلاص منه، كرامتنا بإخراجه من أرضنا، لا أمل من مستعمر، ولا أمان لمستعمر، هو عدو فلا تقرب العدو.. ولا تقم معه أواصر أو كنت كمن وضع الحية في عبه، لا يعلم متى تلدغه".‏

ولا تملك شمس إلا أن تفكر بالقومندان، ذاك الذي بين الحين والحين يحدثهم عن الحضارة والمدنية، الإنسانية والأممية، وعن أواصر المحبة التي يمكن أن تجمع بين الشعوب... القومندان الذي يزعم أنه يكره الاستعمار ويعمل على تخفيف ما يستطيع من أعبائه.‏

-ألا ترى أن القومندان هو تلك الحية؟ سألت شمس عزيزاً وقد مضى الأستاذ إلى قيلولته..‏

مستعيدة في ذهنها حلقات الحصار التي ما فتئ يفرضها عليها القومندان واحدة تلو الأخرى، وعلى نحو تبدو معه كل حلقة أضيق من الأخرى..‏

-اللعنة عليه إنه ليحيرني هذا الرجل.. رد عزيز وهو يستعيد في ذهنه ما يمثله القومندان من خطر وقرارهما في القرية بالابتعاد عن ذلك الخطر..‏

-لا.. لا تحتر. ما علينا إلا أن نقطع علاقتنا به...‏

-وهل نستطيع؟ سأل عزيز وهو يتذكر كيف تتفتق قريحة القومندان عن حيل للتقرب منه لا تخطر ببال إبليس.. فهو لا يفتأ يمر به في المحل أو يدعوه إلى المكتب أو يأتي إلى المنزل، هكذا بحجة أو بغير حجة...‏

-يجب أن نستطيع.. يجب أن نقطع حتى شعرة معاوية معه.. لكن قبل أن تتاح لعزيز فرصة الرد، طرق سمعه وقع خطوات عسكرية تقعقع على بلاط الدار.. نظر من النافذة فاتسعت حدقتاه.‏

-إنه القومندان، هتف بنبرة الهمس لشمس، التي كانت تختلس النظر هي الأخرى.‏

-ومعه جنديان، يلمع مسدساهما على جنبيهما.. تابعت بنبرة الهمس نفسها..‏

-وتقولين.. نستطيع؟ علق وهو يزفر، مسرعاً إلى منتصف الدار حيث كان القومندان قد وصل.‏

-أهلاً وسهلاً سيادة القومندان.. أهلاً وسهلاً، بدأ عزيز ترحيبه، ماداً يده للرجل الذي يعلم أنه حية في أنيابها السم.. لا يدري متى تلدغه.. ثم مضى به إلى غرفة الضيوف، متهدل الكتفين، مطأطئ الرأس...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244