الطريق إلى الشمس - عبد الكريم ناصيف

ثلاثية روائية -3- الجوزاء من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- 10 -

-القضاء على مخفر بكامل عناصره..‏

-مصرع "أجضان" وخمسة جنود..‏

-حركة مقاومة سرية..‏

راحت أسلاك البرق والهاتف تتناقل الأخبار بين مخافر حوران، ثم بين درعا ودمشق، فدمشق والمدن الأخرى. لم يكن الفرنسيون قد نسوا ثورة الخامس والعشرين، ولم يكونوا يجهلون أنهم في حالة حرب.. فهل يستغلها الوطنيون ليشعلوا الثورة من جديد؟‏

ضجيج وعجيج في المخافر، جلبة واضطراب في الثكنات.. الجند، الضباط، القومندان رينو نفسه يكاد يجن.. من اليادودة تخرج خطة كهذه..!؟ تنفذ عملية بهذه الخطورة؟ وطوال شهر وبعض الشهر، ظلت السياط تنهال على ظهور رجال اليادودة والعصي تتحطم على أقدامهم:‏

- من فعل هذا؟‏

- كيف تسلل المقاتلان؟‏

- من سهل لهما الأمر؟‏

- أين اختفيا؟‏

أسئلة كثيرة كادت تنهال على أهل اليادودة انهيال السياط على الظهور والعصي على الأرجل، لكن لم يكن هناك من يستطيع أن يجيب. أبو العروس عجوز متداعٍ، من أول فلقة كاد يلفظ أنفاسه. الرجال الآخرون كلهم أنكروا:‏

- لا علاقة لنا..‏

- لا نعرف شيئاً..‏

- نحن أنفسنا فوجئنا.‏

- لابد أنه البطحيش، قال أحدهم وقد اهترأ جلده تحت السياط والعصي، فاشتعلت عينا المحقق غضباً.‏

- أوتعرفين البطحيش؟ سأل العروس عابساً.‏

- كلا، ردت العروس بلسان كالتبن...‏

- لكن الرجلين تسللا إلى هودجك.. ركبا معك، لماذا لم تصرخي؟ ولم تستطع أن تقول له إنها هي نفسها لم تركب الهودج وتابعت اللعبة:‏

- كانت خائفة..‏

- صفيهما لنا..‏

- لم أنظر إليهما..‏

-كاذبة، صرخ بها وهو ينهال عليها صفعاً وركلاً.. لكن دون أن تند منها آهة أو تخرج صرخة..‏

حاكم درعا يكاد يجن.. حائط من الصلب كان قد اصطدم به.. لا ثغرة فيه ولا منفذ فكيف يفك لغز ذلك الحادث؟ هو يعلم أن "الأجضان" زادها كثيراً.. التعليمات إليه "أذلوا الناس، مرغوا كرامتهم بالوحل.. لكن لا تقربوا العرض.. العرض وحده يجعل هؤلاء الناس يثورون ويغضبون.. "لكنه أبى إلا أن يزيدها. صار الاعتداء على أعراض الناس ديدنه، الولوغ في شرف النساء ألهيته المحببة.. "فماذا كانت النتيجة أيها الأجضان؟". النتيجة منطقية، الحاكم يعرف ذلك. لكن هل يستطيع الاعتراف به؟ "الأجضان" طغى وبغى، جار وتجبر.. صحيح، لكن الصحيح أيضاً أن على الناس أن يتحملوا.. وإن لم يعد باستطاعتهم التحمل فليشكوا.. ثمة سلطات عليا يمكنها أن تحاسب.. لكن أن يقتلوا؟ لا.. لا.. كان الحاكم وضباطه يرددون فيما بينهم، والحقد مرجل يغلي في صدورهم..‏

لم يكن أحد من أهل اليادودة، رجالاً أو نساءً، قد رأى الرجلين الشبحين.. رغم الضرب، التعذيب، التنكيل، السجن، لم يكن أحد منهم قد اعترف.. "رؤوسهم يابسة "قال الحاكم"، "يموتون ولا يعترفون".‏

العروس، رغم الركل، العفس، الصفع، الرفس، ظلت على أقوالها الأولى "لم أنظر إليهما" ".. كنت خائفة" "كان الظلام حالكاً" وهي أيضاً تموت ولا تعترف...‏

وحين نزلا من الهودج يطلقان الرصاص؟ سألها المحقق فأجابت بأريحية "كان أحدهما ربعة والآخر طويلاً"‏

-الربعة هو البطحيش.. ذلك مؤكد، توصل أخيراً الحاكم إلى الاستنتاج هو الذي كان يعرف صفات البطحيش وتاريخه..‏

تاريخ البطحيش حافل.. منذ اليوم الأول لوصوله، سمع الحاكم بذلك التاريخ ثم عاشه يوماً بيوم "البطحيش ضرب، البطحيش اقتحم، البطحيش فجَّر..." ولم يكن أحد يرى ذلك البطحيش، هو يضرب ويهرب.. أبو زيد يلبس قبعة إخفاء، فماذا يفعل الحاكم؟ مرات كثيرة أرسل دوريات وراءه، شدد الضغط عليه، حاصره، طوقه، لكنه في كل مرة كان يفلت، أحدهم فسر له ذلك "البطحيش سمكة في بحر، فهل تستطيع الإمساك بسمكة في بحر؟".‏

لكن الحاكم لم يقتنع، فسأل "معقول؟ كل من حوله بحر له، حتى يكون هو سمكة؟" "بالتأكيد. كل من حوله معجبون به، يتمنون لو كانوا مثله، يقاتلونكم كما يقاتلكم هو لكنهم لا يستطيعون... لسبب أو لآخر لا يستطيعون.. هو يستطيع، فكيف لا يتحول إلى بطل يحبونه جميعاً؟ كيف لا يصير رمزاً يضحون بأنفسهم حفاظاً عليه؟" منذ ئذ عرف الحاكم أن معركته مع البطحيش معركة صعبة طويلة الأمد، هي معركة مع شعب وليست معركة مع فرد.. وها هو ذا حدسه يصدق:‏

يصفّى مخفر بكامله.. يصبح للبطحيش أعوان.. الأمر خطر إذن.. والحدث جلل.. الحدث الجلل بلغ مسامع المفوض السامي فارتد من شفتيه تقريعاً:‏

- ما هذا التسيب؟ نحن في أقصى درجات الطوارئ، فأين الحذر والحيطة؟.‏

- هو رجل فرد يقوم من حين إلى حين بمثل هذه العمليات.. رد الحاكم وهو يرتعش خوفاً من ثورة المفوض السامي.‏

- رجل فرد.. ولا تستطيعون الإمساك به؟. أين استخباراتكم إذن؟ أين جواسيسكم؟‏

- نحن نفعل المستحيل يا سيدي.. لكن..‏

- لا تقل لكن.. أمسكوا بهذا الرجل.. حياً أو ميتاً أريده، بأي شكل أريده.. لاحقوه.. شددوا الحصار عليه. وجودك كله مرهون بالإمساك به... أتسمع؟ وجودك كله مرهون به.. وازداد الحاكم ارتعاداً وخوفاً..‏

جمع رجاله كلهم.. نقل لهم أوامر المفوض السامي.. وبدأت الدوريات تطوف القرى، تراقب الطرق، تجوب شوارع درعا ونصب عينيها هدف واحد: الإمساك بالبطحيش، حياً أو ميتاً...‏

البطحيش على علم بذلك.. هو مذ قام بعمليته في اليادودة، لم يدخل المدينة.. ودع صاحبه إلى دمشق ثم مضى إلى كهفه في منحدر الشلالات يراقب.. هو حزين على ما يجري لأهل اليادودة.. يود لو ينتقم لهم جميعاً.. لكن هو رجل فرد.. منذ سنين وهو يحاول إشعال الفتيل في الجماعة.. عملياته كلها كانت بغرض إشعال الفتيل لكن ياللأسف!!.. كان ينفخ في رماد... شهراً وبعض الشهر استمرت محنة اليادودة، بعدئذ بدأ الهدوء يخيم.. الدوريات صارت أقل عددا، أقل كثافة فخيل للبطحيش أن الشدة انتهت.. وأن باستطاعته أن يعود إلى عش النسر هناك... في قلب الكرك.. عكس الشمس سار... ومع انسلال أزقة درعا إلى جوف الظلمة، كان هو ينسل.. الأولى في غفلة من الضياء، وهو في غفلة من الفرنساوي...‏

البطحيش يعلم أن العدو يحاذر مقاربة الكرك تحت جنح الظلام.. لكنه لا يعلم أن لكل قاعدة استثناء وإن الكرك منذ عملية اليادودة، تعيش ذلك الاستثناء..‏

كانت درعا قد أنيرت بالكهرباء، وكانت المصفحات تحرس مداخل الكرك ومخارجها، مرسلة رجالها في هذا الزقاق أو ذاك وهي على أهبة الاستعداد للتدخل في الحال، لكن البطحيش لم يأت الكرك من الشوارع التي تتسع للمصفحات، بل جاءها عبر درب مترب، شائك يصلها بالبرية ولا يعرفه الفرنسيون..‏

دخل الزقاق الذي لما تنره الكهرباء بعد. الناس كلهم في بيوتهم يتناولون عشاءهم ويستريحون بعد عناء يوم طويل. هو مشتاق إليهم، بوده لو يطرق أبوابهم باباً باباً، يصافحهم، واحداً واحداً، لكنه يتردد "أراهم غداً‏

أما الليلة فإلى عش النسر. "لكن ما إن اجتاز المنعطف حتى ظهرت وسط الزقاق دورية مشرعة الحراب تملأ الطريق كله. تلكأ لحظة فجاءت صرخة "قف... أنت هناك... قف... البطحيش".‏

ودونما حوار أو تردد وجد البطحيش نفسه ينكفئ من حيث جاء. أول باب دفعه لم يندفع، الثاني صرّ صريراً مخيفاً لكنه لم ينفتح.. نظر إلى الأعلى ثم انطلق كالسهم: الشباك، أطراف خشب السقف، فأعلى السطح.. أحذية العسكر تملأ الزقاق جلبة وضوضاء، أصوات العسكر تقترب صارخة: "توقف.. أنت.. توقف.." لكن البطحيش لم يتوقف.. زحف على السطح ثم تدلى بنفسه واثباً إلى الأرض.. نظر يمنة ويسرة فرأى ضوءاً من خصاص الباب..‏

أسرع إليه، فتحه فوجد نفسه أمام امرأة تدلق على نفسها الماء.. شهقت خائفة، فهمس وهو يشيح بنظره‏

-لا تخافي أختاه!! أنا البطحيش والعسكر في إثري.‏

في التو، قفزت المرأة، ألقت عباءة على جسدها.. ثم أسرعت إليه، أمسكت بيده ثم سحبته إلى الخلف، حيث عنابر المؤونة تنتصب اثنين اثنين.. "اختبئ هنا"، همست على عجل وقد جاءها قرع الباب عجولاً ملحاً.. رفع البطحيش الغطاء، ثم ألقى بنفسه في عنبر ذهبت حنطته إلى الطاحون من قبل.. قرع الباب يشتد، لكن المرأة لا تسمع. خلعت العباءة ثم عادت إلى كرسيها الخشبي الواطئ وإلى الليفة والصابون تفرك جسدها، كأنما ليس هناك بطحيش ولا قرع باب..‏

قرع الباب توقف، رفس بالأرجل حل محله ثم انخلاع باب ارتد بشدة إلى الحائط فتناثر في الجو صوت ارتطام.. بعدئذ انداحت جلبة الأحذية واضطربت أمواج صياح وصراخ.. المرأة صماء خرساء.. تمد يدها إلى الطاسة تملأها بالماء الساخن وتدلقها على الجسد المشدود حتى النهاية.‏

تقترب الجلبة، تقترب الأصوات.. تزيد المرأة من دلق الماء، ويزيد البخار من ضباب الغرفة.. مرة ثانية يفتح الباب ومرة ثانية تشهق المرأة لكن هذه المرة بولولة ثاقبة.‏

-ويلاه!! ويلي!!‏

تصدم الولولة آذان الجند.. يصدم عري المرأة عيونهم.. فيما تصدم خياشيمهم رائحة الصابون والبيلون، فلا يشعر "السرجان" إلا وهو ينكص مرتداً مغلقاً وراءه الباب. لكن هل ينكص عن الكرك؟ ليلة ليلاء عاشتها الكرك.. لم يدع السرجان فيها باباً إلا طرقه، ولا داراً إلى فتشها، بحثاً عن البطحيش، أبي زيد الهلالي وقد لبس مرة أخرى قبعة الإخفاء.‏

الحاكم سمع تقرير "السرجان" فأرغى وأزبد:‏

-يفلت من أيديكم!؟ يختفي بلمحة عين؟ لا.. لا عذر لكم.. سأعلق مشانقكم إن لم تأتوا بهذا الشيطان!! سأعدمكم رمياً بالرصاص إن أفلت مرة ثانية.. شددوا الضغط.. تابعوا التفتيش.. سيّروا الدوريات..‏

لكن رينو تدخل، وقد أرسله المفوض السامي لاجتثاث شأفة البطحيش...‏

-لا.. هذا أسلوب بالٍ.. جربتموه فلم يجد نفعاً.. غيِّروه.. قال القومندان الذي كانت قصة المخفر قد أثارت كل ما في صدره من حقد على أناس ينكرون الجميل ويعضون اليد التي تمتد إليهم بالخير والنفع..‏

-كيف نغيره، سيدي؟ سأل الحاكم العسكري، ورتبته لا تتجاوز رتبة الكابيتان، ماذا تقصد؟‏

-أقصد.. الحيلة.. نستخدم معه الحيلة فنوقعه في الشراك..‏

وهش الكابيتان للفكرة حاكاً رأسه.‏

-صحيح أكبر منك بيوم أفهم بسنة، قال للقومندان الممتلئ معرفة بشتى أساليب التعامل مع أبناء المستعمرات: حرب، حيلة، مجابهة، مناورة، لكن كيف؟ أية حيلة؟ ومال عليه القومندان هامساً:‏

-رجل نثق به.. نرسله إليه، فيكون لنا حصان طروادة..‏

-هو ذاك يا سيدي.. هو ذاك، قال الكابيتان فرحاً وهو يسرع إلى الهاتف يسأل ضابط الأمن عن رجل يثق به...‏

بعد يومين فقط كان مدير السجن في درعا يستقبل محمد التيناوي، بعد أن جرده زملاؤه من رتبة "الكاربورال" ومن لباسه العسكري نفسه، ليسوقوه إلى السجن بأيديهم.‏

-ما تهمته؟ سألهم مدير السجن.‏

-خائن، غدار.. يسرب المعلومات إلى العصابات ويتعاون معهم لضربنا. هو الذي شارك في عملية المخفر.. وانهالت على محمد التيناوي الركلات والصفعات إلى أن ألقي أرضاً، ثم جره الحرس مبللاً بالماء، مضرجاً بالدماء إلى أول مهجع.‏

ثلاثين يوماً ظل.. وهو يفطر فلقة ويتعشى فلقة.. صراخه عند الإفطار والعشاء يملأ السجن.. يضرب بالعصي، يساط بالسياط، تدق قدماه، يدق ظهره ثم يعاد إلى المهجع، يحمله الحرس حملاً وقد عجزت رجلاه عن حمله.‏

السجناء حزانى عليه، متعاطفون معه.. يداوون قدميه، يضمدون جراحه، يقدمون له الدواء والغذاء، فالرجل وطني مخلص والفرنساوي غاضب عليه: طرد من الوظيفة وحبس في القمقم...‏

-نخبر أهلك في الشام؟ سأله زملاؤه في المهجع.‏

-لا.. لا تعذبوا أنفسكم.. أنا مقطوع من شجرة، ليس لي أحد.. وازداد زملاء المهجع شفقة على التيناوي وتعاطفاً معه.. باتوا يحلفون أغلظ الأيمان أنه أكثر الناس وطنية وأشدهم عداء للمستعمر.‏

-أنا لا أعرف البطحيش.. لم أشاركه عملياته.. لا علاقة لي به.. كان لا يفتأ يصرخ في وجوه المحققين حتى أعلن المحققون عن عجزهم.‏

أربعة أشهر نقع في السجن.. بعدئذ عقدت محاكمته.. القاضي الفرنسي عادل... بحث عن اعتراف.. دليل.. لكن ما من اعتراف أو دليل.. وأخلى القاضي العادل سبيله...‏

خرج التيناوي إلى النور فاستقبله الناس بالأحضان، بطلاً يقارع الاستعمار من داخل ويتحمل سياطه من خارج. دون أن يحصل منه على اعتراف.. المضافات تستقبله، الناس يأخذونه بالأحضان، الكل يلهجون بقصته، يحكون عن بطولاته.‏

-معقول؟ تساءل عزيز مستغرباً وقد نقل له عواد أخبار التيناوي. شرطي رضع حليب فرنسا، يخون فرنسا؟‏

-قصته في درعا على كل شفة ولسان.. مسكين كم قاسى على أيديهم من عذاب!! أنا بنفسي رأيته.‏

-أين؟‏

-في مكتبة الشرع.‏

عزيز يعرف مكتبة الشرع.. المكتبة الوحيدة اليتيمة في درعا....‏

صاحبها يحب الثقافة، يهتم بالمعرفة إلى حد كرس نفسه لنشر المعرفة والثقافة بأسرع وقت وشتى السبل.‏

تلاميذ المدارس، طلاب الكتاتيب، كل من يحب أن يقرأ، يذهب إليه يستعير الكتاب لقاء قرش إن كان يملك قرشاً ولا شيء إن لم يكن يملك شيئاً.. المجلة، الجريدة، الكراس، الكتاب، كل ما يرغب فيه طالب المعرفة، يجده لدى فائق الشرع. يستعيره هو الذي لا يرد مستعيراً، يقرأ، يعيد وإن أراد ألا يعيد، فليبق لديه الكتاب أو المجلة، وليدفع له الثمن بالتقسيط المريح: نصف فرنك، فرنك، ربع ليرة، ما شاء طالب العلم فليدفع. ابن الشرع رحب الصدر يحتوي في أحضان عطفه كل من يرغب في علم.‏

عواد نفسه كان يأتي إلى درعا، يشتري منه الكتب بالتقسيط المريح ويتحدثان معاً في السياسة، الأدب، التاريخ، الفكر... فائق الشرع مثقف كبير يتابع كل شاردة وواردة، يقرأ حتى قصاصات الجرائد، يهتم بأخبار الشهنبدر، بنشاطات الأستاذ الذي جاء لاجئاً من اللواء ولا يبرح يتكلم في وحدة العرب، حرية العرب واستقلال العرب..‏

فائق يعلم أن لعواد صلة بالأستاذ والزعيم، فيهش كلما جاءه عواد ويبش، ولا يتركه حتى يأخذ منه أخبارهما وأخبار دمشق.. لكنه آخر مرة كان مشغولاً بالتيناوي.. لم يسأل عواداً بل أجابه. لم يسمع منه قصصاً بل روى له قصصاً، وخرج عواد معجباً حتى اتساع الحدقتين بالرجل الذي لطأ طويلاً تحت إبط الاستعمار وهو ينخس بمنخسه الاستعمار..‏

-قلت، تهمته التعاون مع البطحيش؟ سأل عزيز وقد أثارته قصة الرجل..‏

-بل ومشاركته في عملية المخفر؟ لكنهم لم يجدوا دليلاً فخرج براءة..‏

-وهل أعيد إلى السلك؟‏

-لا.. الرجل صار موضع شك.. تعرض للتعذيب والإهانة، فكيف يثقون به من جديد؟ بدا كلام عواد مقنعاً، مع ذلك ظل عزيز مشغول البال..‏

-وهل يعرفه البطحيش؟ هل بينهما من علاقة؟ سأله عزيز وكله حيرة وانشغال بال.‏

-من يدري يا عم؟ لو كنت أعرف الطبحيش لسألته.‏

عواد على حق.. لابد من سؤال البطحيش نفسه.. لابد من معرفته أولاً، كي يطرح عليه السؤال.. عزيز يعرفه لكن هل يعرف عواد أنه يعرفه؟ طوال تلك السنين، كانت علاقتهما قد ظلت سرية، لا يعرف بها أحد، فهل يشهرها الآن؟ هل يعترف لعواد أن البطحيش صاحبه وان باستطاعته أن يسأله ذلك السؤال.. لكن لا.. كل سر تعدى اثنين شاع..‏

القومندان يدفع جرة ذهب لقاء معرفته ذلك السر. هو، مذ سمع بحادث المخفر، لم يكن يشغله البطحيش والإمساك به، بقدر ما كان يشغله معرفة ذلك الرجل الطويل الذي اشترك معه. التحقيقات، الاستقصاءات، التحريات كلها وقفت عاجزة أمام ذلك اللغز...‏

البطحيش، عادة، يقوم بعملياته مفرداً وحيداً.. مرة واحدة فقط ذكرت دورية المزيريب أنها اشتبكت مع رجلين. ما عدا ذلك، البطحيش حريص على الانفراد والتفرد، فمن عساه ذلك الوافد الجديد الذي انضم إلى البطحيش؟‏

أسماء كثيرة طرحها ضباط الأمن على الحاكم وعلى القومندان، ورجال كثر جاؤوا بهم، لقطع الشك باليقين.. هذا من نوى، ذاك من داعل، ثالث من درعا، رابع من اذرع...‏

لكن ما خطر ببال ضابط الأمن ولا حاكم درعا أن يمتد بتحقيقاته إلى دمشق، القومندان نفسه لم يخطر بباله ذلك.. وظل السر مغلقاً ما برح يشغل باله.‏

أسرار كثيرة، ألغاز أخرى تشغل بال القومندان ربما أخطرها لغز جيرار.. صديقه الذي قتل دون أن يعرف قاتله. صحيح أنها بلد صغير، سورية، لكنها ما تزال تدهشه.. بكل ما تتفتق عنه من مشاكل وقضايا.. لكأن رجالها صنعوا من فولاذ.. بالسيوف والخناجر حاربوا إحدى أقوى قوتين في العالم.. أشعلوا الثورات عليها هنا وهناك.. القومندان يعرفها واحدة واحدة... أيام الثورات عاشها.. عرف سلطان الأطرش، أحمد مريود، سعيد العاص، فوزي القاوقجي.. بل كثيراً ما كان يرسله المفوض السامي لمفاوضة هذا أو اللقاء مع ذاك، كان رصيده لدى أهل البلد قد جعل منه وجهاً مقبولاً للتفاوض وكان، بحكم ثقافته واطلاعه، قادراً أن يعرف أيسر السبل للتفاوض. زملاؤه الضباط كانوا يأخذون عليه مآخذ كثيرة: التهاون، الضعف، التخاذل، وكانوا كثيراً ما يوجهون له اصبع الاتهام.. هو يذكر حتى اليوم تقريع الكابيتان جيرار له حين سمح لأهل السويداء بالقيام بمظاهرات على كاربييه.. جيرار ليس زميلاً وحسب بل هو صديقه وابن دورته. "أنت متخاذل، لا تنقصك إلا درجة واحدة حتى تحارب مع أعداءنا ضدنا، "قال له حانقاً موبخاً.. حاول أن يناقشه يومذاك لكن جيرار لم يستمع إليه. "اخرس.. اخرس.. أنا لست بحاجة لهرائك".‏

وخرس الكابيتان رينو الذي كان يعلم تماماً كم جيرار متعصب لقوميته، مؤمن بتفوق عرقه، ينظر إلى كل ما عداه من علٍ.‏

قبل ثورة حماة بثلاثة أيام، كان رينو بزيارته.. المندوب السامي أرسله يستكشف ويستطلع، فالمعلومات تشير إلى أن هناك تململاً وتحركاً.‏

التقى رينو بجيرار، كوستلير، ضباط القيادة.. كانوا كلهم يؤكدون أن شيئاً ما سيحدث، لكن جيرار كان أكثرهم تصميماً على تدمير المدينة على رؤوس أهلها إن حدث ذلك الشيء. كان يبرم شفته استخفافاً، يهز رأسه احتقاراً، يضرب بجمع كفه الطاولة، وهو يتحدث، مهدداً متوعداً "الشكوك كلها تدور حول فوزي القاوقجي "قال يومذاك"، لم لا نقصر الشر وننقله. إذن؟" سأله الكابيتان رينو‏

"لا.. لا.. يجب أن نكشف الخونة فنسحقهم، نجعل منهم عبرة لكل معتبر"، وفتح رينو عينيه عجباً من رغبة صديقه في الشر وحبه للأذى. بعدئذ عاد رينو وكله قناعة أن عليهم أن يعالجوا المشكلة قبل أن تستفحل. اقترح على رئيسه نقل الكابيتان القاوقجي، لكن حين صدر قرار النقل، كانت الثورة قد اشتعلت، حماة هاجت وماجت، يلفها إعصار كاد أن يدمر كل شيء. هدأت العاصفة فنقلت أسلاك البرق فيما نقلت مقتل الكابيتان جيرار.. حاول رينو معرفة التفاصيل لكن لم يكن هناك تفاصيل.."وجد في منزله عارياً وخنجر في صدره".‏

يومذاك لم يكن باستطاعة رينو أن يذهب إلى حماه فيتحقق بنفسه.. كانت سورية قد اشتعلت ثورة وحروباً من جنوبها إلى شمالها، وكان سلطان الأطرش يهدد بدخول دمشق، وكانت الغوطة غابة تتأجج حرائق، فأين يذهب الكابيتان رينو؟.‏

بعد شهور طوال، استطاع رينو أن يفتح ملف جيرار من جديد.. لكن دون جدوى...‏

كان كل شيء قد تغير: ضباط انتقلوا، جند استبدلوا، معالم ضاعت، آثار طمست ولم يخرج رينو إلا بنتف من معلومات: "حاجب جيرار الخاص اختفى بعد الثورة فلم يقع له أحد على أثر".‏

"عند وقوع الحادث لم يكن في البيت حراس ولا جند".. جيرار كان يقول "ولماذا الحراس والجند!؟ أنا لا أخشى الحملان والأغنام". وصدق رينو، نتف المعلومات تلك فقد كان جيرار يردد ذلك على كل مسمع، استهتاراً بالناس والسكان.. سائق جيرار وحده قدم له المعلومة الوحيدة التي تلفت النظر، "قبل الأحداث مباشرة أوصلت إلى بيته امرأة سافرة الوجه".. "صفها لي"، طلب الكابيتان رينو فوصفها السائق "في العشرينات من عمرها، بيضاء البشرة، فاحمة الشعر، ممشوقة القوام"، لم يكن السائق يعرف لها اسماً أو عنواناً، ولم يكن يدري إن كانت النساء اللواتي كان جيرار يأخذهن إلى البيت يلهو بهن ويستمتع أم لا. السائق لم يكن يسأل رغم التقاليد المحافظة، "رغم حصار المرأة، رغم الحجاب والملاءة، كان الكابيتان يجد المرأة دائماً "قال السائق للقومندان، وكان كثيراً ما يتفاخر بصولاته وجولاته. "علينا أن نترك بصماتنا واضحة حيث نذهب.. وخير البصمات ما كان على فروج النساء. "السائق يشك في أن ذلك كان سبب مقتله. "الناس استغلوا الثورة، فانتقموا ثأراً لكرامتهم". وكان كوستلير نفسه قد أبدى مثل ذلك الرأي "للكابيتان جيرار أعداء كثر: أناس سطا على نسائهم، رجال مرغهم في الوحل، نساء اغتصبهن، فمن يعلم من انتقم منه؟ "وطوي ملف جيرار.. نسيه حتى صديقه رينو... لكن ما إن اندلعت المظاهرة النسائية في دمشق وجيء له بإحدى النساء البارزات في قيادتها حتى استيقظت ذاكرته من جديد.. عادت إلى ذهنه صورة تلك المرأة السافرة بيضاء الوجه، فاحمة الشعر، ممشوقة القوام ومع الصورة برز السؤال "هل لهذه المرأة علاقة بتلك؟" من ذلك السؤال تفرعت أسئلة أخرى وكلها تؤكد أن رغبته في كشف لغز جيرار لم تمت بعد.‏

سألها يومذاك، حقق معها وفكرة واحدة تطغى على ذهنه " "يجب أن أعرف هذه المرأة أكثر. ينبغي أن أظل على صلة معها باستمرار ". أوصى بها الحارس، رعاها من طرف خفي ثم ما إن جاء الضوء الأخضر من المفوض السامي، حتى كانت شموس أولى الخارجات إلى الحرية.‏

كل ما فعله رينو بعد ذلك كان بهدف محدد: أن يكسب ود عزو وثقة شموس، فيدخل إلى قلب العائلة. هو يرى الزوج والزوجة حذرين، يريدان إبقاء هوامش ومسافات فيتعجب: "أتراه كره الأجانب؟ أهو الخوف من ذوي السلطة؟ أم هناك سر ما يريدان إخفاءه؟" لكن سرعان ما ازداد تعجباً حين اكتشف، أن عزو ليس بدوي الأصل بل حضري.. أهله من سكان الريف لا من سكان البادية، يعملون في الزراعة لا في الرعي.. بعد ئذ قام باستقصاءات وتحريات وتكشفت أسرار أخرى له.. طبقة أسرار بعد أخرى بدأت تتكشف.. إلى أن حكى له الأخضر في باريس عن طفولته في حماة.. و"متى؟" "أيام الثورة". مخبر حماة جاءه أيضاً بمعلومات هامة لكنها غير كافية.. منذئذ صار شكه كبيراً. "ثمة علاقة بين هذه المرأة وتلك، قبل يوم واحد أخذها السائق إلى منزل جيرار.. لكن ماذا جرى بعد ذلك؟ هل نامت لديه؟ هل غادرته؟ هل كانت خليلته؟ هل كانت عابرة؟ "كلها أسئلة صارت تتقافز في ذهنه، فتلك المرأة التي لم يرها أحد بعد ذاك هي وحدها مفتاح اللغز....‏

الضباب ينقشع، شيئاً فشيئاً كان ينقشع. خطة محكمة وضعها رينو لتشديد الحصار وإحكام الطوق.. الخطة بدأت تؤتي أكلها.. التستر، التمويه، كل ما لجأت إليه المرأة ورجلها لإخفاء الماضي، إحاطته بالغموض، كان يتهاوى.. هو بنفسه ذهب إليهم في القرية، رأى، أهله، أهلها، كما رأى أصدقاءهما في حماة.. حسني، إبراهيم، الدكتور نورس، ومن أولئك وهؤلاء استطاع الحصول على كل ما يريد: خدمة عزيز في الجيش العربي، عمله في حماة، علاقاته، علاقات زوجته، ثم بلغ اللب: صداقتهما لجيرار...‏

-شمس، صارحيني الآن، بدأ القومندان رينو، وهو يشرب قهوة مضيفته، متعمداً مناداتها بذلك الاسم، متفحصاً إياها بناظريه ربما كي يرصد كل ارتعاشة أو خفقة تمر على صفحة وجهها.. هل كنت تعرفين في حماة ضابطاً يدعى جيرار؟.‏

"يا إلهي!! هذه هي الأنشوطة تنشد أكثر وأكثر، الطوق يحكم أكثر وأكثر، فماذا أقول له؟ بماذا أجيبه؟" وبدا وجهها قناعاً أصفر وقد انسحب منه الدم...‏

-ر.. ر.. بما .. لا.. أدري.. ردت متلعثمة، مشيحة بوجهها..‏

-معقول؟ أصدقاؤكم في حماة أكدوا لي أنه كان يزوركم، تزورونه..‏

"اللعنة!! أصدقاؤنا في حماة قالوا له كل شيء، فماذا تقولين يا شمس؟ ماذا تفعلين وقد انكشف كل ستر؟ "هه.. ماذا قلت شمس؟ تابع القومندان الذي بدا فرحاً بنفسه وهو يرى الطريدة تتخبط واقعة في الشراك.‏

-قلت.. ربما.. لا.. أدري.. لا.. أذكر.. ردت بتلعثمها واضطرابها نفسيهما وهي ترى حبل المشنقة يتراقص أمام عينيها، "لا.. تماسكي... شمس" خاطبت نفسها بعد ذلك، وهي تراه فرحاً مزهواً يتفحصها بناظري الصياد وقد اطمأن على وقوع طريدته. "لا تستسلمي شمس.. دافعي عن نفسك.. أنكري كل شيء.. هاجميه... الهجوم خير وسيلة للدفاع". وفي الحال، انشدت أوتار في داخلها وتوترت أعصاب.. لكن لماذا تسأل عن ..؟. ماذا قلت اسمه؟‏

- جيرار.. كابيتان.. كان صديقي وقد قتل في ظروف غامضة..ما تزال لغزاً‏

- والآن، تريد أن تعرف تلك الظروف؟ تحل ذلك اللغز؟‏

- لم لا، أنا المولع بحل الألغاز وكشف الأسرار؟‏

- ألا ترى أنه فات الأوان!؟ ألا ترى أنها قضية قديمة؟‏

- لا.. قضايانا لا تعرف القدم.. إنها روح ضابط.. سيد من سادة فرنسا والسادة حقهم لا يموت..‏

"هكذا إذن!؟ السادة حقهم لا يموت.. إذن.. أنت آتٍ اليوم تطالبني بحقك!! تثأر لرجل من بني جلدتك أراد هتك عرضي، تمريغ شرفي؟"‏

هه.. شمس.. ما بك.. تكلمي!!‏

- وماذا تريدني أن أقول؟ ردت وقد شحذت عزيمتها ذكرى جيرار تراه بعينها يخلع قميصه، يلقي ببنطاله ليبدو عريه مخرزاً يفقأ العين.‏

- فقط.. هل كنت تزورينه في بيته؟ سألها غارساً عينيه في عينيها.‏

- خسئ.. خسئت.. انتفضت شمس غاضبة، أم تحسبني واحدة من إياهن؟‏

- لا.. ما هذا قصدت.. قال متعثراً وهو يرى صورة اللبوءة في عينيها، فخشي أن يخسر كل شيء.‏

- إذن.. ماذا قصدت؟ أسئلة.. أسئلة.. أهو تحقيق؟ ماذا تريد مني يا رجل؟‏

- أريد الحقيقة..‏

- الحقيقة ليست عندي.. لا علم لي بشيء.. دعني وشأني.. دعني وشأني.. قالت بصوت كالصراخ، وهي تهب ناهضة فاقدة آخر ذرة احتمال...‏

- سأدعك.. قال وهو ينهض بدوره، شاداً أعصابه، محاولاً التظاهر بالبرودة.. لكن لا تنسي.. أنا وراءك حتى أعرف الحقيقة.. ثم لوح بيده: هاي.. سلمي لي على عزيز.. الشاويش الذي يتقن فن الحرب والقتال.. ومضى تمثالاً للصلف والغرور، دون أن يلتفت إلى الوراء..‏

تلك الليلة لم يرقد لشمس جفن.. الليلة التالية رقد لها جفن لكن لكي يتحول رقادها إلى كوابيس، هي فيها نعجة تاهت عن القطيع فانقضت عليها الذئاب.. تروغ من هذا لتلتقي بذاك، تتملص من ثالث فيواجهها رابع.. وتنتفض من نومها شاهقة صارخة.. عزيز مسافر. هي وحيدة، أكثر من مرة داهمها الكابوس، وأكثر من مرة هبت من فراشها صارخة عازمة على أن لا تنام. لقد تحول الأرق إلى نعمة والنوم إلى نقمة.. عزيز بدأ موسمه.. الشعير والحنطة يحصدان وهو ينتقل بين أصحابه من الفلاحين، "يعربن" على شعيرهم وحنطتهم، يزودهم بما يحتاجون للحصاد حتى إذا ما درسوا البيادر، كان هو الأولى بغلالها من المنافسين والمزاحمين.‏

- تعال.. أسرع.. أسرع، بادرته ما إن دخل الفناء، وعلى وجهه وعثاء السفر وغباره...‏

- ماذا هناك؟ رد وقد دخلا الغرفة، دون أن تحتضنه كعادتها ودون أن تقبله قبلة الترحاب..‏

- هو يعرف السر.. يعرف كل شيء.. قالت شبه لاهثة، شبه مغمغمة وكأنما لا تريد لحيطان الغرفة أن تسمع.‏

- أي سر؟ من هو الذي يعرفه؟ سأل وقد غاب عن ذهنه القومندان رينو بقضه وقضيضه.. حينذاك، وبهمس الخائف، حكت لـه عن لقائها بالقومندان، راوية له أدق التفاصيل...‏

- نزع القناع عن وجهه، إذن؟ سأل وهو على يقين أن ساعة الحسم قد أزفت..‏

- لم يكن ينقصه إلا أن يسوقني إلى السجن باتهام مباشر: أنت التي قتلت جيرار!!‏

-جيرار، تلك اللعنة التي تطاردنا منذ خمسة عشرة عاماً!! قال وهو يزفر الزفرة تلو الأخرى.. فيما شريط طويل من الذكريات يعبر أمام عينيه: شمس الملطخة اليدين والثياب بالدماء... حماة الحرائق والدمار، مركب الليل الذي امتطياه إلى حيث لا حرائق ولا دمار....‏

- عزيز.. لا تشرد.. يجب أن نفكر بسرعة.. يجب أن نتصرف بسرعة..‏

- نتصرف!؟ وماذا نفعل؟!‏

- نهرب!! ألم نقرر ذلك من قبل؟.‏

- إلى أين؟ إلى القرية؟. يعرف قريتنا.. إلى القبيلة.؟ سيلاحقنا.. أم نسيت المصفحات والدبابات؟ السيارات والطائرات؟‏

لم تجب شمس، فهي تذكر جيداً المعركة التي شنها الفرنساوي على إحدى القبائل في قلب البادية، لا لشيء إلا لأنها عصت أوامر ليوتنان، فاشتعلت السماء فوقها ناراً، واشتعلت الأرض تحتها ناراً، الطائرات تدكها من فوق والمدفعية تدكها من تحت.. شمس تعلم أن فرنسا اليوم ليست كالعصملي أيام زمان.. يفلت منها البدو، ويخرج عليها الخارجون... ولا سلطان لها إلا حيث المدن والعمران.. فرنسا اليوم تملك الطائرات التي لا تعرف حدوداً.. تصول وتجول أنى شاءت، ميدانها السماء مثلما ساحات حربها الأرض.. بلمحة عين تنتقل من الشمال إلى الجنوب وبلمحة أخرى تصل من الشرق إلى الغرب.‏

- نذهب إلى الريحانة.. ردت وقد لمعت في ذهنها الفكرة..‏

- الريحانة!! هتف بصوت شبه عالٍ وكأنما كانت قد غابت عن ذهنه منذ زمن طويل..‏

- أجل، لطالما حدثتني عنها.. هناك في الجبال.. نتخفى.. نموه أنفسنا.. نضيع.. "إيه.. ريحانة!! غادرتك هارباً من "العصملي"، فهل أعود إليك هارباً من الفرنساوي؟" هه ماذا قلت؟ تابعت شمس بنبرة المتعجلة.‏

- لا.. لا.. في الريحانة، كما في كل مكان، عملاء وجواسيس.. سيكشفوننا..‏

-أنسلم القومندان أعناقنا إذن؟‏

- من قال ذلك؟ فقط.. دعيني أره..‏

- لا.. خير لك ألا تراه.. فهو يغمز ويلمز منك، يعرف حقيقتك أيضاً.‏

- يعرف حقيقتي؟ ماذا تقولين؟‏

- هو الذي يقول، ردت ملوحة برأسها زافرة، ثم تابعت بصوت يحاكي صوته: "سلمي لي على الشاويش عزيز الذي يتقن فن الحرب والقتال." فماذا يقصد؟‏

وانسحب الدم من وجه عزيز بعد أن كان قد احتقن واحمر.‏

- الشاويش عزيز!؟ إذن هو يعرف كل شيء عنا، تلك الأيام؟.‏

- وربما عنا هذه الأيام..‏

- ماذا؟ هتف وقد تسرب إلى صوته رعشة من خوف..‏

لم تجبه شمس، بل غرست عينيها في عينيه.. لم تكن قد كلمته يوماً عما تعرفه عن نشاطه في حوران، صحبته للطبحيش، الفرح الذي تراه في عينيه وهو عائد من إحدى عملياته، الخوف والتوجس فيهما وهو ذاهب إلى إحداها.. لكنها كانت تعلم.. كيف لا وهي القادرة على دخول تلافيف دماغه؟ قراءة أفكاره؟ معرفة أحاسيسه ومشاعره؟ هو لم يرد أن يشركها في سره.. ليكن.. للرجال أيضاً أسرارهم.. ربما هي نفسها، لو ظلت الفارس الملثم، لظلت لها أسرارها.. هو لا يريد البوح.. خوفاً عليها!؟ ضنا بها وبأولادها!؟ هي لا تدري.. لكنها تدري أنها ذات يوم رأت بقعتين أو ثلاثاً من الدم على سترته، في يوم آخر، رأت غباراً، في ثالث وسخاً وأشواكاً، فمن أين تراه، يأتي هذا كله؟ هو يزحف ولا شك. شمس، الفارس الملثم، تعرف جيداً معنى الزحف، تعلم ما يترك من آثار.. كما تعلم من أين تأتي بقع الدم.. مرة أو مرتين ذكر لها البطحيش، حدثها عن بطولاته، أتراه كان يشير إلى السر الإشارة التي يفهمها اللبيب؟ أتراه كان يعترف لها ضمناً؟ يبرئ ذمته تجاهها؟‏

دون كلام، دون إشارات، وعلى مهل، كانت شمس تجمع القرائن والأدلة إلى أن صارت على يقين أن روح عزيز الوثابة لم تعرف استكانة قط.. وحين انتشرت في كل مكان قصة المخفر والعروس.. باتت على ثقة مطلقة أن زوجها هو ثاني ذينك الاثنين، الرجل الطويل عريض المنكبين الذي كان القومندان يحار في أمره ولا يزال.‏

- تكلمي.. شمس.. ما الذي تريدين قوله؟‏

- عزيز، لا تتجاهل.. أنا أعرف كل شيء وما أحسب القومندان إلا شاكاً بك.. شريكاً للبطحيش... ما أحسبه إلا ملاحقا إياناً كلينا..‏

- إذن.. قال وهو يخفض رأسه، ربما بنوع من الاعتراف بالسر، بنوع من الامتنان للحبيبة التي حافظت له على ذلك السر، يجب أن يموت القومندان.‏

- وتزيد الطين بلة؟ قالت بعجالة وقد ارتسمت أمام عينيها معارك غير متكافئة ومطاردات بوليسية في مدينة كلها شرطة وجند..‏

- ما أحسب أمامنا خياراً آخر.. هو منذ أربع سنين يلاحقنا، يضيق الخناق علينا.. وها هو ذا على وشك أن يدفع بالكرسي من تحت أرجلنا، فماذا نفعل؟ نترك الأنشوطة تكتم أنفاسنا أم نسبقه فنكتم أنفاسه؟‏

- أمران أحلاهما مر، لكن، عزيز، علينا أن نتصرف بسرعة.. القومندان الآن يلعب على المكشوف.. وما أحسبه إلا ضارباً ضربته القاضية..‏

- ضربته القاضية!! أجل.. ضربته القاضية.. راح يردد وهو يهز رأسه، ملء عينيه الحزن وملء قسماته الحيرة.. ودون أن يشعر وجد نفسه يشرد.. "آه يا حبيبتي!! ما أشق علي أن أجدك وأجد نفسي في مثل هذا المأزق.. خياران كلاهما صعب.. كلاهما قاتل.. لكن لا.. لن نترك أنفسنا لأنشوطة رينو تشنقنا.. يجب أن نتغدى به قبل أن يتعشى بنا.. يجب أن نقتله، فنخلص منه نحن والوطن."‏

- لا.. لا.. المعركة غير متكافئة.. قالت شمس، وقد قرأت أفكار رجلها "لكأن الحب، الألفة، طوال العشرة، كلها تلغي الحجب، تزيل الحواجز، فتتحول العيون إلى مرايا تعكس ما يدور في الداخل من أفكار، ويغدو بإمكان الذبذبات الكهربائية أن تنتقل بين الدماغين ناقلة للآخر كل ما يدور في الأول من أفكار.. دع رينو وشأنه.. لست قادراً وحدك على مواجهة فرنسا..‏

- الحمد لله!! هناك من هو قادر على مواجهتها!! تمتم عزيز وهو يرفع يديه وعينيه للسماء!! رباه!! دع هتلر يسحقها سحق الملح!!‏

- عزيز!! لا تقل هذا أمام أحد!! سيتهمونك بالنازية!!‏

- نازي!! فاشي!! أنا أتحالف مع الشيطان ضد هذا المستعمر البغيض!!‏

- وإن عرفوا بموقفك هذا.. ألا يقطعون رأسك؟‏

- لم أعد خائفاً منهم.. الأخبار هناك تسر.. قال عزيز وهو يشير إلى الشمال الغربي، كأنما يشير إلى ساحات القتال في أوروبا، حيث كان هجوم غادريان الصاعق قد أذهل العالم.. بأيام فقط كانت دباباته قد التفت على خط ماجينو، مغافلة التحصينات الفرنسية كلها، مكتسحة الأراضي الواطئة كلها.. منداحة شمالاً.. منداحة غرباً..‏

- عزيز!! ماذا تقصد؟ ما الأخبار التي تسر؟‏

- يقولون المدرعات الألمانية اخترقت هذا الصباح الحدود الفرنسية وهي في طريقها إلى باريس..‏

- باريس!؟ يا إلهي!! هتفت شبه مولولة.. ماذا سيجري للأخضر؟‏

ذلك السؤال كان، مذ بدأ الاختراق، على كل شفة ولسان، لكن بصيغة أخرى. "ماذا سيجري لباريس؟ ماذا سيجري لفرنسا؟ "فالسرعة والمفاجأة والمغامرة كلها كانت مقومات الاستراتيجية الألمانية الجديدة. لم يكن هتلر يريد الحرب على طريقة الحرب السابقة: حرب خنادق وتحصينات، بل حرب حركة ومدرعات.. قبل شهر كانت قواته قد هاجمت الأراضي الواطئة وتنفس الفرنسيون الصعداء، فقد خفت وطأة الألمان على جبهة الشرق..!!" إذن، هم قانطون من إمكانية مواجهتنا أو اختراق تحصيناتنا، "قال الجنرالات الفرنسيون، بعضهم لبعضهم الآخر ضاحكين مقهقهين، وبدا لهم أن بإمكانهم أن يأخذوا إجازات، أن يذهبوا إلى باريس يتمتعون بحسناواتها، ويتخففون قليلاً من أعباء الحرب وويلاتها. لكن ما إن انقضت مدرعات غادريان على حدود الشمال حتى فغروا أفواههم "ننتظرهم من الجنوب والشرق فيأتون من الشمال والغرب"، في الشمال، الحدود مفتوحة، فرنسا لا تخشى بلجيكا، هولندا، أو اللكسمبورغ، كلها دول صديقة، لا خوف منها ولا خطر، فلماذا تحفر الخنادق؟ لماذا تربص الجند والمدافع؟ وهكذا لم تجد الدبابات الألمانية أمامها مقاومة تذكر، فاندفعت تنهب الطريق نهباً ولم يحل الظلام حتى كانت قد قطعت نصف الشوط إلى باريس، ثم لم يطلع الفجر حتى عادت تهدر.. مع هديرها يهدر الذعر، ومع قنابلها يتفجر الخوف: الجند يفرون، الناس يهربون.. وهي تجري مسرعة، نصب عينيها: باريس..‏

حكومة باريس في ذهول مطبق.. جيوشها على خط ماجينو.. كرارة جرارة... أحدث المدافع هناك.. أحدث الدبابات.. المصفحات.. الطيارات.. لكن ما الجدوى؟ دبابات هتلر أقرب بكثير إلى باريس، وأسرع بكثير منها. طيارات هتلر لا تنفك من الصباح حتى المساء تشعل التحصينات الشرقية ناراً، فلا يستطيع جندي رفع رأسه، ولا تستطيع آلية حركة... طائراته في الشمال أيضاً وفوق باريس، تهدر، تقصف، تبث الذعر في القلوب..‏

"باريس ساقطة" "اهجروا باريس"، "انجوا بجلودكم"، صار الكل يقولون، همساً وجهاراً... الالتفاف الألماني مفاجئ، هجوم غادريان صاعق.. وبدأت باريس تفرغ ما في جوفها.. سيارات، شاحنات، قطارات كلها محملة حتى الحافتين وكلها مسرعة باتجاه الجنوب.. الذعر في عيون الناس، الارتجاف في أوصالهم.. النازيون قادمون.. سيحرقون الأخضر واليابس، وحده الأخضر لم يكن يخاف من النازيين.. ليس في عينيه ذعر ولا في أوصاله ارتجاف "ومالي أنا؟ أجنبي يدرس هنا لا أكثر ولا أقل." لكن جانيت لم توافقه.‏

- أجننت؟ النازيون سوفاج.. متوحشون!! لا تعرف قلوبهم الرحمة ولا يميزون بين وطني وأجنبي..‏

- يقتلون الناس كلهم؟‏

- وما الذي يمنعهم؟ هم حاقدون.. يريدون الانتقام لهزائمهم في الماضي.. الانتقام من العالم كله.. ألا ترى ما يفعل هتلر؟ يضرب في الشرق، يضرب في الغرب، في الشمال، في الجنوب.. هو مجنون مسلح بأحدث الأسلحة، وما الذي لا يفعله مجنون يمتلك أحدث الأسلحة؟ الحجة قوية، جعلت برودة الأخضر تسخن، وأفكاره تذهب وتجيء.‏

- أرحل إذن إلى سورية!! قال وهو يستعيد في ذهنه برقية أمه وأبيه، يحذرانه من الحرب قبل أقل من عام.‏

- ترحل، ودراستك؟ الطب الذي قطعت شوطاً فيه؟ الحلم الذي حلمت به سنين وسنين؟‏

- وهل سيظل مجال لدراسة أو طب.. إن كان النازيون كما تقولين؟‏

- وهل تحسبهم سيهنؤون في باريس؟ إن هي إلا أيام أو أسابيع، وتأتيهم جيوشنا من الشرق فتبيدهم إبادة الذباب..‏

- حقاً، جانيت!؟‏

- حقاً وصدقاً!! فرنسا قوية.. جيوشها ملء العالم.. فماذا تفعل دبابات غادريان ورومل؟ صدقني.. سنسحقها سحقاً.. ويعود كل شيء كما كان..‏

- إذن.. أبقى هنا.. إلى أن يتم ذلك السحق.. ويعود كل شيء كما كان..‏

- تبقى في ساحة قتال؟ وما الضمانة ألا تصيبك رصاصة، أو تمزقك شظية؟ لا.. لا.. تذهب معي..‏

- أين؟‏

- إلى الجنوب.. أقصى الجنوب.. حيث لا يستطيع النازيون الوصول..‏

مع الفجر، كانت سيارة الرينو الستيشن، التي تنتجها مصانع آل رينو أنفسهم، تقلهم إلى مونبلييه؛ جانيت وأمها، زوجة القومندان وابنتها، خلية إناث، ما من ذكر فيهن سوى الأخضر..‏

قنبلة مدوية كان سقوط باريس.. الإذاعات، الهواتف، أسلاك البرق كلها كانت تردد عبارة واحدة "سقطت باريس"، وكانت تلك العبارة أشبه بصاعقة نزلت على رأس كل فرنسي...‏

داخل البلاد، خارجها، كانت الصاعقة قد فتحت عيوناً، فغرت أفواهاً، زلزلت أركاناً... القومندان يسمع الإذاعات ولا يصدق، يقرأ الصحف ولا يصدق، يصغي لما تنقله أسلاك البرق والهاتف ولا يصدق.. "معقول؟ خمس سنوات في الحرب الماضية ونحن نقارع الألمان... نهزمهم فيعودون، ويهزموننا فنعود.. كيف لا نصمد اليوم خمسة أيام؟ أي انهيار مخز!!‏

كيف يحدث هذا؟ كيف؟ "لكن من تراه يعرف الجواب؟.‏

الضربة التي وجهها هتلر إلى قلب فرنسا، جعلت الجسد كله يتفكك: الحكومة انهارت، المؤسسات تداعت، الوزارات، الإدارات، قوى الأمن، الجيوش كلها ارتبكت وضاعت.. السلك انقطع فماذا يحدث لحبات العقد؟ "لا قيادة، لا اتصالات، لا ناظم.. النازي خطط لكل شيء.. وفي رأس مخططاته قطع الرأس فيظل الجسد بلا رأس، ويغدو بإمكانه أن يفعل به ما يشاء.‏

القومندان رينو في دمشق يحط وينط.. "نحن الذين نستعمر الناس يأتي من يستعمرنا؟ نحن الذين نحتل نصف العالم يأتي من يحتلنا!؟ "وبدا له العالم كأنما انقلب رأساً على عقب!!" ثمة خطأ أم أن التاريخ اللعين يعيد نفسه.. بسمارك يوحد ألمانيا ثم ينقض على باريس فلا يجد نابليون الثالث مناصاً من الفرار... في الخارج كما في الداخل، الكل في حيرة وبلبال.. الكل ضائع، القومندان يسأل عن أهله وأصحابه، يتصل بالقيادة، يرسل البرقيات، لكن لا أحد يجيبه، ألم ينقطع الرأس؟‏

إذن من ذا الذي يجيب؟‏

"ماذا نفعل؟" كان السؤال الذي طرحه على المفوض السامي، وقد أسرع إليه في بيروت.‏

المفوض نفسه لم يكن لديه جواب.. الأحداث العاصفة كانت قد زلزلت الأرض تحت قدميه، توازنه اختل، فكيف يقدم للقومندان جواباً متوازناً؟ جيوش الشرق قوية منتشرة في سورية ولبنان، بل هناك جيوش جرارة في الجزائر، تونس، أفريقيا الوسطى، أفريقيا الغربية، جنوب شرقي آسيا.. لكن ما تراها تساوي، وأرضها نفسها قد احتلت؟ عاصمتها قد سقطت؟ ما تراها تفعل وقد صارت جسداً بلا رأس؟ هي مجرد أطراف. المفوض السامي يعرف ذلك، كما يعرف أن الأطراف لا تصبح رأساً أبداً.. هي مجرد تابعة، تتلقى الأوامر.. لكن من يعطي الأوامر!؟ وعاد إلى ذهن الرجلين المتحيرين حالة مشابهة، وجد فيها الجنرال كليبر نفسه منقطعاً عن وطنه الأم.. نابليون هرب بجلده عائداً إلى فرنسا ليتركه هو في مصر منقطعاً منبتاً.. الأسطول البريطاني يحاصره من البحر وشعب مصر يتربص به من البر...‏

"ننتظر ونراقب"، توصلا أخيراً إلى قرار بعد أن انضم إليهما جنرالات جيش الشرق، ورؤوس الإدارة في مستعمرات الشرق. "في غضون ذلك يكون شعارنا الحفاظ على الذات، سياستنا: الترغيب والترهيب: نضرب بيد من حديد الأعداء، ونغري بالمكاسب الأصدقاء".‏

ازدواجية أعجبت القومندان، لكن لم يعجبه ما رآه، وهو يعود إلى دمشق.‏

على ضفة بردى كان المتنزهون والمتنزهات ينتشرون.. بعضهم يعقدون حلقات دبكة، بعضهم يغنون.. هنا مذياع يخبر، هناك حاكٍٍ يغني وفي كل مكان أصناج وكأن فرنسا لا تنسحق تحت جنازير الدبابات النازية! كأن باريس لا تصرخ وتستغيث والنازي يغتصبها متغلغلاً فيها حتى الأعماق؟ ولم يجد القومندان نفسه الا وهو يفور غضباً.‏

-احظروا التجمعات.. حرموا المشاوير، امنعوا النزهات، صرخ بالضباط من حوله، فالقومندان لا يشفي غله إلا أن يشارك أهل دمشق أهله، هناك في باريس، الضراء.‏

بين المتنزهين، كان ثمة عائلتان.. الشهر حزيران وحزيران حار، شمس تحرق ذنب العصفور، فكيف لا يبحث عزيز وصبري عن مكان رطب وأنسام عليلة؟ وأين يجدانها ان لم يجداها في الربوة؟ العائلتان تتنزهان معاً.. علاقتهما حميمة، كثيراً ما باتتا تلتقيان، على غداء أو عشاء.. في نزهة أو مشوار، وفي النزهة والمشوار تلغى الحجب، لا يعود حرملك وسلملك بل ناس سواسية كأسنان المشط، في ذلك اليوم كانوا قد خرجوا إلى بردى، ينعمون بفيء حوره وأنسام مائه.. مناف، بدور، فريد، حازم، فريدة، كلهم كانوا قد ساهموا في جمع الحطب وإشعال النار، فيما كانت شمس وآمنة قد أعدتا أسياخ الشقف والكباب.. عزيز يحب شواء اللحم، مهمة لا يرضى لها أحداً سواه، صبري يشاركه، رفيقي درب طويل.. رائحة الشواء تعبق، تمتلئ بها الخياشيم، الدخان يتصاعد تمتلئ به العيون، والكل فرح سعيد.. لم يكن أحد يغني، أو يرقص، بل هم يتجمعون مثنى وثلاثاً.. يتحدثون ويضحكون، يشوون ويعملون، فجأة توقف كل شيء، وقد انقض عليهم رجال الشرطة.. الفتيات زعقن خوفاً، الفتيان صرخوا احتجاجاً. سمع عزيز الزعقات، انتفض صبري للصراخ، رفع كلاهما رأسه فإذا به وجهاً لوجه أمام السوط.‏

"ها هو التاريخ يعيد نفسه، الشاويش ينهال بسوطه، أبو شعيب يريد تمريغي بالتراب"، وأمسك عزيز بيد الشرطي صائحاً:‏

- لا تضرب، وتوقفت اليد عالياً في الهواء، كأنما جمدها الخوف..‏

- اذهبوا من هنا.. ممنوع التجمع، صرخ الشرطي دون أن يضرب بالسوط.‏

- لكن، نحن هنا نتنزه.. صرخ صبري بدوره وقد عادله عنفوان اليوزباشي وحميته..‏

- ممنوع التنزه.. ممنوع الرقص.. ممنوع الغناء..‏

وتلفت الصديقان، واحدهما إلى الآخر، بينما اقتربت شمس تتوسلهما الصبر، ترجوهما السكوت.. لكن كيف تراه يصبر؟ وأنى له السكوت؟.‏

- هل جننت؟ صاح عزيز وقد اسودت الدنيا في عينيه.. من يمنع شعباً من أن يتنزه؟ يرقص أو يغني؟.‏

- اسمع يا هذا.. لا تتفلسف.. نفذ الأوامر وحسب.‏

- وإن لم أنفذها؟‏

- تذهب إلى السجن‏

- بل أذهب إلى قومندانك نفسه.. أعرف سر هذا البغي والعدوان!!‏

فرجال الشرطة كانوا قد اندفعوا على ضفاف بردى حيث متنزهات الربوة ودمر يطفئون ابتسامات ويكتمون ضحكات.. يسكتون دفوفاً ويفرقون تجمعات. سياطهم تنهال على الظهور، أكفهم تصفع، أرجلهم ترفس، لا يفرقون بين ذكر وأنثى فيهرع الناس: كل في اتجاه وقد تحولوا جميعاً إلى إوز مذعور.‏

- معقول؟ قال عزيز، ما إن أدخلوه إلى القومندان، أهل المدنية والحضارة يمنعون أبسط حقوق المدينة والحضارة؟‏

- اسمع.. عزيز، نحن في حالة حرب، وليس في الحرب مدنية أو حضارة..‏

- ها أنتم تنزعون القناع عن وجوهكم.. فتبدون على حقيقتكم؟‏

- ماذا تقصد؟ همج نحن؟ وحوش؟.‏

- ماذا تدعو إذن، ضرب الناس بالسياط؟ تفريقهم بالحراب؟‏

- ألم يضرب أهلنا بالسياط، هناك في باريس؟ ألم يفرقوا بالحراب؟ ابنك الأخضر ماذا تعرف عنه؟ أهلي أنفسهم ماذا حل بهم؟.‏

رد القومندان وقد تقلصت سيماء وجهه كمدا وحنقاً‏

- إذن.. أنتم تنتقمون من ألمانيا فينا؟ تفرغون حقدكم علينا؟‏

قال عزيز وهو يتجاهل عامداً أسئلة القومندان.. بعدئذ تابع، لكن بنبرة أكثر دبلوماسية. أين إذن الديموقراطية التي تنادون بها؟ أين الحرية؟ أين حقوق الإنسان؟‏

-عزيز، مرة أخرى أكرر: في الحرب لا ديموقراطية، لا حرية، لا حقوق إنسان. بل أمن وأمان فقط.. أتسمع؟ ما يهمنا أمننا وأماننا الآن.. كل ما يعكرهما نجتثه من جذوره؟. أتسمع عزيز؟ اني أحذرك.. قال مهدداً بسبابته وقد احمرت عيناه.. تلفت عزيز حوله، فأدرك أنه في المكان الخطأ والزمان الخطأ. كانت الساحة تعج بالجند ووقع أحذيتهم يملأ الفضاء..‏

-أنا فقط أكلمك كصديق، بدأ عزيز، وقد أيقن أن أية معركة يدخلها خاسرة.‏

-صديق.. غير صديق، قاطعه القومندان وقد وجدها فرصة سانحة.. انتبه عزيز.. شغب، لا أريد. مشاكل.. لا أريد.. ولا تنسَ.. أنا أعلم كل شيء عنك.. أعلم كل شيء عن ماضيك.. حاضرك.. أنت وشمس.. فقط الحرب شغلتني عنكما.. الحرب أنقذتكما.. لكن لابد من أن أحاسبكما.. أتسمع؟ حساباً عسيراً سأحاسبكما ذات يوم..‏

سمع عزيز التهديد فاغر الفم، مدركاً أن القومندان يقطع أخيراً شعرة معاوية.. لم يعد يريد إرخاء أو شداً، بل هو يقطع الشعرة، مكشراً عن أنيابه معلناً الحرب. مع ذلك تحداه عزيز:‏

-اسمع قومندان.. ليس لأحد عندنا شيء ولا أحد يستطيع محاسبتنا..‏

-حين تنتهي هذه الحرب سأفرغ لك!! ولسوف ترى!!‏

متظاهراً بالغيظ، متظاهراً بالقهر، بلع عزيز ريقه ثم انفتل على عقبيه، حامداً ربه، شاكراً حظه أن الحرب شغلت عنه القومندان.‏

الحرب شغلت القومندان عن كل شيء.. فحبل السرة الذي انقطع بين الجنين وأمه، كان يفرض على الجنبين الاعتماد على الذات والاستقلال بالموارد.. "كليبر" من قبل كان قد اعتمد في مصر على ذاته واستقل بموارده.. جبى الضرائب، صادر الأموال، نهب الغلال، سرق المحاصيل وأطعم جنده، وكان على جيش الشرق أن يفعل ذلك.. "صادروا القمح والشعير، الحمص والعدس". صدرت أوامر المندوب السامي لرجاله في الشرق، حيث دمشق وبيروت، وبدأت المصادرات.." ما يجبى من أموال هو لجندنا، ما يصادر من حبوب هو لجيش الشرق وليس للحكومة الوطنية في دمشق وبيروت." واشتدت على رؤوس الناس ضربات المطرقة الحديدية.. إجراءات ميرة شديدة، اعتقالات كل من يشتبه به، منع التجمعات، حظر الكلام عن الحرب، عن هتلر، بل منع الناس حتى من سماع صوت برلين..‏

القومندان يكره إذاعة برلين يكره صوت البحيري، وهو يلعلع منذراً بالويل والثبور فتصدر الأوامر؛" الاستماع لإذاعة برلين جريمة، كل من يقبض عليه متلبساً بتلك الجريمة يسجن حتى انتهاء الحرب"، أوامر "قراقوشية" أخرى كانت تصدر كل يوم، وكلها بهدف واحد: كم الأفواه، كم الانفاس.. كل معارض يساق إلى السجن، كل من يبدي فرحه بانهزام فرنسا يساق إلى السجن.. كل صحفي يكتب ما يثير شكاً أو ريبة يساق إلى السجن، وامتلأت بالناس المعتقلات والسجون وغدا الحال لا يطاق..‏

حال الزعيم الشهبندر لا يطاق أيضاً.. هو يرى بأم عينه ما فعلته الهزيمة بفرنسا، يرى بأم عينه كيف ازداد حذاء العسكري وطأة، قبضة الاستعمار قسوة، كيف تحولت كل سياسة الاستعمار إلى تضييق، حصار، ضرب، قتل، فكيف يتحمل الرجل الحر، المؤمن بالاستقلال، المقاتل أبداً من أجل الحرية والاستقلال؟ الضيق يمسك بخناقه ولا يستطيع إلا أن ينفث ما في صدره، فيتكلم.. ينتقد.. في بيانات حزب الشعب، في الصحف، في لقاءاته بالناس، الزعيم يتكلم، ينتقد.. آذان المستعمر تسمع وترى، فيرسل القومندان له تحذيراً شديد اللهجة: "اسكت أو أسكتناك".‏

- تسمعون؟ يريدون إسكاتي!! قال الزعيم لزواره ذات ليلة وكله حنق وثورة، يريدون أن يطفئوا نور الشمس بأفواههم، أن يكتموا صوت الحق.. فماذا أنتم فاعلون؟‏

أجوبة شتى خرجت من هنا وهناك، وكلها حماسة واندفاع للدفاع عن الحق، منع الأفواه من إطفاء نور الشمس، لكنهم جميعاً هللوا لاقتراح الزعيم:‏

- نعلن إضراباً عاماً في البلاد كإضراب الستين يوماً...‏

- الإضراب، أجل، المظاهرات، الاحتجاجات، ذلك وحده ما يجب أن نفعل، جاءت الردود من كل مكان.‏

- وإذا احتاج الأمر، فالثورة والقتال.. تابع عزيز الفكرة، وهو يشتعل حماسة لقتال مستعمر بغيض..‏

- حسن، قال الزعيم بما يشبه الهمس، الفرصة سانحة لاقتناص استقلالنا، فلنبدأ الآن.‏

وبدأ التحرك خطوة خطوة: كتبت المناشير، وزعت في البلدات والمدن.. تحرك زعماء وقادة، خطب شيوخ وأئمة، والكل يحتجون، يدعون للإضراب، يطالبون بالاستقلال... وبدت دمشق كلها على أهبة الاستعداد للإضراب.‏

لكن في المساء وقبل اليوم الموعود بساعات، كان الزعيم في عيادته، قد فرغ لتوه من كتابة خطابه.. سمع صوت الباب يفتح ووقع خطأ تتقدم.. رفع رأسه فرأى رجلاً عتلا يدخل الغرفة..‏

-أبا الهول!! ماذا هناك؟ سأل الرجل الذي كان يعرفه مرافقاً لزعيم سياسي منافس..‏

-يدي دكتور.. يدي تؤلمني.. رد الرجل العتل وهو يخرج يده من جيبه..‏

-تعال!! أرنيها!! قال الدكتور وهو يطوي الأوراق أمامه، هاماً بالنهوض، لكن قبل أن ينهض، أحس بارتطام يرتج له صدره وبصوت يصم أذنيه.. الصدمة فتحت عينيه والصرخة شفتيه، فيما بدأ دم أحمر ينبجس من صدره.. شهق، رافعاً يده، محاولاً صد الرصاص، محاولاً الوقوف لكن رصاصة ثانية عاجلته فهزته يمنة ويسرة، ثم جاءت ثالثة فهوت به أرضاً، ملء فمه الدماء وملء عينيه الظلماء..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244