|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:28 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-9- مبدأان ينطلق منهما كل سلوك: السعادة والألم. من خبرته في الحياة، عزيز يعلم ذلك، كما يعلم أن ذينك المبدأين يلخصان حياة الإنسان كلها، سلوكه كله، هو الذي يسعى، فرداً أو مجتمعاً، لتحقيق غايته الأسمى: السعادة. يعمل لتوفير أسبابها، يجد، يكد، يعرق، يتعب وكله أمل أن يصل إلى دنيا الراحة والطمأنينة، الرغد والهناء: إلى السعادة. في الوقت نفسه يحاول تجنب الألم، الابتعاد عن الشر، الحزن، الأذى، الخوف: مسببات الألم وصانعاته، لكن كيف لعزيز أن يفلح في تحقيق السعادة وتجنب الألم؟. مذ وعي الدنيا وهو يسعى للسعادة، يحاول تجنب الألم، لكن تلك تهرب منه وهذا يلاحقه.. مسبباته كلها تلاحقه.. في الريحانة كان يعيش في رغد وهناء... لكن أبا شعيب "والعصملي" من ورائه، جاؤوه بسفربرلك فكان الخوف والألم... في حماة، استقر، بدأ يشق طريقه في سوق السمنة والجبنة إلى أن جاء جيرار فقلب كل شيء رأساً على عقب، وكان الخوف والألم. بعد ذلك هربا إلى دمشق تخفياً، غيرا اسميهما، انتماءهما، لكن عبثاً، فقد كان لهما القومندان بالمرصاد، وكان الخوف والألم. -كيف تسمحان لمناف بالاشتراك في المظاهرات؟ وجه القومندان السؤال لعزيز، عاتباً عتب الصديق، لائماً لوم المشفق، فلم يملك عزيز إلا أن يفسح له في الطريق، ناسياً كل ما اتخذه من قرارات. انظر، تابع القومندان بنبرة الصديق المشفق، اللائم العاتب، وهو يعرض لائحة بأسماء في يده. هذا اسمه على رأس المشاغبين المطلوبين للعدالة، أين هو؟ -ماذا؟ جئت هنا تريد اعتقاله؟ -هم يريدون اعتقاله.. قال القومندان وهو يشير إلى الخارج، حيث يقف جنديان حارسين قرب الباب. -يشبعونه ضرباً بالهراوات؟ يزرعون جسده جروحاً وكدمات، ثم يريدون اعتقاله؟ اذهب وانظر إليه.. إنه شبه ميت. وذهب القومندان إلى غرفة الشباب الذي كان رأسه قد تحول إلى عمامة بيضاء من الشاش والضمادات وجسده إلى كتلة متيبسة من الكدمات والتورمات. -على كل حال.. أنا هنا صديق.. عاد القومندان يهمس بنبرته الأولى نفسها.. قلبي عليكم وعليه.. إن كنتم تريدون ألا يعتقل فأبعدوه.. الليلة أبعدوه.. أنا هنا لا عين رأت ولا أذن سمعت.. لكن من يضمن ألا يأتي أحد لاعتقاله؟. وأسرعت شمس بابنها إلى حيث الأمان: دار الشعلان، لكن دون أن تستطيع التخلص لحظة واحدة من الحيرة والاندهاش. -هذا الرجل يكاد يجنني، قالت لعزيز، وقد فرغ لتوه من دورية جاءت تسأل عن مناف، صحيح هو صديق؟ قلبه علينا وعلى ابننا؟ لا يريدهم أن يعتقلوه؟ -لا أدري.. رد عزيز، أنا أيضاً في حيرة شديدة.. كلهم يقولون: المفوض السامي يكاد يجن.. يريد أن يعتقل كل من شارك في الشغب والمظاهرات.. بل إن الدوريات اعتقلت العشرات.. -الدورية التي جاءت أكبر برهان.. لا شك أنهم يريدون اعتقاله..ماذا قلت لهم..؟ -أنكرت وجوده.. تماماً كما قال لي... أخبرتهم أنه بعيد في المضارب. وبدا الأبوان مجبرين على الاعتراف بفضل القومندان الذي أنقذ ابنهما، فقد مضت قصة مناف على خير. لكن قصة أخرى كانت قد بدأت ومعها بدأ القومندان التدخل، لكن هذه المرة ناصحاً محذراً. كان عزيز قد استضاف الأستاذ النازح من اللواء، الباحث في دمشق عن ملاذ، وكانت علاقة ود وصداقة قد قامت بينه وبين عزيز، بين أخته وبين شمس... أياماً طويلة ظل بيتهما مفتوحاً لهما، هما اللذان صارا بلا بيت... شمس ابنة الشيوخ تحسن الضيافة، توفر للأستاذ وأخته أسباب الراحة، "البيت بيتكما"، كانت لا تفتأ تقول لهما، "نحن الضيوف وأنت رب المنزل" كانت لا تنفك تداعبه، هي وعزيز، وكان الأستاذ، ابن البيت الكبير، والعائلة التي تعرف الأصول، يعلم انهما ابنا أصول وأنهما خير من يحسن الضيافة. الطعام، الشراب، اللباس، بل حتى المال قدمه المضيف لضيفه، هو المعجب به كل الإعجاب.. "الأستاذ عبقرية فذة" كان لا يفتأ يردد. "علمه واسع، ثقافته بلا حدود، معارفه بحر زاخر، فكيف لا أسر به وأعجب؟". مذ دخل بيته، لم يعد عزيز يفارقه.. يستقبل معه رجالات السياسة، وفود الناس، يخرج معه في لقاءاته. الأستاذ ذائع الصيت.. مذ كان في فرنسا يكتب المقالات، يصدر البيانات، يلتقي بالكتاب والمثقفين، يدافع عن حرية بلاده واستقلالها، والناس هنا وهناك يتابعونه.. هو حرب على الاستعمار لا هوادة فيها.. سيف في صدر البغي والعدوان لا يفل حده.. ناضل في اللواء، واجه الأعداء، قاوم مؤامرات فرنسا وتركيا عليه ثم وجد نفسه مرغماً على الخروج من لوائه.. آدم جديد يخرج من جنته. الوافدون إلى بيت عزيز يسألون الأستاذ، يريدون أن ينهلوا من ثقافته وهو لا يبخل بجواب، لا يخاف من جواب.. أليس هكذا الأبطال؟ لا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يضعفون أمام الطغيان أو يهنون؟ "لا.. لا تصدقوا مستعمراً.. المستعمرون كذابون مخادعون.. "كان يقول لزواره منبهاً محذراً" يحدثونكم عن الخير وهم لا يريدون بكم إلا الشر.. يتشدقون عن المصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة وهم لا يسعون إلا لمصلحتهم، لا يفكرون إلا بمنفعتهم". عزيز يعلم أن كل ما يقوله الأستاذ صحيح، لكن ما يعجبه فيه هو تلك القدرة العجيبة على التعبير، على إجراء المحاكمات المنطقية، على استخلاص الخلاصات والنتائج.. ببضع كلمات يستطيع الأستاذ أن يلخص تجربة كاملة، ببضع عبارات يضع خلاصة مرحلة كاملة.. هو يغبط الأستاذ على موهبته الفذة ولا ينفك يتساءل: كيف يستخلص ويستنتج؟ من أين يأتي بتلك القدرة على التعبير؟. "عدو الجد لا يود"، قالها الأستاذ ذات مرة، عبارة بليغة موجزة، أعجب بها عزيز كل الإعجاب. صحيح، هو يعلم أن عداوة الاستعمار قديمة قدم الجدود فكيف يزعمون الآن أنهم يريدون الخير لسورية؟ يعملون لمصلحة سورية؟ "المستعمِر والمستعمَر عدوان مبينان، فكيف يمكن أن يجمع بينهما الود؟ هما على طرفي نقيض، فكيف يجتمعان؟ لقاؤهما الوحيد لقاء خصمين في ساحة القتال، عدوين في ميدان الوغى.. علاقتهما علاقة الغالب بالمغلوب.. المنتصر بالمهزوم فكيف تجمعهما مصلحة مشتركة أو منفعة واحدة؟ كان حديثه يشنف أذني عزيز، يجعله يشتعل حماسة وحمية، فيسمع إن كان ثمة ضيوف، ويسأله المزيد إن كانا وحيدين "المستعمر يريدك تابعاً وأنت تريد استقلالك فكيف تتفقان؟ هو قيود وأصفاد وأنت سعي للحرية والخلاص، فكيف تلتقيان؟ "ويجد عزيز في كلام الأستاذ الكثير من الأجوبة على ما يسأل من أسئلة "المستعمر يريد تجزئتنا فماذا نفعل؟ نقاتل. يريد ضعفنا وتفرقتنا فكيف نرد؟ بالوحدة. "ثم يبدأ حديثاً لا أحب على قلب عزيز ولا أشهى... الوحدة العربية.. إنها الحلم الذي لا يفارقه أبداً.. ويتذكر عزيز أيام الجيش العربي والزحف إلى دمشق.. يوم كان الأمير فيصل يحلم بدولة عربية تمتد من جبال طوروس حتى بحر العرب.. وكان صبري بديوي يحدثه عن الدولة العربية القادمة التي ستعيد مجد العرب وعزتهم.. سنوات مرت، حسب معها عزيز أن ذلك الحلم قد انتهى إلى الأبد. لم يكن ثمة من يتكلم عن الوحدة العربية، لم يعد أحد يفكر بالدولة العربية الواحدة.. كان المستعمر قد جزأ البلد نفسها إلى دويلات صغيرة أغرقت الناس في هم جديد: كيف يعيدون للبلد الواحد لحمته؟ كيف يوحدون البلد المجزأ نفسه؟ لكن ها هو ذا الأستاذ يأتي حاملاً راية الوحدة والحرية.. هو عاشق لهما لا يلهج إلا بذكرهما، دعه ساعات يتحدث عنهما.. تصوراته واضحة، أفكاره متبلورة: "العرب أمة واحدة ذات رسالة خالدة.. من المحيط إلى الخليج ينبغي أن تقوم دولة الوحدة.. لكل أمة قومية تجمعها وعصبية تربط بين أبنائها، وأمتنا تجمعها قومية عربية وتربط بين أبنائها عصبية عربية، فلماذا نرضى أن نظل دويلات وشراذم؟". ليس هنالك أحلى من ذلك الكلام على مسامع عزيز.. مسامع صبري، مسامع الدكتور الشهبندر نفسه.. كلهم يستمعون للأستاذ، يحتضنون كلامه العذب، يتشربون أفكاره.. لكن إلى حد.. وحده عواد يستمع إلى كلامه ويتشرب أفكاره بلا حد.. كان الفتى الطويل النحيل، أشقر الشعر والشاربين، قد صار فرداً من أفراد عائلة عزيز... مذ التحق بكلية الحقوق وسكن في دمشق، كان قد غدا جزءاً لا يتجزأ من البيت... ألم يقل له عزيز "أنت بمثابة الأخضر.. أنت بغلاوة نواف ومناف؟" إذن لم لا يكون ابناً من أبناء عزيز وشمس؟ واسطته لدى القومندان رينو كانت قد أمنت تعيينه معلماً في مدرسة بعيدة قليلاً عن الجامعة، لكنها مدرسة. راتبه فيها سبع وعشرون ليرة.. يعني باستطاعته أن يستأجر غرفة، يشرب، يلبس ويرسل إلى أمه في القرية بضع ليرات.. بمرتبه يشتري خمس ليرات ونصف الليرة من الذهب.. وكم تفعل ليرات الذهب الخمس والنصف!؟.. لم يعد عواد بحاجة لأن يعمل جمّالاً أيام الحصاد والدراس، ولم تكن أمه قادرة على رعاية الجمل في غيابه فباعت الجمل. "ابني يعلّم ويدرس الحقوق في آن معاً.. بضع سنوات ويصير محامياً "كانت تتفاخر وقد شفى عواد غلاً قديماً في صدرها. "سيدافع عواد عن الحق.. سيقف ضد الباطل، ولسوف يرفع الظلم، عن المظلوم "كانت لا تفتأ تردد، وهي تتذكر كيف حاول أخوة زوجها أن يسلبوها حقها بعد موت أخيهم. لم يستطيعوا سلبها حقها كله لكنهم سلبوها بعضه.. حاولوا إيذاءها، ضغطوا عليها، لماذا؟ كان كبيرهم يريد الزواج منها، أليست أرملة أخيه؟ أليس هو الأولى بأرملة أخيه؟ إذن ليتزوجها. لكن أم عواد رفضت "سأظل أربي ابني.. لن يحل أحد محل أبيه" وكانت معركة، ظلت رحاها تدور سنين قبل أن يقنط الأخ من أرملة أخيه. عواد لا يعرف ذلك كله، كان صغيراً، وكانت الأم حريصة على ألا توغر صدره على عمه.. ألا تنبش القبور فتنبعث الروائح النتنة.. لكن شعورها بالظلم ظل يلازمها، غلها على الظالمين ظل يكمن في الأعماق، وظل حلمها أن يأتي يوم تجد فيه ابنها قادراً على رفع الظلم والانتقام من الظالمين. ذلك، ربما، ما دفعها لتشجيعه على دراسة الحقوق، وهو وحده ما جعله يتعلق بالأستاذ أبي المدافعين عن الحقوق. كان الرجل لا يفتأ يتكلم عن الظلم الذي حاق بالعرب، بالعدوان الذي استهدفهم من كل حدب وصوب، لا يفتأ يتكلم عن النهضة العربية وضرورتها، القومية العربية، إحياء الأمة العربية، وبعثها إلى الوجود من جديد.. عواد يصغي بكل ما فيه: بأذنيه، بعينيه، بشفتيه، بل ربما بكل خلية من خلاياه.. وكل يوم يزداد إعجاباً بالرجل الفذ، بالأستاذ الكبير الذي تبهره أفكاره حتى أعلن له ذات يوم "أستاذ.. اعتبرني تلميذاً لك مريداً من مريديك، لا أتركك أبداً". وبر الفتى الطويل النحيل بوعده فغدا ظلاً للأستاذ، يخرج معه، يدخل، يذهب، يأتي، يقضي له شؤونه، يؤمن حاجاته، وحين أراد أن يستقل ببيت له، شاكراً عزيزاً وشمساً على حسن ضيافتهما، كان عواد هو الذي استأجر له بيتاً قريباً من غرفته ومدرسته. لكن استقلاله في بيته لم يضعف حبل الود بينه وبين عزيز، ولم يبتعد عواد عن البيت. في النهار، في الليل، كان الأستاذ يأتي إلى البيت الذي فتح له صدره طوال شهرين، وكان عواد لا يسعده كالمجيء مع الأستاذ أو بدونه. شمس تحبه، مناف يحتاج إليه، بل حتى بدور تفتقده... طوال العام الدراسي كان يساعدها في الدراسة، يشرح لها النحو والصرف، يحل لها مسائل الكيمياء والفيزياء، فكيف لا تشعر بفقدانه إذا غاب؟ في بداية الصيف ذهب إلى والدته، أمضى هناك شهراً وبعض الشهر لكنه عاد وهو يشعر أن شيئاً ما يشده إلى دمشق.. غيابه أحدث فراغاً في داخله لم يكن يستطيع تحديده.. لكن ما إن دخل بيت عزيز حتى تنفس الصعداء، لقد أحس للتو بامتلاء ذلك الفراغ وهو يرى بدوراً تحمل القهوة للأستاذ... الأستاذ يدبج المقالات في الصحف، يزور كبار القوم، يجلس في مقهى البرازيل فيجتمع حوله الناس ويحدثهم عن الوحدة والحرية، الاستعمار وشروره، فرنسا وبريطانيا، دورهما في الويلات والشرور التي لا تنزل على رأس الأمة فحسب، بل العالم كله.. هو يحلل، يركب، يشرح، يفسر ويتحول الكل إلى آذان صاغية له، يراه المخبرون، يسمعونه، فيكتبون التقارير محذرين من خطر الرجل الذي لا يتوقف لسانه عن النقد والتجريح، عن السخرية والتهكم، ساباً الاستعمار لاعناً أذنابه. تصل التقارير إلى المفوض السامي فيوبخ القومندان: -لماذا تتركونه يسرح ويمرح؟ -وماذا نفعل به؟ يسأل القومندان رئيسه.. -احبسوه.. يصرخ المفوض السامي غاضباً، فالتقارير التي وصلت تقطر سماً وكلها تحذر من الخطر الشديد الذي يجسده الأستاذ بما يشحذ من عقول ويستنهض من همم. -لكن كيف؟ بأية تهمة؟ أجاب القومندان الذي كان الأستاذ قد أغاظه أكثر من مرة وهما يلتقيان في بيت عزيز، وكان بوده أن يحبسه أكثر مما يود المفوض السامي، لكنه لا يجد التهمة المناسبة وقد انغرس في نفسه عميقاً احترام سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان. -هو يسبنا، يشتمنا.. بدأ المفوض السامي. -لا بد لنا من دليل، سيدي المفوض السامي.. -وتقارير المخبرين هذه؟ قاطعه شبه مزمجر، أليست دليلاً؟- بلى... لكنه غير كافٍ... -إذن وفروا الدليل.. ائتوا بالإثبات.. المهم ألا تدعوه يسرح ويمرح على هواه... طاعوناً ينشر الوباء حيثما يحل. ولكي لا يدعه يسرح ويمرح، كما أمره المفوض السامي، ولا يدع الطاعون ينتشر، أعطى القومندان تعليمات جديدة لتطويق الأستاذ أكثر، ومحاصرته أكثر، ثم أسرع إلى بيت عزيز. -العدوى تهددكم فابتعدوا عن الخطر، قال لعزيز وشمس، ففتح كلاهما عينيه. -أية عدوى؟ أي خطر؟ سأل عزيز -ذلك الأستاذ الذي لا يغيب ذنبه عن بيتكم حتى يظهر رأسه.. إنه خطر.. وأنا أحذركم منه.. باسم الصداقة، باسم المودة.. آمركم أن تبتعدوا عنه.. بل أن تقطعوا كل علاقة لكم به... ولم يناقشه عزيز. كما لم تجادله شمس. كانت لهجته حادة ونبرته قاطعة، هو يأمر وينهى، تعود ذلك طوال سنين.. مذ تخرج من كليته الحربية ليوتنان حتى صار قومندان، وهو يأمر وينهى فكيف يفكر بمناقشة عزيز وشمس؟ ما ناقشاه بعد ذهابه هو تلك العبارة "باسم الصداقة، باسم المودة" أهي صداقة ومودة حقاً، ما بينهما؟ لم يكن عزيز ولا شمس على ثقة من ذلك. كانا كلاهما قد صارا على يقين من أن ما بينهما إنما هي لعبة القط والفأر.. القط يريد أن يأكل الفأر والفأر يتحاشى ذلك، لا يريد أن يهرب، لا يريد أن يبدي خوفه وفي الوقت نفسه لا يريد أن يمسك به القط. الأنشوطة التي أحست بها شمس تضيق حول عنقها أكثر من مرة عادت وارتخت أكثر من مرة.. أشهر تمر لا يسأل فيها القومندان عن الماضي، لا يبحث في تلك المرحلة أو يتقصى.. لكأنه يتعمد أن يخفف من الحصار. القط يتمدد في الزاوية، عيناه على الوكر، لكنه يتظاهر باللامبالاة بالفأر.. يخرج الفأر برأسه من الوكر، يشعر بشيء من الطمأنينة، عينا القط مغمضتان، جسمه كله مسترخ، لا تحفز ولا توثب، إذن يمكنه الخروج.. يمكنه الاطمئنان.. فجأةً يطرح القومندان سؤالاً يقشعر له بدن شمس وعزيز: -تعلم عزيز.. قال القومندان ذات مرة، بنبرة كلها لا مبالاة، وهم يشربون القهوة حول البركة وأنسام الليل العليلة البليلة تغتسل بمياه النافورة، بودي لو تحكي لي شيئاً عن عصيان فوزي القاوقجي في حماة.. ألم تكن هناك؟ ألم تشارك به؟. وأسقط في يد عزيز حائراً لا يدري بما يجيب.. السؤال لئيم يخفي وراءه غاية في نفس يعقوب، عزيز على يقين من ذلك.. لكن بماذا يجيب؟ ان أنكر، قد ينكشف كذبه الصريح ويقع في الفخ الذي نصبه له القومندان منذ زمن طويل، وإن أثبت قد يستجره بالسين والجيم إلى حيث لا يعلم إلا الله.. -ما هذا السؤال، سيادة القومندان؟ أنقذته شمس وهي تتدخل للتو، الرجل كان ابن بطوطة ينتقل بين المضارب والخيام في البادية، وبين القرى والمزارع في الريف، يتاجر بالسمن والصوف، بالأجبان والألبان، فما شأنه بفوزي.. لا أدري ما اسمه والعصيان؟. وتضاحك القومندان الصديق، معتذراً بأنه سؤال سخيف حقاً، لا يدري كيف خطر بباله.. شمس تدري كيف خطر بباله.. هي على ثقة أنه يتبع معهما تكتيك "خطوة إلى الإمام، خطوتين إلى الوراء". شد الأنشوطة ثم إرخائها، إلى أن يتأكد أن الفريسة وقعت تماماً وليس أمامها من مفر. بعد ذاك، لم يتطرق للمسألة، لكأنها أصبحت طي النسيان.. الذعر الذي بثه في نفسيهما في القرية بدأ بالتلاشي، تفكيرهما بالهرب لم يعد يراودهما، فالهر لا يحرك ساكناً. بالعكس، ها هو ذا يبدي خوفه على ابنهما مناف، يعاتبهما على ترك حبله على الغارب فيشترك بالمظاهرات ويعرض نفسه ويعرضهما للخطر.. ها هو يحذرهما من الأستاذ... "ابعدا عن الشر وغنيا له" ذلك كان مغزى كلامه وباسم ماذا؟ باسم الصداقة. -أتظن أنهم ينوون به شراً، سألت شمس عزيزاً وهما يقلبان كلام القومندان بطناً لظهر وظهراً لبطن... -أظن ذلك، هو ينقدهم نقداً لادعاً، يفضحهم، يطالب بإعادة اللواء، باستقلال البلاد، بل وإعادة توحيد العرب، وهم ساكنون.. لكن إلى متى؟ ما أظن إلا أن صبرهم نفد... -نبهه... -نبهته.. اليوم في المقهى كان يتكلم وكان مخبر غير بعيد يصيخ السمع مسجلاً كل كلمه.. لكزته مشيراً إلى المخبر، فنظر إليه بازدراء "دعه يبلط البحر".. قلت له "عيونهم حمراء عليك" قال "ما صاحبك من يخشى كلمة الحق". -ماذا إذن؟ هل ستقطع علاقتك به كما أمر، سألت وهي تشير إلى الصدر والكتفين دلالة الأوسمة والنجوم.. -خسئ، ما عزيز من يأمره فرنساوي مستعمر، رد، وقد ثار في نفسه غضب كامن وحقد دفين كان الرجل منذ سنتين، يحاول إخفاءهما، كتمهما، لكن هل يدرك المرء كل ما يتمناه؟ منذ ذهاب الأخضر إلى فرنسا، شعر عزيز أن عليه أن يسلك سلوكاً مختلفاً.. ابنه في باريس، فلذة كبده في فرنسا فكيف يحمل عليها السلاح؟ كان قد لاك الأمر كثيراً لكنه لم يستطع أن يبلعه.. خوفه على فلذة كبده جعله يكظم غيظه على المستعمر البغيض ويكتم حقده عليه.. بل بات يتحاشى اللقاء بالبطحيش، رفيق القتال وزميل السلاح، هو يسمع عن حادث هنا، حادث هناك، فيعلم أن صاحبه لم يلق السلاح ولم يعلن الهدنة.. هو أعلن الهدنة.. فكيف يلتقي بالبطحيش؟ مرتين التقيا، لكن لفترة وجيزة، عرف فيها البطحيش أن صاحبه في حيرة وتردد جعلاه يعلن هدنة من جانب واحد فلم يلمه ولم يجادله. البطحيش يعلم أن كل شيء يأتي بالإكراه ما عدا خوض الوغى ودخول ساحات القتال.. الحماس وحده، الاندفاع وحده هو ما يجعل المرء يقاتل وغض البطحيش الطرف، كما انسحب عزيز لكن دون أن يقطعا ما بينهما من آصرة خفية لحمت واحدهما بالآخر حيناً من الزمن وستظل تشد واحدهما إلى الآخر طوال الزمن. الأحداث الأخيرة جاءت تترى وكلها يذكي نار الحقد ولهيب الغضب. عزيز لا ينسى منظر ابنه وهو غارق في شاشه وضماداته، طفلاً في لفائفه، لا ينسى جسده المتورم، تضاريس زرقاء وحمراء.. تلك اللحظة فار غضبه، أحس أن الدنيا كلها تتحول إلى شوك ونار، الشوك يخز عينيه والنار تشعل صدره.. تلك اللحظة فكر بالذهاب إلى البطحيش.. بالعودة إلى القتل والقتال.. الأستاذ وحده من شغله عن ذلك.. مجيئه، استضافته، استقبال الوافدين والزائرين له حال بينه وبين الذهاب.. لكن أحاديث الأستاذ عادت تؤجج النار في صدره، دعوته للمواجهة جعلته يفكر بالبطحيش مرة ثانية" وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة تدق"، كان الأستاذ لا يفتأ يردد فيشعر عزيز بما يشبه الذنب". لماذا أعلنت الهدنة من طرف واحد؟ هذا المستعمر ما يزال يضطهد ويستبد، ينهب ويسلب، يذلنا ويهيننا، فكيف نهادنه؟ "ويشتد شعور عزيز بالذنب. "لا يموت حق وراءه مطالب"، كان الأستاذ يقول، فيؤمن عزيز على قوله "إذن لماذا نسكت عن حقنا؟ فرنسا عقدت معنا معاهدة ثم تنصلت منها... بنداً بنداً تنصلت منها.. ثم زادت الطين بلة بخيانتها للأمانة.. عصبة الأمم وضعت سورية أمانة في عنقها.. سورية من اسكندرونة إلى درعا ومن أنطاكية إلى السويداء، فلماذا تفرط فرنسا باسكندرونة وأنطاكية؟ لماذا تخون الأمانة؟ "وتغدو أسئلة الأستاذ هاجس عزيز.. يفكر فيها ليل نهار فيثور حقداً ويلتهب حماسة ومن جديد يجد نفسه يفكر بالبطحيش، يندم على الابتعاد عنه. "لا.. لا بد مما ليس منه بد.. لا بد من قتال المستعمر، لا بد من العودة إلى البطحيش". قرر عزيز في سره وهو يستعيد تهديد القومندان المبطن بالصداقة والمودة "يريدني أن أبتعد عن الأستاذ؟ أن أقطع علاقتي به.. كيف وهو رمز البطولة والتضحية، نبراس الوطنية والحق؟". ..لا.. لم يكن عواد وحده هو الذي تعلق بالأستاذ أو اعتبر نفسه مريداً من مريديه، بل عزيز نفسه كان كذلك.. وعزيز يحب أن أحب ويكره أن كره.. الأستاذ، بوجهه الأبيض السمح وسيمائه المتناسقة الجميلة، يدخل في القلب، فكيف ان سمعت كلامه العذب، وهو يتناثر درراً وجواهر؟ كل ما كان يفكر به عزيز على نحو مشوش كان الأستاذ يعبر عنه بأكثر العبارات رشاقة وأشد الأساليب وضوحاً. وكل ما كان يؤمن به عزيز دون أن يعرف التعبير عنه كان الأستاذ قد صاغه نظريات ومبادئ، بلوره مقولات وأفكاراً، فكيف لا يتعلق به عزيز؟ "أقطع علاقتي به؟" راح عزيز يتساءل ساخراً "بعيد عليك يا قومندان.. بل سأضع نظرياته موضع التطبيق.. سأنفذ بالفعل ما يتحدث عنه بالقول". كان قراره الأخير وكان في اللب من قراره صورة البطحيش تتراءى بكل ما تحمل من حقد على المستعمر وتصميم على مقارعته حتى النهاية.. في الصباح التالي أفاق عزيز، وكله شعور بالبهجة والغبطة.. كان أيلول قد بدأ وكانت أزهار الفل والياسمين تملأ الجو عبقاً وأريجاً. شمس إلى جانبه مسترخية في الفراش... هو يعرف عادتها... تسترخي وتتأخر في الفراش. عزيز يعرفها جيداً. يتأمل وجهها ويبتسم".. هذا الوجه الجميل، هذه البشرة البيضاء، هذا الشعر الأسود، الله كم أحبك شمس!! كم أحب كل ما فيك!! "بأطراف أنامله راح يمسد الشعر المنسدل على الوسادة، بشفتيه يقترب من الخد الأبيض الأسيل.. من الجبين المشع شمساً مشرقة لا يمر عليها الزمان ولا يؤثر فيها الزمان. أنفاسها دافئة تدغدغ صفحة خده، لكنه لا يقترب أكثر.. يبقي هامش الحذر، يريدها أن تظل نائمة، ربما تحلق مع أحلامها عالياً في السماء فلماذا ينزلها إلى الأرض؟ الليلة الماضية كانت تذوب دفئاً وحباً.. لكأنما عادت إلى أيام الصبا" .. لا.. لا.. من قال إنها فارقت تلك الأيام؟. من قال إنها غادرت ذلك الصبا؟" عزيز يشعر أنها ما تزال في ريعان الشباب، تتجدد كما تتجدد الشمس، كما تتجدد الفصول.. كانا وحيدين. لا ضيوف، لا سياسة، لا هموم.. أرادا الفروغ لنفسيهما كما يفعلان دائماً.. في الأسبوع ليلة واحدة، لا يستقبلان بها أحداً، لا يزوران أحداً، بل يفرغان واحدهما للآخر، يأكلان معاً، يشربان معاً، يسهران معاً، وغالباً ما يستعيدان الماضي، يناقشان الحاضر، يبحثان في المستقبل.. تقليد كانا قد اتبعاه مذ جاءا إلى دمشق، حيث الهموم كثيرة والمشاغل كثيرة.. "ساعة لربك وساعة لنفسك" مبدأ لم يجد عزيز مناصاً من التمسك به. شربا العرق، أكلا الكبة النية، فصفصا البزور والفستق الحلبي.. وحيدين، سعيدين، محبين عاشقين عشقاً لم يغزه ضعف ولم تخمد جذوته الأيام.. عشقاً لم يفتأ يترسخ جذوراً في الأعماق ويمتد فروعاً في السماء.. صحيح أن لقاءاتهما الجسدية باتت تتباعد بعض الشيء، فثمة الهموم والأولاد، الوطن والناس، وربما السنون والأيام لكن الصحيح أيضاً أن ذلك الحب الذي جمعهما ذات يوم كان قد غدا أبعد مدى من حدود الخيال وأرسخ أركاناً من عاليات الجبال.. لم يعد حبهما بحاجة إلى أدلة أو براهين، فبرهانه منه وفيه.. لم يعد بحاجة إلى كلمات الغزل وتعابير المجاملة... لكن في تلك الليلة غازلها، داعبها، احتضنها بين ذراعيه حتى أحس بها تذوب زبدة على نار.. بعد ذاك التهمها كما لم يلتهمها من قبل.. هو يحب الزبدة فكيف إن كانت ذائبة لا تحتاج إلا لفتح الشفتين؟. عزيز يتأمل وجهها على نور الصباح الآتي عبر الزجاج المعشق، أحمر أزرق، أخضر أصفر، فيغدو الوجه قوس قزح ساحر الألوان.. "حبة قلبي.. مهجة روحي.. اسبحي في بحار الرغد والنعيم.. هانئة سعيدة حتى غروب الشمس. لن أدع أحداً يوقظك يا أغلى ما في الكون على قلبي. أنت يا حبي القديم!! أنت يا حبي الجديد!! أنت يا حبي الوحيد!!". وانسل عزيز على مهل محاذراً إيقاظها.. أعدت له وضحة القهوة، رشف الفنجان على عجل فهو نفسه كان قد تأخر في النوم وعليه أن يفتح المحل. لكن ما إن دلف إلى الشارع حتى جاءه صوت سحب الاسترخاء من جسده كما تسحب الروح من الجسد.. -الحرب.. الحرب.. الحرب.. كان الصبي يحمل رزمة من الصحف ويصيح مسرعاً ملهوفاً كأنما تلاحقه أشباح الحرب.. منكمشاً، مشدود الأوتار، تسمر لحظة، فيما كان الصبي يقترب منه وكأنما يعلم أنه يريد أن يشتري صحيفة.. -حرب ماذا، يا ولد؟ سأله عزيز وهو يمد يده إليه. -هتلر يكتسح بولونيا.. الحرب اشتعلت.. قال بشيء من الفرح وكأنما تقمص شخصية هتلر يملؤه الفرح والزهو باكتساحه لبولونيا... أخذ عزيز الجريدة وأسرع إلى المحل "إيه أيتها الحرب!!" تمتم لنفسه: "منذ زمن تلوحين في الأفق.. تهددين الناس بالخطر.. فلماذا اليوم تتفجرين؟ لماذا اليوم.. يوم السعادة والهناء؟" راح عزيز يتساءل وهو يزفر متنهداً، مستعيداً في ذهنه تسلسلاً لأحداث بدت معها الحرب آتية لا محالة.. في آذار، كان هتلر قد وضع يده على تشيكوسلوفاكيا.. بهذه الحجة، بتلك، أفاق الناس فإذا بجيوشه تحتل البلد الجار، ضاربة عرض الحائط بالمواثيق الدولية وقوانين عصبة الأمم. ثارت فرنسا، هاجت بريطانيا، صرخت روسيا واحتجت، لكن هتلر إذن من طين وأخرى من عجين، ووقف العالم كله عاجزاً.. الفريسة تستنجد وتستغيث لكن ما من منجد ولا مغيث... في نيسان، فعل موسوليني بألبانيا ما فعل صاحبه بتشيكوسلوفاكيا، ولا أحد أحسن من أحد.. هتلر قوي.. إذن موسوليني قوي. ذاك جبار، هذا أكثر جبروتاً وليرفع أحد صوته ويحتج. لكن ألبانيا ليست تشيكوسلوفاكيا.. هي شعب مسلم.. طوال عمره ظل شوكة في خاصرة أوروبا وشجا في حلقها.. إذن ليقتلع موسوليني تلك الشوكة، ليخرج ذلك الشجا.. وسكت الناس.. بعض الأصوات ارتفعت لكن خافتة، بعض الاحتجاجات ظهرت لكن واهية، كأنما هي رفع عتب.. فالروح الصليبية لم تكن قد ماتت بعد، والصليبيون لم ينتهوا من أوروبا بعد.. في أيار، عقد الجباران الجديدان معاهدة تحالف وتعاون، مباركاً كل منهما للآخر ما فعل، مشجعاً إياه على المضي قدماً في ما سيفعل.. محور قوي ملأ قلب فرنسا ذعراً، وهي ترى نفسها بين مطرقة هتلر وسندان موسوليني.. هتلر يحمل أحقاداً بارتفاع الجبال وعمق البحار على فرنسا التي مرغت الألمان بالوحل.. جعلتهم يحنون رؤوسهم ويأتون خاضعين خانعين إلى قصر فرساي يوقعون معاهدة، كلها إرغام وإذلال. وينسى هتلر؟ هتلر لا ينسى.. وإن نسي، مصالحه لا تنسى.. فرنسا تستعمر نصف العالم وبريطانيا النصف الآخر ضانتين بعظمة تلقيان بها لألمانيا. أفينسى الألمان؟ لا.. هم يريدون حصتهم من الفريسة إن لم يكن طوعاً فكرهاً.. وقد بدأ هتلر مسيرة الإكراه والكره... في آب، ضرب ضربته القاضية.. ذهب روبنتروب إلى موسكو سراً، التقى بستالين سراً.. عقد معه اتفاقاً سراً، ثم فاجأ العالم: هتلر وستالين فاجأا العالم بإعلان معاهدة تفاهم وحسن جوار يحترم بموجبها كل منهما الآخر، ويمتنع عن التدخل في شؤون الآخر أو الاعتداء على أراضيه.. يومذاك قال الدكتور الشهبندر لعزيز "هتلر أمن الحماية لظهره، فما يمنعه من الهجوم الآن؟". الفكرة نفسها رددها يومذاك الأستاذ.. وها هو ذا الهجوم يحدث والحرب تنفجر.. الجريدة بين يدي عزيز تحمل مانشيتاً عريضاً، أعلاه بلون الدم وأسفله بلون الحداد.. يقرأه عزيز بانقباض وتجهم "الطاغية النازي يشعل الحرب"، "فوهات الجحيم كلها تنفتح دفعة واحدة على بولونيا". ثم تروي الجريدة تفاصيل مخيفة عن حرب لم يعرف مثيلاً لها التاريخ: "من البر الجيوش الألمانية تندفع عند منتصف الليل.. الدبابات تهدر، المدفعية تزأر، الشاحنات، الناقلات، المصفحات، تنطلق سيولاً جارفة من كل مكان لتكتسح كل مكان.. من البحر: السفن، البوارج، المدمرات، الكاسحات كلها تظهر قبالة الشواطئ البولونية لتصب حممها اللاهبة على المدن الآمنة والسكان العزل النائمين. من الجو.. أسراب غربان سوداء تبصق النار والرصاص فتحيل الأخضر يابساً والعمار يبابا..". كان عزيز يقرأ وعيناه تتسعان أكثر وأكثر.. آلة الحرب النازية، القوى الجوية الهائلة، القوى البحرية المدمرة، كلها كان الناس يتحدثون عنها وكان عزيز قد سمع بها، لكنه ما كان يتخيل قط أنها من الحجم والقوة بحيث تكتسح بلداً كبيراً كبولونيا، اكتساح العاصفة بيتاً من ورق. صبري شاركه تعجبه حين جاء، فاليوزباشي، الذي تدرب في الأستانة وحارب في جيش "العصملي" وضد جيش "العصملي"، لم يكن يعرف مثل آلة الحرب النازية، تلك التي يمكنها أن تعصف ببلاد طويلة عريضة بين عشية وضحاها. قرأا الخبر من جديد، فتشا بين الأسطر وما وراء الأسطر عن الحدث الجلل الذي يعرفان كيف بدأ لكن لا يعرفان أين يمتد أو كيف ينتهي.. الكل في حيرة وبلبال.. عزيز وصبري لا يستطيعان البقاء في المحل يبيعان ويشتريان، فالحدث أخطر من أن يجلسا معه يبيعان ويشتريان.. تحركا في السوق، التقيا بالناس.. الكل لا حديث لهم سوى الحرب. الفرنسيون وجوههم عابسة قمطرير.. صحفهم مجللة بالسواد، أحرفها، كما شرح له صبري، تنطق بالذعر والتوجس.." من الضحية الثانية؟ "كانت تتساءل. الذئب ينقض ولن يتوقف قبل أن يصرع أكبر عدد من القطيع". في مقهى "البرازيل"، "الرواد جماعات جماعات، وكلهم مشغولون بالنبأ الصاعق: احتلال بولونيا. بعضهم فرح وبعضهم حزين، بعضهم راضٍ وبعضهم ناقم. المعايير لدى الناس مختلفة دائماً، والزوايا التي ينظر منها الناس مختلفة دائماً. من ينظر من زاوية هتلر فرح مزهو. وما أكثر من هم مع هتلر، ليس حباً به بل نكاية بالفرنسيين والإنكليز.. لكن من هم ضد هتلر يعلمون مدى الكارثة التي بدأت للتو.. -احتلال بولونيا سيجر تفاعلات وردود أفعال، لا يعلم منتهاها إلا الله. كانوا يقولون فيرد الطرف الآخر: -لن تجر شيئاً، ستسكت بريطانيا وفرنسا، كما سكتت عن تشيكوسلوفاكيا وألبانيا. آراء وتخمينات.. لغط وجلبة كانت تملأ المقهى، كما كانت تملأ المقاهي الأخرى، دوائر الدولة، الشوارع، البيوت، فقد بدا العالم كله ذلك النهار يقف على كف عفريت، والعفريت يؤرجحه ذات اليمين وذات الشمال. "تسكت بريطانيا وفرنسا أم لا؟" تلك كانت المسألة.. الأستاذ قال "لن تسكتا" الدكتور الشهبندر كان يرى ذلك أيضاً، والشهبندر يفسر "بولونيا كاثوليكية وفرنسا حامية الكاثوليكية، فكيف تسكت؟ آلة الحرب الهتلرية تقتل، تذبح، تدمر، فكيف تغض الطرف فرنسا؟ هي وبريطانيا أعلنتا قبل أشهر التزامهما بالدفاع عنها فكيف تنسحبان من التزامهما؟" وجاء الجواب بعد ثمان وأربعين ساعة فقط: أعلنت الدولتان الأقوى في العالم: بريطانيا، الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وفرنسا، الإمبراطورية التي لا يغيب عنها القمر، حربهما على هتلر. -فرنسا أعلنت الحرب، ماذا يعني ذلك؟ سألت شمس الأستاذ، وهم على مائدة الغداء.. -يعني أن معارك ضارية ستجري بين الدولتين وألمانيا وربما على أرض كلتا الدولتين... -ماذا؟ ستصل الحرب إلى باريس؟ ستطول الأخضر؟ وتنبه عزيز إلى الخطر الداهم الذي لم يكن قد فكر به.. فلذة كبده في باريس، فماذا إن قصفتها طائرات هتلر؟ ماذا إن تحولت إلى ساحة معركة؟ ألن يهدد ذلك حياة الأخضر؟ أمنه وسلامته؟. طوال يومين، ظل الأخضر والحرب شغلهما الشاغل.. "أية ورطة؟" كانت شمس تفكر "ليتنا لم نبعثه؟ تباً لفرنسا وشهاداتها!!" فقد استيقظت فيها الأم التي لا يهمها في الوجود سوى سلامة ابنها، ولا تعادل كنوز الوجود قلامة ظفر ابنها.. -دعنا نعده إلى الوطن، اقترحت الأم. -لا.. لا.. مايزال باكراً على ذلك.. رد عزيز وهو يعلم أن عاطفة الأم هي التي تتكلم. -وماذا إن فات الأوان؟ ماذا إن هجم هتلر على فرنسا هجومه الصاعق على بولونيا.. ألا يضيع ابننا؟ ألا نخسر فلذة أكبادنا؟. -شمس، فرنسا ليست كبولونيا.. هي بلد قوي يستعمر نصف العالم.. -لكنها أمام هتلر لا شيء.. العالم أمام هتلر لا شيء.. ألم تسمعهم يتحدثون عن آلة حربه الجبارة، تلك التي لم يعرف مثلها التاريخ؟. -صحيح.. شمس.. صحيح.. لكن.. -لا.. لا تقل لكن.. قاطعته وقد تحولت إلى لبوءة يهدد أشبالها الخطر.. -حسن.. حسن. قال وقد تسرب شيء من خوفها إلى قلبه.. دعينا نستفسر أكثر، نسأل. -الأمر واضح كعين الشمس فلماذا نسأل أو نستفسر؟. -مع ذلك نسأل، ولمعت في ذهنه فكرة، أجل بإمكانه أن يفيدنا القومندان الآن... ولاذت شمس بالصمت.. ذهب خوفها من القومندان، كرهها له، قرارها بقطع كل علاقة معه.. شيء واحد كان ينتصب أمام عينيها: الاطمئنان على فلذة الكبد ومستقبل فلذة الكبد.. -هه.. ماذا قلت؟ سألها وهو يراها تلوذ بالصمت. -أجل.. اذهب إلى القومندان. اسأله، تأكد منه.. وذهب عزيز إلى العدو الذي "ما من صداقته بد" يسأل ويتأكد. -خائف على ابنك، وهو في باريس؟ رد القومندان بصلف الفرنسي الذي أثيرت حميته وتحركت عنجهيته.. -لا.. أنا لست خائفاً سيادة القومندان، لكنها الأم.. وأنت تعلم ما تعني الأم؟ عواطف الأم؟ -لا.. لا.. طمئنها.. لدينا جيش قوي.. مثل هتلر وأكثر.. لدينا طيران.. دبابات.. مصفحات.. مثله وأكثر.. تحصينات قوية، خط ماجينو الشهير! خطوط دفاعنا الحصينة! في حرب الأربعة عشر هزمناهم.. وفي هذه الحرب سنهزمهم.. اطمئن اطمئن.. فرنسا لا تهزم.. وخيل لعزيز أن القومندان صار قومنداناً آخر.. لهجته، حماسته، صلفه.. كله كان جديداً عليه.. ذهبت تلك الدماثة.. ذهب ذلك اللطف.. الرقة......... الإنسانية.. لغة الحضارة والعقل، كانت كلها قد انسحبت أمام خطر الحرب ليظهر بدلاً منها كلها تعصب وصلف، حماسة وغرور... -أعلم. أنا أعلم ذلك، قال عزيز أخيراً وهو يبلع أملاً خفياً في أن لا تكون فرنسا قوية، أن لا يصمد جيشها يوماً واحداً، بعدئذ تابع: المشكلة أن أمه لا تنام الليل.. لا تفكر إلا به.. أيمكننا الاتصال به مباشرة؟ أيمكننا الاطمئنان عليه سريعاً؟. -أنا أقول لك اطمئن.. باريس أمان وسلام.. الكل هناك يعيشون حياتهم المألوفة.. اليوم تحدثت مع الأهل. لم يطرأ تغير قط.. فلا تشوشوا الأخضر ولا تخيفوه. -صحيح.. معك حق.. يجب ألا نشوشه.. -قل لأمه.. لا خطر على باريس.. هي في حرز حريز.. إن دارت الحرب فلسوف تدور على أرض ألمانيا.. على خط ماجينو وتحصينات الحدود، معارك ربما تستمر سنين وسنين وفي النهاية يكون لنا النصر.. أبلغ عزيز رسالة القومندان للأم، لكن دون أن تثلج صدرها أو تطفئ لهب أمومتها. -اكتب له رسالة.. أرسل له برقية.. أعجبته الفكرة.. البرقية من البرق والبرق سريع، يصل إلى باريس بلمح البصر... وإذا ما ارتد، ارتد بلمح البصر، فلماذا لا يرسل برقية؟ في الصباح التالي، مضى عزيز إلى مركز البريد، كتب أقل من سطرين ثم طيّرهما على جناح البرق حيث كان الأخضر مايزال غارقاً في سبات عميق. "نحن في غاية القلق. نريد الاطمئنان عليك.. عد حالاً إن كان يتهددك خطر الحرب". ولم يملك الأخضر إلا أن يفتح عينيه دهشة واستغراباً، وهو يقرأ البرقية التي أيقظته من سباته العميق.. أعود حالاً!؟ يتهددني خطر الحرب؟" راح يتساءل وهو مايزال يفرك عينيه متثائباً متكاسلاً، كارهاً النهوض من الفراش، "لكن أية حرب؟" تابع تساؤله وهو ينظر من شباكه إلى الشارع المزدحم بالناس: طلاب، طالبات، تجار، باعة، سياح، سائحات وجرس الترام يطلق رنينه المتميز من حين إلى حين. ثمة أيضاً الحافلات، السيارات الصغيرة، إشارات الشرطي وهو يعطي أوامره مطلقاً حركة السير، موقفاً إياها، مؤكداً أن نهر الحياة مايزال يتدفق تدفقه المألوف، لا فيضان، ولا خطر.. "إذن، لم خوف أبي وأمي علي؟ أيظنون هناك أن الحرب قامت في باريس؟" وتبسم بشيء من السخرية.. كان الأخضر قد سمع إعلان فرنسا الحرب، وهو على شاطئ المحيط الأطلسي.. زميله هناك كان قد دعاه إلى زيارته في عطلة الصيف.. كان من روايان.. آخر العطلة فقط تسنى له أن يلبي الدعوة فذهب إلى الميناء الرابض على شاطئ المحيط.. ميناء كبير يعج بالبواخر والسفن، البوارج والمدمرات، المراكب الشراعية والطوربيدات الحربية.. والد جاك لديه سفينة لصيد الأسماك تتوغل قليلاً في المحيط، فتأتي ببيادر من الأسماك. لديه أيضاً، سيارة يسوقها جاك بنفسه ويذهب بها حيث يشاء. جاك وحيد أبويه، مدلل يصل إلى فمه كل شيء بملعقة من ذهب "هذه الأموال كلها لدى والدك، وتظل أنت الولد الوحيد؟." سأله أول ليلة "ولماذا الأولاد الكثر؟ واحد يكفي ويزيد" رد جاك ضاحكاً.. "نحن هنا نختلف عنكم، أنتم العرب: ولد تربيه جيداً خير من عشرة تتركهم إلى الشارع.. نحن قوم نكره التكاثر". وضحك الأخضر وهو يتذكر الآية الكريمة "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر،" هل هذا يا ترى ما قصده سبحانه؟. ناس لا هم لهم إلا أن يتناسلوا.. المرأة تلد لتحبل، وتحبل لتلد، والرجل يغرق في حمأة الإعالة والعوز يوماً بعد يوم. .. وزفر الأخضر زفرة حارقة ثم تابع ضاحكاً. "الشاعر العربي عندنا يقول وأم الصقر مقلاةٌ نزور" "بغاث الطير أكثرها فراخاً جاك لم يفهم بيت الشعر الذي قاله الأخضر بعربية مفخمة لكن ما إن شرحه له بالفرنسية حتى قهقه ضاحكاً.. "صحيح"، تابع بعد أن كفكف ضحكته، أرأيت إلى الحيوانات أيضاً؟ الأرانب تتكاثر حسب متوالية هندسية يمكن أن تصل معها، هي وذريتها خلال سنتين أو ثلاث، إلى عشيرة من الأرانب تأتي على الأخضر واليابس بينما اللبوءة تضع خلال الفترة نفسها شبلاً أو شبلين فقط". وشرد الأخضر بعيداً "الحمد لله، أمي لم تلد إلا أربعة.." رآه جاك يشرد فاستفسر، أجابه الأخضر فأبدى له كل تعجب "معقول!؟ هذا شيء نادر.. والداك رضيا بأربعة فقط؟". ولم يكن الأخضر يعلم أنه على مبدأ "مكره أخاك لا بطل" كانت أمه قد توقفت عن الإنجاب. بسيارة جاك، جابا معاً شواطئ الأطلسي شمالي روايان وجنوبيها.. زارا السهول، الجبال المحيطة بها.. فثمة طرق.. في كل مكان طرق للسيارات.. سكك حديدية للقطارات.. الأخضر يراها ويتحسر على بلاد ما تزال مقطوعة الأوصال لا طرق ولا سكك حديد.. السيارات فيها نادرة والقطارات أندر.. على السفينة أخذه جاك في رحلة صيد.. ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ أيضاً ظلا متوغلين في أعماق المحيط. المحيط ساكن تدغدغه أنسام الصيف فترقد أمواجه كما يرقد طفل تهدهده أم حنون.. لكن المغامرة الكبرى كانت حين عادا من البحر.. أرصفة الميناء مزروعة ببائعات الهوى.. غوان يقدمن الشراب، فتيات يعرضن أجسادهن... برامج "ستربتيز" تعرض في هذا النادي أو ذاك، ولأول مرة يسمع الأخضر بكلمة "ستربتيز"، ماذا تعني؟" سأل جاك. "التعري" أجاب جاك حسب قول البعض، والمشاكسة بشريطة من قماش حسب قول البعض الآخر.. المرأة تتعرى إلا من شريطة ضيقة تتركها بين فخذيها لتشاكس بها الرجال" وشاهد الأخضر في تلك الليلة حفلة تعرٍ ومشاكسة لم تترك في نهايتها المرأة الفاتنة حتى تلك الشريطة الضيقة بين فخذيها. "شيء مثير.. أنا لم أعد أستطيع التحمل." قال لصاحبه، فضحك هذا، "أنتم حامون.. كلكم أهل الشرق هكذا!! لا يستطيع واحدكم ضبط نفسه"، "تشعل النار في الهشيم وتقول له اضبط نفسك... لا تحترق، "قهقه جاك، وهو ينهض ليخرج به من البار. "ألا نأخذ زادنا معنا؟" سأله الأخضر وهو يشير إلى فتاتين شقراوين، كشفتا عن نهودهما وأفخاذهما، متلويتين تلوي فتاة "الستربتيز" على الحلبة. "لا.. أنا أخشى بائعات الهوى أولاء.. ذات مرة أصبنني بالسيلان." "ماذا إذن، تريدنا أن ننام جياعاً عطاشا؟" "من قال هذا؟ لا.. لا. سآتيك بزاد أطيب وشراب أعذب". وأٍسرع جاك بسيارته إلى "ستوديو" صغير في بناء قديم لونه الزمان بلونه الكالح، لون الشيخوخة والهرم، "هذا عش النسر.. أجيء إليه كلما احتجت إلى السكينة والهدوء. من عش النسر اتصل جاك بصديقته.. عبارة أو عبارتان همس بهما في أذنها ثم لم تمض دقائق حتى كانت فتاتان غضتان لم تبلغا سن الرشد بعد، تطرقان الباب.. في "الاستوديو" براد صغير يحوي كل شيء.. الشراب من كل صنف ولون، الطعام من كل صنف ولون، لكن الأخضر يحب النبيذ.. جانيت علمته ذلك.. مذ اقتحمته في عقر داره راغبة في تجريب الحصان العربي وباتا يلتقيان بين الفينة والفينة.. أغرته بشرب النبيذ فشرب، زكت لديه "الروزيه" فأحبه.. جانيت تعرف ما تحب، تعرف ما تكره.. لها آراؤها المبرمة، قراراتها القاطعة.. وأحبها الأخضر لذلك. "هذا الوضوح الغريب لكأنها ليست امرأة،" كان يفكر متذكراً ما يقولونه عن المرأة في الشرق "حواء لغز غامض، لغز لا يستطيع حله إلا الله"، جانيت واضحة كعين الشمس، لا ألغاز فيها ولا رموز.. تشتهي الرجل تقول له "أشتهيك"، تنفر منه تقول له "أنفر منك". تريد صداقة عابرة تقيمها، تنتهي الصداقة تنهيها.. بكل بساطة، بكل وضوح، تتصرف جانيت، تتكلم. هي معه اليوم.. غداً مع غيره، تمر به، تسلم عليه وربما تصفعه على قفاه ممازحة ثم تشبك ذراعها بذراع الآخر، وتمضي.. "كيف؟ لماذا؟" سألها ذات مرة وقد شعر بالحنق. "أنا هكذا.. لا أريد ارتباطاً بأحد ولا التزاماً بأحد.. فأظل حرة.. حرة كشعاع الشمس". ولم يكن يملك إلا أنّ يغض الطرف أمام شعاع الشمس. الخجل خلصته منه، الجنس علمته فنونه، الصداقة منحته إياها خالصة، لكن جسدها ملكها وحدها، تريد أن تكون صاحبة الحق الوحيدة فيه. "أهذه هي الحرية التي تحلم ببلوغها حواء؟" الأخضر معجب بجانيت، بل ربما يشعر أحياناً بالحب، مشاعر غيرة تأكله وهو يراها تقبل هذا الشاب أو تمضي مع ذلك.. لكنها كانت تكبحه إن لم يكبح نفسه.. شيئاً فشيئاً تملك القدرة على الكبح، وقد ترسخت في نفسه القناعة التي حاولت غرسها فيه، "نحن صديقان، نلتقي حين تقضي الحاجة، ونفترق حين تنعدم"، النبيذ "الروزيه" جعله يشرد مع جانيت، لكن الفتاة الغضة البضة ذات الشعر الأشقر إلى جانبه تشعره بنوع من الحرج، "ماذا؟ جسدك معنا وعقلك مع سوانا؟ "قالت لائمة فنفض الأخضر رأسه ضاحكاً "اكسكزي موا" قال بكثير من التوكيد والود، ثم أسرع إلى الحاكي يضع اسطوانة، سرعان ما صدحت بموسيقى راقصة. "عرض ستربتيز.. من منكما تقدمه لنا؟ "سأل الأخضر وهو يرغب أن يستعيد حالة الفوران التي وصل إليها، وهو في نادي "الستربتيز".. "أنا" قالت الفتاة الأخرى، الغضة البضة، ذات الشعر الأحمر القصير كشعور الصبيان، ثم أسرعت تتلوى أفعواناً يؤدي طقوس الحب والربيع. رقصتها شجعت ذات الشعر الأشقر، فهبت تتعرى وتشاكس.. "كلهن مشاكسات"، قال لصاحبه غامزاً ضاحكاً، فرد جاك "بل قل كلهن فنانات بارعات". وأمضى الأخضر ليلة حمراء أثبت فيها أن الحصان العربي هو المجلي دائماً، الأكثر قدرة وتحملاً دائماً، فقد كان ما يزال يعدو بين هذه المرجة وتلك، حين كان الحصان الآخر قد ارتمى على الفراش، مستنزفاً حتى الرمق الأخير. في تلك الليلة، أعلنت فرنسا الحرب لكن أحداً من الأربعة لم يسمع بذلك ولم يشعر به.. في القطار فقط، وهو عائد إلى الشرق، حيث العاصمة التي تحتضن السين، بكل شغف وشوق ، قرأ الأخضر الخبر: هو مانشيت عريض يملأ واجهة الصحيفة.. نظر خارج القطار متعجباً.. السهول ساكنة، أسراب العصافير لم يروعها باشق، الجبال حملان وديعة يتراكب بعضها فوق بعض والسماء صافية لما يأتها أيلول بالغيوم بعد. وصل إلى باريس فكانت، كعادتها، تغص بالناس غادين آتين، بالسيارات تشق طريقها بنزق، بالأنوار مشعشعة، بالمطاعم ملأى، بالكازينوهات تبهر أنوارها الأبصار.." إذن، لماذا الخوف يا أبي؟ لماذا الشعور بالخطر، ولا خطر؟" لكن لكي يطمئن قلبه، أسرع إلى الجامعة التي فتحت أبوابها، ذلك اليوم نفسه، فانصب عليها الطلاب والطالبات سيلاً دافق الأمواج. رأته جانيت فأسرعت تأخذه بين ذراعيها مقبلة عاتبة: -أين كنت؟ خمسة أيام وأنا أبحث عنك؟ -إذن شاقك الحصان العربي؟ قال وهو يغمز بعينه ضاحكاً.. -شاقني فقط؟ قل أموت شوقاً إليه، ردت وهي تنظر إلى الأسفل حيث يلتقي الفخذان، فلم يملك إلا أن يضحك: -قولي لي أولاً، ألست خائفة من الحرب؟ -خائفة من الحرب؟ قالت وهي تبرم شفتها استهتاراً، نحن الفرنسيين لا نفعل منذ أربعمائة عام إلا الحرب، نقاتل هنا، نقاتل هناك. بل لقد حاربنا أوروبا كلها ذات يوم وانتصرنا، ذهب نابليون إلى مصر، وصل إلى موسكو، توغلنا في أفريقيا، استعمرنا آسيا، أمريكا فهل نخاف اليوم من هتلر؟ -لكنهم الألمان وزخم الرايخ و.. -لا.. لا تخف.. قاطعته وهي تتأبط ذراعه، مبتعدة به عن الطلاب والزحام، مادامت فرنسا وبريطانيا حليفتين لن تهزما هتلر فحسب بل العالم كله.. -ثقتك كبيرة؟ -التاريخ شاهد والتجربة عبرة.. مذ اتفقت فرنسا وبريطانيا على استعمار العالم واقتسام النفوذ فيه، وهما تستعمرانه وتقتسمان النفوذ فيه، ولسوف تظلان هكذا يداهما في رقبة العالم ماداما حليفين متفقين.. لن تسمحا لهتلر بمشاركتهما الغنيمة بل ستسحقانه كما تسحق القملة.. فاطمئن.. وأرسل الأخضر إلى الأم الخائفة والأب المشغول البال رسالة بثها الكثير مما يطمئن.. وصف الحياة في باريس، الدراسة المعتادة في الجامعة، الهدوء والطمأنينة في النفوس بل بث أقوال جانيت بحرفيتها، دون أن يحذف منها ما يدل على الصلف والغرور... عزيز أحس بذلك الصلف والغرور، كما أحس به وهو يحدث أخاها القومندان، الذي كان اكتساح هتلر لبولونيا قد أزاح عن وجهه قناع الدماثة والكياسة، ليظهر على حقيقته: ذئباً شرساً، ليس فيه سوى المخالب والأنياب. -كم أتمنى أن يمرغهم هتلر بالوحل، هؤلاء المستعمرين المتغطرسين!! قال لشمس، وهو يدمج بين صورة القومندان وأخته... -لماذا؟ -ألم تسمعي؟. يريدون أن يظل نيرهم في رقبة العالم.. يدوسوا بأقدامهم العالم.. -وما الفرق؟ إن ذهب هؤلاء، ألن يحل هتلر محلهم؟ ألن يكون استعماره ألعن وأدق رقبة؟ -لا، ليس هناك ألعن وأدق رقبة من هذا الاستعمار!! أنا أكرهه... أكرهه!! وبدا حقد العالم كله يفور في صدر عزيز.. كثير من الناس يتحدثون في المقاهي، الشوارع، البيوت، عن هتلر: المسيح المخلص" ترى لماذا لا يكون المخلص فعلاً؟ هو يكره بريطانيا وفرنسا.. عدواً مبيناً لهما، وعدو عدوك صديقك.. هذا قانون من قوانين المنطق.. فلماذا لا ينطبق ذلك القانون على هتلر؟ لماذا لا يكون صديقاً وحليفاً فعلاً؟ "وغدا عزيز، ولا هاجس له إلا أن يتابع أخبار هتلر: في بولونيا، في الغرب، في الجنوب، حيث جيوشه تدق بأحذيتها العسكرية أبواب العالم. -يجب أن نعلن الحرب على فرنسا.. أيضاً.. يجب أن ننتهز الفرصة فنحارب هذا المستعمر البغيض، قال ذات صباح لصبري، رفيق السلاح القديم، وهما يفتحان المحل. -الحقيقة.. هي أعظم فرصة.. تدخل فرنسا الحرب في أوروبا فننقض عليها هنا، نقتنص منها نصرنا.. نفرض عليها حريتنا واستقلالنا.. -يعني أنت معي!؟ نستغل الحرب كي نشن عليها الحرب.. -مع المستعمر ينبغي ألا يفوت المرء أية فرصة، ألا يهادنه أية لحظة.. بل في أي وقت يستطيع ضربه، عليه أن يضربه.. ووقع ذلك، في نفس عزيز أيما موقع.. "صحيح.. لماذا أهادنه؟ لماذا لا أعاود ضربه؟" ولم تمض تلك الليلة حتى كانت تضمه غرفة منغرسة في أحشاء الكرك، قلعة درعا الحصينة، حيث أسرع البطحيش يستقبله بالأحضان. -كنت أعلم أنك ستعود.. قال له وقد فرغا من عشاء أعده الرجل على عجل.. -وها قد عدت.. فماذا لديك؟ سأله وهو يعلم أنه لم يكف يوماً عن ضرب المستعمر: دركه، جنده، ضباطه، جباته، أياً كانوا وأينما كانوا. كان البطحيش قد بات مصدر رعب حقيقي لحاكم درعا، عسكره وشرطته، يترصدونه هنا، فيظهر هناك، يخططون للإمساك به في الشرق فينبق في الغرب. كم نصبوا له كمائن! كم أرسلوا دوريات! كم جندوا مخبرين! لكن البطحيش من نسل أبي زيد الهلالي، ما إن يقترب منه الخصم حتى يلبس قبعة الإخفاء، فلا تراه عين.. ويغدو بإمكانه أن يدغدغ خاصرة الخصم، ينخس رقبته، يدخل أحد خيشوميه، يفعل به ما يشاء. "الجني" صاروا يدعونه "ماذا فعل الجني؟" "ما هي آخر أخبار الجني؟" "شددوا الحصار على الجنّي" ثم يخططون ويرسمون، لتذهب مخططاتهم ورسومهم كلها أدراج الرياح، فالإنس لا يستطيعون رؤية الجن ولا الإمساك بأبي زيد الهلالي وهو يلبس قبعة الإخفاء... -أنت جاهز؟ سأله الجني الفرح بعودة صديقه. -لو لم أكن كذلك لما جئت. -حسناً.. غداً مساء إذن!!! في اليادودة عرس كأعراس أبناء السلاطين، كانت قد مضت عليه ستة أيام، ينصب فيه كل ليلة مرسح للدبكة وتشعل النيران، تقرع الطبول وتعزف المزامير، فالأعراس هي الفرصة الوحيدة لأن يهزج شعب محزون، يغني أناس بائسون ويزغرد مقهورون.. هي كوتهم الوحيدة إلى عالم الفرح، ومهربهم الوحيد من الترح. البؤس، الفقر، الجوع، الحرمان، القهر، الإذلال كلها بانتظارهم ليل نهار، فلماذا لا يستغلون فرصة لنسيان الجوع والإذلال، للطيران بعيداً عن البؤس والفقر، الحرمان والقهر؟. أهل اليادودة كلهم في العرس، يدبكون ويرقصون.. ناسين أو متناسين ما ينتظرهم بعده. "الأجضان" الفرنسي.. قائد المخفر المتغطرس، الذي يخيل له أنه يبلغ الجبال طولا، يرقب عرسهم وينتظر.. غنيمة مغرية.. لعابه يسيل عليها قبل أن تقع عليها عيناه... هو يعرفها، فتاة طويلة بيضاء، شهية كرغيف ساخن.. فليفرحوا بها ويدبكوا.. "الليلة تزف إلى عريسها.. لكن قبل ذلك ستزف إلي "وكان ذلك ما فرضه "الأجضان"، مذ جاء إلى مخفر اليادودة..." كي نمرغ أنوفهم في الوحل". عند حلول الظلام، كان البطحيش وصاحبه ينسلان شبحين مقنعين، إلى بيت العروس. مع أمها وأبيها رسما الخطة، وعلى عاتقهما وقعت مهمة حفظ السر.. دوي الطبل يتردد أصداء في الياقوصة حيث الهوة العميقة التي ابتلعت ذات يوم نصف جيش الروم. أنغام المزمار عالية راقصة تثير كامن الأحاسيس وخافي المشاعر.. أقدام الدابكين والدابكات تصنع أجمل إيقاع... يشنف أذني عزيز لكنه لا يجد طريقاً لأذن البطحيش.. اللحظة الحرجة تجيء.. الهودج أعدّ والبعير يقترب: إخ.. إخ.. يصيح بصاحبه فينيخ البطحيش وعزيز أعصاب متوترة وحواس مشدودة. الكل بانتظار العروس.. تدخل الهودج فينقلها إلى العريس الموعود. في شبه العتمة تسير العروس تحف بها الصبايا والبنات، قرب الهودج يكمن البطحيش وعزيز.. تقترب العروس من الهودج، وتعثر الأم. يسقط الفانوس وينطفئ الضوء، وتحت جناح الظلام تنسل العروس مبتعدة عن هودج ينفتح وينغلق بمثل لمح البصر، ليضم بين ذراعيه عروساً ووصيفة لم تكونا عروساً ووصيفة قط.. -هي.. تج.. هي.. تج.. يعود الصوت حاثاً البعير على النهوض. ينهض البعير ثم يسير بالهودج، تحف به لدات العروس وهن يغنين ويهزجن.. الرجال في المؤخرة، الأولاد يتوزعون هنا وهناك والزغاريد تنطلق، معلنة مغادرة العروس بيت الأهل. "الأجضان" وجنده أمام باب المخفر، يتلمظ بشفتيه ويفرك بيديه لوجبة شهية قادمة.. على ظهر الجمل تسير.. هودجها من عصر الظعائن وملابسها من دمقس الحرير. -أطلق النار، مال "الأجضان" على مساعده آمراً، وقد اقترب موكب العرس... سبع، ثماني طلقات اندفعت رشاً فخرست الحناجر للتو. لم يعد هناك غناء، لم يعد ثمة زغاريد، الكل ساكن كأنما يقف على رأسه الطير. -تقدم بالهودج، تابع "الأجضان"، آمراً الصبي اليافع الذي كان يمسك بالرسن. بحذر تقدم الصبي، فتقدم وراءه الجمل والهودج فوق ظهره يتمايل نحو اليمين ونحو الشمال، أنتن الخمس، اقتربن اقتربن، هدر بصوته الجهوري مشيراً إلى حلقة النساء التي تحيط بالهودج.. فجنده الخمسة بحاجة لعرائس أيضاً. لم تخالف النساء الأمر.. بل تقدمن... في أقدامهن الحذر، في عيونهن الخوف. وعلى رؤوسهن الطير. -أنتم.. البقية.. نساء.. رجالاً.. أولاداً.. هيا اذهبوا الآن.. كل إلى بيته.. لا يمين.. لا شمال.. كل إلى بيته وبإشارة من يده عاد الرصاص للانطلاق رشاً، وبعث أزيزه الرعشة في القلوب والرعدة في الأوصال وأسلم الكل سيقانهم للريح. عبر مدخل المخفر سار الجمل بهودجه، تحف به النساء الخمس، وفي ساحة المخفر أمر "الأجضان" الصبي اليافع بإناخة الجمل.. صدع الصبي بالأمر. -إ..خ ..إخ.. هتف الصبي بالجمل، شاداً رسنه إلى الأسفل، صائحاً به المرة تلو المرة، أخيراً استجاب. طوى أماميتيه فمال الهودج إلى الأمام، مهدداً من فيه بالسقوط، لكن ما إن طوى خلفيتيه حتى اعتدل الهودج وقد صار بطن الجمل على الأرض. اقترب "الأجضان" من الهودج متهلل الوجه منفرج الأسارير.. جنده من حولـه، يتفحص كل منهم فريسته بين النساء المتوجسات الخائفات.. أزاح "الأجضان" الستارة من الجانب الأيمن وهو يكاد يطير فرحاً... لكن رشة من رصاص تفاجئه فيطير موتاً. "مون ديو!! مون ديو!!" صاح وهو ينقذف إلى الأعلى، فيما كان يندفع من جانبي الهودج، كليهما، شبحان ملثمان لم يرهما أحد ولم يعرف بهما أحد وكانت البندقيتان في أيديهما قد تحولتا إلى فوهتي جحيم سرعان ما أحالتا هشيم "الأجضان" وجنده إلى نار متأججة اللهيب... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |