الطريق إلى الشمس - عبد الكريم ناصيف

ثلاثية روائية -3- الجوزاء من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-11-

"اغتالوا الزعيم" انتشر الخبر، فوقع على الناس وقع الصاعقة.. وفتحت دمشق عينيها على سعتها فاغرة الفم شاحبة الوجه.. الخبر مر بالشوارع، القصور، البيوت القريبة البعيدة ليتركها، وكل من فيها كأنما على رؤوسهم الطير.. أسئلة كثيرة بدأت تلف وتدور مع الخبر، زوبعة من رمل: "من قتل الشهبندر"؟ "من له مصلحة في تصفيته؟" "من الذي خطط؟"، "من الذي نفذ؟" كان القاتل قد زرع رصاصه في جسد الطبيب ثم ذاب فصاً من ملح.. فمن يجيب على الأسئلة؟ مجهول دخل العيادة، أطلق النار على الرجل ثم اختفى، فكيف يمكن معرفة القاتل أو تحديد الدوافع؟ ربما هو خلاف شخصي، ربما انتقام لخطأ ارتكبه الطبيب، ربما تصفية لحسابات قديمة... من يدري؟ السلطة تبرأت من الحادث، الصحف الناطقة باسمها خرجت في الصباح التالي تنعي الرجل لابسة ثياب الحداد.. لكن الناس الذين وقع عليهم الخبر وقع الصاعقة كانوا يشيرون للسلطة نفسها بأصابع الاتهام.. فالرجل الذي نذر حياته لمقارعة الاستعمار، لم يكن قد كف لحظة واحدة عن العمل لإيفاء نذره..‏

قاتل العثمانيين، ناضل في عهد الحكم العربي، كان أحد أعمدته الرئيسية، وقف في وجه غورو، ذهب إلى المعتقلات، شارك في الثورة.. الفرنسيون يعرفون هذا كله، والشعب يعرفه أيضاً. المحكمة الفرنسية التي حاكمته قالت إنه ثار على جميع الحكومات التي قامت في سورية" وهي نفسها التي وصفته بأنه ثائر غير قابل للشفاء، "فحكمت عليه بالإعدام... لكن الظروف خدمته فهرب خارج البلاد، ونجا بأعجوبة من الإعدام.‏

البلاد كلها تعلم أن ذلك الثائر غير القابل للشفاء هو أول من نادى بالعدالة الاجتماعية والاشتراكية.. طريقاً للخلاص يسلكه المجتمع فيلغي التفاوت الطبقي ويرفع الظلم الاجتماعي عن كاهل الفقراء والضعفاء.. يحقق المساواة والعدل ويصبح الناس كلهم سواسية كأسنان المشط.. كلهم سمعوه وهو يخطب بالجماهير فيلهبهم حماسة عن حقهم في المعتقد، حقهم في الحرية، حقهم في التعبير عن الرأي.. ويطلب من الجميع التساهل والتسامح كي يظل المجتمع متماسكاً، منشد الأواصر كأنه البنيان المرصوص.‏

الشعب كله يعلم كم كان يؤمن بالعلم طريقاً للتقدم، بالعلمانية مركباً إلى الوصول إلى الشاطئ الآخر، شاطئ الارتقاء والحضارة، بالعقل هادياً ومرشداً وكلهم يذكر قوله "العقل والدين الصحيح يمشيان جنباً إلى جنب".‏

الناس الذين أذهلهم الخبر كانوا يذكرون جيداً ما قاله في المحكمة الفرنسية أثناء محاكمته، وبصوت هادر كأنه الإعصار "الوطنيون وحدة، بغض النظر عن انتماء اتهم المذهبية، مثلما الاستعمار واحد بغض النظر عن اسمه أو جنسيته، لهذا، لا رابطة إلا رابطة الوطن، والوطن هو دنيا العرب ولا مجتمع إلا المجتمع الذي يقوم على هذه الرابطة: الوطنية".‏

الناس يحبون الزعيم الذي كرس حياته كلها لخدمتهم، كلهم يحبون الرجل الذي دعا للمجتمع الواحد، للوطن الواحد، عمل ليله ونهاره لبناء دولة العرب، لتحقيق العدالة والكرامة للعرب فكيف لا يقع عليهم خبر اغتياله وقع الصاعقة، وكيف لا يقف على رؤوسهم الطير؟.‏

ثواني، أو ربما دقائق، ظل الطير واقفاً ثم رفرف بجناحيه وحلّق عالياً فانطلقوا: الصاحب إلى صاحبه، والجار إلى جاره يتساءلون ويجتمعون، يصيحون ويتنادون: "لنقلب البلد على الجناة".‏

لكن، كيلا ينقلب البلد عليهم، سارع الجناة لاتخاذ التدابير، قطعوا الطريق إلى بيت الزعيم الذي أسس ذات يوم حزب الشعب فصار الشعب كله حزبه، ومنعوا الوصول إلى الجنازة.. بالسياط، بالهراوات، بالحراب، كان الجند يمنعون كل تجمع يزيد عن اثنين، مفارق الطرق المؤدية إلى بيت الزعيم زرعت كلها بالجند، سدت المنافذ ثم وضع النعش على عربة أسرعت به إلى المقبرة كيلا تتحول الجنازة إلى سيل عارم يكتسح في طريقه الجنازة...‏

حاول الكثيرون اختراق الحواجز، اصطدم الكثيريون بالجند معرضين صدورهم للحراب والرصاص، لكن السدود كانت قاطعة مانعة، فانكسرت رؤوس نطحتها وارتدت أرجل تسلقتها، لتجد نفسها دمشق وجثمان زعيمها يوارى الثرى، ثكلى محرومة من وداع ابنها، ممنوعة حتى من إلقاء النظرة الأخيرة عليه، فلم تملك إلا أن تمزق ثيابها، تلطم خديها، تولول وتندب باكية إياه دموعاً من دم.‏

وحده عزيز "دمعه في الحوادث غال". عيناه تتحولان إلى حجارة، ففار صدره غضباً واختبط دمه ثوراناً.. أسرع إلى صبري فوجده أشد غضباً وثوراناً، سارعا إلى الجنازة.. لكن السدود كانت لهما بالمرصاد.. راوغا أول سد فنفذا منه، لفا على الثاني فاستطاعا اجتيازه، لكن الثالث كان أعتى من أن يجدي معه لف أو مراوغة، اصطدما به فعاد عزيز وآثار الهراوة على رأسه تتمور خيوطاً من دم سالت على وجنتيه فبدت أشبه بخيوط الدمع وهو ينهمر من العينين حزناً على الصديق الذي اغتيل...‏

رأته شمس فتحولت دموعها إلى دم هي الأخرى قهراً وحنقاً. منذ الصباح، كانت قد أطلقت لعينيها العنان تبكيان الطبيب الشفوق والصديق الصدوق، لكن ما إن وقعت عيناها على زوجها وقد تحول رأسه إلى ملعب للهراوات ووجنتاه إلى ميدان لخيول الدم تصول فيه وتجول، حتى خرجت عيناها من محجريهما.‏

- أبلغت بهم الوحشية هذا الحد؟ سألته وهي تسارع إلى غسل جروحه النازفة دماً يغشى وجهه ويضرج ثيابه..‏

- وأكثر.. فقد أطلق بعض الجنود النار..‏

- المجرمون، السفاحون.. قتلوه ويمنعون الناس من دفنه!؟‏

- يفعلون كل شيء.. لإذلال الناس وكم الأفواه..‏

لكن الناس لم يذلوا ولم تكم أفواههم.. إذ، رغم السدود التي أقامها الفرنساوي في وجوههم، ورغم الحراب والهراوات كلها.. أنهى المصلون صلاة العصر ثم شقوا طريقهم إلى المقبرة جموعاً حاشدة صلت صلاة الميت على الزعيم المغدور.. ثم انطلقت رغم الحراب والرصاص وبصوت واحد هادر تصب جام غضبها على الاستعمار وأعوان الاستعمار أولئك الذين بلغ بهم الحقد أن يقتلوا رجلاً لا يعمل إلا من أجل الحياة..‏

أياماً وليالي ظلت دمشق تبكي الزعيم المغدور.. لكن أسابيع وشهوراً ظلت شمس تبكي الزعيم الصديق والأخضر الابن الذي انقطعت أخباره...‏

لم تكن عيناها ترقدان.. ولا بالها يهدأ، وكيف يهدأ بال أم ضاع ابنها"؟.‏

"النازيون سفاحون"، قالت إحدى الجارات" هم يكرهون العرب!! "فسر أبو فريد." "صنفونا في المرتبة السادسة عشرة من البشر "شرح ثالث" كل من يقع في طريقهم قتل".‏

أدلى آخر بدلوه راوياً لهم ما سمعه عن احتلال باريس.. وتلاطمت في صدر شمس أمواج الشك والريبة "أين ذهب الأخضر؟ ماذا حل بفلذة كبدي؟" "قد وقع ما كنت أخشاه." مذ وقع خطر الحرب كانت قد أرسلت له تنذره.. تطلب منه العودة، لكنه ضرب عرض الحائط بإنذارها.. أرسل لها يطمئنها "الحرب بعيدة، لا خطر".. بل إن القومندان أرغى وأزبد.. "نحن أقوياء.. جيوشنا تحتل نصف العالم، فماذا باستطاعة هتلر أن يفعل؟". ها هو ذا هتلر يفعل ما لم يخطر ببال أحد.. بالحيلة عامل أمثال القومندان.. بالمناورة والخداع عالجهم، ثم أغمض واحدهم عينيه وفتحها فإذا بدبابات غادريان تطأ الشانزليزيه.. تحتل ساحة الكونكورد، تفرش ذيولها على برج إيفل نفسه.. أصاب الذهول العالم ثم لم يفق من ذهوله. حتى كانت جيوش هتلر قد انداحت سيولاً جارفة بلغت الأطلسي فالمتوسط، فالألب وغدت فرنسا كلها ملعب كرة للجرمان.." ويلي عليك!! ما جرى لك يا أخضر؟ أين أراضيك يا بني؟ سحقتك جنازير الدبابات!؟ صرعك رصاص النازي؟ "كانت شمس لا تفتأ نادبة نائحة في ضوء النهار وظلمات الليل.. حتى بدا العالم لعزيز وقد تحول إلى جحيم..‏

-استهدي بالله شمس، خففي عنك حبيبتي، قال مهدئاً، وقد أفاق على صوتها المكتوم تنشج باكية في هدأة الليل.‏

-أخفف عني؟ كيف؟. عزيز، أريد ابني.. أريد الأخضر". ردت من بين نشجاتها، وهي تلقي برأسها على كتفه.. مسح عزيز براحته قطرات الدموع عن وجنتيها.. "يا لقلب الأم!! كيف لا ينزف دماً وفلذة الكبد في خطر"؟. راح يفكر في قلب العتمة والصمت مهدهداً الرأس على الكتف. "كيف تتحول المرأة إلى مجرد أم لا تفكر إلا في أولادها؟ الحب ذلك الخضم الواسع الشاسع الذي تحول إليه قلب شمس ذات يوم، فعمت فيه، وسبحت بدفئه، ها هو ذا قد تبخر الآن.. حب حل محله حب الأخضر ونواف.. بدور ومناف.. لكن كيف؟ عند غدير الماء، في المضارب، في أم العيون، في حماة، كان يخيل إلي أن ذلك الحب سيكون الأقوى، سيظل الأرسخ وأن شيئاً لا يمكن أن يحل محله.. لكن ها هي ذي شمس تنسى.. تظل أياماً وليالي لا تنظر إلي، لا تلمسني.. هي مشغولة بالأخضر، فكرها، قلبها، كل ما فيها بات للأخضر.. واحسرتاه.. شمس!! قد تحولت إلى مجرد أم"..‏

- ماذا عزيز؟ أنت لا تقول شيئاً.. لا تتكلم.. قالت أخيراً محرضة إياه على كسر الصمت الذي أحست به يطبق على البيت، على المدينة، بل على العالم كله.‏

- وماذا أقول حبيبتي؟ ليالٍ طوال وأنا أتكلم.. أشهر وأنا أحاول إقناعك: غير مجدٍ هذا البكاء.. غير مفيد هذا العويل.. فأنت لا تفعلين شيئاً سوى قتل نفسك..‏

- ليتني أستطيع..‏

- شمس، قاطعها وهو يشدها إلى صدره لائماً عاتباً، تقتلين نفسك ولمن تتركينني أنا، عزيز، حبيبك؟.‏

- أجل.. أنت عزيز.. حبيبي.. معبودي.. لكن الأخضر ضاع حبيبي وهل تريدني أن أعيش إن ضاع..؟ لا.. لا.. الموت أهون لدي... أهون ألف مرة...‏

وأدرك عزيز أن حب الأمومة يفوق كل حب.. بل خيل إليه أن كل حب تعرفه المرأة إنما هو لخدمة الأمومة.. تلك الغريزة المعطاء التي لا تعرف الأخذ، بل هي تعطي وتعطي لا جزاء ولا شكورا...‏

- الأخضر لم يضع، لم يمت، الأخضر حي يرزق.. أنا واثق من ذلك..‏

- إذن أين هو؟ لماذا هذا الانقطاع؟ لا خبر، لا رسالة.‏

ولم يستطع عزيز أن يجيب.. كان غياب الأخضر يشغله هو الآخر.. صحيح.. هي أمه.. لكنه هو أبوه أيضاً.. فكره يذهب ويجيء ليس مع الأخضر فحسب بل مع أبنائه جميعاً، باله ينشغل عليهم.. هذا في مشكلة، ذلك في خطر فيطير إليه يحل إليه المشكلة، ينقذه من الخطر.. لكن مذ سقطت باريس أسقط في يد عزيز.. الإعصار اكتسح البيت الفرنسي كله قالباً عاليه سافله.. الأخبار مشوشة، بعضهم يقولون إن النازيين سفاحون لا تعرف قلوبهم الرحمة، دخلوا باريس فقتلوا وذبحوا، خربوا ودمروا.. بعضهم يحكون أن الدبابات كانت تهرس بجنازيرها حشود الهاربين.. وان الناس العزل كانوا يلقون بأنفسهم في نهر السين هلعاً ورعباً، فماذا حل بالأخضر؟.‏

فرنسا عزلت عن العالم، القوات النازية أطبقت بكماشتها عليها، أحكمت الطوق، لا اتصالات، لا بريد، لا هاتف، لا خروج، لا دخول.. انقطاع كامل فكيف يعلم ما حل بالأخضر؟ هو في قلق وبلبال على الأخضر. في قهر وغيظ يصلان به حد البكاء، لكنه رجل.. والرجال لا يبكون..‏

- الصبر.. شمس.. بدأ وهو يخرج نفسه بصعوبة من خضم بلباله، صدقيني مالنا غير الصبر..‏

- لكن حتى متى والأيام تكر؟ ها هي خمسة أشهر قد مرت ولم أعرف عنه شيئاً.. فإلى متى نصبر؟ إلى متى ننتظر؟.‏

"شمس على حق" عزيز يفكر وهو يتأمل وجهها الذي خددته الدموع على ضوء النواسة الخافت، وقد أشعلها للتو." النازي اكتسح فرنسا، حكومتها سقطت، قواتها دمرت، جيشها تفرق أيدي سبا، قصر منيف أمسكت به قبضة زلزال قوي ثم راحت تهزه يمنة ويسرة، أعلى وأسفل، حتى لم يبقَ فيه حجر على حجر.. فأين سكانه؟ ماذا حل بهم؟ أجل. شمس على حق؟".‏

كان عزيز يعترف في قرارة نفسه، لكن بصيصاً من أمل كان قد بزغ أمامه من بعيد، وقد سمع عصر ذلك اليوم خبراً غير عادي.‏

- إذن.. أنت لم تسمعي الخبر..‏

- أي خبر؟‏

- الماريشال بيتان شكل حكومة في فيشي..‏

- بيتان.. فيشي.. ما الذي تقوله عزيز؟‏

- يا عزيزتي، قال بنبرة المداعبة: فيشي هي العاصمة الجديدة لفرنسا، وبيتان هو الماريشال العظيم الذي هزم الألمان ذات يوم، لكنه اليوم يمد يده لهم وكل ما في ذهنه أن يلملم أشلاء وطنه المحطم.‏

- وتعود المياه إلى مجاريها؟ سألت شمس وقد لمعت أمام عينيها بارقة أمل.‏

- بالتأكيد..‏

- تقصد.. يعود البريد والبرق، الاتصالات والمراسلات.؟‏

- هكذا يقول المارشال نفسه: اختلاط الحابل بالنابل هذا سينتهي.. الفوضى ستزول.. ونعيد الحياة إلى طبيعتها..‏

- إذن.. يجب أن نرى القومندان.. قالت وقد اشتدت أمام عينيها بارقة الأمل...‏

- القومندان؟ إذن نسيت خطره وشره؟. نسيت موقفه آخر مرة؟.‏

- لا.. لم أنسَ.. ولن أنسى.. لكنه الأخضر.. وعلينا أن نعرف شيئاً عنه.. علينا أن نتأكد فقط: أهو حي أم ميت؟. وإني لمستعدة أن أدفع عمري كله من أجل معرفة ذلك... عزيز يعلم أنها مستعدة، بل هو نفسه على أتم الاستعداد لأن يضحي بالغالي والرخيص كي يعرف ما حل بالأخضر. لكن القومندان، ومذ كشر عن أنيابه ذئباً يهم بالانقضاض، بات أباً هول حقيقياً، غولاً مرعباً يكره حتى ذكر اسمه.. هو يعلم أن الذئب لم يهمله، هو وشمس، لكنه أمهلهما.. سقوط فرنسا كان قد أوقع الآلة الاستعمارية كلها في بلبال.. جعل فرنسا كلها دجاجة قطع السكين عنقها، دمها ينزف وهي تتخبط.. وإذا ما عاد الرأس، وانتهى ذلك التخبط، ألن يتفرغ القومندان لهما.؟.‏

ألن يحاسبهما على ما سعى كثيراً للتأكد منه؟ هو نفسه هدد بذلك: "حساباً عسيراً سأحاسبكما ذات يوم." تهديده ما يزال يدوي في أذنيه، فكيف يفكر باللجوء إليه؟.‏

- هه.. ما بك.. عزيز؟ تكلم.. عادت تحثه فقرر أن يلف ويدور.‏

- لا أظن أن القومندان قادر أن يعرف..‏

- يمكنه أن يحاول.‏

- كيف؟‏

- ألم تقل عادت الدولة!؟ تشكلت الحكومة؟ إذن يمكنه الاتصال.. إرسال برقية.. رسالة.. وتوقفت لحظة ثم تابعت: أليس كذلك؟‏

- ربما‏

- إذن.. اذهب إليه غداً..‏

- لا.. أنا أقسمت.. لا أطأ عتبة مكتبه.‏

- إذن أذهب أنا..‏

في اليوم التالي، فوجئ القومندان الذي صار كولونيلاً، وهو منهمك في قراءة تقاريره اليومية، بحاجبه يقرع الباب مستأذناً لامرأة غارقة في السواد..‏

- صباح الخير، سيادة الكولونيل، وألف مبروك، قالت شمس وهي تكشف عن وجهها، فلم يملك إلا أن يهب على قدميه يحدجها وعلى شفتيه ابتسامة ذات مغزى.‏

- صباح الخير- وشكراً لك!! أنت بنفسك؟ لابد إذن، أن أموراً صعاباً جاءت بك!! قال وهو يمد يده مصافحاً ثم يشير إليها بالجلوس.‏

- الحقيقة، نعم.. ردت شمس وهي تريد التسديد إلى الهدف مباشرة، ابني الأخضر... لكنها توقفت وكأنها لا تستطيع البوح بكل ما في نفسها دفعة واحدة.‏

- ماله، الأخضر؟ سألها، وقد جلس غير بعيد عنها.‏

- أكاد أموت عليه.. سيادة الكولونيل!! أشهر الآن وهو غائب، لا علم، لا خبر، أريد أن أعرف شيئاً عنه أرجوك..‏

- تريدين أن تعرفي شيئاً عنه؟ أجاب على مهل زافراً زفرة حرى..‏

- فقط إن كان حياً أو ميتاً.. فقط إن كان النازي قتله أم لا؟.‏

- ومن يستطيع أن يعرف؟‏

- أنت.. اسأل أصحابك.. .. أهلك. وهز الكولونيل رأسه، متنهداً.‏

- أصحابي! أهلي؟ وهل أدري أين هم؟ حتى زوجتي وابنتي لا أدري أين هما؟‏

لكن اليأس لا يعرف طريقه إلى شمس.. هي جاءت بعد تردد.. إقدام وإحجام". قال: ماحاجك للمر؟ قال له الأمر؟ "وكان ذلك الأمرّ قد حولها إلى كتلة من العزم والتصميم، لكن ها هو ذا يشكو المصاب نفسه، يتذمر من الانقطاع نفسه.. من جهله حتى بمصير زوجته وابنته.. مع ذلك سألته:‏

- معقول؟ حتى أنت لا تدري؟‏

- ومن يدري وقد ضاعت البلاد كلها.؟ من يعلم ماذا هناك وقد أصبحت فرنسا جزيرة معزولة عن العالم؟.‏

- والآن وقد تشكلت حكومة جديدة؟‏

- هذه حكومة خائنة، لا اتصال لنا بها ولا علاقة.‏

- ماذا؟ لم أفهم!!‏

- وليس مطلوباً منك أن تفهمي، قال بخشونة مفاجئة جعل الزائرة تحدق إليه بحدة... المطلوب منك، وقد جئت برجليك أن تجيبيني على ذلك السؤال القديم...‏

- أي سؤال قديم؟ ردت متشنجة فجأة، محاولة أن تتجاهل..‏

- ما علاقتك بالكابيتان جيرار؟‏

- أجيئك من أجل الأخضر، تسألني عن جيرار؟‏

- أجل، وعليك أن تجيبي الآن: ماذا تعرفين عنه؟ عن مقتله؟‏

- قلت لك.. لا علاقة لي به.. لا شأن لي بمقتله، لا أعرف شيئاً.. قالت وهي تهب ملء طولها كأنما تهرب من ألسنة النار..‏

- اسمعي.. جيرار كان صديقي.. وإن أنسى لا أنسى ما قاله لي ذات مرة..‏

- وماذا قال؟ سألت شمس، محاولة جهدها التماسك، متصنعة اللامبالاة.‏

- ذات مساء، كنا نسير على ضفة بردى وكان ساهم النظرات.. سألته ما بك؟ فقال "تخلب لبي امرأة هناك في حماة، لا أدري كيف الوصول إليها".. ضحكت منه آنذاك قائلاً: "دون جوان باريس، الكابيتان العظيم، صاحب السلطان المطلق في حماة لا يعرف كيف يصل إلى امرأة فيها"، فتنهد ثم قال: "هذه امرأة مختلفة يا صاحبي.. صعبة صعبة كأنها قمة ايفرست، عصية عصية كأنها أدغال الأمازون، عالية عالية كأنها الشمس.. بل هي نفسها.. اسمها شمس فكيف يمكن الوصول إلى الشمس؟".‏

- إي.. وماذا يعني هذا؟ قالت وهي تتصنع التماسك، مرتعدة في داخلها حتى العظم.‏

- يعني.. مذ جاؤوني بك يوم المظاهرة وأنت سافرة الوجه مكشوفة الرأس.. عاد إلى ذهني كلام جيرار.. تراءت أمام عيني تلك الصورة التي رسمها لك جيرار: فاحمة الشعر، بيضاء البشرة، فارعة القامة.. وحين قلت ان اسمك شموس رن صوته في أذني "اسمها شمس"، منذ ئذ لم يفارقني الشك بأنك أنت شمسه.. تلك الشمس التي خلبت لبه..‏

- أنت مخطئ!! قالت وهي تتذكر قولاً سمعته ذات مرة "مائة شك ولا يقين واحد"... أنا لم أخلب لب أحد ولم تكن لي علاقة بأحد..‏

- بل أنت المرأة التي أراد الوصول إليها بأي شكل.. جاءت فرصة هروب زوجك، فجاء بك إلى مكتبه..‏

- تحقيقاتي تجعلني واثقاً من ذلك.. واثقاً من أنك المرأة التي أرسلها إلى بيته، سائقه أوصلك بنفسه، هو الذي وصفك لي، ولابد أنك أنت التي قتلته..‏

- ليس لديك دليل..‏

- الدليل تحت يدي.. فقط قشة، وسيأتي وقت أرفع فيه تلك القشة..‏

- هراء.. كلام بال عتيق أكل الدهر عليه وشرب.‏

- بل هو حي.. جيرار ما يزال هنا.. ودق على صدره، حياً يرزق ولسوف أثأر له..‏

- تثأر؟ بعد هذا الزمن الطويل تثأر..‏

- البدوي عندكم يثأر بعد أربعين عاماً ويقول بكرت..‏

- وهل أنت بدوي؟‏

- بل أكثر من بدوي. حين تتطاول امرأة مثلك على كابيتان فرنسي، سيد عظيم من سادتها..‏

- سادتها؟ إذن.. نحن عبيد لديكم؟.‏

- ماذا أنتم إذن؟ لعلكم تظنون أنفسكم سادة.. مثلكم مثلنا؟ لا.. يا امرأة.. نحن نستعمركم، إذن نحن سادتكم..‏

- يا إلهي.. كولونيل.. كم تغيرت!! كم تبدلت!! أين كلامك عن الحرية، المساواة، الإنسانية..‏

- هراء، هراء، كل ذلك هراء‏

- الحمد لله إذن.. جاء من يستعمركم... جاء من يحولكم مثلنا إلى عبيد!!‏

- اخرجي من هنا.. اغربي عن وجهي.. قاطعها صارخاً وقد احتقن كل ما فيه.. اغربي.. وأقسم لتدفعين ثمن قولك هذا باهظاً..‏

عادت شمس إلى المنزل وهي ترتعد..‏

- ماذا جرى؟ سألها عزيز وقد أقلقه شحوب وجهها،‏

- هذه المرة عقد الأنشوطة، وهمّ بدفع الكرسي من تحتي..‏

وتحول عزيز إلى كتلة من التوتر والتشنج.‏

- ألم أقل لك؟ رفع القناع عن وجهه.. كشر عن أنيابه.. لكن احكي لي.. ماذا قال.. ماذا فعل؟ وروت له شمس القصة من الألف إلى الياء.‏

-إذن كما قلت لك من قبل ليس أمامنا غير آخر الدواء، قال عزيز بعد أن أطرق طويلاً عاصراً صدغيه بين راحتيه..‏

- الكي تعني؟ قالت وهي تستعيد في ذهنها نقاشاً سابقاً.‏

- طالما هو يلاحق القضية بشكل شخصي، رد وهو يزفر زفرة الحقد إذن هو وحده، مصدر الخطر..‏

- صحيح..‏

- فإذا.. تابع عزيز مشيراً إشارة البتر من يده اليمنى، وكأنما يبتر عنقاً بسيف قاطع، ألا ينتهي كل شيء؟‏

- لا.. لا.. أخشى أن نصبح كالغائص في الحمأة، كلما خطا خطوة أكثر تورط أكثر..‏

- لا، شمس.. أنا أرتب الأمر.. بحيث نخرج كالشعرة من العجين..‏

- كيف؟ قل لي..‏

- فيما بعد.. فيما بعد.. فقط أريدك أن تتخذي كل الاحتياطات في غيابي..‏

- غيابك؟ أين؟‏

- إلى أصدقائي هناك، رد عزيز وهو يشير باتجاه الجنوب، لكن حذار أن يمسك بك الكولونيل.. حذار أن تدعيه يقترب منك.‏

الكولونيل لا يستطيع الاقتراب منها حتى لو أراد ذلك، اللاذقية شغله الشاغل.. مشكلتها أغرقته حتى لم يعد من مجال للتفكير بشمس أو قمر..‏

منذ أشهر كانت قد بدأت المشكلة.. بذرة صغيرة بذرت في التربة، هطل المطر فأنتشت، ثم شقت التربة فظهر رأسها يلوح ذات اليمين وذات الشمال، مهدداً بالويل والثبور وعظائم الأمور.. البذرة شكوى، وكيف لا يشكو الناس راعياً لا تهمه مصلحة الرعية؟ كيف لا يتذمرون من أب لكنيسة مهمل لأبناء الكنيسة؟ مطران ضد أتباعه؟ ارتكابات كثيرة أخذت عليه،عيوب كثيرة سجلت في حقه، حتى هب الكل يصرخون.. "الرعية بحاجة لراعٍ صالح أو هلكت الرعية.". المجمع الكنسي سمع الصراخ، أرسل يحقق، التحقيق أكد الشكوى، وصدر قرار كنسي بتعيين راعٍ جديد.‏

الراعي الجديد مناهض للاستعمار، مطالب بالحرية والاستقلال، يلتف حوله الشعب ويحبه الناس.. فرنسا تعلم ذلك، لكنها تغض النظر عنه، هو في بيروت نقطة في بحر، لكنه في اللاذقية مشكلة.. حاسمته، وطنيته، اندفاعه كل ذلك يثير العواصف الهوجاء على رأس فرنسا، فكيف ترضى به؟ طلب المندوب السامي من المجمع الكنسي استبداله، لكن المجمع الكنسي أبى واستكبر "نحن لا نعمل بإمرة الاستعمار، قراراتنا مستقلة وليس لأحد أن يتدخل فيها"، وصدرت أوامر جديدة تؤكد على المطران أبيفانيوس أن يلتحق بمطرانيته في الحال.... التحق المطران الشجاع وكله حماسة وتحدٍ.. حاكم اللاذقية أحس بالتحدي فأصدر الأوامر للمطران القديم "ابق.. لا تسلم المطرانية" وفرح المطران القديم "هي ذي فرصة، أثأر فيها لنفسي وكرامتي"..‏

وبقي في كرسيه لا يتزحزح. المطران الجديد جاء، مطالباً بالامتثال، لكن هيهات، الرجل يطيع السلطان لا الكنيسة، وبدأت حرب .. الخلف، معه الشعب والكنيسة، والسلف، معه الحاكم والجند، لا هذا يخضع ولا ذاك يتراجع.. إلى أن جاء عود الكبريت الذي أشعل الفتيل..‏

أحد أفراد الرعية مات، والميت يدفن بل إن إكرام الميت هو الإسراع في دفنه. قام المطران ابيفانوس بمراسم الجنازة، بطقوس الدفن ثم مضوا بالنعش إلى الكنيسة. لكن الكنيسة في قبضة السلف والسلف يأبى أن يدفن ميتاً صلى عليه الخلف، فاصطدم البطلان كأنهما جبلان وحام فوق رأسيهما غراب البان..‏

الهواتف أطلقت أجراس الإنذار في دمشق.. والبرقيات طارت زاعقة مولولة "فتنة في اللاذقية قد لا تنحصر بين المسيح والمسيح بل ربما تمتد إلى أحمد والمسيح.. فقد دقت نواقيس الكنائس، تعالت الأصوات من المآذن، وكلها تطالب بالوقوف وراء أبيفانيوس كي يدفن ميته.‏

المفوض السامي هاج وماج، جنرالاته أرغواو أزبدوا "يجب كم الأفواه.. اجتثاث الفتنة" وصدرت الأوامر إلى الكولونيل بالإسراع إلى اللاذقية كي يجتث الفتنة.‏

وصل الكولونيل إلى اللاذقية، طلب إلى أبيفانيوس الامتثال أمامه.. لكن الراعي الخبير المجرب لا يسلم عنقه للذئاب.. "أمتثل" جاء الجواب "لكن بعد أن يدفن الميت، وينتقل السلف، وأستلم كرسي المطرانية"..‏

- يملي علي شروطه؟ صرخ الكولونيل بحامل الرسالة، ثم التفت إلى قائد الحامية.‏

- امنعوهم بالرصاص والنار.. وائتوني بأبيفانيوس حياً أو ميتاً.‏

الوقت العصر وحراب الجند تمنع الدفن.. أبيفانيوس يخشى أن تتعفن الجثة، فيلومه البشر. تتفسخ بين يديه، فيعاقبه الرب.. وهو يكره اللوم والعقاب.‏

- اجتماع.. نادى بمن حوله من وجوه ليسوا للمسيح وحده بل لأحمد أيضاً.. عقد الاجتماع، وفي الحال وضعت خطته..‏

- لا يدعنا نصلي عليه في الكنيسة، إذن لنصلِّ عليه في المسجد الجامع، قال المفتي المتنور الذي يؤمن أن الله واحد والدين واحد، لا فرق بين نبي ونبي ولا رسالة ورسالة، كلهم أنبياء الله، وكلها رسائل السماء..‏

في المسجد، صلى الرجلان معاً على جثمان الميت وقد بدأت الروائح تنطلق منه.... فالدود الجائع لا ينتظر والجراثيم لا تعرف الصبر. بعدئذ سار الحشد بالجثمان تختلط فيه تراتيل المسيح بنداءات أحمد "الله أكبر.. الله أكبر.." بدأت النداءات.. بعدئذ تطورت إلى هتافات "لا إله إلا الله.. أبيفانوس حبيب الله.." وفغر حاكم اللاذقية فاه، فيما جحظت عينا الكولونيل على سعتهما، وهو يسمع هتافات الجنازة "لا إله إلا الله.... أبيفانوس حبيب الله..".‏

- كم عدد الشرطة المدافعين عن الكنيسة؟ سأل الكولونيل قائد الحامية إلى جانبه، فأجاب الكابيتان وهو يكاد ينفلق حنقاً..‏

- فان، مون كولونيل!!‏

- ابعثوا سرية من الجند برشاشات ومدافع..‏

بسرعة تحركت السرية التي استنفرت من قبل.. بسرعة أخذت مواقعها، حتى إذا ما وصلت الجنازة إلى مقربة من الكنيسة، كان مائة وعشرون من الجند والشرطة يتربصون في أماكن مشرفة على الشارع يمكنهم منها أن يحصدوا الناس حصداً.‏

لكن خطة أبيفانيوس وصحبه أذكى.. بضعة عشر رجلاً كانوا قد جاؤوا ببواريدهم يرافقون الجنازة وبضعة عشر آخرون ببواريدهم التفوا حول الكنيسة. تسلقوا السور من خلف ثم انسلوا إلى أماكن يرون فيها الجند ولا يراهم الجند..‏

بهدوء ونظام كانت تقترب الجنازة.. الهتافات مازالت هي نفسها "لا إله إلا الله.. أبيفانوس حبيب الله..". الكابيتان يسمع من مكانه في الكنيسة فيشتد حنقاً.‏

- عودوا أدراجكم.. ارجعوا من حيث جئتم.. لن تدخلوا الكنيسة، جاء صوت المكبر ملعلعاً آمراً، لكن أبيفانوس أصم لا يسمع، جنازته تسير، صماء هي الأخرى لا تسمع....‏

ومن جديد تعالى الصوت:‏

- عودوا أو أطلقنا النار، لعلع صوت المكبر من جديد، لكن الجنازة لا ترد ولا تصد... بخطا موزونة كخطا عسكر في نظام منضم، تسير باتجاه الكنيسة.. أبيفانيوس في المقدمة، أركانه من حوله.. شيوخ وكهان.. في عيونهم تحد وفي صدورهم عزم.. ولعلع الرصاص في الجو. الكابيتان يرقب من عل بفرح.. وكل تصوره أن الجنازة ستتفرق أيدي سبا، لكن الجنازة لم تتفرق، بل في اللحظة ذاتها اندفعت نحو الكنيسة سيلاً هادراً وبصوت واحد يصم الآذان: "لا إله إلا الله.. أبيفانوس حبيب الله.." فيما انطلقت من جانبيها كليهما لعلعة رصاص، ومن خلف الكنيسة والجند لعلعة رصاص، أجفل الكابيتان وهو يرى النار تشتعل من حوله والموت يتهدده من كل جانب.. فالجنازة لم تكن مسالمة تماماً وأبيفانوس كان يعرف قيمة الرصاص.. في اللحظة التالية كان الكابيتان يجري مطأطأ الرأس محني الظهر إلى مبنى الكنيسة يحتمي فيه من الرصاص فيما التفت الجند إلى الوراء، إلى الأمام فوجدوا أناساً متمترسين خلف سياج المقبرة، خلف حائط الكنيسة، فوهات بنادقهم مسددة وأيديهم على الزناد.. كانوا بين نارين: نار من أمام ونار من خلف.. والرصاص يلعلع في الجو رشاً ودراكاً مهدداً بالانهمار عليهم وابلاً من مطر.. فيما سيل البشر يندفع بالجنازة غير هياب ناراً ولا رصاصاً.. الاندفاعة، لعلعة الرصاص، الأصوات الهادرة كلها تحولت في نفوس الجند إلى ذعر واضطراب، تحولا بدورهما إلى بلبلة وهروب، خشي الكابيتان معه أن يجد نفسه وحيداً فولى هو نفسه الأدبار.. دخلت الجنازة الكنيسة، صلى المطران على الميت، عن يمينه الشيوخ وعن يساره الكهان وخلفه الحشود الغفيرة وقد اختلط فيها أحمد والمسيح، صلوا صلاة المسيح، بعد أن صلوا صلاة أحمد ثم مضوا بالميت إلى مثواه الأخير.‏

- قد دفنوه وانتهى الأمر!! قال مطران السلطة للكولونيل وهو يضرب كفاً بكف، أية هزيمة!! أي عار!!‏

- نخرجه ونلقي به في الطريق!!‏

- لا.. لا يصح إخراج الميت.. لا يصح الانتقام من الميت، سيرتد هذا وبالاً علينا من الناس، رد المطران وقد استيقظت فيه بقية من ورع وكثير من خوف.‏

- ماذا تريد أن تفعل إذن؟‏

- ننتقم منهم هم، نقتلهم.. أبيفانوس، الشيوخ، الكهان، وجوه المدينة، صاح المطران المهزوم بحماسة واندفاع لا يتأتيان إلا عن أشد الحنق..‏

- أجل.. سأزجهم جميعاً في السجن.. سأعاقب المدينة كلها.. سأقصفها بالمدفعية..‏

.. هدر الكولونيل الهائج المائج الذي كان ذات يوم يتكلم عن الحضارة والمدنية، الإنسانية والأممية..‏

لكن قبل أن يقصف المدينة اتصل بالمفوض السامي يطلب منه الاذن، فأرغى المفوض وأزبد.‏

- قلت لك اجتث الفتنة فتزيدها ضراماً.. دع كل شيء وعد إلى دمشق.‏

حين وصل الكولونيل إلى دمشق حانقاً، وقد فاتته فرصة قصف اللاذقية، كان عزيز قد وصل إلى البطحيش، وكانا يجلسان معاً في عش النسر، ذاك الذي لا يستضيف فيه أحد غير عزيز، يتحدثان حول شغلهما الشاغل: الكولونيل.‏

- يحاصرك أنت وزوجتك؟ سأله البطحيش بعد أن روى عزيز قصته كاملة...‏

- منذ سنين يحاصرنا، واليوم يحكم الطوق، يشد الأنشوطة حول عنقنا ولا ندري متى يدفع بالكرسي من تحتنا..‏

رد عزيز مكملاً شرحه.‏

- خسئ.. هو ودولته!! لن يستطيع ذلك.. قال البطحيش بحمية عالية وحماسة حامية، ففرح عزيز.‏

- حياك الله.. أعلم أنك لها أبا حسن!! لكن.. ما أريده فقط هو خبرتك وخططك وأنا أكمل البقية...‏

- لا والله!! هتف البطحيش بنبرة الزجر، لا يكفيك شره سوى هذا الزند، وشمر البطحيش عن زند أسمر مفتول العضلات. بهذا الزند سأدق لك عنقه..‏

- بل ندقه معاً.. عملية مشتركة من عملياتنا تلك.. عقب عزيز بمزيج من الحسم والرجاء، هو الذي يعلم أن البطحيش إن قال فعل، وإن عزم على أمر نفذ.‏

- حسن، قال البطحيش، وهو يهز رأسه مبتسماً، غداً نذهب معاً وننفذ معاً..‏

- بل أذهب وتلحق بي.. أستطلع حركته، أدرس نظام حياته حتى إذا جئت نفذنا على الفور.‏

في الصباح، وكانا يجلسان على مائدة الإفطار، سمعا الباب يقرع قرعتين ثم قرعة مفردة.. أجفل عزيز، هو الذي يعلم أن عش النسر لا يزوره أحد...‏

- من عساه؟ سأل عزيز صاحبه وقد بدا شيء من الذعر في عينيه..‏

- لا عليك، قال مطمئناً وهو ينهض، إنه التيناوي..‏

- أي تيناوي هذا؟ سأله عزيز محتجاً وقد غاب عن ذهنه ما رواه له عواد ذات يوم..‏

- صاحب جديد.. اطمئن.. هو منا.. سأعرفك عليه..‏

- أوه!! ذاك الدركي الذي حبسه الفرنساوي وسرحه، قال وقد تذكر القصة فجأة..‏

- أجل.. لقد صار صديقي المخلص..‏

- لا.. أرجوك أبا حسن.. لا تدخله..‏

- قلت لك اطمئن يا رجل!! هو وطني مخلص.. سأحكي لك تفاصيل قصته، وكيف تعرفت عليه فيما بعد.. لكن الآن يجب أن تتعرف عليه أنت.. وتخلص البطحيش من يد عزيز الممسكة بثوبه، ثم اندفع خارجاً، وقد جاءت القرعات الثلاث كسابقتها، قرعتين معاً ثم قرعة مفردة.‏

موجة من القلق اجتاحته وهو يصيخ السمع لخطا البطحيش تبتعد حتى الباب ثم صوت الباب وهو يفتح، ثم همساتهما كليهما وهما يعودان صديقين حميمين يتبادلان الترحاب. "أيعقل هذا!؟ البطحيش يعطي سره لأحد؟ يأمن لأحد؟ "لكن وجه البطحيش الهاش الباش، وهو يدخل بصاحبه أوقف كل تساؤل.‏

- محمد التيناوي من دمشق.. صديق عتيد ومكافح عنيد.. بدأ البطحيش التعارف مازحاً، مشيراً بيده إلى التيناوي الذي كان يسد الباب بقامته الطويلة ومنكبيه العريضين ورأسه الكروي الضخم، عجلاً أحسنت تغذيته.‏

- أهلاً، بدأ عزيز وهو يمد يده مصافحاً، ثم لمعت في رأسه فكرة، فبادر مستبقاً صاحبه: محسوبك أبو العز الدهمان من عقيدات حمص، قال بلهجته البدوية التي يتقنها جيداً، ثم نظر إلى البطحيش فرآه فاغر الفم وكأنما أدهشته الكذبة.‏

- أهلاً وسهلاً سيد أبا العز، رد التيناوي بلهجته الشامية الرقيقة، وهو ينقل نظره بين المضيف وضيفه، لم أكن أعلم أن لك صاحباً يأتي إلى عش النسر سواي. تابع بشيء من الضحك، ربما ليدلل على مكانته لدى النسر نفسه..‏

- تفضل، شاركنا إفطارنا، قال البطحيش وهو يتحاشى متابعة التعارف، كأنما انتقل إليه توجس عزيز وحذره!!‏

على طبق الطعام، كان ثمة بيض مقلي، لبن، وبضعة أرغفة من خبز التنور المحمر المقمر.. لم يدعه يعيد الكلمة، بل سارع يجلس الربعة بين البطحيش وضيفه، وبتباسط شديد ورفع كلفة ظاهر، هشم التيناوي الرغيف وشرع يأكل. نظرة متسائلة وجهها البطحيش لعزيز، فردها عزيز استهجاناً وتحذيراً...‏

- العقيدات!؟ بدأ التيناوي حديثه وقد ألقم فمه لقمة مزج فيها البيض باللبن، أنا أعرف العقيدات كلها.. من أي فخذ انت؟‏

لحظة من الزمن، أرتج على عزيز متململاً في جلسته، متلفتاً حوله، وكأنما يستنجد بصاحبه..‏

- أبو العز من البوصليبي.. أنجده البطحيش في الحال فتنفس عزيز الصعداء.‏

- عجيب!! ابن مدينة وتعرف القبائل والأفخاذ؟ تابع عزيز بنبرته البدوية نفسها وقد تماسك تماماً...‏

- المهنة يا صاح.. المهنة تعلمك.. والترحال يوسع دائرة معارفك.. رد التيناوي هازاً رأسه ضاحكاً.. رأى البطحيش صاحبه يزداد استهجاناً واستغراباً فتدخل:‏

- لعلمك، محمد كان في سلك الدرك، والدرك ينتقلون..‏

- كل شهرين، ثلاثة في مخفر.. تابع التيناوي قبل أن يبدي عزيز المزيد من الاستغراب: حمص، حماه، دمشق، السويداء، درعا.. كلها أعرفها.. مخافرها، أهلها، قبائلها.. مهنة سيئة، لكن لها محاسنها ولا شك...‏

- لكنني لا أفهم، بدأ عزيز من جديد متجاهلاً معرفته بأي شيء، يتنقل بناظريه بين البطحيش وصاحبه الجديد، دركي سابق وصديق البطحيش!!؟‏

- لا.. لا تعجب، رد البطحيش نفسه متضاحكاً. لهذه قصة طويلة سأرويها لك.. لكن تأكد.. التيناوي مأمون مضمون كاليد اليمنى لليسرى...‏

ضحك التيناوي ضحك الفرحان بمديح مس شغاف قلبه، فيما اكتفى عزيز بفتح عينيه أكثر وفغر فيه أكثر، وربت البطحيش كتف صاحبه ثم سأله: اي.. قل لي.. ما الأخبار؟‏

- ليس هناك سوى أخبار اللاذقية.. بدأ التيناوي على مهل وكأنما يريد استنفار الأسماع وإثارة السامعين.‏

- اللاذقية!! هتف الرجلان كلاهما معاً لينفرد عزيز، ماذا في اللاذقية؟‏

- تمرد.. ثورة.. شيء هز الحكومة هزاً.. ثم روى لهما كل ما يعرفه عن ذلك الشيء الذي هز الحكومة هزاً.‏

- ماذا؟ الكولونيل رينو بنفسه ذهب إلى هناك.. علق عزيز وهو يسمع الخبر المفاجئ، ناظراً إلى البطحيش نظرة استغراب ودهشة.‏

- ويقولون: هو خائف غاضب يخطط لقصف المدينة، لقلب عاليها سافلها..‏

- يفعلها الوغد، علق عزيز وقد عجز عن كظم ما في نفسه من غيظ.‏

- أنت تعرفه!؟ سأل التيناوي بصورة مفاجئة جعلته يجفل متنبهاً ..؟....‏

- يعرفه؟ بادر البطحيش مستبقاً صاحبه، من أين؟ لكن أبا العز يعرف سفالة هؤلاء المستعمرين، يعرف نذالتهم..‏

- كلنا نعرفها.. قال التيناوي وهو يتنهد، ناظراً إلى عزيز. إيه!! لو تعرف ماذا فعلوا بي!! التعذيب، الضرب، السجن، مجرمون هؤلاء المستعمرون، سفاكو دماء..‏

- دعك من هذا.. تيناوي.. قاطعه عزيز وقد صار كتلة من الاستطلاع. وقل لي.. ماذا تعرف أيضاً عن اللاذقية؟.‏

- ماذا عن اللاذقية؟ رد وهو يمسح آخر لقمة من صحن البيض، فتنة..‏

- لا تقل فتنة يا رجل، احتج عزيز بانزعاج واضح.. طالما الناس كلهم وراء ابيفانيوس وضد المستعمر.. إذن هي ثورة..‏

- ثورة.. بالتأكيد.. رد التيناوي منخفض النبرة، مطأطئ الرأس. أجل.. هي ثورة مباركة لا تواخذني..‏

- والكولونيل!؟ أمتأكد أنه ذهب إلى هناك؟ سأله البطحيش من جديد، مستغرباً أن يكون القدر قد تدخل ففر به إلى اللاذقية..‏

- طبعاً، متأكد.. كلهم يقولون ان المفوض لا يثق إلا به، لهذا أرسله يحل المشكلة وينهي الفتنة.. عفواً الثورة..‏

- تقصد سيظل في اللاذقية.. لن يعود؟ سأله البطحيش بانزعاج..‏

- لا أدري.. ما أدريه أنه ذهب وحسب..‏

تبادل عزيز والبطحيش النظرات على عجل وكأنما يقول واحدهما للآخر "هذا الطارئ يقتضي إعادة النظر بالخطة "فيما بدا التيناوي منشغلاً بجرع كأس الشاي حتى الثمالة..‏

- اسمحا لي، قال وهو ينهض فجأة، خير لي أن أذهب..‏

- تذهب؟ أين ولما تأت بعد؟ سأله البطحيش دون أن يقف.‏

- لا.. لا.. رد التيناوي متضاحكاً، مشيراً إلى عزيز، يبدو أن بينكما أسراراً لا تريدانني الاطلاع عليها.. أراك فيما بعد، معلمي! خاطب البطحيش وقد صار عند العتبة ثم مضى دون أن ينتظر الرد.‏

- كيف تثق برجل كهذا؟ سأل عزيز وهو يهب محتداً غاضباً، ما إن سمع صوت الباب الخارجي يغلق.‏

- لهذا غيرت اسمك وشخصيتك؟‏

- ماذا تريدني.. أن أعرفه بنفسي على حقيقتها؟‏

- لكنه موضع ثقة، أنا سألت عنه ودققت، رد البطحيش وقد فاجأه غضب عزيز المباغت..‏

- دركي خدم الاستعمار سنين وتنقل في رحاب عمالته سنين يصبح فجأة موضع ثقة؟ لا.. لا.. أنا أشك به كل الشك وأحذرك منه كل التحذير.. قال وهو يشير بسبابته إشارة التحذير، ثم انحنى فجأة على البطحيش.. بل قم الآن.. انهض، ما أظنه ذهب إلا ليأتي لنا بجلاوذته.‏

- ماذا تقول يا رجل؟ رد البطحيش وكله شك وعجب.‏

- أقول لك انهض.. يجب أن نخلي البيت في الحال.. قال عزيز وهو يشده من يده منهضاً إياه، مسرعاً به خارج الغرفة لكن عند العتبة فقط، ثبت البطحيش قدميه في الأرض متسمراً في مكانه ثم قال:‏

-اذهب أنت.. أما أنا فسأبقى..‏

- سيمسكون بك...‏

- لا تخف علي.. ثمة مخبأ هنا يمكنني أن أراقب منه دون أن يعرف بمكاني أحد.. فإن جاؤوا، صدق ظنك، أما إن لم يجيئوا..‏

- جاؤوا.. لم يجيئوا.. أنا واثق أنه عميل.. فاحذر منه.. واقطع كل صلة لك به..‏

- سأقطع عنقه إن كان ذلك صحيحاً.. اسبقني إلى دمشق.. تأكد فقط من مكان وجوده. الخطة قائمة ولسوف تنفذ.. هيا.. سافر.. ألحق بك في مثل هذا اليوم من الأسبوع القادم.‏

ومضى عزيز إلى محطة القطار، عين إلى الوراء وعين إلى الأمام، كأنما ينتظر أن يظهر لـه في كل لحظة رجال الأمن المقنعون بأقنعة المدنية والحضارة، ثم وصل إلى دمشق وهو مشغول البال على البطحيش، فقد أثار التيناوي في نفسه عاصفة من الشك والارتياب لم يعرفها من قبل..‏

لكن دمشق بحر من الشواغل والهموم، ما إن دخل فيه عزيز حتى غسلت أمواج شكه وارتيابه، وطردت شواغله الجديدة شواغله القديمة، مثلما يطرد دائماً الجديد القديم:‏

مناف رسب في شهادة البكالوريا للمرة الثانية.. هو يكره الفرنسي، يكره الرياضيات، لا يفقه شيئاً في الفيزياء، فكيف ينجح؟. أول سنة سامحه عزيز.. معظم الطلاب لا ينجحون من السنة الأولى.. لكن سنة ثانية ويرسب؟ عواد ظل معه طوال السنة، يدرسه الفرنسي، الرياضيات، الفيزياء، لكن ها هو ذا يرسب. "هو لا يحب الدرس" كانت أمه قد نبهته أكثر من مرة "لكنه كان بارعاً في المدرسة"." حتى الصف العاشر وقبل أن يراهق"." إلى هذه الدرجة تغير المراهقة؟" "لم لا، وقد صار عقله في مكان آخر؟" بدأت تشرح له.‏

كان عزيز قد علم، من هنا وهناك، أن عقل الولد عند خيرية، ابنة أم روضة، التي تفوق روضة جمالاً ودلالاً. من الكوى يختلس واحدهما النظر إلى الآخر، عند الباب، على السطح، عبر الشبابيك يلتقيان، هما دائماً في شغل شاغل خلاصته "كيف يلتقيان؟"، ولا يعدمان وسيلة لذلك.‏

..فكيف لا يرسب مناف؟.‏

- سيظل يعيدها إلى أن ينجح، قال عزيز لشمس وقد احتقن وجهه غضباً.‏

-وما الفائدة؟ ردت شمس هازة رأسها يأساً، إن كان الولد لا يطيق الكتاب ولا الدرس، لماذا نرغمه على ذلك؟ دعه يتفرغ للعمل، زوجه وارتح من همه...‏

وأطرق عزيز يفكر دون أن يجد فرصة لاتخاذ قرار.. بدور نجحت في "البروفيه"، لكن المشكلة: هل تقعد في البيت أم تتابع الدراسة؟ بنات الجيران كلهن يقعدن في البيت، بل معظمهن لم يذهبن إلى المدرسة وإن ذهبت واحدتهن فلكي تتعلم القراءة والكتابة فقط". ولماذا وجع القلب؟ "كان سؤال أم روضة الذي يلخص موقف حريم الميدان.‏

"البنت للبيت ولشغل البيت فلماذا المدارس والتعب؟" بدور من القلة القليلة التي عرفت طريقها إلى المدرسة. الأعين تلتهمها في الغدو.. والذهاب، الألسن تسلقها في الأزقة وخلف الحيطان، فهل يستطيع عزيز التحمل أكثر أم حسبه؟ شمس طموحة... منذ البداية أرادت أن تكون بدور امتداداً لها، تجسد كل ما ينقصها، تحقق كل ما لم تستطع تحقيقه ودفعت بها، مشجعة دائماً حاثة دائماً، فكيف تهن عزيمتها الآن؟.‏

- اسمعي مني، الناس كلهم يقولون حسبها "البروفيه".. قال عزيز وهو يخشى أن يكون قد بلغ آخر حدود الاحتمال..‏

- أتسمع كلام الناس؟ أتفت في عضدك ثرثرات الناس؟.‏

- لا أدري.. رد بشيء من تردد وحيرة، أخشى..‏

- لا.. لا تخشَ شيئاً، قاطعته شمس وقد عادت لها ثقتها بنفسها وشدة إصرارها. دعها تكمل تعليمها.‏

على العشاء تداولت الأسرة في الأمر.‏

- بدور، حبيبتي، سألها الأب وهو يشد كتفها بذراعه حباً وحناناً: أخبريني، تريدين أن تستريحي أم تكملي تعليمك؟‏

- بل أكمل.‏

- كيف ومدرسة البنات بعيدة؟‏

- أنا أحب التعليم.. دعني أذهب إلى دار المعلمات..‏

- معلمة!؟ رددت الأم بإعجاب وفخر.. تعجبني المعلمة!!‏

- وعملها رائع، تدخل عواد الذي كان منذ زمن طويل يعامل فرداً من أفراد الأسرة. بل ليس هنالك أسمى من عمل المعلم. ألم تسمعوا قول الشاعر "كاد المعلم أن يكون رسولا"؟ ومضى عواد يشرح ببلاغة منقطعة النظير فوائد تلك المهنة وعظمة أصحابها، محامياً لا يشق له غبار..‏

- ماذا؟ وجدتها مناسبة ترافع فينا حضرة المحامي؟ سألته شمس ضاحكة، إذ لم يكن يفوت فرصة يستطيع فيها المرافعة عن شيء إلا وينتهزها، لكأنما هي طبع متأصل في كل محام: يجرب عزمه في ساحات القول والكلام...‏

- محام!! وأنى لي المحاماة؟ قال عواد، وهو يتنهد حسرة على سنتين ضاعتا منه في كلية الحقوق، دون أن يتجاوز السنة الثانية.‏

- لا تخف، ستصير محامياً.. لسانك يؤهلك لذلك، تابعت شمس وهي تضحك، فيما كان عزيز يفكر بالاقتراح الذي يحمل له جملة من الشواغل والهموم الجديدة، فالقبول في دار المعلمات لا يأتي على طبق من فضة، بل لابد من تدخل شخصية من الشخصيات أو واسطة من الوساطات.‏

- نواف جاءه توءم من البنات، هكذا جاء الخبر من القرية.. دملجة، كأمها، خصبة معطاء.. ربما ستصنع له خلال عقدي سنين عشيرة من.. البنات والبنين.‏

- يجب أن نذهب إليهم، نبارك ونرى الأحفاد.. اقترحت شمس وقد ضمهما مخدع النوم، فهز عزيز رأسه نفيا..‏

- مستحيل.. أنا بانتظار صاحبي.. غداً يأتي وننفذ المهمة، قال شبه هامس وكأنه يخشى أن تكون للآذان حيطان.‏

- لا تدعه يأتي هنا.. ردت وقد عرفت كل ما اتفق عليه مع البطحيش.. الحي مزروع برجال الكولونيل..‏

- ماذا تقولين؟‏

- الكل يؤكدون: ثمة عيون في الحارة.. غرباء يأتون ويذهبون وكأنهم يراقبوننا.‏

- الخطر يشتد إذن، والأنشوطة تضيق؟‏

- لهذا.. خير لنا أن نبتعد.. اقترحت، هي التي مازالت تفضل فكرة الهرب..‏

- بل خير لنا أن نخلص منه.. قال وهو يكز على أسنانه مؤكداً كل حرف..‏

- لكنني خائفة.. أخشى أن نقع في ورطة أشد..‏

- لا تخافي.. أنا سأظل بعيداً.. هو سيفعل كل شيء، قال وهو يشير إلى صاحبه البعيد، الذي لم تكن شمس قد رأته أو عرفته.‏

- لا أخاف؟ كيف، والخطر يحدق بي من كل جانب؟‏

- أين إذن الفارس الملثم؟‏

- إيه!1 ردت شمس متنهدة وعيناها تشردان بعيداً. يالتلك الأيام!! الخوف، الحزن، الهم، الغم، كلها لم يكن يعرفها الفارس الملثم.. أما اليوم فما الذي منها لم تعرفه شمس؟ أي قلق لم تعشه وأولادها قربها أو بعيدين عنها: مناف، نواف، بدور.. بل حسبها الأخضر ذاك الذي جرفه سيل هتلر وهو يكتسح باريس. خبر صغير كان قد أوصله الكولونيل: "الأخضر رحل إلى الجنوب مع أهلي". ثم ماذا؟ لا أحد يعلم، كانت فرنسا ما تزال بحراً من الاضطرابات والقلاقل. وكان عزيز نفسه قلقاً، لكن إحساساً ما في داخله يؤكد له أن الأخضر رجل، والرجل لا يخشى عليه... هو يصرح لها بأحاسيسه تلك، لكن كبد الأم تأبى إلا أن تنفطر على فلذتها وقد ضاعت آثارها.‏

"إيه!! يا للزمان!!" همهم في سره وهو يرى الدموع على خديها. "كم تتبدل مشاعر الإنسان!! كم يتغير الإنسان!!" وألقى عزيز بنفسه إلى جانبها فلم تحرك ساكناً، كفاه تحت رأسه، عيناه إلى السقف، وهي جامدة في الفراش، خامدة.." حين كنت أعود من غياب كنت أجدها على أحر من الجمر، تنتظرني وكلها لهفة وشوق، فلماذا لا جمر اليوم ولا حر؟ لا لهفة ولا شوق!؟ أمات حبها لي؟ أخمد الجسد فلم يعد فيه حر الحب ولا جمر الشباب؟" يتساءل وهو يتطلع إلى نفسه في مرآة الخزانة.. هو نفسه خامد بارد" لا... مازال حبي لشمس راسخاً قوياً.. روحي معلقة بها حتى ليخيل إلي أنها إن قطعتني مت.. لماذا الخمود إذن؟ لماذا الهمود؟ أنا نفسي لا أشعر بما يدفعني لأن أهصر الجسد.. لأن أضم وأشم، أقبل وألثم.. أهو العمر إذن يفرغ العظام من نقيها؟ الشرايين من دمائها؟ أهي الكهولة تسحب أشواق الجسد حتى تجعله خواء إلا من المشاغل والهموم؟"‏

- بماذا تفكر؟ سألته دون أن تنظر إليه.‏

- بماذا تفكرين؟ غمغم وهو يقترب بيده من صفحة خدها التي طالما سحرته؟.‏

- وهل هناك شيء لا أفكر فيه!؟ الأولاد وهموم الأولاد؟‏

- أترين؟ نخلف الأولاد ليلتهمونا.. عناكب تأكلها فراخها..‏

- لعل هذه هي سنة الحياة، غمغمت وكأنما تحدث نفسها، دون أن تعير انتباهاً لليد التي كانت تمسد صفحة الخد، فقد كان كل ما فيها هامداً بارداً كطين الشتاء.‏

في اليوم التالي، رحلت شمس إلى ابنها نواف.. كانت دمشق قد أصبحت بالنسبة إليها شبحاً مخيفاً لا يفتأ يحوم أمام عينيها هنا وهناك، باثاً في قلبها الذعر. وكان نواف، القرية، البادية، كل ما هو خارج دمشق يفتح لها باب الحرية على مصراعيه، باب الأمن والأمان، فكيف لا تسرع إليه؟.‏

- الحق بي بأسرع ما تستطيع، نصحت عزيزاً وهي تودعه، لكن عزيزاً لم يكن بحاجة لنصيحة.. كان هو الآخر يريد الخلاص.. يريد الحرية، لكن كيف، وسيف الكولونيل مسلط فوق عنقه؟‏

- أنهي المهمة والتحق بك، وعدها وهو يعلم أن قتل كولونيل فرنسي في قمة الهرم من السلطة أمر دونه خرط القتاد.. صحيح أنه فكر بالأمر دون أن يرف له جفن. خطط له، دون أن يساوره خوف، لكن التخطيط شيء والتنفيذ شيء آخر..‏

مهمات كثيرة كان قد قام بها من قبل: جند، سرجانات، أجضانات. لكن هذا كولونيل، .. وما الفرق؟ "راح يتساءل وهو في طريقه إلى المحل. الرجل الذي تكمن له ثم تغمد في صدره خنجرك أو تزرع في جسده رصاصك هو رجل سواء أكان نفراً أم جنرالاً.. لا.. عزيز لا تخف"، في المحل روى صبري له قصة اللاذقية أيضاً، لكن بعد أن أضاف "المفوض السامي ناقم على الكولونيل.. سحبه من اللاذقية في ليلة لا ضوء فيها، والكولونيل يا كباه!! يا تعساه!!" ورفرف قلب عزيز فرحاً.. ثم أسرع يغادر المحل..‏

بأعصاب باردة ذهب يسأل عن الكولونيل. يستطلع حركته.. نظام حياته. الحراس حول بيته تحاشى نظراتهم، العيون في حارتهم راوغهم، فعليه حين يأتي البطحيش أن يكون قد عرف كل شيء.‏

- مساك الله بالخير، أستاذنا! بادر عزيز الأستاذ، وقد دخل المقهى الذي بات لا يفارقه.‏

- أبا الأخضر! رد الأستاذ شبه شاهق، أين أنت يا رجل؟ إني والله لمشتاق!‏

عزيز معجب بلغة الأستاذ وفصاحته، بعلمه وضلاعته، إعجابه بفهمه في الحياة وكفاحه في ميدان السياسة.‏

- ماذا؟ أراك وحيداً، قال عزيز وهو يتلفت حوله. بل أرى المقهى شبه خاوٍ: .. تابع وهو يرى جاسوس الكولونيل يحتل إحدى الطاولات القريبة.. مارأيك. نذهب إلى البيت؟‏

- نذهب.. رد الأستاذ وهو ينهض ضاحكاً، غامزاً باتجاه الجاسوس، ولم لا نذهب؟‏

على جناح السرعة أعدت لهما وضحة العشاء، وعلى العشاء راح الأستاذ يصول ويجول.‏

- صارت الحرب عالمية حقاً.. روسيا، أمريكا، أوروبا، أفريقيا، آسيا، كلها بلغتها نارها..‏

- لو تبلغنا هنا فتحرق بلهيبها هؤلاء الفرنسيين..‏

- هي بالغة.. كن على يقين، أكد الأستاذ الذي يتابع أخبار السياسة لحظة بلحظة ويكتب عن السياسة يوماً بيوم ويشارك في صنع السياسة على الدوام. بعدئذ حدثه عن اللاذقية التي كادت تشعل فتيل الثورة في البلاد، ثم انتقل إلى العراق حيث اشتعلت ثورة هناك، وحيث رشيد عالي الكيلاني يهز بيده عرش بريطانيا العظمى أو يكاد.‏

- كم ذا يبشر بالخير!! هتف عزيز فرحاً.‏

- ما يبشر بالخير، الشقاق الخطر الذي دق اسفينه بين الفرنسيين أنفسهم.‏

- تقصد ديغول.. بدأ عزيز فتابع الأستاذ.‏

- طبعاً!! طبعاً!! ديغول وحكومة فرنسا الحرة.. وبيتان وحكومة فيشي.‏

بعد ئذ اقترب هامساً بكثير من الفرح، يقولون ان حرباً في كل مكان ستقوم بينهما.‏

- يا إلهي!! أي نبأ مفرح أستاذ!! كم أنا سعيد به!!‏

- ولسوف تكون أسعد حين تسمع الخبر الطازج.. قال الأستاذ ثم توقف متفحصاً عزيز، وكأنما يبحث عن أثر من الإثارة عليه.‏

- أي خبر طازج!؟‏

- الديغوليون والإنكليز يريدون وضع يدهم على سورية..‏

- كيف؟‏

- المفوض السامي أعلن ولاءه لحكومة فيشي، لكن ضباط الجيش منقسمون.. بعضهم ديغوليون وبعضهم فيشيون..‏

- عظيم.. وماذا بعد؟‏

- الإنكليز وجدوها فرصة سانحة.. يضربون بديغول هتلر وحكومة فيشي ويستولون على مستعمراتها..‏

- كم هم ثعالب ماكرة هؤلاء الإنكليز! علق عزيز ملوحاً برأسه..‏

- هذه الثعالب الماكرة قادمة إلينا هنا!!‏

- حقاً.. أستاذ!!‏

- حقاً وصدقاً!! المعلومات تقول: قريباً.. .. ستنطلق الشرارة هنا، ويقتتل الفيشيون مع الإنكليز والديغوليين على سورية..‏

- ومن تحسبه ينتصر أستاذ، الفيشيون أم الديغوليون؟.‏

أياماً ظل ذلك السؤال دون جواب، وأياماً ظل الشغل الشاغل لكل مهتم بالسياسة في دمشق.. أينتصر الجنرال ديغول وإنكليزه، أم المارشال بيتان ونازيوه؟ كان ديغول قد أعلن فرنسا الحرة حليفة لبريطانيا العظمى، داعياً الفرنسيين للالتحاق بجيشه ذاك الذي سيقاتل النازي حتى آخر رمق، يحرر فرنسا، مهما كان الثمن.. صوت ديغول بات يسمعه العالم كله، وهو يهدر من لندن مهدداً بالانتقام من النازيين، منادياً بالثأر لكرامة فرنسا الجريحة. حكومة فيشي، رفضت نداءه، بل اعتبرته متمرداً خائناً، وبدأ الفرنسيون ينقسمون: أناس يريدون القتال مع ديغول، وآخرون يريدون الاستسلام مع فيشي..‏

.. الانقسام بين الطلاب، العمال، الفلاحين، بل هو في الدولة، الإدارات، الجيش...‏

جيش الشرق نفسه منقسم على نفسه. شرخ عامودي شطر الضباط، الجند، القادة شطرين: كلاهما متحمس لصاحبه، مدافع عن موقفه.. المفوض السامي شطر والكولونيل شطر آخر. أحداث اللاذقية زادت الشرخ بينهما، توبيخ المفوض السامي وتهديده له زاد في قلب الكولونيل الحقد.. ومع بوادر تحرك الإنكليز من فلسطين وشرقي الأردن، عقد المفوض السامي اجتماعاً لأركانه.. ظهر الانقسام فيه على أشده.. المفوض السامي يريد قتال القادمين والكولونيل يريد الانضمام إليهم.. الاجتماع بدأ بكلام وجدال، ثم انتهى بصراخ وصدام، أعقبه فجر اليوم التالي برقية عاجلة طيرتها حكومة فيشي إلى دمشق؛ "اعتقلوا الضباط الديغوليين جميعاً"..‏

في الهزيع الأخير من ذلك الليل، وصل البطحيش إلى بيت الميدان.. ومع الفجر، مضى مع عزيز إلى الكولونيل، ينفذان المهمة. لكن ما إن وصلا قرب منزله حتى فتحا عيونهما على سعتها: كان ثمة مصفحة وكان الكولونيل يحشر فيها أشعث الشعر موثق اليدين، مكبل الرجلين، ثم بسرعة البرق تنطلق به على طريق بيروت... "الفيشيون ينتصرون "جاء جواب السؤال، فلم يملك عزيز إلا أن يطلق تنهيدة طويلة وكأنه يتنفس الصعداء...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244