الطريق إلى الشمس - عبد الكريم ناصيف

ثلاثية روائية -3- الجوزاء من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- 13 -

الفراش بغيض، السقف، الجدران، الباب، النوافذ، كلها بغيضة تثير الكراهية في نفس عزيز، وتولع حفيظته، لكن الأبغض والأشد إثارة للكراهية والحفيظة، ذانك العكازان اللذان يستندان إلى الحائط في الزاوية البعيدة متربصين به، مخرزين يهددان بفقء عينيه:‏

-لماذا هذان العكازان؟ سأل عزيز الطبيب حين جاء بهما قبل أيام.‏

-يجب أن تمشي عليهما.. أجاب الطبيب.‏

-أنا أمشي على عكازين؟ صاح عزيز حانقاً محتجاً.‏

-يجب أن تدرب طرفيك السفليين.‏

-ليسا بحاجة إلى تدريب.‏

-كيف وهما منذ أكثر من سنتين لم يمشيا ولم يتحركا؟ قاطعه الطبيب بلطف ومرح.. عضلات رجليك ذبلت، أعصابك تيبست، بل العظم نفسه ربما لان، صار هشاً.‏

-لا.. لا.. عظام عزيز لا تلين، عضلاته لا تذبل.. فقط طمئني دكتور.. الفخذ الأيسر تعافى.. عظام الحوض جبرت؟‏

-يفترض ذلك.. لكن لا بد من المحك.. والمحك هو المشي.‏

-أمشي إذن، وهم عزيز بالنهوض من فراشه البغيض الذي مل النوم عليه، سئم الاستلقاء على ظهره الليالي الطوال تمر شهراً بعد شهرا حتى بلغت التسعة والعشرين شهراً.‏

-لا.. لا.. أوقفه الطبيب قبل أن ينهض. لا تتحرك قبل أن آتي إليك بالعكازين. ثمة خطر شديد إن لم تكن العظام قد جبرت، ربما استنادك الكامل عليها يعيدنا إلى نقطة الصفر..‏

-إذن، لا أريد العكازين.. لا أريد أن أمشي.. دعني وشأني..‏

-بل يجب أن تمشي، وعلى هذين العكازين، قال الطبيب وهو يضع العكازين أمامه.‏

-اسمع كلام الطبيب، عزيز!! تدخلت شمس وهي تدخل الغرفة ذات السقف العالي والزجاج المعشق. لكن، عزيز يكره المرض والأطباء، يكره حتى سماع كلامهم.‏

-لا.. لن أمشي على عكازين.. دعوني وشأني.. دعوني وشأني.‏

تبسم الطبيب وهو يشير إلى شمس بأن تدعه وشأنه، ثم خرجا دون أن يراهما عزيز، فقد كان يطرق واضعاً كفيه على عينيه محنقاً من نفسه، مغيظاً من العالم، رافضاً حتى رؤية أحد.‏

صدره مرجل للقهر والغيظ.. مذ ألقي على هذا السرير وهو مرجل للقهر والغيظ "أنا أقعد في السرير لا أستطيع الحراك؟ أنا أصبح عاجزاً لا أستطيع الوقوف أو السير؟" كان لا يفتأ يسأل نفسه، يسأل القدر الذي لا يرى له وجهاً ولا يلمس له يدا، يسأل دقائق الزمان والمكان من حوله وهو يعلم أن الزمان والمكان أصمان أبكمان.. لكنه يأبى إلا أن يسأل وهو يتذكر كيف كان بقامته العالية ومنكبيه العريضين يزحم المارة في الشارع، يرفع الشيلات الثقيلة التي لا يستطيع سواه من شبان الريحانة رفعها.‏

.. يستعيد في ذهنه حيويته وقوته وهو يجري على الخيل، يقاتل في ساحات المعارك، يقف في وجه أبي شعيب متحدثاً ساحباً إياه من سوطه ليلقيه أرضاً.. فكيف يذهب ذلك كله؟ كيف يسحب البساط من تحت رجليه، ليجد نفسه أرضاً لا تنهض له هامة ولا تنتصب قامة؟ العجز.. وحش مخيف.. كان دائماً يتمثله أمامه فيدب في قلبه الرعب.. كم من مرة رأى كسيحاً مقعداً فأرعبه ذلك، لكن المقعد غالباً ما يكون قد أصيب في ظهره: فقرة انكسرت، عمود فقري انهرس، نخاع شوكي انقطع، فسقط الرجل عاجزاً عن الحركة. كان عزيز يعرف قيمة الظهر". يضرب المرء على بطنه فيصيح آخ يا ظهري! ألا يقول المثل: "الويل كل الويل لمن ليس لـه ظهر." الجسم كله يقوم على الظهر، عموده الفقري إن ضربت فقرة واحدة منه تهدم الجسد كله. لكن ظهره سليم، فقراته كلها صحيحة لم تكسر ولم تهرس!! مع ذلك هو عاجز، لا يستطيع وقوفاً أو مشياً.. الحوض ؟ من تراه يهتم بالحوض؟ كان مذ سقط طريح الفراش لا يفتأ يتساءل "من في حياته يفكر بعظام الحوض؟" ويشعر عزيز بالقهر أكثر كلما فكر بحوضه أكثر. "صحيح كل ما في الجسد هام.. صغيره، كبيره، عاليه، سافله كله هام.. ليس الحوض الذي هو ركيزة العمود الفقري وقاعدته وحسب، بل حتى عظم العص، حتى الإلية.. هذه الالية التي لا يبالي بها أحد، شيء في غاية الأهمية.. بغيرها لا يستطيع المرء أن يقعد وإن لم يستطع القعود، تحولت حياته إلى جحيم، فكيف لم أفكر بهذا من قبل؟".‏

شيئاً فشيئاً بدأ عزيز يكتشف أهمية الاليتين اللتين أصيبتا لديه، عظم العص الذي ما يزال خدر شديد يسري فيه، حتى لكأن الإصابة وقعت بالأمس، الضلع السائبة في الصدر وقد ظلت منخساً يوجعه كلما تحرك حركة خاطئة لا يستطيع لها طب علاجاً ولا تعرف هي الشفاء.‏

لكن ذلك كله يهون أمام البلاء الأعظم، والبلاء الأعظم ذلك الحوض الذي لا يتحدث عنه الناس ولا يفكرون به، كماً مهملاً كأنما لا وجود له. مع ذلك هو كل شيء في الجسد، يستند عليه الجذع من أعلى وينشد به الطرفان من أسفل.. هنا حيث يتمفصل الفخذ الأيسر مع قاعدة الحوض.. وحيث يدور عنق الفخذ في مجرى الحوض جاءت الشظية فحطمت المجرى والقاعدة والعنق ممزقة الإلية اليسرى راضة عظم العص، مطيحة بجسده كله أرضاً.‏

عزيز لا يعرف كيف سقط على الجانب الآخر من الحائط. كل ما يذكره صدمة هائلة جاءته من خلف وشرارة كشرارة الكهرباء خرجت من عينيه ثم غاب عنه كل شيء: الرصاص، القنابل، الصراخ، الزعيق، كله خمد كأنما هي عاصفة مرت فهدمت وخربت، قتلت وصرعت ثم هدأ كل شيء.‏

ما يذكره بعد ذلك هو غرفة كالجحر، ملؤها البؤس والعتمة وفراش وسخ أرق من لحاف يستلقي عليه.‏

كانت قد مرت أيام.. ربما سبعة، ربما عشرة وهو على ذلك الفراش. نظر حوله يتفحص، يستطلع فلم يجد ما يفيده بشيء.. تلمس أول ما تلمس رأسه، جذعه، فوجد رأسه وجذعه سليمين. نزل بأصابعه وراحتيه إلى الأسفل فوجد عيداناً وأحزمة وشيئاً كاللفائف يشد فخذه الأيسر. حاول أن يرفع جذعه لكن جذعه ثابت لا يستجيب وانبجس في قلبه الهلع: "أنا مقعد؟ صرت عاجزاً؟ "ودون أن يعرف كيف، أحس بحرقة الدموع، وهي تنحدر على خديه.. تلفت يمنة، يسرة من جديد لكن لا أحد. الباب مصراع واحد من خشب عتيق تتخلله الشقوق والفتحات. هو مغلق كالمفتوح ومفتوح كالمغلق.‏

"إيه.. أنتم.. يا من هناك!؟" صاح بأقوى ما لديه من صوت، لكن الصوت خرج ضعيفاً واهناً لم يصل إلا بالكاد إلى أذني صاحبة الدار. "صبحك الله بالخير!! وألف حمد لله على سلامتك، همهمت عجوز أكل الدهر عليها وشرب وهي تلبي نداءه داقة الأرض بعكازها، سائرة حتى فراشه.‏

"من أنت؟ أين أنا؟" غمغم عزيز وهو لا يصدق عينيه.‏

"ما يهم.. من أنا يا وليدي أو أين أنت؟ المهم عاد وعيك..‏

وكأنما أشعلت نور مصباح في غرفة معتمة.. اشتعلت الذكرى في ذهنه.‏

"صحيح... عاد وعيي... نجوت... يعني نجوت؟ لكن ماذا عن أبي حسن؟ ماذا جرى للبطحيش؟"، "لا تسألني يا وليدي". ردت العجوز بوهن وهي تقرفص مستندة على عكازها غير بعيدة عنه. أنا ما سألت عن شيء وما أدري بشيء.. كل ما أدريه أنهم جاؤوا بك هنا، ملاذاً آمناً يخفيك عن أعين الجندرمة.." "الجندرمة! ؟؟ أجل.. الجندرمة دائماً أس البلاء.. فكم فعل الآخرون كي يخفوني عن أعينهم؟" وشرد بذهنه إلى البعيد، حين بدأ منعطف حياته بهم. اصطدم مع أبي شعيب فانقلبت دنياه رأساً على عقب.‏

"لكن من جاء بي هنا"؟‏

"ناس رأوك تنقلب عن حائط دارهم فحملوك هاربين بك من مطارديك.." "آ.. الآن فهمت!! وما الذي أصابني خالة؟ عاد لسؤال العجوز التي أكل الدهر عليها وشرب. فيما يداه تتلمسان الحوض المثبت والرجل اليسرى التي لا يستطيع لها حراكاً. "عظام الحوض.. أنا سألت الحكيم يا وليدي!"‏

"جبرني حكيم هنا؟ "سأل وهو يتفحص الجحر، ملء ناظريه الاستغراب.. "ما كان من ذلك بد يا وليدي.. أنت مكسر.. فاقد الوعي ودمك ينزف.. يا حبة عيني.. ملء الطست دم راح منك.. أشطر حكيم عربي جاؤوا به.. لو كانت الساق، عظم اليد، لكان جباره يشفى بثلاثين يوماً.. لكن الحوض والحوض ماله جبار يا وليدي".‏

"ما هذا إذن؟ "تساءل، وهو يتلمس العيدان الخشبية التي شدت إلى أسفله كأنها القفص.‏

"هذه.. ما أدري ايش قالوا.. يمكن حتى لا تتحرك.. "كيف ستجبر كسور الحوض، إذن؟" سأل العجوز من جديد.." هي تشفى لحالها... بعون الله تشفى يا وليدي.."‏

لكن موجة من صقيع بارد، أشبه بصقيع القطب، اكتسحته في الحال. "تشفى لحالها!؟" يعني الطب لا يستطيع علاجها!؟ إذن راحت عليك يا عزيز.. صرت كسيحاً عاجزاً يا عزيز"!! ومن جديد أحس بحرقة الدموع على وجنتيه وبهاوية حزن أسود تنفتح تحت قدميه وقوة هائلة تدفعه من خلف كي يسقط فيها.‏

"خالة.. أرجوك.. قولي لي.. هل عرف بي أهلي؟ هل جاء أحد منهم؟ "قلت لك" أنا عجوز كبيرة، سمعي ثقيل.. نظري خفيف.. ما أعرف من شيء... ما أدري يا وليدي.."‏

"من يدري إذن؟" سأل بمزيج من الغضب والقهر... "عواد يا وليدي"...‏

"عواد.. من؟" سأل وهو لا يصدق الظن الذي خطر بباله في الحال.‏

"ابن حمولتي.. عواد العوايدة.."‏

"حقاً" هتف بفرح الأطفال..‏

"ومتى يأتي عواد؟ كيف أراه؟‏

"الليلة يا وليدي.. هو قال لي.. مع أذان المغرب أجيء"‏

حين جاء عواد مع أذان المغرب، شهق عزيز، وهو يفتح يديه له، ناسياً نفسه هاماً بالنهوض لكن موجة عارمة من الألم أعادته إلى الاستلقاء ودموعه تنهمر على خديه. أسرع إليه عواد يحتضنه ويقبله: "عمي، حمداً على سلامتك، عمي".‏

وطوال تلك الليلة لم يرقد لعزيز جفن وهو يستمع لعواد يروي له كل شيء.‏

كان طوق من رجال الأمن الفرنسيين قد أحكم حول الكرك.‏

حين وصل إليه عزيز مع التيناوي، لم يرهم فالكل كانوا يتسترون بالأشجار، يتدرؤون بالحيطان. أدخله \التيناوي دار البطحيش ثم أسرع إلى سيده: "اضرب الآن.. العصفوران في الفخ، "وأسرع الكابيتان إلى دار البطحيش، يضرب العصفورين بحجر واحد.. لكن البطحيش ليس مجرد عصفور.. هو أسد هصور.. يدافع عن عرينه.. وخيل للكابيتان أن التيناوي خدعه.. رصاص غزير كان يواجهه، معركة ضارية اضطر لأن يخوض.. كان في الدار أكثر من فوهة رصاص.. أكثر من مقاتل.. فالبطحيش لم يفتأ يغير من مواقعه في الدار.. يستفيد من السواتر فيها، قتل تسعة وجرح ستة عشر من الجند الفرنسيين قبل أن يسكت رصاصه. أطول أمد حاول أن يستمر، ربما ليغطي عزيزاً وهروبه، لكن عزيزاً لم يستطع الهرب. كانت إصابته على الحائط رصاصة في الكتف، رصاصة في الفخذ وشظية أو أكثر في الإلية والحوض، فلم يهو إلى الجانب الآخر من الحائط إلا وهو فاقد الوعي.. الجيران، الذين أفزعهم الرصاص أسرعوا باتجاه دار البطحيش، هناك وجدوا رجلاً ينزف، متكوما على الأرض.. بلمح البرق حمله اثنان ثم أسرعا به خارج الدار.. كانوا يعلمون أن معركتهم خاسرة. عزل وليس بمستطاعهم مواجهة الجند. إذن عليهم الهرب والاختفاء. ما قدروه حصل.. إذ ما ان صمتت بارودة البطحيش حتى انداح الجند في الدار يفتشون ويبحثون.. لم يكن هناك سوى جثة واحدة. "أين الجثة الثانية؟" هم على ثقة أن إصابتهم كانت قاتلة وأن طوقهم محكم لا يمكن أن ينجو منه أخو العقيدات الذي حدثهم عنه التيناوي.. بحثوا في الدار، قلبوا عاليها سافلها، لكن لا أحد. فانداحوا في الدار المجاورة يفتشون ويبحثون.. أيضاً لا أحد.. وطار صواب الكابيتان: "أين المجرم؟ كيف فر؟ أريده هنا، اخلقوه خلقا."ً راح يصيح وهو ينهال بسوطه على كل من يجده في طريقه، رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً.‏

عواد في درعا تلك الليلة، ودرعا صغيرة. تطلق رصاصة في المحطة فيسمعها كل من في البلد، فكيف ان نشبت معركة في الكرك حامية الوطيس؟‏

"كنت في مكتبة ابن الشرع، أنت تعرفه؟ "تابع عواد روايته، فهز عزيز رأسه. "ومن لا يعرف ابن الشرع الذي يحب العلم إلى درجة يضحي بكل ما يملك كي ينشر بين أهليه العلم؟"‏

أجابه عزيز وهو يتنهد. "هو ذاك.. كنت أناقش معه كتاب "الأيام" لطه حسين.. وكنت قد استعرته منه، كالعادة، قبل أسبوعين.. فجأة سمعنا لعلعلة رصاص، فوثب قلبي في صدري.. إحساس ما جعلني أنتفض وكأن الرصاص أصاب مقتلا مني. "الرصاص في الكرك" حدد صاحبي المكان، فقلت للتو "لا بد أنه البطحيش إذن" وافقني فتركته وأسرعت إلى حيث دار البطحيش.. لكن قبل أن أصل كان الناس قد تجمهروا.. أهل الكرك كلهم كانوا قد تجمعوا.. الذعر في عيونهم والغضب في صدورهم.. كانت المعركة قد انتهت، وكان الرصاص قد سكت، فيما كان الجند قد انداحوا يفتشون الدور والمغاور.. "رحم الله البطحيش"، قتل البطحيش" "فاز الرجل بالشهادة"، "إلى الجنة أبا حسن" كان الكل يقولون وهم يتأسفون مترحمين على الرجل الذي كان قد اختزل الرجال جميعاً.. حمل باسمهم السلاح، ووقف صامداً يقاتل المستعمر.. سنين طويلة يقاتله وحده، أنى ثقفه قتله!! كلهم يحبونه وكلهم يشدون من أزره فكيف لا يتجمعون على موته ويحزنون؟ إيه!! رحمة الله عليك يا أبا حسن "همهم إذ ذاك عزيز وهو يزفر أحر الزفرات". كم نبهتك منه! ذلك الخائن الغادر عرفته مذ رأيته.. قلت لك حذار منه.. ابتعد عنه، لكن واأسفاه!! غلطت يا أبا حسن فوثقت به!! وغلطة الشاطر بألف "بعدئذ تابع عواد "مؤامرة فظيعة دبروها لـه، مكيدةـ خسيسة حاكوها، خدعوه فانطلت عليه الخدعة"!! و"التيناوى؟" أما يزال هنا في درعا؟" سأل عزيز وعيناه تقدحان شرراً.." التيناوى في جهنم وبئس المصير أجابه عواد ملوحاً برأسه كازاً على أسنانه ثم تابع روايته." كان بعضهم قد رآه يوصلك إلى دار البطحيش وكان الكثيرون يشكون فيه، وسرعان ما صار لديهم يقين تام أنه هو الواشي المفسد.. في الليلة نفسها، قررت حمولة البطحيش الانتقام له وتبرع اثنان من أبناء عمه بتنفيذ ذلك.. في الهزيع الأخير من الليل تسلقا جدار منزله، دخلا غرفته، وعلى فراشه نفسه أطبقا عليه. أحدهما كم فمه والآخر أعمل في عنقه الخنجر.. ذبح الخروف ذبحه، ثم انسلا دون صوت، دون أثر.. وعند الضحى خرجت من درعا جثتان: جثة التيناوي في سيارة عسكرية تنقلها إلى دمشق، وجثمان البطحيش وقد خرجت درعا كلها تشيعه بطلاً تحمله راحات الرجال وترافقه زغردات النساء.‏

"لكن.. كيف عرفت بي أنا؟ كيف وجدتني؟" سأله عزيز بعد سيل من الرحمات صبها على روح صاحبه، ذلك الذي ضحى بنفسه كي ينجو هو.. "كلهم كانوا يعرفون أن أحداً كان معه" أجابه عواد متابعاً،" وأن الفرنساوي كان يبحث عنه الناس. كلهم كانوا يتساءلون عن مصيرهط..‏

"شك كبير ساورني في تلك اللحظات.. أهو عمي عزيز؟ "وشرعت أسأل، أبحث إلى أن وقعت على من أنقذوك.. كانوا قد نقلوك إلى مغارة في الطريق الجنوبي من الكرك وكانوا خائفين، وأنت مصاب إصابات خطرة. دمك ينزف وأنت فاقد الوعي وليس من طبيب يمكن الوثوق به.. بل في درعا لا يوجد طبيب عظام كما تعلم فمن يجبرك.؟‏

أوه!! يا لها من لحظة!! "ولم يستطع عواد أن يكمل، فجيشان مشاعره هول الذكرى المؤلمة جعلا حنجرته تغص وعينيه تغرورقان بالدموع. "في الليلة نفسها" تابع عواد روايته،" نقلتك إلى هنا، وجئتك طبيب عام ومجبر عربي. في الصباح التالي توقف النزف، لكن حرارتك ارتفعت وكنت ما تزال في غيبوبة، خشينا معها أن تكون قد فقدت الذاكرة لكن الطبيب كان بارعاً. خلال سبعة أيام هبطت حرارتك وبدأت بالتململ. لكن في كل مرة كان الألم يوقفك مع صرخة مكتومة.. لم تكن تعلم أن جسمك كله كسور ورضوض وكنت وأنت في غيبوبتك، تحاول التحرك فتتوجع وتصرخ.. وها أنت الآن تفتح عينيك، تستعيد وعيك، فكم أنا سعيد! كم أنا سعيد!!"‏

وانكب عليه يعانقه ويلثمه.. بينما كان عزيز يتمتم مشغول البال. "شمس، هل عرفت بي؟ أولادي هل أخبرتهم؟" اطمئن" قاطعه عواد على الفور، ممسكاً يده مهدئاً. أنا عائد للتو من هناك.. كانوا قلقين يكادون يجنون عليك وقد غبت عنهم هذا الغياب..‏

قلت لهم إنك مشغول قد تتأخر عنهم بعض الوقت وإنك أنت الذي أرسلتني إليهم أطمئنهم". "يعني.. لم تخبرهم بإصابتي؟ "سأل عزيز بمزيد من التعجب والإعجاب "ولماذا أخبرهم؟ هذا سيزيد الطين بلة.. فقلت أموه وأماطل، علني أكسب بعض الوقت". ولم يملك عزيز إلا أن يمد يده السليمة الكتف فيشده إلى صدره "الحمد لله، لم يخب أملي فيك!!"‏

كان عواد قد دخل قلب عزيز مذ بدأ، وهو فتى طويل ناحل لم يتجاوز السادسة عشرة، ينقل معه أحمال الحبوب على جمله العجوز الهزيل... وحين اكتشف فيه ذلك الطموح لأن يصبح محامياً ازداد له حباً، وبه تعلقاً. "ربما أتأخر بعض الوقت، لكنني سأصل آخر الوقت." كان الطالب الذي يعمل ويدرس يبرر رسوبه. وكان عزيز يكبر فيه تصميمه وعزيمته، بل يثق به إلى درجة بدأ يبوح له بما يشغل باله وما يكنه من أسرار. من تلك الأسرار، كان عزيز قد أطلعه على معرفته بالبطحيش، وعلى طرف من علاقته به.. ذلك نفسه ما جعله يشك بوجود عزيز في معركة الكرك، بعد أن سمع همسات عن رجل ثان كان مع البطحيش فمضى يبحث عنه إلى أن وجده. لكن ما تراه يقول لشمس؟ هو يعلم أن عزيزاً ما يزال في خطر.. الشرطة ما زالت تفتش عنه.. كان التيناوي قد حاول جاهداً أن يعرف هويته، لكن تكتم عزيز وتحذيره الشديد للبطحيش جعل هذا يمتنع عن إفشاء سره، فظل التيناوي لا يعرف غير أنه أبو العز وأنه من العقيدات.. مهمته في دمشق دامت تسعة أيام وهو يسأل ويراقب إلى أن عرف محل عزيز.‏

الخطة التي رسمها له صديقه نجحت، فقد ألقى لعزيز طعماً لم يستطع إلا أن يلتقطه". أبو حسن على فراش الموت.. هو محموم يهذي منادياً باسمك مطالباً بك"، فكيف لا يلبي عزيز نداءه، لا يستجيب لطلبه؟ بعد ذلك لم تسنح الفرصة للتيناوي، كي يضيف شيئاً لمعلومات الفرنساوي عن رجل البطحيش الثاني، فالمعركة احتدمت على الفور، ومع الفجر كان التيناوي ومعلوماته يسيلان دما حاراً على الفراش.‏

شيء من شفاء الغل أحس به عزيز، وهو يسمع نهاية التيناوى. لكن الألم الذي كان يقبض بيد من حديد على جسده، الخوف من العجز، الحزن على البطحيش، الهم والتفكير بشمس والعائلة، كل هذا جعله ينسى التيناوى ويفكر بالمستقبل. "انقلني إلى دمشق". طلب إلى عواد لكن عواداً جاء لـه بالمجبر والطبيب ليخبراه معاً". من المستحيل نقلك وأنت في هذه الحالة. "فكبس عزيز الجرح على الملح ولاذ بالصمت يجتر الأفكار والهموم.‏

بعد شهرين بلغ سيل الزبى.. "لم أعد أطيق صبراً. ائت لي بشمس"، كانت شمس توشك على الجنون. عزيز غائب يرسل لها عبر عواد الرسائل، يطمئنها بخط يده أنه بخير لكن أيكفي هذا؟ شمس التي أحبته حتى العبادة عاشت معه السنين الطوال مقيمة على حبه، ترى الحياة بعينيه، تسمعها بأذنيه، كيف تتحمل غيابه شهوراً دون أن تعرف مسوغاً لذلك الغياب.؟ صحيح أنه كان يقدم السبب تلو السبب، والمبرر إثر المبرر لكن حتام وهي تعلم أن حبهما الراسخ العظيم لا يقبل مثل ذلك الغياب؟ قلبيهما لا يطيقان مثل ذلك البعاد..؟ هي تعلم أن المحب لا يرضى بغير لقاء الحبيب، العين تظل بحاجة لرؤية الحبيب، الأنف لرائحته، الآذان لسماع صوته، والأنامل للمسته، فكيف يتحمل عزيز كل هذا الفراق؟ كانت شمس تتساءل، وكان الكل يتساءلون: صبري، الأستاذ، الجيران في الميدان، الأهل في القرية، كلهم يسأل أين عزيز؟ ماله عزيز لا يظهر؟ بل نسوة الحي كن يسألن عنه يطالبن برؤيته فماذا تقول لهن؟ أم روضة، أم فريد، أم محمود كلهن يستغربن، "غير طبيعي.. لا بد أن في الرز بصلا" بدأن يتقولن بل إن أم روضة قالتها صراحة: "أختي شمس.. إلى متى تظلين ساكتة.؟ غياب عزيز لا يعني إلا شيئاً واحداً". "ما هو؟ "سألتها شمس بلهفة وقلق" متزوج من جديد.. اتخذ لك ضرة خلبت لبه فأقام لديها لا يفارقها". وللتو عاضدتها الأخريات.‏

"يا أختي.. لا تنسي.. الرجال ما لهم أمان".. "يا أختي.. انقطاعه عنك لا يعني إلا انشغاله بامرأة أخرى" "يا أختي.. المثل يقول يا مؤمنة على الرجال يا مؤمنة على الماء بالغربال".‏

في ذلك الليل داهمتها الشكوك واستبد بها الأرق" حقاً. لم لا يكون متزوجاً؟ ألا يتحدثون عن جهل الأربعين والخمسين؟ هو في هذه السن فما أدراني أن جهلها داهمه؟ رأى فتاة صغيرة السن فأغوته أو ورطته.. من يدري؟".. "لا.. لا".. مستحيل.. ظهر صوت آخر يجادل "لا.. مستحيل.. عزيز يحبني.. حبنا أعظم من أن يجعله يغدر بي.. أرسخ من أن يسمح له بالتفكير بسواي." مثلما أحبك قد يحب أخرى. الرجال يملون ويسأمون.. ولعله هو سئمك وملك أم نسيت أنكما تزوجتما منذ ربع قرن؟ نسيت أنك صرت كهلة في الخمسين؟"‏

وفي الصباح أطلقت بوق النفير طلباً لعواد. "أين عزيز؟ أريد أن أراه. "وفوجئ عواد مفاجأة تركته ثواني لا يحير جواباً. "مستحيل الآن"." لماذا مستحيل؟ هو يمنعك من إخباري بمكانه؟ يتذرع بالحجج كي يسوف ويماطل؟.. إذن صحيح ما سمعت!؟ هو متزوج من درعا.. فتح بيتاً لها هناك!!"‏

وأدرك عواد أنه لا جدوى من النقاش. هي في خضم الغيرة، والمرأة في خضم الغيرة تصبح صماء عجماء لا تسمع كلاما ولا تعرف حواراً.. ومضى بها إلى جحر العجوز حيث الملاذ الآمن الذي لم تفكر بتفتيشه الشرطة.‏

في الطرف القصي من بيوت واطئة السقوف كالحة الجدران، شبه متداعية، كان الجحر يقبع. وفي الزاوية المعتمة من ذلك الجحر كان عزيز يستلقي على فراشه.. دون أن يخطر بباله أن الرياح تجري على غير ما تشتهي سفينته.. كان عواد لا يغيب عنه يوماً إلا ليقيم معه يومين وثلاثة. وكان قد وفر له شروط الرعاية والعناية كلها. العجوز في خدمته، الرجال الذين أنقذوه لم يتخلوا عنه، بل ابن الشرع صاحب المكتبة العجيب كان يأتي إليه، محملاً بالجرائد والمجلات، بالكراريس والكتب. لقد اكتشف عزيز، وهو على فراش المرض أن خير جليس في الأنام هو الكتاب.. وأن خير مؤنس في الوحدة وطارد للوحشة هو الكتاب.. ولعواد الفضل، فهو الذي اقترح عليه ذلك. لم يكن الألم، في البداية يسمح له بمجالسة كتاب أو الاستمتاع بمجلة أو جريدة. لكن شيئاً فشيئاً بدأ الألم يخف وأوجاعه تستقر، وبدأ يشعر بالمتعة وهو يطالع أخبار الصحف ويغوص في أعماق الكتب مستمتعاً بدافئ المعرفة ولذيذ العلم.‏

ذلك الأصيل كان يقرأ في مجلة الرسالة، وكان قلم إبراهيم المازني السيال يسحره.. بعفوية وبساطة يكتب المازني لكن بعمق وفهم يكتب. فلا يملك عزيز إلا أن يتابعه بتلهف واستغراق.. ولأنه كان في بحران استغراقه لم يسمع وقع خطا ولا شعر بعواد وهو يدخل ليقف إلى جانب العتبة مفسحاً في الطريق لشمس تحني ظهرها وتطأطئ رأسها كيلا يصطدم بعتبة الباب.. في تلك اللحظة فقط أحس عزيز بقلبه يثب من مكانه.. هي رائحة شمس؟ أهي موجتها الكهرطيسية؟ عزيز لا يعلم، ما يعلمه فقط هو أنه أحس بجاذبية مغناطيسية هائلة تجذب عينيه نحو الباب.. في عتمة الجحر التقت الأعين وفي فضائه الضيق وثب القلبان، طارا ليلتقيا هناك في المنتصف تحت السقف، حيث عيدان الخشب وصفيح التوتياء "شمس" "عزيز" هتف كل منهما ثم اندفع الجسد المنتصب إلى الجسد المستلقي ينكب عليه يأخذه بأحضانه، يلتهمه ولا يشبع، يشربه ولا يرتوي. العالم كله ظمأ وجوع وشمس ظمأى، جائعة.. تائهة في بيداء لم تعرف طعاماً ولا شراباً أياماً وليالي.. "يا إلهي!! أنت هنا طريح الفراش وأنا أظن بك الظنون!! رباه!! ما أظلم الإنسان للإنسان!!" وروت له كيف زرعت النسوة في رأسها الأشواك والقتاد ليروي لها هو وعواد كيف سقط الفارس عن ظهر فرسه فتهشمت عظام وتحول الجسد إلى حطام.‏

"لا.. لا أصدق" قالت وهي تتلمسه بيديها، متفحصه إياه بعينين تكادان تخرجان من محجريهما.. "عزيز لا يتحول إلى حطام.. هذا الجسد الذي عشقت، هذه الروح التي عبدت، لا يمكن إلا أن يظلا ملؤهما الحياة والقوة.. "لكن الحقيقة المرة كانت واضحة كعين الشمس.. كانت الكتف رغم مرور ثلاثة أشهر، ما تزال تؤلمه، ان حركها. وكانت عظمة الفخذ ما تزال في جبارها لم تلتئم، فكيف بالحوض وعظامه التي لا يعرف المجبر لها دواء ولا يستطيع علاجاً!؟ القفص المثبت كان كل علاجه.. لكن هل يشفي القفص الحوض؟ هل تلتئم به عظامه؟ ذلك ما كان يحير عزيزاً بل ما يجعله أقرب إلى القنوط.‏

طوال تلك الليلة لم تجف لها عين. كانت الدموع تنحدر رغماً عنها. إن نظرت إليه انحدرت دموعها، إن أبعدت عينيها عنه انحدرت دموعها، إن أغمضت، إن فتحت، لم يكن ذهنها يستطيع تصور عزيز وهو طريح الفراش عاجز عن الحركة.. عزيز الذي كان يملأ حياتها حيوية ونشاطاً، مشاعر وعواطف، حباً ووجداً، تراه أمام عينيها ملقى على ظهره لا يملك من جسده سوى العينيين ينظر.... الأذنين يسمع.. جسده المثبت في القفص أشبه بمسيح مصلوب، المسامير في كفه، المسامير في قدميه، فكيف لا تبكي شمس؟‏

عواد والعجوز تركاهما تلك الليلة.. أمنا لهما الشراب والطعام ثم مضيا.. طوال ليال سبع لم تنم العجوز في جحرها.. وطوال ليال سبع لم تستطع شمس النوم.. حتى تورمت أجفانها، واحمرت عيناها واصفرت وجنتاها عصفرا على طبق من أرز.. "لا.. هذا مستحيل.. ستقتلين نفسك إن مكثت على هذه الحال". "ليتني مت ولم أرك على هذه الحال"، ردت شمس وكل ما في صدرها هشيم يحترق بالنار".. أرأيت لماذا كتمت عنك حالي؟" "قتلتني أكثر..، "إن مات أحدنا يجب أن يبقى الآخر." بل نموت معاً كما عشنا معاً" و"الأولاد؟" "لهم رب يرعاهم، أما نحن فروح في جسدين، يصاب أحدهما فيصاب الآخر، يعيش أحدهما فيعيش الآخر.. ولا حياة لأحدهما بغير الآخر". "ألهذه الدرجة تحبينني؟" "بل قل أية درجة لا يبلغها حبي لك؟ قل ليس هناك درجة لا يبلغها حبي لك.. يا مهجة روحي وحبة قلبي وكل وجودي". "وتستمرين في حبي حتى لو صرت عاجزاً؟" بل يزداد حبي، حتى تعوض روحي ما تحتاجه روحك، ويعوض جسدي ما ينقص جسدك.. ألسنا فلقتي حبة؟ ألسنا كلا واحداً من شطرين، فكيف يعيش شطر بغير شطره الآخر؟ كيف يتخلى شطر عن شطره الآخر؟ "واطمأن عزيز بعد خوف." كيف يقولون المرأة غادرة إن وهن الرجل أو عجز بحثت عن آخر؟ كيف يقولون انها لا تستطيع العيش بلا رجل فإن ولى رجلها كان همها أن تجد البديل؟ أياماً شغلته تلك التساؤلات" ها أنذا عاجز، قد لا أتحرك أبداً ولا أنهض أبداً، ألن يموت حب شمس لي؟ ألن تنصرف عني سقط متاع؟" شمس تلتحم به أكثر وهو مثبت في قفصه.. الليل والنهار لا تفارقه.. رغم قبح الجحر، رغم ضيق المكان، رغم العفن والنتن، لا تتحرك شمس من جانب فراشه، لا تنام، لا تأكل.. حتى صارت كأنها هي طريحة الفراش، صريعة السقم."شمس، يجب أن تعودي إلى الأولاد، "قال لها وهو يخشى عليها المرض" أعود وأتركك؟ لا.. لا.. نعود معاً أو نمكث معاً"." لكن انتقالي مستحيل وأنت تعلمين ذلك." "وانتقالي أنا مستحيل". "كيف؟ لماذا؟" "إن كان عظم حوضك قد كسر فأنا ظهري نفسه قد كسر.. انظر، فقرات ظهري كلها محطمة فكيف أستطيع الحراك؟" وبدأت تتناشج باكية.. كان المصاب يعظم في عينيها يوماً بعد يوم. هي تشعر أنها بغير عزيز جسد بلا ظهر، بلا فقرات، بلا حتى هيكل عظمي.. هو يرى قلبها المفتت، روحها المسحوقة ويزداد وجعاً "أين الفارس الملثم وهو على ظهر فرسه يطل فيوقف بإشارة من يده وصرخة من صوته بدوياً كان يسدد بارودته ليطلق عليه النار؟ أين شمس وهي تبارز ابن عمها معجون فتلحق به الهزيمة، تصارع الكابيتان جيرار فترديه صريعاً؟" مع ذلك، كان عليها أن تعود عزيز. يعلم أن الحال لا تسمح بغيابهما كليهما، فكبس الملح على الجرح من جديد ثم قال بنبرة الجزم "شمس" أنا آمرك أن تعودي". وبغير نقاش عادت شمس.. هي تحب أن يكون الرجل دائماً، يأمر وينهى، تحب أن تكون المرأة دائماً تسمع وتطيع، فكيف لا تطيع أمره هذه المرة.؟ كيف يخطر ببالها أن تعصاه وهو سطيح طريح، لا يملك قدرة على تنفيذ أمره إن عصته؟ شمس عشقته رجلاً وعبدته رجلاً، فكيف لا تكرس فيه الرجولة التي عشقت؟ كيف تجرح فيه الرجولة التي عبدت؟ في دمشق طمأنت الجميع. "عزيز بخير.. أصيب بحادث سيارة إصابة تحول بينه وبين الانتقال إلى دمشق.. الأصدقاء، الأهل، الجيران، كلهم حدثتهم عن حادث السيارة اللئيم الذي أصابه بكسور لم تشف بعد. والنسوة ردت لهن سوء ظنهن لوماً وعتباً "المرأة، أليست عدوة نفسها بجهلها وقصر نظرها!؟ بغيرتها وسوء ظنها، ألا تخرب بيتها أحياناً بسوء تصرفها، ألا تدمر كل ما بنته أحياناً أخرى.؟"‏

الأولاد يريدون رؤية أبيهم. الأصدقاء، الأهل، لكن أوامر عزيز صارمة." لا يأت أحد إلى هنا." وانتظر الجميع ستة أشهر أخرى إلى أن يسمح الطبيب بنقله إلى دمشق، ثم مضت عشرون أخرى من الشهور قبل أن تسمح له الطبيب بأن يحاول التحرك.. "وكيف؟ على عكازين؟" عاد عزيز يفكر بحنق وغيظ ثم يقرر "لا.. لن أسير على عكازين.. أجر رجلي جراً وأشلح نفسي شلحاً فيهزأ بي الناس" لكن الطبيب، الأولاد وحتى شمس نفسها كانت تريده أن يسير بأي شكل وكيفما كان. تريده أن ينهض، يقف منتصباً، على رجل، رجلين، عكاز، عكازين، المهم أن تراه يفارق السرير، يغادر الغرفة، يرى النور.. لكنه يأبى.. عزيز يشعر بغيظ لا يسمح له بأن يقبل السير على عكازين، كانت عضلات الرجل اليسرى قد ضمرت ومفصل الفخذ ما يزال يؤلمه إذا ما احتك العظم بالعظم. مع ذلك يقول الطبيب "لا بد من التدريب.. الحركة تفيدك، تنشط الجسم، تعيد للعضلات حيويتها وقوتها، تبين إلى أي مدى تم شفاء الحوض ومفصل الفخذ. "لكن عزيزاً يكره أن يسير على عكازين ويرفض: في أعماقه خوف من حقيقة قاتلة ان تأكدت.. كان أطباء دمشق قد طمأنوه "ستشفى." لكن ماذا إن كان كلامهم كذباً وتدجيلاً؟ ماذا ان ثبت بالدليل القاطع أنه سيظل كسيحاً مدى الحياة؟ أعرج، رجله عاطلة مدى الحياة؟ ألا تكون الضربة القاضية؟ "إذن.. لأصبر.. إلى أن أتأكد من الشفاء"، وأبى أن يستخدم العكازين.‏

كان قعوده في الفراش يعذبه مع ذلك كان قد اعتاد، والاعتياد أقصر الطرق إلى التكيف.. عزيز تكيف مع ظروفه الجديدة. هو يقرأ، يستقبل الأصحاب، يسمع المذياع، يتابع الأخبار، وفي كل يوم جديد من الأخبار يثير اهتمامه ويشد انتباهه. كانت الحرب قد دخلت منعطفات وبدلت مسارات: في الصحراء انكفأ ثعلب الصحراء بجيوشه حتى خرجت جيوشه من افريقيا ثم تورط في مؤامرة دفع حياته ثمناً لها. في الشرق كان المارشال جوكوف يدحر جند هتلر الدحرة تلو الأخرى، معيداً إياها إلى الغرب، مقطعاً أوصالها، ممزقاً شرايينها وأوردتها، مندفعاً في رومانيا، هنغاريا، مخترقاً حدود ألمانيا نفسها ونصب عينيه هدف واحد: برلين في الغرب. الجيوش الحليفة قامت بإنزالها في النورماندي، حطمت دفاعات هتلر، آيزنهاور وباتون حطما قوات النازية في الأراضي الواطئة، ديغول حرر فرنسا ثم اندفع الكل باتجاه الشرق ونصب أعينهم أيضاً هدف واحد: "برلين". عزيز يعجب "لم لا يسقط هتلر إزاء هذه الاندحارات كلها؟ كيف لا يتحطم الصنم النازي ومطارق فولاذية هائلة الحجم تكيل له الضربات واحدة إثر الأخرى؟ "لكن المذياع يجيب" ثمة سلاح سري سيستخدمه هتلر.. قنبلة ذرية سيفجرها اليوم أو غداً فينطلق العفريت من قمقمه يحطم الأعداء دفعة واحدة، ويسيطر هتلر على العالم من جديد،" يسمع عزيز ذلك فيساوره الخوف.. الأستاذ نفسه ساوره الخوف، كانت ارتكابات هتلر قد غيرت آراء وبدلت آراء.. فظائعه أوضحت أنه الشيطان الرجيم الذي لا يرجى منه خير ولا يؤمل بخلاص.. "هذه الحرب قذرة.. ينبغي أن تنتهي في الحال، "كان الأستاذ قد بدأ يردد منذ حين، "الاستعمار الفرنسي شر وهتلر شر، لكن الأول أهون الشرين. "لماذا أستاذ؟" سأله عزيز ذات مرة "من يعلم ما تراه يفعل هتلر إن سيطر على العالم؟ إن ملك ذلك السلاح الفتاك الذي يتحدثون عنه، ما الذي لا يفعله بالعالم هتلر؟. كان جنون الفوهرر قد تجلى في أكثر من مكان: التجويع، الاذلال، السحق، المجازر الجماعية الإبادة، كلها كانت قد غدت معروفة للقاصي والداني ولماذا؟ كرمى لعيني التعصب للآرية وللعرق الآري العظيم الذي لا يضاهيه عرق في العالم. "إذن استعمار بغير تعصب عرقي خير من استعمار بتعصب عرقي وشعور بالتفوق والفوقية"، كانت تلك هي الخلاصة التي توصل إليها الأستاذ خاصة وقد جاء الجنرال كاترو ممثلاً لقوات فرنسا الحرة وجنرالها ديغول فاتحاً صفحة جديدة من الدبلوماسية والكياسة السياسية واعداً سورية ولبنان باستقلال قريب، رابطاً بينه وبين وضع الحرب أوزارها فكيف لا يكبر أمل عزيز بالاستقلال؟ وكيف لا يتمنى أن تضع تلك الحرب القذرة الأوزار؟‏

النهاية تقترب، عزيز يتتبع الأخبار.. مستلقياً على الفراش يستقبل الزوار ويستمع إلى المذياع. المذياع رفيق دائم، لا يفرغ من زائر إلا ويسرع إلى المذياع." أي اختراع عجيب تفتق عنه الذهن البشري!؟ تدير دولابا صغيراً هنا فيتحدث إليك رجل من لندن أو برلين.. يا إلهي!! ما أعظم العقل البشري!! "المذياع يأتي كل يوم بجديد.. المارشال جوكوف يتقدم نحو برلين من الشرق، الجنرال ايزنهاور يتقدم نحوها من الغرب.. فكا الكماشة العالمية الجديدة ينطبقان على هتلر.. روسيا وأمريكا قوتان عظميان أفرزتهما الحرب جيوشاً جرارة وقوى بشرية هائلة وإمكانات اقتصادية عظيمة، أين منها بريطانيا وفرنسا؟ لا.. بريطانيا وفرنسا تنزاحان منحدرتين على السفح، ألمانيا وإيطاليا تنسحقان لتظهر القوتان الجديدتان، المارشال جوكوف يتوج انتصاره بدخول برلين، المذياع يعلن نبأ انتحار هتلر وعشيقته إيفا براون.. الفوهرر يموت، الرايخ يسقط والحرب تضع أوزارها فيفرح العالم كله ويرقص العالم كله طرباً وسروراً.‏

الأخضر نفسه فرح يرقص طرباً. "فرحة لا يعادلها سوى فرحة التحرير" كتب في رسالته يصف فرحه، ثم فرح باريس وسرورها." يوم دخل ديغول على رأس قوات الحلفاء،‏

خرجت باريس كلها من إهابها.. الناس ملء الشوارع، الساحات، الحدائق، يهزجون، يرقصون، يغنون، يبكون، يضحكون.. نسي الناس مآسي الحرب، فظائعها، هم لا يذكرون سوى شيء واحد "ولى شبح الحرب.. حل السلام". كانت رسائل الأخضر قد بدأت كالعادة تتوارد.. الانقطاع الطويل الذي سببته الحرب والاحتلال النازي انتهى، لتعود رسائله منتظمة مطمئنة تبشر بالخير. كانت الحرب قد ضيعت عليه بعض الوقت، وكان قد تعذب، عانى، تعرض للكثير من السين والجيم، للكثير من مشاكل النازي وتحقيقاته لكنه كان قد تعلم مكر الثعلب ودهاءه وكان مصمماً أن يعوض بجده واجتهاده ماضيعته عليه الحرب. رسالته الأخيرة جاءت تحمل بشرى أكيدة: في هذا الصيف أتخرج.. وحين استلم شهادتي أعود..‏

-حقاً عزيز، أيعود الأخضر حقاً؟ سألته شمس وكأنها لا تصدق ما تسمع.‏

-الأخضر يعد.. وإن وعد الأخضر وفى!‏

-إذن طبيباً سيعود!! الله!! ها هو ذا أجمل أحلامك يتحقق يا شمس!!‏

سنون طويلة كانت قد مرت على فراقها لابنها البكر، وحنين عظيم بطول تلك السنين كان يعج في صدرها ويضج فكيف لا تنهمر الدموع من عينيها فرحاً وهي تسمع الرسالة ثم تقرأ كلماتها بعينيها ليطمئن قلبها أكثر؟ هي أم.. شمس باتت مجرد أم. لم يعد لها أفراحها الخاصة وأتراحها، بل أفراح أبنائها أفراحها، أتراحهم أتراحها. تعيش بهم وتموت بهم فكيف إذا كان هذا الابن هو ابنها البكر، حبيبها الأول؟‏

في بداية الحرب كانت قد عرفت اليأس. أخبار الأخضر كانت قد انقطعت ولم يكن أحد يعلم عنه شيئاً.. الكولونيل رينو نفسه كان قد أضاع أهله.. لكن بعدئذ فرجت.. ووجدت الوسيلة للتواصل معه، لإرسال المال له.. كان الكل حريصاً على ألا يعود الأخضر إلا بشهادة الطب، وكان الكل يشعرون أنها الهزيمة الساحقة إن عاد بغير تلك الشهادة. صحيح، كانت الحياة صعبة وباريس تحت نير النازي، لكن الأصعب أن يخفق الأخضر.. أن يعود إلى بلاده بخفي حنين، وكان قراره: "أموت هنا ولا أخفق".‏

كانت الغربة قد عركته بمرارها والحرب حرقته بأوارها ثم سقته بمائها فحولت حديده إلى فولاذ مرن لا يكسر، صلب لا يعصر، وكان مع الأيام قد أصبح أعرف بباريس من أهل باريس.. هو يعرف الأحياء الآمنة والأخرى الخطرة، الشوارع التي يرتادها والأخرى التي يتجنبها.. وكان لـه معارف وأصحاب.. عزوة وأصدقاء.. من الجزائر، من تونس، من المغرب، كان العمال المهاجرون يصنعون تجمعات وتجمعات وكان قد تغلغل إلى هذا التجمع وذاك.. رفاقه في الكلية هيئة أمم.. هذا من لبنان، ذاك من السنغال.. ثالث من فيتنام، رابع من إيران، وكان يجد في العروبة أواصر وفي الإسلام أواصر، وكان الأخضر بارعاً في عقد المزيد من الأواصر كل يوم. الشبان، كان باستطاعة الأخضر دائماً أن يعقد معهم الأواصر. ؟؟ الشابات هن أنفسهن كن يسعين كي يعقدن معه الأواصر. جانيت في البداية.. خلصته من خجله..بعد ذلك كانت هناك فيوليت، جورجيت، أنطوانيت، بريجيت وأخريات. كانت الحرب قد صنعت شرائح من المشردين والمشردات، الضائعين والضائعات، وكانت الشوارع تعج ببنات الهوى يصطدن الجند ويصطادهن الجند.. وكان الأخضر يتعرض لمشاكساتهن وملاحقاتهن.. لكنه كان يفر دائماً فليس أبغض على نفسه من بائعة هوى.. المرأة بالنسبة إليه صديقة، رفيقة، إنسانة، أما بائعة هوى فلا.. ثم ما حاجته لبائعة هوى وهو في باريس؟ الفتيات في الجامعة يتوددن إليه. في الصف، في البوفيه في المطعم، دائماً يجد من يرافقها وترافقه، يدعوها إلى وجبة غداء أو تدعوه إلى فنجان قهوة أو ساندويشة سريعة، ثم يذهبان إلى شقته الصغيرة يمضيان الليل. كانت جانيت مذ أرادت أن تخلصه من الخجل والحزن قد صارت الصديقة التي تلبي حاجته كلما احتاج.. وحين فر إلى الجنوب هربا من جند هتلر ظلا أشهرا معاً لا يفترقان.. لكن الأخضر عاد إلى باريس مع افتتاح العام الدراسي فيما خافت جانيت أن تعود.. كانت تود الذهاب إلى اليونان تتابع دراسة اللغة الإغريقية. النازي يخيفها، الحرب تخيفها، فظلت في الجنوب وكلها حيرة وتردد.. في غضون ذلك تعرف الأخضر إلى فيوليت، بائعة البقالية القريبة، ثم كرت السبحة: صديقات لا يردن منه سوى أن يعشن اللحظة الحاضرة، فالمستقبل في بطن الغيب لا يعرفه أحد ولا يخطط له أحد. كان الأخضر، منذ تجربته الأولى مع جانيت، قد أدرك أن الناس في الغرب حلوا مشكلة ما تزال مستعصية في الشرق. الجنس حاجة طبيعية مثله مثل الطعام، الشراب، ولا بد للذكر والأنثى كليهما من الطعام والشراب، فلماذا اللف والدوران؟ لماذا التأزيم والتعقيد؟ كان جان بول سارتر قد خرج بمقولات يقرأها الأخضر هنا وهناك، "عش كما تشتهي"، "افعل ما تحب"، "الحياة جميلة، الوجود رائع فاعمل كل ما يعزز جمال الحياة وروعة الوجود. "وبدت الوجودية تعبيراً عن التوجه الجديد لأجيال جديدة بدت تتذمر من القيود، تأبى الأغلال، ترغب بالحرية، وبالحرية فقط. "أنا حرة إذن أنا موجودة "هكذا قالت له ذات يوم بريجيت الشقراء طالبة الفلسفة وتلميذة كيركجارد وجان بون سارتر.. "الوجود بلا حرية موت والحياة بلا حرية خواء". كان حلمها الذي طالما حدثته عنه: أن تبني عالماً حراً لا قيود فيه ولا أغلال، لا عادات ولا تقاليد.. بل لا أطر ولا نظم تجعل الإنسان حبيس أقفاص ورهين رقباء وحراس." علاقة بريجيت كانت الأجمل، ألأنها هي نفسها كانت الأجمل، روحاً وجسداً؟ أم لأن أفكارها الجديدة كانت الأجمل، مضموناً وسلوكاً؟ الأخضر يتذكرها فلا يملك إلا أن يبتسم.. لطيفة، خفيفة، ظريفة، إلى درجة لم يشعر معها بثقل.. عبئها تتحمله بنفسها، مشاكلها تحلها بنفسها، تأتي إليه كالنسيم، تغادره كالنسيم.. امرأة مترعة حباً للحرية، حباً للفكر، حباً للحياة فتسعى دائماً لأن تصنع أروع صورة للحياة. الخلود، السماء، الجنة، الآخرة، الحساب، العقاب، كلها مفاهيم كانت قد تجاوزتها بريجيت.. "للإنسان ساعته فليعش الإنسان تلك الساعة".. كانت فلسفتها في الحياة. "بيده السعادة وبيده الشقاء، فلماذا لا يفعل كل شيء من أجل تلك السعادة؟ لماذا لا يعمل على إزالة ذلك الشقاء؟" وكانت بريجيت أذكى بكثير من أن تقول ما لا تفعل، فكانت لا تفتأ ليل نهار تسعى كي تصنع لنفسها السعادة وتزيح الشقاء.‏

"ألم تتعرف إلى أحد؟ "كتبت له أمه في آخر رسالة لها، فأدرك الأخضر أنها تقصد بذلك الأحد فتاة.. تخشى أن تتورط معها أو يتزوجها. هو يعلم أنها تكره أن يتزوج بأجنبية.. والده كذلك.. بل لقد أوصاه قبل أن يرحل إلى فرنسا: "حذار أن تتزوج هناك.. أقم علاقات عش حياتك معهن.. لكن لا تتزوج واحدة منهن. "بعدئذ لم تكن رسالة واحدة تخلو من التلميح إلى ذلك والتحذير منه.. هم خائفون عليه.. لكن لم الخوف؟ طوال إقامته في باريس، ورغم الفتيات الكثيرات اللواتي تعرف إليهن لم يشعر مع واحدة منهن بالخوف.. ما من واحدة منهن طرحت عليه فكرة الزواج: "أسوأ مؤسسة أقامها الإنسان". فيوليت، جورجيت، كلهن كن عازفات عن الزواج "وأية حاجة للزواج؟ الجنس؟ ها نحن نعيشه كما نشتهي.. الأولاد؟ ولماذا الأولاد؟ كانت واحدتهن تحلم بتخفيف أعباء الحياة عن كاهلها لا بزيادتها وكانت المؤسسة الزوجية بما فيها من إنجاب وأولاد تزيد تلك الأعباء "الناس تكاثروا إلى درجة ينبغي عليهم معها أن يتوقفوا عن الإنجاب".‏

كانت نظرية أنطوانيت طالبة الصيدلة التي عاشت معه ثلاثة أشهر ثم تركته". لماذا؟" سألها وهي تودعه معلنة عن نيتها. "ألست سعيدة معي؟" بلى "أجابته أنطوانيت" لكن هذه السعادة جعلتني أنسى نفسي ذات يوم فأحمل.. تصور أنا أحمل وألد، لا.. لا.. لقد أجهضت نفسي ولا أريد أن أنسى نفسي مرة أخرى فأضطر للإجهاض."‏

بريجيت أنهت علاقتها لسبب آخر. "تعلم؟" قالت له ذات ليلة وقد صالا وجالا على سريرهما العالي العريض الطري الوثير." بدأت تشكل خطراً علي" "أي خطر؟" رد وهو يداعب بطنها الأخمص الضامر، الأملس الناعم كحرير الصين"، "الحب " ماذا تقصدين؟" "أخضر أنا خائفة.. تصور.. بدأت أفكر فيك.. بدأت أحبك".. " وماذا في ذلك؟ أحبيني" "لا.. هو ذا الخطر.. جنس؟ نعم.. أما حب فلا" ولم تمض أيام بعد ذلك حتى اختفت من حياته بريجيت.." أأكتب ذلك لأمي؟ أأقول لها المرأة هنا تختلف كل الاختلاف عن المرأة هناك.. همها هناك الزواج والأولاد وهمها هنا المتعة والعمل.. لا، ليس باستطاعتي أن أكتب لها ذلك.. ربما لن تستوعب.. ربما لن تصدق ما أقول. ثمة قصة قد تصدقها".. مرة أو مرتين فكر في أن يكتب لها عن "اسعيدة" بنة مؤنس التي تقيم في باريس. كانت اسعيدة تعمل في محل للألبسة، وكان أبوها سرجاناً متقاعداً في الجيش الفرنسي، خدم في مستعمرات فرنسا بدءاً من تشاد وحتى كوبيك. في محل الألبسة تعرف إليها وإلى المسرح والسينما دعاها. ثم إلى منزلها دعته.. وإلى أبيها قدمته عربياً مسلماً يدرس الطب.. الكسكسي أطعمته أمها، وإلى أكثر من عشاء وغداء دعاه أبوها، وبدأت أواصر علاقة حميمة تنعقد وتشتد.. ذهبا معاً إلى شقته، تبادلا العناق، مارسا الجنس، ثم شيئاً فشيئاً بدأت تتكلم عن الحب، المستقبل المشترك، الحياة الواحدة.. فهل يكتب لأمه عن اسعيدة؟ هو يعلم أن أباه وأمه لن يمانعا. اسعيدة من تونس.. عربية.. مسلمة.. "إذن، هي ليست منهن"، ستقول شمس" "هذه منا، عاداتها عاداتنا، تقاليدها تقاليدنا وهي تؤمن بما نؤمن.. فلم لا؟" سيقول عزيز.. لكن الأخضر لم يكتب عن اسعيدة البتة.. كان ذات يوم قد جاء إلى المحل متأخراً عن عادته بعض الشيء.‏

وكان المحل قد أغلق لتوه. هناك وبأم عينيه رأى اسعيدة تتأبط ذراع أحدهم وتلتحم به مقهقهة ضاحكة "لا.. يا أمي.. هي منهن.. عاشت بينهن فصارت منهن، تعيش أفكارهن، مفاهيمهن، نمط حياتهن، فمالي ومالها؟"‏

وأحرق الأخضر السفن بينه وبين اسعيدة، ثم لم يكتب لشمس غير جملة واحدة "تعرفت إلى الكثيرات لكن دون أن أرتبط بواحدة. "وسرت شمس" سيعود لي الأخضر حراً خالصاً، سفينته تمخر العباب دون مرساة". ولم يكن عزيز أقل سروراً.‏

-الحمد لله، قال لشمس وقد قرأ الرسالة، الأخضر يفي بوعده..‏

-ابن أبيه، ردت شمس وعيناها تبرقان اعتزازاً وفخاراً، فهمها جيداً عزيز فأمسك بيديها امتناناً ووجدا، وقد غمرتهما معاً سحابة غبطة وسرور..‏

في تلك اللحظة دخل عواد بقامته الطويلة وجسده الممتلئ وشاربيه الأشقرين وقد ارتسما رقم ثمانية على شفتيه.‏

-الحمد لله.. حظي حسن، عمي، عمتي!! أنتما في هناءة وصفاء!!‏

-نحن دائماً في هناءة وصفاء، رد عزيز وهو يتأمل الفتى الذي ظل طويلاً لكنه لم يعد ناحلاً. لقد ملأت الأيام جسده وزادت قامته طولاً..‏

-خير!! لا بد أن وراءك مطالب!! ردت شمس مازحة، وقد تعودت منه أن يطلب منها كلما ألمت به حاجة ابنا بارا تربطه بهما وشائج ود ربما هي أمتن من وشائج القربى.‏

-صحيح.. لكنها ليست مطالب.. بل هو مطلب واحد، بدأ عواد بشيء من تعثر وتردد لم يألفهما عزيز فيه.. فالفتى الناحل الذي درس المحاماة أكثر من ست سنين وعمل في الوقت نفسه أعمالاً شتى، تعرف إلى شخصيات ودخل معترك السياسة، كان يبدو له دائماً واثقاً من نفسه لا يعرف التعثر ولا التردد، وكان ذلك يعجبه فيه.. مثلما يعجبه حبه للعمل، طموحه ودأبه اللذان لا يقفان عند حد. راتبه في التعليم كان يكفيه، مع ذلك لم يكن يدع فرصة عمل تفوته، وكان ذلك كله قد أعطاه ثقة بالنفس وخبرة، امتلاء ومالاً. في محل عزيز، في مكتب هذا المحامي، في مكتب ذاك. كان يعمل.. هو يعلم أن عليه أن يجني المال. أمه العجوز في مسقط رأسها هناك، كانت ما تزال بحاجة إليه. هي وحيدة بلا معين سوى الأرض لكن أرضها تعطي عاماً لتأخذ أعواماً فلماذا لا يبذل المستحيل كي يوفر لنفسه وأمه المال.؟ السنة الماضية تخرج وعلى الفور بدأ العمل محامياً يعرف دهاليز قصر العدل ويجوب ساحاته فارساً، سيفه اللسان.‏

-ما بك؟ حثه عزيز مستغرباً، قل.. تكلم.. أم أن المحامي بات لا يحسن الكلام؟‏

لكن الشاب بدا أكثر تردداً واضطراباً، وقد احتقنت أوداجه واحمر وجهه. نظرت إليه شمس فتبسمت ابتسامة المرأة التي تفهم بالحدس.. "هو خجلان، إذن، هو آت من أجلها، يريد أن يطلب يدها". كانت الأم قد لاحظت قبل حين من الزمن أن الألفة التي تجمع بين عواد وبدور تتحول إلى شيء آخر.. بحذر راقبتهما، بأناة تفحصت ذلك التحول.. فسلة نخيل صغيرة، غضة رقيقة كانت تنمو، شيئاً فشيئاً كانت تنمو.. ترسل سعفاتها الواحدة بعد الأخرى خضراء زاهية ضاربة جذورها عميقاً في الأرض، مادة فروعها بعيداً في السماء. بدور ترفرف بجناحيها فرحاً كلما جاء عواد في زيارة. تشعر بخافقها نفسه يتواثب غزالا في مرج كلما تبادلا النظرات، تبادلا العبارات، بل باتت الفتاة حريصة كل الحرص على أن لا تظهر إذا جاء إلا وقد مررت الميل على أجفانها.. سرحت شعرها.. لبست أحسن لباسها، فهل ثمة من شك؟ شمس تتذكر نفسها، وقد صارت أنثى، تحلم برؤية عزيز، تعيش بانتظار عزيز.. لم تكن ترضى أن تراه إلا وهي في أروع بهاء.. لم تكن ترضى أن تراه إلا وقد مرت أمام المرآة فأعطتها المرآة الاذن. بدور باتت تكثر من النظر إلى نفسها في المرآة إن كان عواد في المنزل أو على وشك المجيء إلى المنزل. هل فقدت ثقتها بنفسها؟ شمس تعلم أن ابنتها شديدة الثقة بنفسها، فما السر إذن؟ "الحب" كانت شمس قد استخلصت منذ زمن." الحب وحده هو ما يفعل ذلك في الفتاة وما فعله في بدور.." هما لا يتحدثان بشيء، لا يبوحان بشيء بل كلاهما حريص على التمسك بعروة وثقى من الاستقامة والعفاف فلا يؤذيان مشاعر أم ولا يمسان كرامة أب ".. هو محامٍ تخرج قبل عام وهي معلمة تتخرج هذا العام، فما الذي يحول بينهما وبين أن يبنيا عشا للزوجية؟" وعادت شمس تصغي فيما كان عواد قد بدأ حديثاً كثير الالتفافات والتعرجات وكأنه يخشى أن يسلك الطريق المستقيمة فيصطدم بصخورها.‏

-عواد.. ما من عادتك أن تلف وتدور.. قل بصراحة.. ماذا تريد؟ قال عزيز أخيراً وقد نفد صبره..‏

-بصراحة.. عمي.. أ.. أنا.. أ. أ..أ طلب القرب.. نطق أخيراً فلمعت عينا شمس أكثر.‏

-القرب ممن؟‏

-من ابنة عمي.. بصراحة عمي، أنا أطلب يد بدور.. أفصح أخيراً وعيناه في الأرض، ربما تخشيان مواجهة عيني العم.‏

بدوره، أطرق العم إلى الأرض، لا خجلاً كعواد بل تفكيراً وتأملا."ً ها أنت ذا تكبر عزيز، ها أنت ذا يطلب الناس يد ابنتك كما طلبت ذات يوم يد شمس من الشيخ نواف." ورغماً عنه شرد عزيز بعيداً.. إلى ذلك العجوز في مضافة الشيخ نواف وهو يرد على طلب علي المر. "إي... نوافق لكن المهر ثلاثمائة ليرة ذهب وثلاثمائة نعجة ومائة ناقة.." كم كانت تلك الأرقام فلكية؟ كم شعر بها خناجر حادة تنغرس في قلبه!! "إن أردت ألا تعطي ابنتك غلّ مهرها "يقول المثل، وقد أدرك عزيز مذ نطق العجوز أرقامه الفلكية تلك، أنهم يغلّون المهر كي لا يعطوه ابنتهم.‏

-عمي.. عمتي.. عاد عواد للكلام من جديد وقد ثقل عليه الصمت الذي ران، ودبت في أوصاله رعشة من خوف.. أنا آسف.. إن كنت قد تجرأت وطلبت طلبي بنفسي.. لكن عمي أنت تعلم.. لا أب لي ولا عم.. فقلت أنت أبي وعمي.. ولست بحاجة لوسيط لدى أبي وعمي..‏

-هذا صحيح.. أنت بمثابة ابننا وأقرب الناس إلينا.. قال عزيز وهو يتفحص الشاب الذي استعاد رباطة جأشه، محامياً طيع اللسان حاضر الذهن.‏

-والأقربون أولى بالمعروف عمي!! عمتي! عقب للتو وهو ينتقل بناظريه من عزيز إلى شمس.‏

لم تجب شمس، بل نظرت إلى عزيز.. فيما نظر عزيز إلى عواد. "من يصدق؟ ذلك الفتى اليتيم الفقير الناحل الطويل الذي كان يعمل جمالاً لدي، يخطب ابنتي الآن؟" لكن عزيزاً يطرد أفكاره وتساؤلاته فقد كان مديناً للفتى بحياته وقد اعترف له أكثر من مرة "لولاك لقضيت نحبي. أنت منقذي".‏

-لا بأس.. دعنا نسأل الفتاة فقط.‏

-إي عواد،.. أكدت، بدورها، شمس، لا بد من معرفة رأي بدور.‏

بدور موافقة، فقد سبق واعترفت لأمها أنها تحب المحامي الذكي الواعد، تحترم الرجل الشهم الأبي فيه، معلنة أخيراً أنها لن تجد خيراً منه.. لكن حين سألها والدها الرأي، لاذت بالصمت فأدرك عزيز أن الحياء وحده يمنعها من الكلام، وأن السكوت علامة الرضى..‏

بعد ثلاثة أيام، مضى عواد ببدور وأمها إلى الصالحية يشترون خاتم الخطبة، لكن سوء الحظ وحده حال دون ذلك.. إذ ما أن وصلوا إلى البوابة حتى اهتزت الأرض تحت أقدامهم وأصم دوي انفجار هائل آذانهم. لحظة من الزمان تسمروا في أماكنهم لا يعلمون ما الخبر.. لكن دوي انفجارات أخرى ولعلعة رصاص جديد في منتصف طريقه الصالحية، ثم أمواج الناس وهي تتدفق هاربة، دفعت بهم هم أنفسهم إلى الهرب بعيداً عن قنابل المدفعية التي بدا واضحاً أنها تنصب على مبنى البرلمان، شمالي الصالحية، شرقيها، مشعلة فيها النيران باثة في نفوس الناس الهلع والذعر.‏

في المنزل فقط، عرفوا السر.‏

-ألم أقل لك؟ قال الأستاذ لعزيز معقباً على حديث سابق، مؤكداً وجهة نظره.. فرنسا لن تعطينا الاستقلال.. ها هي تنكث بوعدها..‏

-معقول؟ ديغول نفسه وعد بإعطائنا الاستقلال، كاترو أعلن في بيان رسمي ذلك..‏

-الآن يذهب ديغول وكاترو وتتحرر فرنسا من وعودها، فيدك جنرالاتها البرلمان، يقصفون أحياء دمشق ويقتلون سكانها العزل.‏

-لكن لماذا؟‏

-الحرب انتهت ورجال البرلمان يطالبون بالاستقلال. الحكومة السورية تطالب بتنفيذ الوعود، لكن فرنسا الآن منتصرة.. قوة أساسية من القوى العظمى في العالم فما الذي يردعها؟ من تراه يرغمها على تنفيذ الوعود؟‏

لكن الأستاذ نسي في تلك اللحظة أن هيئة للأمم المتحدة كانت قد قامت، وأن قوتين عظميين جديدتين كانتا قد نشأتا وأن ما تريده هيئة الأمم وهاتان القوتان ليس تماماً ما تريده فرنسا.. إذ لم تمض أسابيع حتى عقدت هيئة الأمم اجتماعاً حضره مندوب سوريا مطالباً بحق بلاده في الحرية والاستقلال فلم يكن من العالم الجديد إلا أن اتخذ قراراً بإرغام فرنسا على إعطاء سورية الحرية والاستقلال.‏

-عمي.. عمتي.. هل تسمحان بتحديد موعد العرس؟ سأل عواد، المحامي الذي لم يعد يعرف تلعثما أو تلكؤا، وقد جاء اليوم الذي اشترى فيه لبدوره خاتم الخطبة، وألبسها إياه في حفل عائلي بسيط..‏

-ألست مستعجلاً قليلاً؟ أجاب العم وقد ساوره شعور الضن بابنته كأنما لا يتمنى أن تفارقه.‏

-أربعة أشهر مضت على الخطبة: قال عواد معاتباً محتجاً: الشقة جاهزة، الأثاث جاهز.. تعيينها صدر.. معلمة قد الدنيا.. فلماذا ننتظر؟‏

-من أجل الأخضر ننتظر.. ردت هذه المرة شمس، وفي ذهنها برقية الأخضر ينبئهم فيها أنه على وشك أن يعود.‏

-هو ذاك.. ثنى عزيز على الفكرة.. العرس مع عودة الأخضر.. وقبل عواد على مضض. لكن ما كان أشد فرحه حين وصل الأخضر إلى دمشق محملاً بشهادة الطب، مكللاً بغار النصر، فقد لبس الحي أزهى حلله ثم خرج بطبولـه وزموره يستقبل العائد بعد طول غياب ويفرح بعد ذلك ببدور، مقيماً عرسين في عرس واحد.. لم يعرفه الميدان منذ أزمان..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244