|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:28 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-12- - البشرى لك. قال عزيز شبه هامس وهو يأخذ زوجته بين أحضانه. - خير؟ أية بشرى؟ سألته شمس شبه هامسة أيضاً، وهي تستقبله عند باب دار القرية العريض العالي الذي تدخل منه سيارات وعربات بخيولها. - بشرى تفرحك كثيراً، بل قولي هي بشرى مزدوجة.. بدأ عزيز على مهل لكنه لم يستطع أن يكمل فقد ازدحم من حوله المستقبلون: أخوه يونس، ابنه نواف، عليا، حفيظة، دملجة، أولاد يونس، أولاد الجيران، جيران الجيران، فالغريب حين يصل إلى القرية يستقبله كل من القرية.. هم يعرفون مواعيد "البوسطة" التي تذهب باكراً إلى المدينة محملة بكل ما في البادية، القرية من منتجات وغلال: خضار، بيض، حنطة، شعير، غنم، دجاج، صوف، أسمان، ألبان.. والقائمة تطول، لكنها حين تعود عصراً تكون محملة بأشياء أخرى كلها للاستهلاك: سكر، شاي، قهوة، أقمشة، معدات، مصنوعات.. والقائمة تطول أيضاً. الكل في القرية فرحون بـ"البوسطة" التي حلت محل العربات والدواب.. عزيز يتذكر كيف كان يسافر على فرسه الشقراء من حماة إلى القرية وبالعكس. يونس يذكر جيداً كيف قطع جنزير العربة اصبعه حين هاجت خيول العربة وكادت توديه في داهية.. الآن لا عربة ولا خيول.. لم يعد هناك حاجة لأن يقضي واحدهم الليل بطوله وربما نصف النهار كي يقطع المسافة بين أم العيون وحماة!!.. ساعتان أو ربما ثلاث ساعات، ثم تجد نفسك في المدينة: "هذا هو العلم: اختصار للزمن وتوفير للوقت والجهد".. في الصباح خرج من دمشق وها هو ذا العصر في القرية.. فأي إنجاز حققه العلم!! أي تقدم حققه الإنسان!! السلامات الحارة، القبل، الأخذ بالأحضان، كلها شغلت عزيزاً عن شمس وعن بشراه المزدوجة، لكن ما إن وقف على طرف الجرن الأزرق حتى عادت تسأله. كان يغسل يديه ووجهه من ماء البئر التي لم يحفرها علي المر، بل وجدها محفورة منذ عصور خلت ومغطاة برقاقة حجرية، رفع الرقاقة عنها فوجد الماء، كما وجد في إحدى التباب التي حفروها ذات يوم الجرن المصنوع من حجر أزرق والذي يتسع لبرميلي ماء. نقله إلى جانب البئر ليصبح مغسلة ومنهل ماء للإنسان والحيوان. - الكولونيل طار.. أجابها فرح في صدره كان ما يزال يتواثب مذ تنفس تلك الصعداء. - طار؟ ماذا تعني؟ قتلتماه؟ سألته بأخفض نبرات الهمس والخوف. - كنا على وشك ذلك.. لكن ربك كريم.. لوح عزيز برأسه وهو يرد ضاحكاً ثم روى لها القصة من الألف إلى الياء... - يا إلهي! ما أعدلك وأرحمك!! هتفت شمس متنفسة هي الأخرى الصعداء... - ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أخالها لا تفرج. ردد عزيز بيت الشعر دون أن يذكر كيف أو متى حفظه... - تقصد.. قضيتنا انتهت!؟ هز عزيز رأسه بالإيجاب وهو يرشق وجهه بالماء فتابعت! لن يتابعها أحد؟. - لا.. لا أظن.. ثم شرح لها عزيز كيف تغير كل شيء بعد ذهاب الكولونيل... العيون التي كانت ترصد الحارة، الجواسيس الذين كانوا لا يبرحون أزقة الحي وعيونهم على منزلنا.. جميعاً اختفوا ما إن حملت المصفحة كولونيلهم إلى بيروت.. - الله!! هتفت شمس فرحة.. كم كنت سأسر لو رأيتهم يحشرونه أشعث الشعر، موثق اليدين، مكبل القدمين في المصفحة.. - أنا رأيته وفرحت عني وعنك.. - والحارة؟ سألته شمس بإشارات معينة من يديها. - طوال خمسة أيام ظللت أنا والبطحيش نرقب ونرصد، لكن كل شيء كان هادئاً. الحارة خالية، لا غرباء ولا عيون. - إذن، انطبق عليه المثل "صياد وصادوه". علقت شمس ضاحكة، فضحك عزيز. "التعليق نفسه علقه البطحيش"، فكر عائداً بذهنه إلى أيام خلت.. كان تعليق البطحيش قد ذكره بصياد آخر. "أخشى أن يكون قد خلف وراءه من يصطادنا نحن؟ "عقب حينذاك وهو ينظر إلى البطحيش نظرات عاتبة، ملمحاً إلى الرجل الذي أثار توجسه وشكه في عش النسر. "أرأيت؟ ظلمت الرجل!" رد البطحيش بنبرة المنتصر". من يسمع كلامك حينذاك، يظن أن التيناوي سيأتي بهم لاعتقالنا في التو واللحظة.. لكن.. صدقني.. ظللت طوال ذلك النهار والليل أراقب الأزقة، الحارة، لم يأت جندي إليها ولا اقترب غريب من عش النسر" "عجيب!! لماذا توجست منه شراً إذن، أيخيب حدسي؟" "الرجال يشتغلون بالعقل.. أما النساء فيشتغلن بالحدس، أتريد أن تصبح كالنساء؟" ولم يستطع عزيز أن يتابع جداله. أحس أن في فيه ماء." البطحيش واثق بالتيناوي كل الثقة، تجربته معه طوال سنة أو يزيد زادته ثقة واطمئناناً، فلماذا نظلم الرجل إن كان وفياً مخلصاً؟ لماذا نخسره إن كان بالإمكان كسبه وطنياً مقاتلاً، عوناً لنا ومساعدة؟" ولم يملك عزيز إلا أن يطرق برأسه صامتاً.. - إيه.. هتفت به شمس محركة كفها يمنة ويسرة أمام عينيه، أراك، شردت؟. - البطحيش عاد إلى درعا حزيناً، رد عزيز هازاً رأسه، أتعرفين لماذا؟ - لماذا؟. - لأنه لم يستطع الانتقام من الكولونيل، وقهقه ضاحكاً. - احمد ربك أنه وفر عليك مخاطرة كهذه. - هكذا قلت، عقب عزيز ضاحكاً. حين رأيتهم يحشرونه في المصفحة قلت له كما قال ذلك الأعرابي: الحمد لله الذي مسخك كلباً وكفانيك حرباً.. ضحكت شمس ضحك الفرح والسعادة ثم قطعت ضحكتها فجأة وكأنما تذكرت شيئاً.. - هذه هي البشرى الأولى فما الثانية؟ كان عزيز قد أنهى غسيل وجهه ويديه، وكان ينشف بالمنشفة وهو يتأملها بأناة وروية، كأنما يبحث عن أفضل السبل لمفاجأتها، تأبط ذراعها إلى ركن الدار، فحثته.. - هيا.. قل.. تكلم.. - الأخضر بخير.. بدأ، لكنها سرعان ما قاطعته بلهفة مجنونة: - الأخضر!؟ ابني؟ حقاً؟ كيف؟ وشرع عزيز يضحك من لهفة الأم العجيبة على فلذة الكبد. - جندي جزائري جاء مع القوات الجديدة إلى دمشق.. شرح لها عزيز فراحت تحثه برأسها، يديها، همهماتها... - إي.. إي.. - تعرف إلى الأخضر قبل أيام فقط في باريس، تابع عزيز الشرح، فأرسل معه الأخضر رسالة.. - رسالة!! هتفت شمس تكاد تطير فرحاً.. أين هي؟ هاتها.. - تفضلي!! اقرئي بنفسك!! قال وهو يخرج ورقة مطوية بعناية في محفظته الجلدية. خطفتها شمس من يده ثم غرقت للتو في الأسطر التي طال انتظارها لها. "أبي الحبيب، أمي الحبيبة.. قبلاتي الحارة وأشواقي الكبيرة لكما، يا أغلى من لي في هذه الدنيا، لأخوتي، للأهل جميعاً، للوطن الغالي.. أرجو أن تكونوا جميعاً على أحسن ما يرام!! أنا هنا بخير.. ابتعدت بضعة أشهر عن باريس، ثم عادت المياه إلى مجاريها. النازي يمسك البلد بقبضة من حديد.. النظام سائد، الأمن مستتب. حكومة فيشي تمتثل خاضعة طائعة لأوامر المحتل، لكن مالي؟ أنا هنا أجنبي لا شأن لي بالنازي ولا بالفرنساوي... لي مهمة وعلي أن أنجز هذه المهمة. اطمئنوا لقد عدت إلى كليتي ودراستي.. كل شيء على ما يرام.. لا تأكلوا همي.. أنا أدبر رأسي ولن أعود إلا ومعي شهادتي الكبيرة.. زودوني بالمال فقط، ولن تعدموا وسيلة لتأمينه لي وتزويدي بأخباركم.. أحبكم جميعاً.. أقبلكم جميعاً.. وإلى اللقاء.." سواقٍ من ماء أزرق جرت على الورقة، وشمس تقرأها.. لم تكن تدري كيف تنبثق من عينيها الدموع، فرحاً أم حزناً؟ طمأنينة أم قلقاً؟ ففي الرسالة الكثير مما يطمئن، وفي الوقت نفسه الكثير مما يثير الهواجس... - تبكين؟ سألها عزيز وهو يعود بنظره إلى غرفة المضافة، حيث كان أخوه يونس، نواف، النسوة، الأولاد، كلهم قد تجمعوا بانتظاره.. - لا أدري!! أخشى عليه من النازي.. - لا.. لا تخشي عليه.. هو نفسه يقول ذلك، قال بنبرة ارتياح ثم تابع، بالعكس، أنا أخشى عليه من الفرنساوي.. - الفرنساوي.. عسى أن يسحقهم هتلر كالقمل... وأطلق عزيز ضحكة تشفٍ وهو يسرع بشمس إلى المنتظرين رغم كل الشوق الذي كان يمضه وقد غابت عنه أربعين يوماً. نواف فرح بأبيه، فرح بأخبار أخيه، فرح حتى بتوءم البنات الذي جاءه رغم أنه يود لو كان توءم صبيان. سمى الأولى باسم شمس، فسمت دملجة الثانية باسم عليا، "وما أحد أحسن من أحد". سمع عزيز فبارك الإسمين جهارا، لكنه لم يملك إلا أن يضحك خفية"، شمس وعليا!! إيه!! لكأن نجميهما مقترنان معاً في السماء لا يأبيان الافتراق جيلاً بعد جيل.. "تلقى عزيز حفيدتيه وهما في اللفائف، واحدة بعد الأخرى قبلهما، واضعاً ليرة من الذهب "نقوطاً" في لفافة كل منهما. بعدئذ تفرغ لأخيه يونس ولم يكن أقل شوقاً إليه من شمس.." إيه يا زمان!! تمر سراعاً لهاثاً، حتى لا يرى الأخ أخاه ولا الابن أباه!!" وحدق عزيز ملياً إلى الشيب يغزو أخاه الأكبر غزواً مبيناً.. كانت سنتان وبضع السنة قد مرت على آخر مرة زار فيها عزيز القرية، وكان قد طلب إلى يونس أكثر من مرة أن يزوره في دمشق، لكن يونس كثير الأشغال، متعدد النشاطات، متعدد المهام حتى ليمرق الشهر مروق السهم فلا يشعر به. أراضيه الممتدة في قرى ثلاث بحاجة إلى عمل، إلى متابعة، كل يوم. لم يكن يونس منذ عشر سنوات ونيف، يعمل بيده.. فما حققه علي المر خلال عشرين عاماً، كان قد غدا بحاجة إلى فلا حين يفلحون ويزرعون، عمال يحصدون ويدرسون.. وكانت هجرة خفية قد بدأت منذ زمن طويل إلى القرية.. من الغرب، من الشمال، بل حتى من الشرق حيث البدو والرعاة. كان الناس يتوافدون على أم العيون بحثاً عن الرزق، وكان علي المر يستقطب هذه العائلة أو تلك، يعطيها المأوى، يفتح لها باب العمل، يستفيد ويفيد.. على سنة أبيه سار يونس: عائلتان لديه الآن في أم العيون، عائلة في أم الرجوم وأخرى في قليب الثور، ويونس دولاب هواء يتحرك، يساعده إبراهيم، نواف... هو هناك يتحرك، يدور.. موجهاً، مرشداً، مراقباً، مدققاً. قطيع الغنم لديه ثلاثمائة رأس، الأبقار اثنتا عشرة وعجولها، الخيول، العربات.. وفي كل موسم تأتيه غلال الشعير والحنطة أكداساً أكداساً. لم يعد يونس يخشى من بدوي يريد عدلاً من حنطة.. الحنطة كثيرة، الشعير كثير، بل حتى العدس، الحمص، الذرة.. أرض أم العيون خصبة، كذلك الأراضي الأخرى والغلال وفيرة تتحول كلها إلى ذهب يكنزه يونس، مواشي وأرزاقاً تفقأ كالحصرم عين الحسود. عزيز فرح بالعائلة التي نمت وتكاثرت حتى غدت عشيرة: أولاد يونس من حفيظة، من عليا، أولاد ابن عمران، أولاد نواف. "يالله!! كم يتكاثر الإنسان!! ما أسرع ما تنمو الذرية وتتناسل!!" كانت قد مضت ثلاثون عاماً على رحيلهم من الريحانة.. أسرة علي المر لم تكن تتجاوز أصابع اليد الواحدة. .. وأصابع يد واحدة انخرطوا في الركب الذي انطلق على عجل باتجاه الشرق. عزيز يستعيد مع أخيه يونس ذكريات تلك الأيام، يتذكران الأم الطيبة التي رحلت قبل الأوان، يتذكران الأب الشجاع الحكيم، الذي قاد الركب يومذاك، ونصب عينيه أراضٍ على أطراف البادية، لا تطولها يد العصملي ولا سوط أبي شعيب... عزيز سعيد بإنجازات العائلة، بالمواشي، بالأغنام، بالأراضي التي لم تعد تزرع حنطة وشعيراً وحسب، بل دخلت زراعات جديدة لا يدري أحد كيف؟ الكروم باتت تشغل واجهة أم العيون كلها.. عزيز تجول مع يونس هناك.. رأى دوالي الكرمة وهي تنتصب خضراء زاهية، حاملة بقية من عناقيد، أعنابها بلون الذهب... القطن.. حقول صغيرة باتت تنتشر هنا وهناك في أم العيون. تسقيها مياه القنوات، الينابيع الكثيرة الغزيرة، السواقي التي حفرها أهل القرية لتصريف مياه المستنقع.. شجيرات عالية متفرعة، كثيرة الجوز يصبح هذا النبات ومن الجوز يتفتح القطن الأبيض غلالة ناصعة كالثلج على جذع أخضر كالمرج.. "أي جمال يصنعه هذا!! أية لوحات زاهية ترسمها يد الطبيعة!!" -أرأيت؟ كم تطورت أم العيون!! قال يونس، وهما يتجولان بين الكروم والأقطان.. -هي ذي سنة الحياة: التطور والتغير: لا شيء في الكون يبقى على حاله، فإما أن يتقدم أو يتأخر... -صحيح، الماء ان لم يتقدم أو يتأخر أسن وأنتن.. قال يونس وقد وصلا إلى طرف المستنقع، حيث الصفصاف متشابك الأغصان يتدلى بأطرافه حتى الماء، إبلا تمد أعناقها لترشف من المنهل. أصوات الضفادع تملأ المكان جوقة تعزف سمفونية الحب الأبدية نداء الذكر للأنثى.. ودون أن يشعر عزيز وجد نفسه يشرد بعيداً موغلاً في الزمان حين كان الجوع ينهش أحشاءه فيسارع إلى المستنقع، يصطاد الضفادع والحيات يأكلها وحيداً وبالسر، وكأنما يرتكب إثماً عظيماً. رآه يونس شارداً فضحك: -تذكرت أيام الجوع؟ -والوجبات الشهية التي كان يطعمني إياها هذا المستنقع، قال ضاحكاً وهو يشير بيده إلى المستنقع الكبير الممتد وقد ازداد قصبه وصفصافه، حتى بات من المتعذر ولوج أماكن كثيرة منه وكأنها في طريقها لأن تتحول إلى غابات عذراء. -ظننتك نسيت القرية؟ نسيت الماضي؟ قال يونس وهو يشير وراءه إلى القرية وإلى نقطة بعيدة في الزمان. -أنسى؟ كيف والقرية هي التربة التي تنغرس فيها جذورك عميقاً تستمد منها النسغ كله، الماء والغذاء؟ كيف والماضي هو مسرح الذكريات ومنبتها دائم التدفق.. لا تذهب ذكرى إلا وتأتي أخرى لتجد نفسك أبداً مشدوداً إلى حيث الجذور والذكريات. -لو تعود فنمضي بقية العمر معاً، يشد واحدنا أزر الآخر ويمد واحدنا يد العون للآخر.. -ربما أعود.. من يعلم؟ قال عزيز بعد أن تفحصه ملياً، فالفكرة لم تكن قد خطرت بباله. لكن ما إن نطق بها يونس حتى بدت مغرية: "حقاً لم لا أعود إلى القرية؟ كان عزيز على مشارف الخمسين، والخمسون سن الكهولة والاستقرار.. يبدأ المرء فيها بوضع رحاله استعداداً لشيخوخة هادئة يحصد فيها المرء ما زرع أيام الشباب والقوة ويهنأ بما جنى بعد رحلة التعب والشقاء. -حقاً؟ سأل يونس بلهفة مفاجئة وقد حسبها مجرد رمية في الهواء، أتفكر في ذلك؟ -تعلم يونس؟ حنين لا يوصف يشدني دائماً إلى هذه المروج، الغدران، أقنية المياه، بل حتى إلى الكهوف التي أوتنا أول ما جئنا إلى أم العيون.. الآن العمران انتشر، القرية صارت كبيرة فيها خدمات، محال تجارية فلم لا أعود؟ -حقاً، لم؟ قال يونس فرحاً مشجعاً، العسكري يخدم في الجيش سنين طويلة، الموظف في الدولة، الدركي في المخافر ، ثم يتقاعد واحدهم فأين يذهب؟ يعود إلى موطنه.. المغترب نفسه يرحل بعيداً، يهاجر سنين وسنين ثم لا يجد نفسه إلا وهو يشد الرحال إلى مسقط رأسه.. فافرض نفسك موظفاً متقاعداً أو مغترباً عاد.. -أجل.. لهذا أقول لك ربما.. لم أفكر بالأمر من قبل، لكنني سأفكر فيه بالتأكيد. قال وهو يزفر زفرة تحمل أكثر من معنى. شعوري يونس، أن الرحلة قد أوشكت على الانتهاء. ذلك الشعور كان قد بدأ يساوره خفية دون أن يصرح به حتى لشمس. هو مع شمس يكره أن يعترف بمرور الزمن، يود لو يظل شباباً دائماً. شمس أحبته هكذا: رجلاً ملؤه الشباب والحياة، فكيف تراها تنظر إليه وهو كهل ينحدر إلى الشيخوخة؟ أحياناً يخطر بباله أن يناقش معها الأمر، أن يسبر غورها فيرى ان كانت ستظل على حبها إن ضعف أو عجز، لكنه لا يجرؤ.. دائماً يتوقف قبل خطوة واحدة فلا يقرع ذلك الباب: "شمس امرأة والمرأة كالدنيا لا تحب إلا الشباب والقوة" لكن ذات صباح أفاقت شمس قبل طلوع الشمس، فالديوك في القرية تتولى مهمة إيقاظك رغماً عنك.. هي نشطة تسبق نور الشمس وتريدك أن تسبقه معها، فتطلق العنان لحناجرها تصيح وتصيح إلى أن تفتح عليا الخم وحفيظة باب المغارة، فتخرج مرفرفة بأجنحتها، ساعية في الأرض بحثاً عن رزقها وإليه النشور. -عزيز، قالت شمس بعد أن قبلته قبلة الصباح، طوال الليل وأنا مع أمي، أخشى أن يكون قد أصابها مكروه. -لا مكروه، بإذن الله.. رد وهو يجلس في الفراش فاركاً عينيه متثائباً. -لكنه حلم فظيع.. بدأت متخوفة فقاطعها للتو: -إن هي إلا أضغاث أحلام.. ألـم نتفق على ذلك من قبل؟ كان عزيز يكره الأحلام وتفسير الأحلام وكان كثيراً ما يشتبك مع شمس من أجل هذا الحلم أو ذاك، لكنها اليوم مصرة. -يجب أن أطمئن عليها. -قولي ذلك منذ البداية، قال ضاحكاً وهو يتذكر أنها كثيراً ما باتت تلف حول الغرض الذي تريده وتدور، شأن النساء كلهن. تريدين أن تطمئني عليها؟ لكن هل تعرفين أين ينزلون؟ -في سفوح البلعاس.. قالت، هي التي أرسلت قبل أيام من يستطلع لها أخبارهم، فجاءها منهم من يطالبها بالزيارة. -إذن، نذهب إلى البلعاس ، حسم عزيز الأمر وغاية ما يتمناه أن يوفر لها الراحة، يحمل لها ما يستطيع من سعادة. شمس، بالنسبة إليه، هي الشمس المشرقة التي ما يزال يعبد.. يترنم بجمالها كلما انفرد بها، يرتل لها الأناشيد كلما وجد نفسه في محرابها فكيف لا يلبي لها اليوم رغبة؟ هو أيضاً يشعر بالحاجة لأن يذهب إلى الفلاة، يستعيد أيام زمان، يوم كان يزور الفارس الملثم فيقضي أياماً وأياماً في المضارب، يطاردان معاً على الخيل، يصطادان الأرانب والغزلان، يصولان في السهوب ويجولان. هو أيضاً يشعر بالحنين لأم شمس، المرأة التي طالما سقته وأطعمته، شملته بحنانها ورعته.. يشعر بالحنين لسلطان.. الأخ والصديق، ترى ألا ينبغي أن يزوره هو الذي لم يزره مذ أصبح شيخ القبيلة؟. كان الشيخ نواف قد مات، هكذا ميتة مفاجئة، لم يتوقعها أحد، وفي مكان بعيد.. حيث تدمر وأطراف بادية الشام. ذهب عزيز يعزيهم هناك ومضت شمس تبكي أباها وقد حملت جثمانه ناقته البيضاء كي يدفن في موطن القبيلة.. لكن هل ينسى الشيخ نواف؟ هل ينسى أهله وذويه؟ وشد عزيز الرحال إلى جبل البلعاس. البلعاس شيخ أصلع لم يبق الزمن شعرة في رأسه.. أشجار البطم التي كانت تتشابك غابات على قمة رأسه ذات يوم لم يبق منها أثر. قطعها "العصملي" والحطابون، ثم أتى على البقية الباقية منها الأغنام والرعاة.. مع ذلك يلحظ عزيز وهو في سيارة البيك آب التي استأجرها خصيصاً، قزعات شعر متفرقة حيث الصخور التي لا يستطيع تسلقها إنسان، والجرود الوعرة التي لا تصلها شاة أو معزاة، فتتهلل روحه، يطرب شيء في داخله. جبل البلعاس قد يعود ذات يوم جبلاً أشم.. تكلل هامته غابات البطم الخضراء.. ومع السفوح الجرداء يعود عزيز للتذكر ثم يلتفت إلى شمس متنهدا، مشيراً: -هناك، لقيت ذات يوم رشأ الغزال، أتذكرين؟ -أنا التي تذكر، ردت شمس مبتسمة، فقد كنت ذات يوم أشعر بالغيرة منه.. -حقاً، لا يمكن للأنثى إلا أن تكون أنثى.. تغار من أية أنثى. -والذكر هل يكون إلا ذكراً يغار من أي ذكر؟ أم نسيت غيرة الذكر إن غازل ذكر آخر أنثاه؟ عزيز لم ينسَ، وإن نسي فقد كان حرياً به أن يذكر القصة التي رواها لهم أحد المسنين بالأمس في مضافة يونس.. هي سمعتها، وهي بالتأكيد تريده أن يتذكرها" "أخذني العصملي إلى حرب اليمين "بداً الرجل قصته." هناك استطعت الهرب صاعداً أحد الجبال مختبئاً في إحدى الغابات.. جائعاً عطشان وصلت لكن متعباً محطماً حتى إذا ما شعرت قليلاً بالأمان أسلمت نفسي للتراب ورأسي لصخرة ملساء، فلم أفق إلا وقد طلعت الشمس.. نظرت حولي فإذا بسعدان وأنثاه يقعيان قربي.. انكمشت في البداية وقد سرت في جلدي قشعريرة، لكنني تماسكت. "لأراقبهما فأرى ما يفعلان". كانت بندقيتي معي وكان باستطاعتي الدفاع عن نفسي، فلزمت الصمت والسكينة.. فيما بدا السعدانان مشغولين بمراقبتي ومعرفة شأني.. كان في أعينهما فضول وفي وجهيها استغراب لكأنهما لم يريا إنساناً من قبل ولم يعرفا شره وبطشه .. تبادلنا النظرات.. كان العطش والجوع قد اسبدا بي وكنت متلاشي القوى حتى خيل إلي أني عاجز عن الحراك وأنني لا محالة هالك.. نظرت إلى اليمين، إلى الشمال، أبحث عما يؤكل، يشرب.. لا شيء، هل عرف معنى نظراتي وبحثي؟ لا أدري.. كل ما أدريه أني، بعد لحظة واحدة رأيته يقفز صاعداً أقرب شجرة، واثباً من واحدة إلى أخرى إلى أن غاب عن ناظري... الأنثى ظلت مقعية على مقربة.. وأنا أفكر "ما تراني أفعل؟ من أين آتي بالطعام؟ "بهدوء انسلت الأنثى مبتعدة لكن في اتجاه آخر غير اتجاه الذكر.. تتبعتها بناظري قليلاً إلى أن غابت هي الأخرى، فتنفست الصعداء.. أنا لا أخفيكم، قال الهرم العجوز، كنت ما أزال منكمشاً من منظرها، خائفاً من غدرها.. قلت في نفسي "الآن يمكنني أن أبحث عن طعام وشرعت ألملم أطراف قوتي.. لكن قبل أن أفعل رأيت السعدان يعود وهو يحمل في فمه أرنباً ما يزال دمه حاراً ينزف.. وضعه أمامي مهمهماً بشيء، فهمت ما أراد قوله، فشكرته على حسن ضيافته.. لكنه انشغل عني في الحال، باحثاً بعينيه عن أنثاه. هنا، هناك راح يبحث، وجهه يشتعل غضباً وعيناه تقدحان شرراً.. نظر إلي فأدركت سر غضبه وانشغاله، نظرت في الاتجاه الآخر الذي ذهبت فيه أنثاه، فأسرع حيث نظرت، وانكببت أنا على الأرنب.. الأرنب وجبة شهية لا يحلم بها رجل جائع واهن القوى مثلي، فأسرعت أسلخ جلده والتهم لحمه نيئاً ليس مثله الشواء.. ولشدة جوعي، انشغلت بوجبتي عن السعدان وأنثاه.. لكن ما هي إلا دقائق حتى سمعت زعقة بعيدة تصم الآذان. جررت نفسي إلى جهة الصوت، فإذا بالسعدان يمسك بأنثاه.. ثم يبدأ بتمزيقها وهي تزعق خائفة متوسلة، فيما كان ذكر آخر ينسل هارباً بأقصى سرعة، وقد أرعبه بطش الذكر بأنثاه". تبسم عزيز لشمس، وقد عاد من قصة العجوز، كما تبسمت له شمس، وكأنما يقول واحدهما للآخر "الذكر كالأنثى" والغيرة شعور طبيعي، لا يقتصر على الإنسان فقط، بل يشمل الحيوان أيضاً"... لكن وصولهما إلى المضارب أنساها الغيرة والسعادين وكل شيء آخر. بحفاوة بالغة استقبلهما الشيخ سلطان والأم، الزوجة والأولاد، الأخوة وأبناء العم.. شمس حكاية خرافية يتداولها أفراد القبيلة جميعاً مذ كانت فارساً ملثماً إلى أن أصبحت شيئاً مهما في دمشق تفك المشنوق من حبل المشنقة، هي تسمع ذلك وتضحك. -صحيح، تعرفين الوزراء والمدراء؟ -حقاً، يزورك الضباط والجنرالات؟ -معقول شمس؟ كلمتك لا تصير اثنتين في دمشق؟ كانت تنصب عليها الأسئلة كلما تحلقت حولها النسوة والفتيات، يثيرهن فضول عجيب لتلمس الحكاية الخرافية عن قرب، ورؤية الشمس التي لم تبلغ منزلتها فتاة في القبيلة. في المضارب حاول الزوجان استعادة أيام الصبا، ركبا الخيل، تجولا هنا وهناك، فكلاهما كان يتحمل أعباء على كتفه يريد التخلص منها.كان الخريف قد انتصف وكانت بواكير مطره قد أنبتت الكلأ في سهوب البادية الواسعة الخصبة، وكانت السنة تبشر بالخير. قطعان الغنم تسرح وتمرح، النوق زرافات وفرداناً تملأ الفلاة.. كان الشيخ نواف قد ترك منها الكثير فسنوات الخصب الأخيرة، والأمان الذي لم يعد فيه غزو ولا غاراتٍ كانا قد تركا بصمتهما: آلافاً من الشياه ومئات من النوق يملك الشيخ نواف وحده، لكنه قبل أن يموت أوصى بأن تعطى البنات مما يملك وفق شريعة الإسلام: للذكر مثل حظ الاثنين فكانت حصة شمس قطيعاً من الأغنام وآخر من النوق مرت بهما ذات يوم تتفقدهما. -ألا تأخذين قطيعك هذا؟ سألها سلطان، وهو يشير إلى الأغنام المنتشرة هنا وهناك. -إن عدنا إلى القرية أخذناه، ردت شمس وهي تنظر إلى عزيز كأنما تريده أن يؤكد قولها. -وهل تفكر بالعودة؟ سأل سلطان عزيزاً هذه المرة. -حين يكبر الموظف تحيله الدولة إلى التقاعد، أجاب بشيء من دعابة وهو ينظر إلى شمس، فهل تحيلني شمس إلى التقاعد؟ -لو كان الأمر بيدي ما عدت إلى المدينة، ردت شمس متنهدة، لكنهم الأولاد. -الأولاد؟ قاطعها سلطان عاتباً، حيف عليك شمس، الأولاد فروع لنا ونحن الأصل.. والأصل تتبعه الفروع.. وليس العكس.. -ذلك كان أيام زمان أخي سلطان!! لكن اليوم تغير كل شيء. -بيدها حق سلطان، تابع عزيز وهم يسيرون الهوينى على خيوط أصيلة يود لو يطير بها لكن جسده لم يعد يسمح له. يتبعك الأولاد صغاراً لتتبعهم أنت كباراً. -لكن .. كيف.. أليس أولادكم كأولادي؟ ها هم يتبعونني أطوع من بناني.. -هم يعيشون كما عشت دون تغيير أو تبديل.. لكن وقد تغيرت ظروفنا، الأمر يختلف سلطان، شرحت له شمس من جديد.. الأخضر الآن في باريس، يعيش في عالم غير عالمنا.. له حياته واستقلاليته فماذا نملك من أمره؟ قلنا له عد وقد هدده خطر النازيين لكنه أبى وأصر: لن أعود إلا ومعي شهادة الطب، فماذا تفعل؟ نواف هنا في القرية له عالمه هو الآخر، مناف في دمشق، بدور تدرس، ولا نملك إلا أن ننتظر أن يحقق كل منهم غايته.. -حالة صعبة.. رد سلطان ملوحاً برأسه، الصدق، حالة صعبة.. أصير تابعاً لأولادي لا.. لا.. حالة لا أرضى بها لنفسي. ومن جديد عادت شمس تسهر في المضافة، لا ملاءة ولا حجاب تجالس الرجال، تماماً كأيام الفارس الملثم لكن دون أن تضطر أيضاً للتلثم أو التزيي بزي الرجال. كان كل من في القبيلة يحمل لها الاكبار والإعجاب.. يسألونها وكلهم فضول، شأنهم شأن النساء، لمعرفة مكنون المرأة التي بدأت فذة متفردة وما تزال فذة متفردة، حتى ابن عمها معجون كان قد أصبح يحمل لها الإعجاب والود.. هي تنظر إليه وتتذكر حقده عليها، حبه لتملكها، تتذكر اصراره على الزواج منها والمبارزة بالسيف التي أرغمته عليها. "أتراه نسي كل شيء؟ أتراه صفح عني وغفر؟" لم تكن لتثير معه تلك الذكريات، لكنها كانت حريصة أن تعيد معه رابطة القرابة والمودة. أمها، التي طعنت بها السن كانت تحمل لها الراحة وهما تجلسان وحيدتين، تسهران أو تنامان معاً في الفراش لتستعيدا الماضي وتطفئا الأشواق.. ذلك الصدر الذي ذبل ويبس كم كان ممرعاً ذات يوم مترعاً بالدفء والخير تنهب منه نسغ الحياة. شمس تضم أمها، تحضنها، تضاحكها، فهي تعلم كم ترك غياب الشيخ نواف من حزن وحسرة في قلبها ذاك الذي كان يستمد دماء الحياة من دمائه، صدرها الذي كان يأخذ الهواء من هوائه.. أختها فوز لم تكن تفارقها، صديقاتها، لداتها، كلهن كن يردنها معهن.. فيولمن لها الولائم ويذبحن الذبائح.. عشرين يوماً أمضت شمس في المضارب التي استبد بها الحنين لحياتها، لحلها وترحالها، لفلواتها الواسعة تصول فيها وتجول، لكن حنيناً آخر كان ينمو.. هناك في الأعماق للفروع الغضة التي تشغل دائماً بال الأصول. محملة سيارتهما خرجت من المضارب، ومحملة أكثر خرجت من القرية وقد ودعا الأهل والأحباب، يطلقان الزفرات وتسيل على وجنتي شمس الدموع.. هي المرة الأولى التي بكت فيها: "أتراني ضعفت؟ صرت أكثر عاطفة ومشاعر؟ إيه!! لقد مضى عهد الفارس الملثم ذاك الذي لم يكن يعرف البكاء". لكن ما إن وصلا إلى البلدة الهاجعة عند أطراف البادية حتى وجدا الدنيا قد خربت.. -ماذا هناك؟ سأل عزيز أول عابر شمر ثوبه عن ساقيه وأطلق لهما العنان. -الشرطة تطلق النار!! الفرنسا وي يقتلون الناس.. وأسرع إلى منزل صديقه أبي مصطفى حيدر بعيداً عن شارع البلدة الرئيسي حيث مواطن الخطر. هناك سمع الزوجان القصة. -في الصيف، ومع طلوع الموسم، بدأ أبو مصطفى الكهل المتعب من الحياة ومشكلاتها قصة المظاهرات، تصادر الحكومة الفرنسية غلال الأرض بحجة الميرة والحرب وحاجة الجند في فرنسا ومستعمراتها للحنطة والشعير.. -صحيح، أعلم ذلك رد عزيز وهو يستعيد في ذهنه صورة حوران وأهله وهم ينوؤون تحت أعباء الميرة ويعانون من عنت المستعمر. لم يكن في ذلك الموسم قد استطاع أن يأتي بأكثر من قافلتين أو ثلاث قوافل إلى محله في الميدان.. الدرك يضربون خيامهم على البيادر، يرصدون الدراس والدراية حتى إذا ما جهز الفلاح بيدره صادروا ثلاثة أرباعه أو يزيد فلا يتركون له إلا قوت اللا يموت ومقدار البذار الذي يريد بذره العام القادم محسوباً بالمكيال.. -لكنك لا تعلم، تابع الصديق بنبرة من حزن شديد، مقدار البلوى التي حلت بالناس.. المواسم هذا العام كانت سيئة هنا والحكومة فرضت قدراً معيناً من الحنطة والشعير يجب تحصيله.. بلا شفقة أو رحمة، حصل الدرك الكمية حتى لم يتركوا مؤونة للناس فلم يأت الخريف إلا والناس جياع. احتج الناس ورفعوا العرائض، أرسلوا الطلبات فقررت الحكومة تقديم معونة من طحين الحنطة والذرة كي تأكل البلدة وكادت أن تصل المعونة، لولا أن "المير" عطل كل شيء.. -"المير" عطل وصول المعونة إلى الناس؟ هتف عزيز وقد فغر فاه دهشة. -تصور. ملكي أكثر من الملك. -وماذا فعل؟ أكمل.. قال عزيز وقد صار كلها فضولاً.. -ذهب إلى الحاكم، قال له لا تصدق الناس.. إنهم كذابون. ليسوا جياعاً ولا هم بحاجة إلى معونة.. جندكم أحوج إليها، بلدكم في حالة حرب أما نحن ففي سلام.. ومن هم في حالة حرب أحوج للمعونة ممن هم في حالة سلام.. لا نريد المعونة. خذوها. -وأخذوها؟ -بالطبع، إن كان المير نفسه يطلب ذلك فلماذا لا يلبى؟ إن كان ممثل الشعب لا يشفق على الشعب فكيف يشفقون هم؟ -يا إلهي!! شيء لا يصدقه العقل.. ابن الشعب لا يشعر بشعبه ورأس القوم لا يشفق على قومه -هذا إن كان هو ابن الشعب فعلاً أو رأس القوم حقاً!! علق أبو مصطفى الذي خبر الحياة كثيراً وعرف منها كثيراً.. -معك حق.. مثل هؤلاء الناس دخلاء غرباء غرسهم العصملي ذات يوم في ظهرانينا... لا شأن لهم بالشعب ولا علاقة لهم به فكيف يتعاطفون معه أو يحسون بوجعه؟ -هو ذاك، والويل لشعب رأسه ليس منه، قال وهو يتنهد. بعدئذ تابع: صدقني كل ما يهم هذا "المير" هو الحفاظ على منصبه، ترسيخ علاقته مع الحكام ودعمهم له.. وليذهب الشعب إلى الجحيم.. -تعني.. المظاهرات اليوم موجهة ضده؟ -ضده وضده الحكام.. أبو عوض الشعار تعرفه؟ -هو صديقي. ما له؟ -أمس، شكل وفداً وذهب إلى السراي، يبين الظلم الفادح الذي نزل بأهل البلد الجياع، لكن المير تدخل أيضاً وطرده من السراي. -طرده؟ كيف؟ لماذا؟ لا يريده أن يعطي صورة قبيحة عن أهل البلد "نحن أكثر كبرياء وعزة نفس من أن نشحذ لقمة خبزنا من السلطة "قال لـه "فلاتسود وجهنا.. نحن أصحاب إباء وشمم، نموت ولا نأكل بأثدائنا.." -وبماذا رد الشعار؟ -نزل إلى البلدة، يستنفر الناس واحدا واحداً، يشحذ هممهم واحداً واحداً. هم يسلبونكم قوتكم وعليكم أن تطالبوا به ، هيا.. هبوا.. والله.. ما مات حق وراءه مطالب.." وامتلأت الشوارع منذ الصباح بالناس تصيح وتهتف: "جوعانين بدنا ناكل جوعانين.. المعونة .. المعونة.. يدنا طحين معونة.. جوعانين.. بدنا طحين "راح أبو مصطفى يردد بحماسة وانفعال واضحين كأنما أخذه الحال. -وواجهتهم الشرطة بالرصاص؟ -وبالاعتقال أيضاً.. عشرين رجلاً ساق الدرك مكبلين بالحديد وعلى رأسهم صديقك الشعار وابني مصطفى.. أكمل بكثير من الانكسار والحزن. -ابنك مصطفى أيضاً.؟ -وابن أختي.. كذلك.. -اللعنة!! قد وقعوا في براثن الذئب إذن!! -براثن الذئب؟ ماذا تعني؟ -البلد الآن في حالة حرب أي حالة طوارئ قصوى ولا يسمح معها بتجمعات أو مظاهرات، هذه كلها تعتبر فتنة وشغباً.. وكل من يشارك في فتنة أو شغب يحال إلى المحكمة ومن يعلم؟ قد تحكمهم المحكمة بالإعدام. -ماذا إعدام؟ هتف أبو مصطفى مقاطعاً فزعاً. -ممكن!! لهذا يجب تخليصهم قبل أن يحالوا إلى المحكمة. -كيف؟ -نهجم على السجن فنحررهم.. لكن الفرنساوي يضع الاحتمالات كافة، وقد وضع ذلك الاحتمال في حسابه، فحشر المعتقلين في شاحنة عسكرية، وأسرع بهم إلى حيث لا يمكن لأهليهم أن يهجموا على السجن أو يحرروهم. في حماة استقبلهم السجن بوجهه الكالح وحجارته العتيقة لكن نزلاءه استقبلوهم بالأحضان.. إذ ما إن وصلوا حتى انتشر الخبر في أنحاء السجن كله: مناضلون شرفاء تصدوا للمستعمر، رشقوه بالحجارة، واشتبكوا معه بالعصي والهراوات فاستخدم معهم الرصاص والنار وساق رؤوسهم إلى السجن. وأسرع السجناء يحتضنونهم ويواسونهم، يتعاطفون معهم ويشدون من أزرهم. في الأيام التالية نشط النشطاء وتحرك الخطباء يحضون الناس على الوقوف إلى جانبهم ومد يد العون لهم: مناسف لحم حملت إلى السجن، أطباق حلويات، ملابس جمعت، مال قدم لهم، فليس أحب على قلب حماة المناضلة المقاتلة من مؤازرة المناضلين المقاتلين .. حركة حماة تلك أزعجت حاكم حماة بل ربما أثارت في قلبه الذعر.. سجل المدينة حافل، ثورتها ما تزال ماثلة في الأذهان، ماثلة في السجلات، حسبه أن يعود قليلاً إلى الوراء ليرى كيف هبت المدينة هبة الرجل الواحد لتصلي أسلافه ناراً حامية. إذن هي ما تزال هشيماً يابساً حسبه شعلة من نار حتى يشتعل فلماذا لا يبعد الشعلة؟ مساجين البلدة القريبة هم الشعلة.. بأم عينيه رأى الحاكم كيف استنفر السجن من أجلهم، الشارع، الأحياء.. كل من في حماة لا يتكلم إلا عن البلدة الجارة التي خرجت عن بكرة أبيها تصب جام غضبها على المستعمر الذي نهب قوتها ثم رفع عنها المساعدة، فلماذا لا تهب حماة أيضاً؟ الحاكم الفرنساوي يضع الاحتمالات أيضاً، يعرف الحساب والضرب كذلك، وبحسبة بسيطة توصل إلى نتيجة، وجد السجناء أنفسهم إثرها يساقون مرة أخرى إلى دمشق. عزيز يترصد أخبارهم. وصلوا إلى سجن القلعة فبدأ يسعى لرؤيتهم.. صديقه الشعار وابن صديقه مصطفى بينهم فكيف لا يسعى لمساعدتهم؟ بعد ثلاثة أيام تكللت مساعيه بالنجاح: مناسف طعام، ألبسة، مال، كلها تدفقت عليهم بل هو نفسه استطاع أن يزورهم. التقى بأبي عوض، أخذه بالأحضان، بدأ تشجيعه فوجده مشعاً للشجاعة والتشجيع.. كانت معنويات أبي عوض عالية. رغم محاولات الفرنساوي التضييق عليه ظل صلب القناة لا يهون، رغم كل ما بذلوا لتخويفه ظل شجاعاً لا يخاف. عزيز سعيد به، يتأمله بإكبار وهو يحدثه عن سجن القلعة، عن سجن حماه فيتذكر أيام السجن في حماة، الكابيتان جيرار وجلا وذته، غرفة التعذيب وصنوف التعذيب التي تعرض لها، لكنه يشيل برأسه فخاراً وهو يستعيد ذكرى الليالي التي كان يقضيها في حفر النفق إلى أن خرج مع أذان الفجر إلى الفجر، مع بشائر النور إلى الحرية والنور. -لا عليك، دمشق كلها ستكون معك كما كانت حماة. طمأنه عزيز بعد أن استمع لأخباره. -لكنهم سيحاكموننا.. اليوم بلغونا موعد المحاكمة.. وكل ما نخشاه أن تكون محاكمة صورية، أحكامها متخذة مسبقاً. -لا تخافوا.. سنقيم لكم أكبر المحامين.. -ومن يضمن أن تجري محاكمة عادلة؟ -سنقيم الدنيا على رؤوسهم: الشارع، الصحف، الأحزاب، كلها ستكون معكم. فقط اصمدوا. وصمد الشعار، حيدر، محفوض، مقصود.. والسجناء البقية الذين اعتبرهم الفرنساوي رؤوس الشغب في البلدة الهاجعة بين البادية وجبال العلاه. نحلة في حقل أزهار، صار عزيز في الأيام التالية. من مكان إلى آخر ومن شخصية إلى أخرى راح يتنقل عزيز، يشرح قضية المساجين، يثير حمية المناضلين، حتى إذا حان موعد المحاكمة كان هنالك أكثر من عشرة محامين تنطحوا للدفاع عنهم. عواد الذي كان وثيق الصلة بأساتذة القانون ورجال الحقوق، أسهم في ذلك أكبر إسهام. الأستاذ صبري، الرجالات الكبار كلهم تحمسوا واندفعوا: أليس المساجين أبناء وطن سجنوا دفاعاً عن حرية الوطن؟ افتتحت الجلسة فانبرى المحامون للدفاع: ألسنة ذربة، وخطبا بليغة وحججاً دامغة، حتى بدا لعزيز أن القاضي الفرنسي يتصبب عرقاً لضعف موقفه وخزي بني جلدته.. كما بدأت الهمهمات تتصاعد" قد أفحم الفرنساوي، مرغماً سيطلق سراحهم" لكن فجأة ظهر المير نفسه، بوجهه الأحمر النمش وكرشه الكبير المنتفخ، وفي يده عريضة.. طلب القاضي منه قراءتها فجمد الدم في عروق عزيز: أهل البلدة يطالبون بإعدام المشاغبين أصحاب الفتنة. مئات التواقيع ترصع العريضة.. المير يقرأ الأسماء.. بعضها يعرفه عزيز وبعضها الآخر لم يسمع به.. ران السكون على السجناء، المحامين، الحضور، ذهولاً ودهشة.. لم يكن واحد منهم يصدق ما قرأه المير في عريضته: -كذب!! -تدجيل!! -تآمر!! -خيانة!! بدأت تتعالى الأصوات من داخل القفص وقاعة المحكمة، حتى بدا وكأن الزمام سيفلت من يد القاضي.. الأصوات غدت صياحاً وصرخات، لكن مطرقة القاضي أسرعت تدق بقوة وعنف، حركة بواريد وجند نشطت هنا وهناك فران الصمت من جديد. -إن كان أهلوكم يطالبون بإعدامكم، ماذا تنتظرون؟ توجه إليهم محامي الإدعاء بصوت جهوري حاقد، وإن كان أميركم نفسه يحمل تلك المطالبة، فماذا تتوقعون؟ -هو كاذب!! -متآمر!! -عميل!! تعالت الصيحات من جديد ومن جديد تعالت دقات المطرقة ترافقها قعقعة السلاح وطقطقة أحذية الجند. -سيدي القاضي!! انبرى أحد محامي الدفاع وقد عاد الهدوء للقاعة، هل تأذن لي بالكلام؟ -ولماذا الكلام، إن كان أهل بلدهم أنفسهم قانعين بذنبهم مصرين على حكمهم بالإعدام؟ -فقط لنا طلب واحد سيدي القاضي، وقف محام آخر للدفاع يدعم بصوته الجهوري زميله. -تفضل.. قل ما هو طلبك؟ -أن تأتوا بعشرة لا على التعيين من أصحاب هذه التواقيع شهوداً. وأطرق القاضي لحظة ثم التفت إلى اليسار فاليمين، هز كلاهما رأسه بالإيجاب فعاد القاضي إلى محامي الدفاع. -طلبكم مقبول.. يؤتى بالشهود، عشرة من أصحاب التواقيع لا على التعيين. رفعت الجلسة. في الجلسة التالية سألهم القاضي: -أهذه تواقيعكم؟ -نعم.. أجاب الشهود العشرة وهم يستعرضون العريضة التي تحمل تواقيعهم -أرأيتم؟ توجه القاضي من جديد للمحامين وعلى محياه سيما النصر. -أتسمح لي بسؤال أوجهه لهم سيدي؟ سأل المحامي جهوري الصوت، أستاذ الحقوق في كلية عواد، البارع في حقوق الوطن والإنسان المتبرع دائماً للدفاع عن حقوق الوطن والإنسان. -تفضل اسأل. -على ماذا وقعت؟ سأل المحامي أحد الشهود وقد صار قبالته. -لا أدري سيدي القاضي، أجاب الشاهد، فجحظت عينا القاضي وانكمش المير في مقعده. -ماذا في هذه العريضة؟ سأل الشاهد الثاني. -أنا أمي، لا أعرف القراءة والكتابة سيدي القاضي! -كيف توقع على عريضة تجهل ما فيها؟ سأله القاضي. -المير أمرني أن أوقع فوقعت سيدي القاضي.. وجحظت عينا القاضي أكثر فيما انكمش المير أكثر وأكثر حتى بدا كرشه أشبه بإطار سيارة يفرغ شيئاً فشيئاً من الهواء.. الشهود العشرة كلهم أجابوا الإجابة نفسها "لا ندري ما في العريضة"، "لم نقرأها" "لم نسأل المير عنها" هو أمرنا أن نوقع.." ويشير كل منهم إلى المير. -إذن، أنت ترى يا سيدي القاضي أن العريضة مزورة لا تعبر عن إرادة الشعب ورغبته، بل عن إرادة هذا المفتري ورغبته، وأشار المحامي إلي المير. حاول المير أن يحتج رافعاً صوته، لكن المحامي الجهوري تابع طاغي الصوت: أنت ترى سيدي القاضي أن الدعوى كاذبة وأن أصحاب التواقيع لا يطالبون بإعدام أبناء بلدتهم. أليس كذلك أيها الشهود؟ -لا.. لا.. -بالعكس.. -نحن نطالب بإطلاق سراحهم، تعالت صرخات من الرجال الذين وقعوا على عريضة لا يعرفون محتواها.. ثم تابع أحدهم بصوت أعلى: بل أهل البلدة كلهم يطالبونكم بإطلاق سراحهم. إنهم أبرياء، لم يطالبوا إلا بحقهم في لقمة العيش.. التفت القاضي إلى صاحبيه كليهما كالعادة ثم علا صوته: براءة.. يطلق سراحهم.. فلم يشعر عزيز إلا وقد هب ملء طوله، وصوته ملء القاعة: -يحيا العدل!! يسقط الخونة، أعداء الشعب!! فرحة عظيمة عمت القاعة. الرجال هتفوا، النساء زغردن، ثم اختلط الحابل بالنابل وقد اندفع الكل باتجاه السجناء الذين أطلق سراحهم يعانقونهم ويحتضونهم. بعدئذ اتجهوا جميعاً نحو الخارج في ما يشبه المظاهرة، لولا أن سارع الجند يفرقون الناس بالحراب، فحالة الحرب والطوارئ لا تسمح بالمظاهرات. لم تكن الحرب قد تركت آثارها على السلمية وحسب فخرج أهلوها يتظاهرون ويحتجون مطالبين برغيف الخبز، بل كانت آثارها في كل مكان من البلاد: فقدان مواد أساسية، نقص مواد أخرى حتى ليبحث المرء عن كيلو من السكر فلا يجده، عن زيت الكاز وقوداً لطباخه فلا يعثر منه على قطرة، ثم غلاء أسعار حتى ليحسب المرء أن القيامة ستقوم.. الحبوب، الأقمشة، البن، المصنوعات، المستوردات كلها اختفت من السوق وكأن جناً شفطتها حتى لم يبق لها أثر. تسأل التاجر عن حاجة فيهز رأسه "سقى الله أيام زمان". تطلب منه شيئاً فيقول لك" من أين والعالم يشتعل حرباً؟" كانت الغواصات الألمانية تسرح وتمرح في البحار مدمرة هذه السفينة، حارقة تلك حتى بدأت السفن تختبئ في مرافئها فئرانا في جحور. انقطعت الطرق البحرية وتوقفت التجارة، فلا أحد يضمن وصول سفينة إلى وجهتها ولا أحد يغامر بشحن سفينة ستقطع البحار.. الجو أكثر خطراً: طائرات هتلر تهيمن على أجواء أوروبا من الجزر البريطانية شمالاً حتى شواطئ المتوسط جنوباً ومن المحيط الأطلسي غرباً حتى موسكو ولينيغراد شرقاً.. في البر: جنود هتلر في كل مكان، مارشالات يكتسحون سهوب الشرق وصحارى الشمال الافريقي حتى بدا هتلر وكأنه يقبض على العالم قبضة عملاق على عنق قزم. تشرشل يصرخ من لندن ويستغيث.. طائرات هتلر لا تنفك تغير في الليل وفي النهار، تقصف وتدك حتى غدت شوارع لندن خراباً وعماراتها يباباً.. رومل يجتاح سواحل افريقيا العربية وصحاريها داحراً الفرنسيين في الغرب، داحراً الانكليز في الشرق حتى بدا ثعلب الصحراء، وكأنه يطبق فكي الكماشة على أعدائه من الجنوب والشمال. موسكو مدينة ساقطة والجنود النازيون يدقون أبوابها. لينغراد محاصرة ستالينغراد على شفا الهاوية والسوفييت يقاتلون. بالنواجذ، بالأظفار يقاتلون. يائسين يقاتلون. لولا رهان واحد راهنوا عليه: الجنرال الشتاء. جاء الجنرال - الشتاء فلم يخذلهم. الطبيعة أم رؤوم.. أرسلت لهم شتاء كما يبتغون: صقيعاً وجليداً قرصا وثلجاً، أمطاراً وعواصف، حتى بدأت عظام الجند الهتلري تتقصف وتتفتت، وبدأ قبس من أمل يطل من كوة الشتاء. كبر ذلك القبس ثم كبر حتى إذا انتهى الشتاء كانت الكوة كلها تشع بالنور وكان السوفييت قد ربحوا الرهان. في الجبهة الغربية أجدت صرخات تشرشل واستغاثاته.. الدم لا يصير ماء، وأنجلو - ساكسون أمريكا لا يتخلون عن أنكلو -ساكسون بريطانيا.. هم من دم واحد ولا يهون عليهم أن يحتل هتلر لندن مسقط رأس الأجداد ومنبت الجذور والأصول.. تحركت أمريكا ذلك الوليد الذي ظهر في غفلة من الزمان ثم نما وكبر حتى بدا فجأة بقامة العمالقة.. الأغذية، الأسلحة، العربات، الطائرات، السفن.. الذهب، الفضة.. كل ما يحتاجه أنكلو ساكسون الشرق بات يرسله لهم أنكلو ساكسون الغرب.. وتنفس تشرشل الصعداء.. كان منذ البدء قد راهن على جر أمريكا إلى الحرب.. ذهب إلى روزفلت.. مسد الضرع.. المرة تلو المرة حتى در الضرع وبدأ الحليب بالجريان. الهدف التالي لتشرشل أن يدفع بالعملاق إلى آخر المطاف: ساحة الحرب.. حين ذاك يكون على يقين من أنه سينتصر.. بسيجاره الضخم الشهير كان تشرشل يتحدى هتلر ولا يفتأ يتهدد ويتوعد، ضارباً أكثر الأمثلة صلابة وإصراراً.. في بيانه الوزاري لم يعد بريطانيا بالرفاه والنعيم، بالبهجة والسرور، بل وعدها بكل ما تجره الحرب من ويلات وأهوال، فظائع ومآسٍ لكنه وعدها بالنصر. ولكي ينتصر، كان تشرشل يعلم أن النسر البريطاني لا يطير إلا بجناحين: أمريكا وفرنسا.. أولهما خامل ساكن فبدأ بتحريكه، والثاني قصه هتلر فبدأ بإنبات ريشه من جديد، وكان ديغول القادمة الأكبر في ريش ذلك الجناح. -كيف الوضع أستاذ؟ سأل عزيز الأستاذ المناضل الذي لا ينفك يتحسر على لوائه السليب، وقد دعاه وأخته للعشاء. -من سيء إلى أسوأ، رد الأستاذ بنبرة حزن وتجهم محيا. -ارتح قليلاً من السياسة أستاذ، وقل لي الثريد ناجح؟ سألت شمس مداعبة محاولة تخفيف التجهم في وجهه. -ليت العالم ثريد وأنت تصنعينه بيدك البارعة هذه، رد الأستاذ مبتسماً مطرياً السيدة الفريدة من نوعها التي كانت تعلم أنه يحب الثريد فلا تدعوه إلا وهو على مائدتها. دلال، لماذا لا تتعلمين كيف تطبخينه؟ خاطب أخته التي صارت صديقة حميمة لشمس. -كرمى لعينيك سأتعلمه، قالت الأخت المتعلقة بأخيها حتى العبادة. -أستاذ!! عاد عزيز للتدخل دعنا الآن من الثريد والطعام وقل لي لماذا من سيء إلى أسوأ؟ -كنا نأمل أن تنهي هذه الحرب فرنسا، فإذا بها تعود للحياة وتتجدد. -هل انقلبت حكومة فيشى على هتلر؟ -بل حكومات المستعمرات تنقلب على حكومة فيشي.. ديغول وتشرشل يقصان أجنحة بيتان. ريشة ريشة. وها هي ذي المستعمرات تعلن ولاءها لديغول الواحدة بعد الأخرى -لكن في سوريا ولبنان ماتز... بدأ عزيز لكن الأستاذ لم يدعه يكمل: -في سوريا ولبنان ستنتهي حكومة فيشي أيضاً. -ويعود الكولونيل رينو؟ تدخلت شمس مقاطعة شبه خائفة,... -يعود الكولونيل؟؟ لا يعود!؟ أمر لا يستطيع أحد البت فيه.. لكن الشائعات ملء البلد وكلها تؤكد أن ديغول سيدخل سوريا ولبنان. -إذن عاد رينو!! يا إلهي!! أي خبر مشؤوم هذا! هتفت شمس بصوت أشبه بالندب.. -من هو رينو هذا؟ وماذا يعني أن يعود؟ سألت دلال باستغراب واضح.. لكن لم يكن باستطاعة شمس ولا عزيز أن يشرحا لها من هو رينو وماذا يعني بالنسبة إليهما أن يعود. كل ما كانا يستطيعان شرحه أنهما مذ تم ترحيله، أحسا وكأن صخرة كبيرة انزاحت عن صدريهما. حاولا بعد ذهابه أن يتقصيا أخباره. الأخبار المؤكدة الوحيدة أنه صار فيشي.. تحت تصرف الحكومة. لكن ماذا فعلت به تلك الحكومة؟ ماذا جرى له، لم يكن أحد يدري ولم يكن عزيز وشمس معنيين إلا بشيء واحد: طي ذكراه فلا يسمعان باسمه أبداً. -لا يهم رينو هذا، لا يهم!! دعنا منه. عاد عزيز من شروده يرأب صدع الحديث الذي كان يعنيه كثيراً ثم توجه إلى الأستاذ: كيف سيدخل ديغول؟ -مع القوات الانكليزية - أنا لا أصدق قاطعه عزيز هازاً سبابته.. منذ زمن طويل وهم يقولون.. تحركت القوات الانكليزية... سوف تتحرك... -لكن هذه المرة، صدق. هي تتحرك الآن باتجاه درعا على رأسها الجنرال نفسه وكل ما استطاع تجميعه من قوات فرنسية. -إذن هي الحرب، علقت دلال فزعة.. فيما تابعت شمس في الحال: -وإذا اقتربت الحرب، على الناس أن يبتعدوا. -شمس، علق عزيز على الفور متعجباً ضاحكاً في الآن نفسه، أنت تخشين الحرب؟ أنت تهربين!؟ -لم لا؟ تدخل الأستاذ مدافعاً، المرأة والحرب عدوان لدودان لا يلتقيان أبداً.. -إيه يا أستاذ! عقب عزيز متنهدا، لو رأيتها يوم كانت فارساً ملثماً، يبارز بالسيف ويطارد على الخيل. -لا.. أنا لا أصدق.. قاطعته دلال نافية برأسها.. شمس المرأة الجميلة الناعمة تبارز وتطارد. -لا.. صدقي دلال، تدخلت شمس مبتسمة ملوحة برأسها اثباتاً.. يومذاك كنت في ميعة الصبا.. وكنت أعيش في الفلاة ولم أكن قد صرت أما ولا عشت حياة المدن.. -تذكرينني بميسون.. بدأ الأستاذ معلقاً مبتسماً، فقاطعته شمس: -ومن ميسون هذه؟ -زوجة معاوية.. حين ضاقت بحياة القصور والمدن فقالت: لبيت تخفق الأرواح فيه.. أحب إلي من قصر منيف ولبس عباءة وتقر عيني.. أحب إلي من لبس الشفوف وكلب ينبح الأضياف دوني.. أحب إلي من قط أليف -أي والله أحب وأحب.. هتفت شمس مغتبطة فرحة، ثم انقلب الحديث إلى الأدب والشعر: ميداناً يبرع فيه الأستاذ براعته في السياسة وتحبه شمس حبها لذكريات الفارس الملثم. عند القيلولة، رن الهاتف الذي بات جزءاً لا يتجزأ من حياة دمشق فنهض إليه عزيز: -ألو!! مناف؟! أهلا بني! -هنا في المحل رجل يسأل عنك، جاء من الطرف الثاني صوت مناف، يريد أن يراك. -من هو؟ -محمد التيناوي.. -ماذا؟ قاطعه بما يشبه الصياح، وقد قف شعر رأسه. -التيناوي، وهو آت من درعا... هل آتيك به؟ -لا.. لا.. أنا آت.. انتظرني، وللتو انطلق. شتى الأسئلة تدق أبواب جمجمته: كيف عرف عنواني؟ كيف عرف اسمي؟ دخل عزيز المحل، فهب التيناوي واقفاً: -لا تؤاخذني، أرجوك.. صاحبنا قال لي أين أجدك.. وأشار إلى البعيد والوراء فتوقف في الحال دق الأسئلة لأبواب جمجمته. -لكن ما الأمر؟ ماذا هناك؟ سأله عزيز. -هو مريض، يريدك في الحل. -مريض؟ ماذا به؟ -لا أدري.. حمى شديدة أصابته منذ ثلاثة أيام.. أتيت لـه بالطبيب فقال: "التهاب مرارة لا بد من إجراء عملية جراحية لـه.. لا بد من نقله إلى المستشفى. -هنا.. في دمشق. -بالتأكيد.. في درعا لا يوجد مستشفى. -لماذا لم تأت به معك؟ سأل عزيز وقد اضطرب كل ما فيه. -ينبغي تدبير المستشفى أولاً -المستشفى!!؟ لا يهم.. المهم نقله.. -وبأقصى سرعة، أكمل التيناوي، بأقصى سرعة. -ماذا تنتظر إذن؟ هلم نذهب.. في السيارة إلى درعا، حاول عزيز أكثر من مرة أن يسأله عن المرض، عن الحمى، عن آخر أخبار درعا، لكن الرجل كان لا ينطق بكلمة أو كلمتين جواباً،حتى يعود فيلوذ بالصمت.."أتراه ما يزال متشجناً مني؟ ناقماً علي؟ عرف موقفي منه وشكي فيه فلزم الحذر والبعد".. وعاد عزيز بذهنه إلى الوراء يوم التقى به في عش النسر، فوجف قلبه وساورته الشكوك..كان قد أنحى باللائمة على البطحيش، لوثوقه برجل كان يعمل لدى المستعمر، لكن صاحبه دافع عنه أكثر من مرة. بعد ذلك تجادلا وتحاورا حوله لكن الرجل كان قد قرر.. "أتحسبني أهبل، يضحك علي رجل كالتيناوي؟" قال لـه ذات مرة. "وضعته على المحك عشرات المرات وعشرات المرات ثبت لي إخلاصه"، "مع ذلك ينبغي أن تبقى على حذر منه". "وهو كذلك أم تحسب أن ذئباً يعطي ظهره لذئب؟" لكن أياماً وليالي مرت والتيناوي يرافق البطحيش.. صحيح أنه لا يراه مرتين في مكان واحد ولا يعطيه البطحيش ظهره، لكنهما يلتقيان.هنا، هناك، يلتقيان -يذهبان، يأتيان، يأكلان، يشربان، حتى بات ضمير البطحيش يوبخه إن مرت به ظلال شك فيه.."إنه لجدير بالثقة وإنك لظلمته بشكك وارتيابك "قال لعزيز آخر مرة" يمكنك أن تضعه في عب اللحم. آمن من حية في صقيع".وضحك البطحيش باطمئنان وثقة ناسلاً من صدر عزيز آخر خيط للشك.هذه المهمة تؤكد ثقة البطحيش بالرجل "لو كان في نيته شيء إذن لنفذه، طالما الرجل محموم طريح الفراش لو لم يكن يثق به ثقة مطلقة لما أعطاه عنواني". و كاد عزيز أن يعتذر من التيناوي. نظر إليه متفحصاً فوجد أصابعه تتراقص على فخذه. "الرجل ملهوف قلق". وعلى الفور أحس بحاجة للتواصل، للمزيد من الإيضاح: -أهو في خطر؟ -كبير، رد التيناوي باقتضاب. -كان على الطبيب أن يتدبر أمره. -كيف، وهو ليس بجراح؟ وهز عزيز رأسه: -بيدك حق. لكن خسارة، الوقت الذي ضاع!! -قلت له، لكنه أصر قائلاً "ليس لي سوى عزيز. عزيز المروءة، عزيز النخوة.. ثم هو لا يثق إلا بك"، وشعر عزيز برعشة فخار تسري في أوصاله.. رعشة طرب لها، وهو يتصور نفسه ملاذ كل خائف، غوث كل طريد، لكن خاطرة لمعت في رأسه أوقفت الرعشة وجعلته يعيد التفكير "البطحيش محبوب في درعا.. محترم، موضع تقدير. بل الناس كلهم يلتفون حوله، يساعدونه. أكله ، شربه، نفقاته كلها ممن حوله.. أقرباؤه كثر، أصدقاؤه يمدون لـه يد العون.. بل هو سمكة وكل من حوله بحر، يسبح فيه على هواه يستمد منه غذاءه وشرابه.. فكيف لا يمد له يده وهو على فراش المرض؟ ومن جديد أحس عزيز بصدمة خفيفة من شك.. نظر إلى يساره فأمسك بالتيناوي ينظر إليه خلسة. -ماذا؟ بادره عزيز على الفور، أهناك ما تريد قوله؟ -لا.. لا.. أجاب الرجل وهو يبتعد بناظريه ويلملم يديه، حية تنكمش على نفسها وقد أحست باقتراب نمس. عند أول الكرك، أوقف التيناوي السيارة معطياً السائق أوامره بالانتظار. كان الظلام قد حل وكان المارة قلة. تلفت عزيز حوله بحذر قبل أن يدخل الزقاق الضيق يتقدمه التيناوي.. شاب وفتاة فقط كانا يمران، خوار بضع بقرات من الطرف الآخر كان يجيئ متقطعاً.. خطا التيناوي متعجلة، ظهره منحنٍ، رأسه لا يلتفت يمنة ولا يسرة وكأنما كل حركة منه تقول لعزيز "هيا.. أسرع.. الرجل يحتضر".. وأسرع عزيز وراءه.. وصلا إلى الباب الخشبي المصفح بالتوتياء. تلفت التيناوي يميناً، شمالاً.. لا أحد.. أخرج مفتاحاً من جيبه. "ها هو ذا دليل ثقة آخر"، ثم فتح الباب. -تفضل، بكل احترام أشار لعزيز مفسحاً له في الطريق. أسرع عزيز بالدخول بعد أن تلفت بدوره.. أيضاً، لا أحد، لكن قبل أن يمضي عزيز أبعد جاء صوت التيناوي. -سآتي ببعض حاجياتي.. بضع دقائق فقط وأعود. ثم أغلق الباب قبل أن يتسنى لعزيز الرد. صدمة خفيفة أخرى مصحوبة برعشة سرت في أوصاله.. لكنه تابع.. الغرفة منارة.. إذن، لا بد أن صاحبه في الداخل.. غذ عزيز خطاه وحين اقترب من الباب صاح: -أبا حسن!! -يا عونك!! جاءه الصوت من الداخل قوياً فرحاً.. ثم لم يلج عزيز الباب حتى كان البطحيش بنفسه يستقبله محتضناً إياه، مؤهلاً به: -يا هلا بالرفيق. قال بلهجته الحورانية التي كان عزيز يحبها كثيراً فلا يتكلم معه إلا ببدويته. -لست مريضاً إذن؟ سأله بسرعة؟ متخلصاً من أحضانه بسرعة واندهاش أشد، ليس معك التهاب مرارة؟ -مريض؟ التهاب مرارة؟ ها أنا ذا كالحصان، قال وهو يستعرض عضلات عضديه وصدره ضاحكاً: من قال لك ذلك ؟ -التيناوي، ولست مريضاً فحسب، بل أنت صريع الحمى، لا بد لك من عملية جراحية في المستشفى وقد جئت من الشام لإسعافك. -ماذا؟ هتف البطحيش فاغر الفم جاحظ العينيين. حمى؟ عملية جراحية؟ مستشفى؟ الكذاب الغادر؟! -ليس كذاباً غادراً وحسب بل عميل خائن، رد عزيز وقد استنفر كل ما فيه.. أرأيت؟ حدسي كان يقول لي ذلك وقد حذرتك منه.. -اللعنة!! بعد كل هذه المدة؟ صاح وهو يلطم جنبيه ثم يضرب يديه الواحدة بالأخرى. -لا بد أنه كان ينتظر الفرصة المناسبة. -للإيقاع بنا كلينا، عقب البطحيش وقد اشتعلت عيناه ندماً وغضباً. -وها قد جاءت. -أجل.. قد نصب لنا فخاً عزيز. جاء بك من الشام كي يطبقوا علينا نحن الاثنين. أسرع عزيز.. انجُ بنفسك، عزيز، هتف وهو يسرع إلى بندقيته. -لنسرع نحن الاثنين. لننُج نحن الاثنين. صاح به عزيز وهو يسرع إلى بندقية أخرى كانت معلقة على الحائط ثم اندفعا كلاهما باتجاه الخارج. مع اندفاعتهما، كان هناك رجال آخرون يندفعون راكلين باب الدار ظاهرين برؤوسهم فوق الحائط، فأدرك الرجل بأن الفخ قد أطبق وأن أوان النجاة قد فات. -ألق السلاح بطحيش، سلم بطحيش!! جاء صوت آمر يشق عنان السماء، لكن البطحيش لم يعرف يوماً التسليم. كان ديدنه القتال ومبدأه "المنية ولا الدنية" وأدنى دنية عنده الاستسلام للعدو، فجاء رده رشة من رصاص خرس أثرها الصوت الآمر، فيما لعلع رصاص.. منبطحاً، زاحفاً إلى ساتر أعده من قبل، أطلق البطحيش الرصاص، فهوى من أعلى الحائط رجال. -اهرب عزيز، تسلق الحائط الآخر عزيز.. أسرع أحم ظهرك.. صاح بعزيز الذي زحف مثله إلى الساتر دون أن يلتفت إليه، فقد كانت عيناه ترصدان الحائط.. -وأتركك؟ رد عزيز مصوباً بندقيته إلى جندي ظهر رأسه، ثم أطلق فاختفى الرأس من جديد. -هي غلطتي عزيز.. وعليّ أن أتحمل عاقبة غلطتي.. أنا وحدي.. أتحمل الوزر.. صاح بعزيز صياح الهمس، فيما فوهة بندقيته تتحول إلى نبع من نار ينصب على آخرين ظهروا في الجانب الآخر من حائط الدار. عزيز لم يرد.. كانت ركلة قوية للباب قد فتحته وكان رجل أو اثنان يندفعان، عاجلهما رصاص عزيز فهو يا على الأرض منكبين على التراب. -اهرب عزيز، أسرع، ما تزال الفرصة سانحة عزيز، جاءت صرخات البطحيش أقوى هذه المرة. -أبداً.. لن أتركك.. نعيش معاً أو نموت معاً، رد عزيز دون أن يتوقف عن إطلاق النار، فالباب كان ما يزال مفتوحاً وجنود آخرون كانوا يحاولون اقتحامه. -أرجوك عزيز، بحق المحبة، بحق الأخوة.. اهرب.. من أجل أن تنتقم لي، اهرب. كان صوت البطحيش قد تحول إلى توسل وبدت أكثر من رعشة تخالج صوته. -لا، لا، أستطيع، رد عزيز وقد ازدادت كثافة النيران من فوق الحائط وعلى باب الدار. -بل تستطيع، صاح برعشته نفسها. من أجل أبنائك، من أجل شمس، من أجل هذا الوطن.. اهرب.. أسرع.. أسرع. لحظة تردد عزيز لكن ليس صوت البطحيش فحسب، بل يده بدأت تدفعه باتجاه الحائط الآخر، فلم يملك إلا أن يندفع.. زاحفاً إلى الوراء.. رش رشة طويلة من بندقيته ثم جمع نفسه قاذفاً بها إلى أعلى الحائط. يداه أمسكتا الطرف الثاني، رجلاه علقتا في منتصفه، ظهره يدفع به إلى الأعلى.. دفعة واحدة وينطلق إلى الطرف الآخر. قلبة واحدة وينجو.. رصاص البطحيش يحميه، غزيراً سريعاً كأنما هو رصاص جبهة "هيا.. اقذف بنفسك عزيز" لكن قبل أن يقذف بنفسه دوى انفجار، أحس به عزيز يرفع الحائط من تحته ممزقاً حجارته محولاً إياها إلى شظايا. هو نفسه شظية من تلك الشظايا، تطير عالياً في الهواء ثم ترتمي كتلة من حجر أصم إلى الجانب الآخر من الحائط. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |