الطريق إلى الشمس - عبد الكريم ناصيف

ثلاثية روائية -3- الجوزاء من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:29 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-14-

إذا كان الفرح يصنع أجنحة للإنسان فقد صنع لشمس جناحي عقفاء حلقت بهما إلى الأعالي ملؤها الزهو والكبرياء. عرسان في عرس واحد عاشتهما شمس.‏

هي أم عروس حقاً. تذهب، تجيء، فرحة إلى حد النشوة، سعيدة إلى حد الطيران. مزيج من المشاعر العجيبة كانت تختلط في نفسها.. ابنتها فرحة بعريسها، سعيدة بزفافها إليه فتنتقل تلك المشاعر كلها بالعدوى إلى الأم التي ترى نفسها في ابنتها ليس امتدادا وحسب بل تجدداً واستعادة. شمس تعود ثلاثين عاماً إلى الوراء تعيش لحظات عرسها هناك في أم العيون ومضارب الشيخ نواف. سبعة أيام بسبع ليال ظل عرسها لا أحد يأكل أو يشرب إلا من عرس ابنة شيخ القبيلة وابن شيخ القرية. يومذاك كانت الفرحة مزدوجة. لقد جمع عزيز وشمس مالا يجتمع: البدو والحضر، عدوين لدودين يفرقهما الصراع الدائم على الحياة والبقاء، فجاء عزيز وشمس ليربطا بينهما بروابط الحياة والبقاء. عرس بدور نقلة أخرى هو يجمع بين الريف والمدينة، يقيم بينهما الجسور، يشد الروابط.‏

.. عواد من حوران، بدور من المدينة.. حماة مسقط رأسها، دمشق مرباها، في الميدان عاشت، على مرابعه تدرجت، في مدارسه تعلمت وها هي ذي تعود من جديد معلمة إليه، ابنة من بناته، تتحدث بلهجته وتتخلق بأخلاقه فكيف لا يحتفي بها الميدان؟‏

في المدينة لا يحبون الإطالة والمطمطة.. سبعة أيام بسبع ليال؟ لماذا؟ .. ليلة واحدة دام العرس. رقصت فيها الفتيات، هزج الفتيان، دبكوا وغنوا، لعبوا بالسيف والترس، قاموا بالعراضات الفولكلورية البهيجة:‏

"شنك ليلة.. شنك ليلة‏

من ها الليلة صار له عيلة"‏

ثم مضوا بالعروس إلى عريسها في الشقة الجديدة حيث يمضيان شهر العسل منفردين بعيدين عن كل الناس، تماماً كما ينفرد العروسان في مضارب الخيام فينصبون لهما خيمة بعيدة لا يقربها أحد..‏

صحيح، شمس فرحت بابنتها، شعرت بنفسها تتجدد، لكن الصحيح أيضاً أنها شعرت عليها بالحزن، بل بكت عليها الدموع الغزار عندما حانت لحظة الفراق. ومثلما بكت الأم على ابنتها بكت الابنة على الأم.. إنه الحزن الذي لا بد سيعتري كلا منهما وهما تطويان مرحلة من العمر لتبدأ مرحلة جديدة، ربما لا ترى فيها الواحدة الأخرى.. لكن إن شعرت شمس بمزيج من الفرح والحزن على بدور وهم يخرجون بها من منزلها، فإن فرحها بعودة الأخضر كانت خالصة لا يخالطها حزن.. الأخضر يعود إليها فكيف لا تطير فرحاً؟ هو رجل طويل عريض ناضج مزود بسلاح العلم والخبرة.. فكيف لا ترقص نشوة وطرباً؟ الكل جاؤوا لاستقبال الأخضر. كبار القوم جاؤوا يسلمون على الطبيب الجراح الذي صمد وتحمل، سنين من العذابات والمعاناة، سنين من الحرب وأهوال الحرب كيلا يعود بخفي حنين.. "أهلاً بالطبيب الجراح"، قال له صبري وهو يأخذه بالأحضان. "أنا معجب بجلدك وصمودك، بدأبك ومثابرتك"..‏

الأستاذ، فخري بك، فارس بك، كلهم فرحوا بعودته ظافراً منتصراً. شهراً كاملاً وليس يوماً وليلة ظلوا يستقبلون الناس الذين يريدون المباركة له بشهادته الكبيرة وتهنئتهم هم بعودة الحكيم الفهيم الذي يستطيع القيام بأصعب الأعمال الجراحية. عمه يونس من القرية، أخوه نواف، لفيف الأقرباء كلهم جاؤوا مسلمين مهنئين. خاله سلطان من البادية، أولاد أخواله، وجوه القبيلة هم الآخرون أدلوا بدلائهم حتى خيل لشمس أن العالم كله يشاركها فرحتها وهي تطير عالياً بجناحي عقفاء.‏

فرح الأخضر كفرح أمه كبير أيضاً.. هو فرح بالعودة إلى الوطن، برؤية الأهل، الأصدقاء، مرابع الصبا، لكن شيئاً واحداً عكره.. كان، مذ وطئت قدماه رصيف محطة الحجاز قد افتقد أباه.. بحث بين المستقبلين فلم يجده، سأل عنه فغمغم الجميع وتمتموا بالجواب.. هو مشوق لرؤيته متلهف لحضنه يضمه، ليده يقبلها لكنه لا يظهر.. "أين أبي"؟ ألح على أمه. "ستراه في المنزل". وأغرقته باللهفة والقبل.. هو يحب أمه صحيح، لكن حبه لأبيه شيء آخر..‏

تعلقه به شديد حتى ليشعر أن خيال أبيه لا يفارقه أبداً. طوال إقامته في باريس، كان خيال الأب معه، صورته في عينيه، كلامه في أذنيه... "العمل العمل يا بني، قيمة الإنسان بما يعمل... بالإرادة والتصميم يصنع الإنسان المعجزات". "بالدأب والمثابرة نحقق المطامح. "وكان ذلك كله دافعاً يدفعه باستمرار لأن يدأب ويثابر.. حافزاً يحفزه على الصبر والتحمل.. كان الأخضر يشعر أن أباه مثله الأعلى يقتدي به ويحذو حذوه.. ألم يشق طريقه في الصخر؟ ألم يعرض حياته نفسها للخطر عشرات المرات؟ ألم يكن مثال الطموح والدأب؟ الشجاعة والمغامرة؟ إذن، كيف لا يكون الأخضر كذلك؟ "لكن لماذا لم يأت أبي؟ "سأل أمه من جديد وهو في الطريق إلى المنزل. "هو غضبان مني؟ زعلان؟ مريض؟" لكن الأم عادت تغمغم بالجواب، تلف حوله وتدور.‏

في المنزل فقط، أمسكت أمه بيده وقادته إلى غرفة الأب حيث كان يجلس على سريره وكله حرقة لرؤية الأخضر. "أبي!!" "ولدي!" تبادل الأب وابنه هتاف اللقاء، ثم ألقى كل منهما بنفسه في حضن الآخر والدموع تنهمر مدرارا على وجنتيه. "أبي، لماذا أنت في الفراش؟ لماذا لا تنهض؟ "سأل الابن أباه وهو يفحصه مكفهر الوجه "أنهض؟ "رد الأب زافرا ملوحاً برأسه" أدفع عمري كله لو أستطيع أن أنهض. "وزعق الأخضر مرعوباً، "ماذا؟ أنت.. عا.. مقـ .." وتعثر دون أن يستطيع إكمال أي من الكلمتين.. حينذاك روى الأب لابنه القصة كاملة فضرب الأخضر كفاً بكف" ولا تخبرونني!؟ معقول هذا! أبي يصاب!! يقعد في الفراش، ولا أعلم أنا الطبيب الجراح؟" "لم تكن قد صرت جراحاً يا بني!! ولم نكن نريدك أن تقطع دراستك، "أجابت الأم شارحة مفسرة.. لكن الابن لم يرتح للشرح ولم يخف حزنه. "لا، ما كان ينبغي أن تخفوا عني الحقيقة"، ثم جلس على حافة السرير وقد هدت المفاجأة ظهره.. "كسور في الحوض؟ في الفخذ؟ في الكتف!!؟ يا إلهي!! لو أخبرتموني إذن لأخذته إلى باريس نفسها". "في البداية لم يكن باستطاعته أن يظهر.. لو عرف الفرنساوي به، ربما أعدمه "شرحت له الأم من جديد "لكن.. لماذا؟ ماذا فعل للفرنساوي كي يعدمه؟ "وتبسم عزيز" لا.. بني.. هذه قصة أخرى.." "كلي آذان صاغية.. احكها لي"، لكن الأب ربت كتف الابن، ثم شده إلى صدره وفمه على خده، ماء عذبا يريد أن يروي عطشه منه. "ماذا أقول لـه؟ "وتنهد عزيز وهو ما يزال يشد ابنه إلى صدره، "أأحكي لـه قصتي مع البطحيش؟ عملياتنا معا عبر السنين الطوال.. طعنات خناجرنا في خاصرته، صدره، ظهره؟ لا.. لا.. ليس الآن، أخضر.. ليس الآن يا بني".. واكتفى عزيز بصب جام غضبه على المستعمر الذي يحسب الآخرين مجرد حشرات أو بهائم يمكنه أن يذبحها أو يسلخها على هواه.. "حتى على العكازين لا تستطيع السير؟ "سأله الأخضر وهو ينظر إلى العكازين المرميين في الزاوية". هو لا يريد أن يسير عليهما، رفض استخدامهما، "تذمرت الأم موجهة الاتهام إلى الأب الذي كان ما يزال يأبى استخدام العكازين. "معقول؟" قاطع الأخضر أمه وهو يتطلع بعتب وملامة إلى أبيه. "لا تريد أن تسير؟ أيعجبك قعودك في الفراش؟ "وهز عزيز رأسه انكاراً "بل لقد حاولت.. لكن آلاماً شديدة منعتني.. أشعر أن العظام هنا في حوضي تضرب بعضها بعضاً فتؤلمني ألماً لا أقوى معه على الحراك".‏

منذ ذلك الحين، صار ديدن الأخضر علاج أبيه. كان عجزه عن الحركة قد انغرس كالخنجر في صدره فبدا قلبه وكأنه ينزف دما وألماً جعلاه يصمم على إعادته للحركة بأي شكل من الأشكال. "أبي العزيز القوي يقعد كسيحاً أشل؟" وعاد إلى كتبه يبحث فيها، أرسل إلى الأساتذة في باريس يسأل، يستفسر.. وكان ثمة اجماع: "تكلس عظام وتصلبها من جهة وضمور عضلات وضعفها من جهة أخرى. والعلاج؟ "دوائي وفيزيائي"... الأخضر يشرف على الدوائي بنفسه وزميل آخر يشرف على الفيزيائي. في الصباح، وقبل أن يذهب إلى عيادته، يعطيه الأخضر الدواء، عند العصر يقف على يد المعالج الفيزيائي، وفي كل حين يحث الرجل الذي لم يعرف القعود من قبل، يرفع من معنوياته. كان يريد أن يعود أبوه كما كان، وكان حانقاً على الفرنساوي الذي فعل ذلك به. يريد الانتقام منه لكن لا يدري كيف.. هو يكرههم. مذ كان في باريس كان يرى تعاليهم وصلفهم.. يعرفونك من مستعمراتهم يعاملونك معاملة الإذلال والمهانة!! مرات عديدة ثار على مثل تلك المعاملة خاصة معاملة السود أولئك الذين جاؤوا من المستعمرات الافريقية وكل منهم يريد أن يحصل العلم، طبيباً أو مهندساً، فيزيائياً أو كيميائياً، لكن على أشواك التمييز العنصري. هم يرون الابتسامات الساخرة منهم، النظرات الشزراء إلى العبد الأسود الذي يريد أن يتعلم علوم السادة، بل بآذانهم يسمعون نداءاتهم فيما بينهم: "انظر العبد الأسود.. ها هو ذا النيجرو اللعين". بلونه الحنطي وبشرته المائلة للبياض، كان الأخضر غالباً ما يضيع فلا يعرفونه أصلاً ولا فصلاً، لكن كيف ينجو الزنجي أسود اللون؟ ذلك، ربما ما جعله يدرس ليل نهار.. بجد ودأب لا ينقطعان، عله يتخرج بأسرع ما يستطيع، فيخلص من التمييز العنصري والمستعمر كله.. لكن المستعمر كان ما يزال في وطنه. هناك في فرنسا، كانوا يقولون "الانتداب انتهى". "فرنسا تخرج من سوريا ولبنان"، لكن ها هو ذا يجيء فإذا فرنسا ما تزال.. ليس في البلاد وحسب، بل في بيته نفسه، عجزاً أقعد أباه عن الحراك.‏

الأخضر لا يعرف اليأس.. بحماسة راح يعالج أباه، يعمل في العيادة، يشرف على المحل. كان يحاول أن يحل محل أبيه.. فيسد الثغرة التي أحس بها تفغر فاها في وجهه، بل لقد ذهب إلى القرية حيث كان يشده الحنين إلى الأهل والأقرباء. كان يريد أن يلقي نظرة على الأرض والأملاك، الأخ الذي آثر حياة الطبيعة والريف.. شمس معه.. في ذهنها أشياء وأشياء.. "الأخضر لم يعد صغيراً.. لو تزوج لكان لديه الآن خمسة أولاد، "كانت تفكر خفية "فلماذا لا أسعى لتزويجه؟" ولقد سعت شمس.. لم يكن قد مضى عليه أسبوعان حتى فاتحته. "ها قد عدت إلى الوطن.. إلى الاستقرار.. ولا استقرار للرجل إلا بالزواج. "وضحك الأخضر" لا، أمي.. استقراري الآن بشفاء أبي.. بنجاحي في عملي..".‏

"هذا لا يتعارض مع الزواج". "ربما بالنسبة إلى الآخرين.. لكن بالنسبة إلي يتعارض. أنا لا يهمني الآن سوى أن أعمل، أبني قاعدة، أصنع سمعة وشهرة.. يعني.. بصريح العبارة.. ما يزال باكراً علي التفكير بالزواج".. وثنى عزيز على فكرة الأخضر" صحيح المهم أن يشق الأخضر طريقه.. أن يعرفه الناس فيشتهر". لكن الأم لم تقنط بسهولة.. بل كانت لا تفتأ تناوشه. "ثمة فريدة ابنة عمك صبري.. فتاة حلوة تسألني دائماً عنك". وتغمز الأم بعينها، "ما رأيك أن تلتقي بها؟" ويجد الأخضر حيلة للتملص فلا يلتقي بفريدة. "هذه هدية ابنة أم روضة، أتتذكرها؟" تسأله شمس التي تحولت إلى مجرد أم وهي تقدم له صبية في الرابعة عشرة من عمرها، "أتذكرها وهي بجدائل صغيرة، ربما لا تتجاوز الخامسة من العمر". "ما رأيك بها؟" تقترب من أذنه هامسة". أمي أنا في ضعف عمرها، أيعقل ذلك". ولم لا؟ الأنثى تصلح للذكر أيا كان عمرها". "لكنها طفلة، أمي، وأنا طبيب لي خبرتي ومكانتي.. أريد امرأة كاملة ناضجة لا سعدانة تنط وتلعب". ويسرع الأخضر مبتعداً. لو كانت روضة لكانت معقولة هو يعرفها وهي تعرفه، بل كانا في يوم من الأيام قريبين بينهما جسور وروابط. لكن روضة تزوجت، صار لديها أولاد وكانت قد زارته.. خفية جاءت تعاتبه "أهكذا تركتني؟" "وماذا أفعل إن كنت لا أستطيع دراسة الطب إلا في باريس؟" "لكنها خيانة للعهد" أنا لم أعطك عهداً لأخونه" "لكنني كنت أحبك.. لساني انعقد حين أرادوا أن يزوجوني سواك" "ربما هو حب من طرف واحد، أنا لم أحدثك يوماً عن حب ولا وعدتك بزواج" "أنت، ككل الرجال، ليس معكم اطمئنان وليس لكم أمان" مع ذلك كانت روضة تزوره من حين إلى حين. في البيت، في العيادة، بهذه الحجة أو تلك، مع أمها أو بغير أمها، وكأنها لا تستطيع إلا أن تراه.‏

كانت أم روضة قد زوجت ثلاثاً من بناتها، وكانت خيرية، الابنة الرابعة، قد خطبت لمناف فلماذا لا يخطب الأخضر الخامسة؟ "طبيب قد الدنيا، فأية ضربة حظ ستكون يا أم روضة، إن أوقعته في شراك هدية!" وبدأت أم روضة استراتيجية متكاملة. هي تعلم أنه ما يزال يكن الود لروضة، فلماذا لا ترسلها له تحدثه عن هدية وتمهد لها الطريق؟ شمس أيضاً ذات تأثير كبير عليه.. أم روضة لا تريد مهراً وليس لها شروط، حسب الأخضر أن يتزوج هدية فلا يظل لديها بنات عازبات ولا هم تدبير زيجات.‏

شمس تضغط على الأخضر.. هي تريده أن يتزوج، وهدية فتاة ساحرة.. غضة بضة كورق الياسمين.. عيناها خضراوان ، شعرها كالذهب.. "سيأتي نسلك جميلاً، ثم هي عجينة يمكنك أن تصنع منها ما تشاء. رغيفاً، كماجة، فطيرة.. "ويضحك الأخضر "أمي، الزواج اقتران ندين: ذكر وأنثى، وليس تنوراً تخبزين فيه الخبز، أو مصنع فخار تصنعين فيه الفخارة على هواك".‏

"حسن، في المدينة لم تجذبه أحد، ربما تجذبه واحدة في القرية". وذهبا معاً إلى القرية.. "مزنة ابنة عمتك، نرجس تأخذ العقل"، تقول لـه فيبتسم "لا أخفيك.. هي جميلة لكن قلت لك.. لا أريد الزواج الآن.. لا أفكر في ذلك" "تدري!؟ ابنة عمك خديجة تريدك، حدثتني صراحة عنك"، تقول لـه في ليلة أخرى فيهز رأسه.. "خديجة ابنة عمي وأنا لا أكره كزواج الأقارب وأبناء العم.. هي مثل أختي ومن المحال أن أفكر فيها". "لكن، أخوك نواف فكر بابنة عمه وتزوجها". "هذا خطأ أمي وهو خطأ فظيع.. زواج الأقارب لا يورث إلا ضعف النسل وسوء الذرية.. فهل تريدين لنسلي أن يكون سيئاً ضعيفاً؟" وبدا الطريق مسدوداً في وجه شمس..‏

في البادية، وبين قومها، عادت تناوشه من جديد "ما رأيك بصبحة، ابنة خالك سلطان؟" "ما رأيك بندوة ابنة خالتك فوز؟" ويعيد الأخضر الأسطوانة: زواج الأقارب، وفارق السن، اختلاف البيئة ونمط الحياة.. لكن حين رأى "سوحة" بدا وكأنه نسي كل ذلك. كانت سوحة فارعة القامة، هيفاء، دعجاء كتلك التي تتحدث عنها الأشعار وتصفها القصائد.. رآها فخيل إليه أنها صورة طبق الأصل عن أمه.. البشرة البيضاء والشعر الفاحم، القد الممشوق والعينان السوداوان.. ثم الذكاء اللماح واللسان الفصيح. "ماذا؟ أعجبتك؟ "سألته الأم وقد رأت الانبهار في عينيه "كثيراً" "أخطبها لك؟" "أجل" فضحكت الأم وقد سجلت أول نصر.. "لا تنس.. هي بدوية، لا تقرأ ولا تكتب.." "أعلم ذلك" "عمرك في ضعف عمرها" "أعلم" "بيئتها مختلفة ونمط حياتها مختلف؟ "تابعت ضاحكة... "أمي!؟"... احتج وفي عينيه لوم وعتاب.. "أخطبها لك الليلة" وهز الأخضر رأسه وهو أكثر حماساً واندفاعاً، ثم بدأ يذرع الخيمة جيئة وذهاباً وقد تركته أمه كي تزور سوحة. "أبي وقع في حب بدوية فيحدث لي الأمر ذاته أهو التاريخ يعيد نفسه أم هي عقدة أوديب يا ترى؟ سوحة تشبه أمي فأحبها.. ألأنني أحب أمي؟ ألأنها تشبهها فأجد فيها البديل والعوض.؟ "وأحس بنوع من وخز الضمير".. أنا معقد!؟ أعاني من عقدة أوديب ولا أعلم؟ لا.. لا.. يجب أن أتخلص منها.. ينبغي ألا أفكر بسوحة.." عادت الأم فهم الابن بنقل قراره لها، لكنها كانت الأسبق وقد اكتسبت سيماها أسى: "سوحة مخطوبة لابن عمها.. عرسها بعد أيام.." ووجدها الأخضر مناسبة كي يسرع في العودة إلى دمشق .‏

في دمشق، عاد الأخضر المغناطيس الجاذب لبرادة الحديد.. وغدت شمس أسعد بكثير وهي تستقبل نساء الحي وكلهن يسألن عن الطبيب الجراح الذي لما يتزوج بعد". متى ستزوجينه؟" "من سيتزوج؟" "ألقيت له عروساً؟"‏

كانت الأسئلة تترى عليها.. حتى نساء الرابطة التي ما انقطعت عنها مذ عرفت نازك وعايدة، سألنها عن الطبيب الجراح الذي "تعشقه أخته." وبدا الأخضر حلم كل فتاة.. كلهن يحمن حوله.. بيتها صار محط الأنظار. بحجة مراجعة الطبيب، ظهور علائم مرض، كن جميعاً يأتين "ها هو ذا الأخضر يعيد العز لبيت العز!!" وترتفع معنويات عزيز بعد أن فت في عضده طول القعود وأذبل روحه العجز عن الحراك، فيما كانت شمس تزهو، وقد كثرت زائراتها وطالبات ودها. "صحيح.. يسقط الطير حيث ينتثر الحب، وأي حب أكثر إغراء من الأخضر؟" ثم تشيل برأسها وهي تعود إلى الماضي مستعيدة صورة الحبيب الذي خلب لبها فتتساءل من جديد "ألم يكن عزيز كذلك؟ تتصارع عليه الفتيات ويخططن لنيله؟" هو نفسه كان قد روى لها أشياء وأشياء عن سعدى وبنات الريحانة، عن عليا وسكينة.. فكيف لا يكون الولد سر أبيه؟‏

-اسمع، البنات أهلكنني.. قالت لـه ذات ليلة وقد جاءها أكثر من ثلاث منهن، كلهن يردنك.. حسبك تدللا.. اختر واحدة وأرحني..‏

-لا.. أمي.. لافراغ لدي الآن للزواج،‏

-لكنك كنت ستتزوج سوحة.. كيف؟ ردت مقطبة محتجة.‏

-تعلمين؟ أنا نفسي لا أعرف كيف.. قال بنبرة المستغرب المتعجب. بعدئذ تأملها قليلاً ثم عقب، ربما لأن التاريخ يعيد نفسه، هي تشبهك أنت، وأنا أشبه أبي..‏

-المعنى؟‏

-المعنى: أتزوج حين ألتقي بالفتاة التي تخلب لبي، كما خلبت شمس لب عزيز، قال مداعباً شادا ذراعه حول كتفها، مقبلاً صفحة خدها، فشدت بدورها ذراعها حول عنقه مقبلة إياه.‏

-لكن أسراب القطا كثيرة وكلها تريد المنهل.. قالت بلهجتها البدوية اللماحة الملغزة.‏

-وأنت سعيدة بالطبع!! قبلة الأنظار صرت، مجمع الفتيات بت، فماذا تريدين أكثر من ذلك؟‏

-أخضر.. الله!! كم أنا فخورة بك.. كم أحبك يا أجمل شبان الدنيا!!‏

-القرد في عين أمه غزال!! عاود مزاحه وضحكه، فقاطعته وراحة كفها على فمه.‏

-لا تقل ذلك.. أخضر.. أنت هكذا في عين كل فتاة.. بل أنت حلم كل فتاة.‏

-إذن.. دعيني أظل حلماً.. حلما أجمل من الواقع..‏

لكن إن أراد هو أن يظل حلماً، أتريد الفتيات ذلك؟ أترضى الأخريات بأقل من الواقع؟ جانيت لن تفعل حتى لو طلب إليها ذلك، هي فتاة حرة مستقلة الرأي لا تفعل إلا ما يحلو لها وقد حلا لها، وهي في أثينا، أن ترى الأخضر.‏

-قلت في نفسي، شرحت له وهو يستقبلها في محطة السكك الحديدية قادمة من بيروت، يا بنت، أنت قريبة من دمشق فلماذا لا تستغلين هذه الفرصة؟‏

-جئت أهلاً ووطئت سهلاً، قال بالعربية مازحاً ففغرت فاها.‏

-ترادوي.. سيل فوبلي..‏

وترجم لها الأخضر كيف يرحب العربي بضيفه وكم يشتهر العربي بحسن الضيافة منفرداً عن خلق الله جميعاً، فمن حق الضيف أن يظل سبعة أيام دون أن يسأله أحد عن سبب مجيئه أو موعد مغادرته..‏

-فقط سبعة أيام!؟ قاطعته جانيت مداعبة. أنا أطمع بأكثر من ذلك..‏

-ولك ما تطمعين به: سبعة أشهر.. سبعة أعوام..‏

-لا.. لا.. أنا أريد فقط أن أتعرف إلى بلادكم.. سورية التي يقولون انها مهد الحضارات وملتقى الحضارات..‏

-وهو كذلك.. أكون لك دليلاً سياحياً.. يا أجمل السائحات.. وأوفى الصديقات.‏

لكن لدى شمس لم تكن جانيت سائحة جميلة ولا صديقة وفية، بل مصدر ازعاج وتشنج.. إذ ما إن رأتها حتى تراءى لها الكولونيل رينو بلحمه وشحمه يهددها بحبل المشنقة فانكمشت منقبضة الوجه.‏

-لا تخافي، طمأنها الأخضر في الحال، جانيت شيء والكولونيل شيء آخر ولا علاقة لواحدهما بالآخر.‏

-كيف لا علاقة وهما أخت وأخ؟‏

-وماذا يعني ذلك؟‏

-يعني الكثير.. بل أنا خائفة أن يكون هو الذي أرسلها كي تتابع مهمته..‏

-أية مهمة؟ سأل الأخضر ضاحكاً مستغرباً. لكن لم يكن باستطاعة شمس أن تشرح له، هو الذي لا يعلم شيئاً عن الأمر كله...‏

-لا أدري.. ردت أخيراً يعتمل في نفسها الخوف، لكن ظني أن لمجيئها علاقة بأخيها...‏

-أمي.. صدقيني.. هما لا يلتقيان إلا إذا التقى الشمس بالقمر.. ولكي يؤكد لها ذلك سأل جانيت عن أخبار الكولونيل..‏

-لا.. لا أعلم شيئاً! لم أره منذ شهور طويلة بل ربما أكثر من سنة. ردت جانيت ضاحكة، فيما كانت شمس تسمع دون أن تفهم.. ترجم لها الأخضر فطلبت إليه:‏

-سلها.. ماذا يستلم الآن؟ هل في نيته أن يعود إلى سورية؟‏

-يستلم؟ يعود؟ ردت جانيت باستغراب!! لا.. هو مذ خرج من سجن حكومة فيشي.. زهد في الجيش والسلطة.. لم يستطع حتى ديغول إقناعه بالعمل معه.. فترك كل شيء وتفرغ للصناعة..‏

-يعني لم يعد له علاقة بالأمن والاستخبارات، بالحكم والسلطة هنا؟‏

عاد الأخضر يسألها بناء على سؤال أمه، وهو لا يفهم سر ذلك الاهتمام برينو!!‏

-جامي.. ردت جانيت مؤكدة على كل حرف.. علاقته بمصنع السيارات فقط، والمصنع يدر عليه الأرباح الطائلة فلماذا يهتم بشيء آخر؟‏

وتنفست شمس الصعداء، شاعرة ربما لأول مرة، أن الأنشوطة انفكت عن عنقها وأن حبل المشنقة لم يعد يهددها‏

-لقد طوي ملف جيرار.‏

-هذه بشرى سارة، قال عزيز وقد نقلت له الخبر.‏

-لكنني أكاد لا أصدق، عزيز!! انتهت مشكلة جيرار؟ أكاد لا أصدق..‏

-بل صدقي!! الزمن أنهاها والزمن كفيل بإنهاء كل مشكلة..‏

غير أن مشكلة جديدة ظهرت.. "من أين جاءتني هذه الجنية، جانيت؟ ماذا تريد من ابني؟ لماذا هو بالذات؟ "لقد أحست شمس بالمشكلة مذ أراد الأخضر أن تحل جانيت في غرفة بدور وطوال إقامتها في دمشق.. "ليس من المستحسن أن ننزلها في فندق، "شرح لأمه وأبيه ولم يملكا إلا أن يؤمنا على قوله، لكن العلاقة الحميمة بين جانيت والأخضر جعلت الأم تنكمش وتتحفز، "هما زوج وزوجة.. يسهران معاً، ينامان معاً، فماذا إن كانت قد جاءت لتتزوجه؟ "وكانت تعبس وتقطب وهي ترى ابنها وضيفته طيري حمام متناغمين يلتف منقاراهما غردين.. أفصحت لعزيز عن همها فهز رأسه استنكاراًً:‏

-لا تخافي.. الأجنبية هكذا، تعيش حريتها دون قيد أو شرط.‏

-وماذا ان حبلت؟ ألا تكون قد ورطته؟ ألا تفرض عليه الزواج فرضاً؟‏

-أيضاً، لا تخافي.. هي نفسها لا تريد أن تحبل أو تتزوج..‏

-كيف عرفت؟‏

-سألت الأخضر..‏

وكان الأخضر قد شرح له علاقته بجانيت فعل الرجل للرجل. الأخضر مطمئن، سعيد.. فرح بجانيت يريد أن يرد لها الجميل. "ألم تعمل ذات يوم كي تخلصني من خجلي وحزني؟ ألم تأخذ بيدي في باريس؟ ألم تهرب بي وقت الاجتياح إلى الجنوب؟ "هي بالنسبة إليه صديقة حميمة لكن صديقة دون التزام، دون ارتباط.. تسبح في فلكها ويسبح في فلكه فإذا ما تقاطع الفلكان التقيا، ناما معاً، مارسا الحب وكأنهما لم ينفصلا قط. كانت جانيت قد تخرجت، صارت دكتورة في الآداب الكلاسيكية، تدرّس في الجامعة، مع ذلك لم تكف يوماً عن البحث.. ظمأها للمعرفة، للتنقيب، للكشف، أكبر من أن يطفئه عمل روتيني، فتنتهز كل فرصة تسافر فيها إلى بلاد الإغريق وإلى بلاد الرومان، تستكشف وتفتش. لكن قبل أن تأتي إلى بلاد الإغريق كانت تعرف الكثير عن حضارة الشرق، عن علاقة الإغريق بالشرق، عن فضله على حضارتهم.. هي التي مدت جذورها إلى هناك فامتصت منه النسغ وجاءت بالماء والغذاء ليتحولا إلى فلاسفة وأدباء. أبجديتها، حروفها، علومها، رياضياتها، فلكها، هندستها، كلها جاءت من الشرق ثم تطورت كما هو شأن البشرية وحضاراتها: مشعل يحمله عداء ماراثون إلى أن يوصله إلى عداء آخر يجري به شوطاً جديداً إلى أن يأتي من يستلمه.. وصار لديها دافعان: تلتقي بالأخضر وترى حضارة الشرق. بأم عينها رأت الآثار العظيمة في دمشق، بصرى، تدمر، أوغاريت، أفاميا، حلب.. رأت المدن الميتة هنا، هناك، ولما يكشف عنها التراب بعد.‏

-ما بلدكم هذا؟ قالت للأخضر، وهما يمران بإحدى المدن الميتة في الشمال. "سورية كلها متحف كأنها بلد الزمانين: الماضي والحاضر.. يعيشان معاً وعلى سطح واحد.‏

-الحمد لله ان اعترفت؟‏

-أعترف؟ كيف لا، وأنا أرى بأم عيني؟ حيثما ذهبت، ثمة الماضي إلى جانب الحاضر.. هذا فوق الأرض وذلك تحت الأرض حتى ليخيل إلي أنه لا يوجد شبر في سورية إلا وفيه أثر من حضارة وبقايا من عمران..‏

-مع ذلك، جاء قومك يستعمروننا وكل زعمهم: ليس لدينا من الوعي الحضاري ما يؤهلنا لإقامة دولة؟‏

-أي زعم!؟ أي باطل!! بل كيف يفكرون كذلك وفي كل مكان أدلة دامغة على أنكم أمة عظيمة، صانعة حضارات؟‏

-قولي ذلك لهم، هناك في باريس..‏

ولم تملك جانيت وهي ترى الأبجدية الأولى في أوغاريت إلا أن تهتف إعجاباً:‏

-لا، أمة تخترع الأبجدية هي أعرق أمم التاريخ، أعظمها مدنية وأكثرها حضارة. وكان ذلك يدغدغ مشاعر الأخضر، يجعله يزهو شيئاً فشيئاً، بل بدا وكأنه يداوي الجراح التي تركها الفرنسيون في نفسه طوال ثماني سنين، وهم يعملون فيه نصال غرورهم وسهام صلفهم. شعوره بالدونية، ذاك الذي بدا في وهلة من الزمن يضرب جذوره عميقاً في نفسه، بدأ بالانزياح.. لم يعد هو البدائي "السوفاج"، الذي ينظر إليه أبناء باريس من علٍ.. بل تنظر إليه جانيت نفسها من علٍ.. ها هو ذا يستعيد مكانته مجسداً لحضارة عريقة عراقة التاريخ، منتسباً لأمة عظيمة وضعت أسس الحضارة ثم رفعت دعائمها وأطلقت عجلة التاريخ..‏

-أخضر.. لا أخفيك، قالت لـه وقد عادا، إلى دمشق، أنا مأخوذة اللب مسحورة.‏

-هو ذا سحر الشرق لا ينجو منه أحد.. رد ضاحكاً مداعباً شعرها الأشقر، وقد افترش الوسادة ريش طاووس.‏

-أنا أعبد هذا الشرق!! أموت في سحره!!‏

-ماذا تعنين؟ لكأني أرى في عينيك بريق فكرة!!‏

-أجل.. أخضر.. أفكر أن أبقى هنا، حيث هذا السحر..‏

-وفرنسا؟ الغرب؟ قال مداعباً دون أن يأخذ كلامها مأخذ الجد..‏

-أتخلى عن كل شيء لقاء طمأنينة الشرق.. يقين الشرق.. سحر الشرق..‏

-تتخلين؟ كيف؟‏

-نتزوج!؟ نعيش هنا.. ننجب أطفالاً.. قالت وقد جلست بعد استلقاء، ربما كي تعطي كلامها طابع الجد..‏

-نتزوج؟ رد الأخضر وهو يتفحصها ربما غير مصدق أذنيه، أنت تتزوجين؟ تابع مشيراً بسبابته، مؤكداً على كل حرف..‏

-أجل.. أنا أتزوج .. وأتزوجك.. أنت.. أخضر.. أنت رجل رائع.. عظيم لا تملك المرأة إلا أن تحبه..‏

-جانيت أتعلمين ما تقولين؟ تحبين..؟ أنت تحبين؟‏

-أجل.. الحب.. هو ما أشعر به تجاهك.. إني أعترف.. أنا جانيت رينو التي لم تكن تؤمن بالحب، باتت الآن تؤمن به.. بل تؤكد أن حبك يتملك قلبها، فلماذا لا نتزوج؟‏

-أنت واقعة تحت تأثير الشرق، كلامك نتاج سحره ولا يؤخذ بكلام المسحور..‏

-هبني مسحورة بالشرق، مسحورة بك،.. مفتونة حتى اللب فلماذا لا ننتهز هذه الفرصة؟‏

-جانيت، مسحورة مفتونة.. ننتهز..ما الذي تقولينه؟ لا شك أنك لست جادة؟‏

-بل أنا جادة كل الجد.. وان شئت نذهب الساعة إلى الكنيسة فنتكلل..‏

بلغ الاقتراح مسامع شمس، فلعلع رصاصها، فاتحة عليها النار.‏

-لا، لن تتزوج هذه الجنية.. لن تتزوج امرأة لا تعرف هي نفسها عدد الرجال الذين نامت معهم.‏

وانكمش شيء في داخل الأخضر.. "صحيح.. امرأة كجانيت عاشت حياتها بالطول والعرض كيف أنسى ماضيها؟ كيف آخذها زوجة تحمل اسمي؟ أما لأطفالي؟ "ولم يكن الرصاص قد توقف.. شمس تطلق زخات متصلة لا تعرف انقطاعاً، تنقض وقد تحولت إلى مخالب وأنياب، لبؤة تشهد لبؤة أخرى تقترب من عرينها.. غيرة!؟ كراهية!؟ خوف!؟ شمس لا تدري أي مزيج من الأحاسيس كان يعتمل في داخلها.. ما تعلمه أن ثمة بركاناً في داخلها كان قد تفجر حمماً لاهبة.‏

-أرأيت؟ ما كنت أخشاه قد وقع!! قالت لعزيز بعد أن روت له القصة.‏

-مفاجأة.. هي مفاجأة حقاً!! كرر عزيز وهو في غاية الاستغراب والدهشة.. تأتي إليه هنا كي تتزوجه.. أية نساء!! أي زمن!.؟‏

-قلت لك ذلك.. مذ وقع عليها ناظري عرفت أنها تريد أن تخطفه.. أن تضع يدها عليه. ولم يجد عزيز جواباً فلاذ بالصمت.. كان يعلم أن المرأة تفهم المرأة أكثر مما يفهمها الرجل. هي تملك حدساً لا يملكه الرجل، وبحدسها ذلك تسبق منطق الرجل.. الأخضر فسر الأمر على نحو آخر فبدأ ممازحاً:‏

-اظهري الآن!! اظهري على حقيقتك!! حماة تغار من كنة!!‏

-كنة؟ أجابت شمس غير مازحة، وهل يمكن لهذه الجنية أن تكون كنة؟ لا.. لا.. إن هي إلا نمرة تريد افتراسك أمام عيني فكيف أسكت؟‏

ولم تسكت شمس..‏

-اطردها في الحال.. ختمت نقاشها معه.. لا أريدها ساعة واحدة في هذا البيت..‏

لكن حسن الضيافة، إضافة إلى الشهامة العربية، منعا الأخضر من أن يطرد جانيت.. عزيز ساعده في ذلك، عله يصل إلى حسن التخلص فلا يموت الذئب ولا يفنى الغنم..‏

-كسكوسي.. شيري؟ سألته جانيت وقد همدا بعد ثورة حب، أنت لم تجبني على اقتراحي؟ لم تقل لي متى نتزوج؟‏

-أخشى أن تكوني قد تسرعت، أن تندمي فيما بعد.. فكري قليلاً، تروي أكثر..‏

-ماذا تعني؟ ردت وفي صوتها أثر من رعشة..‏

-أعني.. عودي إلى باريس، راجعي حساباتك بعيداً عن سحر الشرق.. عن تأثير الشرق.. هناك.. خذي قرارك على مهل..‏

-أفهم أن أهلك لم يوافقوا؟ قاطعته بشيء من حدة وحنق..‏

-لا، ليس الأمر أمر أهلي، رد الأخضر وصورة واحدة تسكن عينيه: جانيت تعانق هذا الشاب وتتأبط ذراع ذاك..‏

-إذن، هو عقل الشرق: يقبلني صديقة لكنه يرفضني زوجة؟ قالت، وكثير من العتب في عينيها.‏

-جانيت، أرجو أن تفهميني، رد الأخضر، في صوته تلعثم وفي عينيه خجل وحيرة. لو كنت في باريس لما كانت هناك مشكلة.. لكن أنا هنا في الشرق حيث الماضي والحاضر يعيشان معاً، وعلى سطح واحد.. أنت بنفسك رأيت ذلك. هنا الماضي جزء لا يتجزأ من الحاضر، فكيف لأحدنا أن يتجاوزه؟ كيف له أن يغفله؟‏

-كيف نغفله هناك؟ كيف نتجاوزه؟‏

-لأنكم الغرب ونحن الشرق.. الشرق الذي يضرب جذوره عميقاً في التاريخ فينشد إلى التاريخ، يسحره الماضي أكثر من الحاضر فيعيش الماضي أكثر من الحاضر..‏

-وأنت أخضر!؟‏

-أنا إنسان والإنسان ابن بيئته..‏

-لكن هذه ازدواجية. أخضر.. هذا خطأ..‏

-لا.. جانيت.. قاطعها قبل أن تزداد حدة، وبصوت طغى على صوتها، البيئة تفرض نفسها عليك.. والذكي من يتكيف مع بيئته.. أنا ابن الشرق ولا أستطيع إلا أن أكون ابن هذا الشرق حتى نتمكن من تغييره..‏

-حسن إذن!! أسافر غداً!! قالت وفي حلقها غصة منعتها حتى من الكلام..‏

لم يعترض الأخضر ولم يستمهل.. كان قد مضى على ضيافته لها أكثر من سبعة أيام بكثير ومن حق الضيف أن يتخذ القرار الذي يشاء بعد سبعة أيام بقليل..‏

برداً وسلاماً نزل القرار على قلب شمس، بل لم تغادر جانيت عتبة البيت حتى صاحت:‏

-وضحة، هاتي فخارة فاكسريها..‏

وكسرت وضحة الفخارة، فيما كان عزيز يقهقه، ربما للمرة الأولى مذ أصابه رصاص الفرنسيين وشظاياهم. ضحك عزيز أيضاً لكن بغير قهقهة، حين جاءه مناف باقتراح:‏

-أبي.. أريد أن أتزوج..‏

-حسناً تفعل.. أجابه الأب، وهو يتصوركم ستفاجأ الأم التي لم يكن يشغلها غير زواج الأخضر، فيطلع لها زواج مناف..‏

-لكن بغير عرس، تابع مناف بنبرة الحذر..‏

-أحسن وأحسن.. رد الأب وقد خالط سروره شيء من إعجاب...‏

-الناس كلهم يطالبون بالأعراس، كان رأي الأم حين عرض عليها الأمر، فلماذا أنت العكس؟‏

-بنفقات العرس نذهب إلى يافا.. نقضي شهر عسلنا هناك..‏

-فكرة بارعة لا يتفتق عنها إلا ذهن تاجر بارع، علق الأب وهو يتفحص الابن الذي كان قد يئس منه ذات يوم وهو يراه يكره الدرس، يهرب من المدرسة، يبتكر أغرب الحجج والمبررات كي يبرر رسوبه في صفه ويعلن المرة تلو المرة أنه لا يريد أن يكون معلماً كبدور، ولا طبيباً كالأخضر بل تاجراً كأبيه. لا يملك الأب ما يدفع به حجته، فيلتحم به مناف، يساعده في العمل ثم يحل محله ما أن يقع المصاب ويفلح في التجارة حيث أخفق في الدراسة.‏

بلا عجيج ولا ضجيج، عقد مناف قرانه على خيرية، ثم تأبط ذراعها ترافقها أمها والبقية الباقية من أخواتها إلى محطة السكك الحديدية. ودع الأخضر أخاه وودعت روضة ابنتها إلى يافا، حيث جذورها تمتد هناك أعماماً وأخوالاً ومناف لا يريد من شهر عسله إلا أن يساعده في إقامة جسور مع يافا ومن فيها من تجار فلسطينيين ومتعهدين انكليز يحتاجون لحبوب حوران ويدفعون أثمانها بسخاء.‏

-يافا؟ تساءل الأستاذ بمزيج من لوم واحتجاج. كيف تسمح له بالذهاب إلى هناك، ويافا غير آمنة؟‏

-صحيح!! شهقت شمس وقد ساورها الخوف، كيف فاتنا ذلك؟‏

-لا.. لا أظن أن هناك من خطر!! تدخل عزيز وهو يرشف فنجان قهوته متكئاً على وسادته.‏

-لا تظن.. وفلسطين كلها على حافة بركان قد يثور في أية لحظة!! قال الأستاذ بنبرة تشاؤمه المعتادة وتنبؤاته السوداوية التي ألفوها. هو مذ جاء من اللواء طريداً شريداً لم يهنأ له عيش ولم يعد يرى غير نصف الزجاجة الفارغ. عزيز يعرف ذلك لكنه يحبه، يكبر فيه ثقافته.‏

هو موسوعة المعرفة.. يسأله عزيز عن أي شيء وفي أي شيء فيلقى الجواب الشافي..‏

الأستاذ، مذ وقع عزيز، لم يتركه. كل يومين أو ثلاثة يمر به، يجالسه، يحدثه، يتغديان، يتعشيان، ويناقشان قضايا الساعة ومسائل السسياسة. عواد يحبه هو الآخر.. في غدواته، روحاته، كثيراً ما يلازمه.. آراء الأستاذ، كتاباته، مقالاته كلها تجذب الاهتمام، تلف حوله المريدين والتلاميذ حتى صار من حوله لفيف من التلاميذ والمريدين.. الأخضر معجب هو الآخر به، مثلما الأستاذ معجب بالأخضر، وهو وحده من يدخل معه بنقاش، يجادله، يأخذ ويعطي معه ويتكشف الأخضر عن ثقافة كبيرة أيضاً وسعة إطلاع. كان الأستاذ لا يفتأ يتحدث عن فلسطين والشر الذي ينتظر فلسطين. "الإنكليز ينفذون وعد بلفور بندا بندا ومرحلة مرحلة." كان قد قال مذ جاء من اللواء ثم شيئاً فشيئاً صار يطلق بوق الانذار "اليهود يقيمون المستوطنات" "اليهود يشترون الأرض" "اليهود يتوسعون" وكان عزيز يعجب دائماً من أين يأتي الأستاذ بمعلوماته وإحصائياته تلك التي كانت الأيام التالية تتكشف عن صحتها. "صار لليهود مؤسساتهم المستقلة وإداراتهم، منظماتهم العسكرية وأسلحتهم، "تل أبيب صارت مدينة كاملة لليهود ستبتلع في يوم من الأيام يافا". وكان ذلك ما بث الرعب في قلب شمس..‏

-حقاً؟ هناك خطر على مناف؟ سألته وهو ما يزال يشرب قهوته.‏

-من يدري.؟ يكون المكان آمناً، فجأة تأتي عصابة من رجال شتيرن أو الأرغون. يتحرشون بالعرب ويفتعلون معهم مشكلة لها أول وليس لها آخر..‏

-ويلي عليك يا مناف!! صاحت الأم وهي تتصور ابنها أمامها قتيلاً أو جريحاً.‏

-توكلي بالله، شمس، هتف بها عزيز لائماً مشجعاً، من له عمر لا تقتله شدة..‏

-صحيح.. تدخل الأستاذ بكثير من القهر، لكن اليهود أشرار، يحيلون فلسطين كلها إلى جحيم ونصب أعينهم هدف واحد..‏

-أي هدف؟ سألت شمس وكأنها نسيت الغاية الأساسية من وعد بلفور.‏

-طرد العرب.. كل العرب.. فتبقى فلسطين كما يزعمون: أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض..‏

-وهذه هي الطامة!! قال عواد الذي كان قد غدا حوارياً من حوارييه.‏

-وهل هي الطامة الوحيدة!؟ تابع الأستاذ، ثمة طامات.. تركيا سلبت لواء اسكندرون، إيران نهبت عربستان، فرنسا تفرنس الجزائر.. والحبل على الجرار!! الحبل على الجرار!!‏

-كم الصورة قاتمة!! علق عزيز وهو يتذكر أحلاماً عاشها هو واليوزباشي صبري في الزرقاء وحوران ثم في الطريق إلى دمشق..‏

-كيف لا تكون كذلك والوطن كله ما يزال خارطة من الرقع: كل رقعة مختلفة عن الأخرى، مضادة لها.. وكلها ترسف بأغلال العبودية والاستعمار؟‏

-لا.. أستاذ.. لا تتشاءم كثيراً.. ثمة بلدان استقلت، اعترض عزيز محاولاً تحسين الصورة قليلاً..‏

-صحيح، لكن أكثر البلدان، ماذا؟ بحرقة ولوعة تساءل الأستاذ..‏

-الأستاذ على حق، تدخل عواد الذي تشرب أفكار أستاذه جيداً.. ثم بدأ يعدد: المغرب، الجزائر، تونس، كلها ما تزال تحت نير الاستعمار الفرنسي.. السودان، فلسطين، عدن، بلدان الخليج العربي، كلها ما تزال ترزح تحت نير الاستعمار البريطاني.‏

-سيأتي يوم وتستقل.. علق عزيز بنبرة من تفاؤل.. هي تكافح من أجل الاستقلال، وكما استقلت مصر والعراق لا بد أن يأتي يوم وتستقل..‏

-ربما، لكن أي استقلال؟ بل ما الجدوى من مثل هذا الاستقلال؟ عاد الأستاذ لأفكاره العويصة، تلك التي بدت لشمس وكأنها لغز.. فارتدت إلى لهجتها البدوية تسأل:‏

-ما تعني أستاذ؟ ما به فايدة من الاستقلال؟‏

-شمس، يا عزيزتي، أجاب الأستاذ مؤكداً على مخارج ألفاظه.. يكون الاستقلال حقيقياً، مفيداً بقدر ما تكون الدولة قوية، لكن إن كانت ضعيفة، صغيرة، تفتقر لأدنى مقومات الدولة، ماذا سيكون استقلالها؟‏

-هشا، ضعيفاً، سارع عواد للإجابة.‏

-وهذا ما أراده الاستعمار.. هذا ما خطط له منذ البدء.‏

-كيف أستاذ؟ تابعت شمس تساؤلها وقد ازداد كلام الأستاذ ألغازا..‏

-حين حل الاستعمار الغربي محل الاستعمار العثماني وجزأ هذا الوطن المسكين إلى مستعمرات ومحميات، كان يريد أن يفرض أمراً واقعاً، حتى بعد الاستقلال..‏

-أجل، هتف عواد متحمساً، يسلم فمك أستاذ.. الأمر الواقع هذا هو المخطط الفظيع..‏

-بدلاً من أن نكون وطناً واحداً من المحيط إلى الخليج، تابع الأستاذ وكأنه لم يقاطع، يحولنا إلى شراذم يستعمرنا أجزاء، يرسخ حدوداً بينها وحواجز وحين يخرج نجد أنفسنا كما صنعنا مزقا وشراذم، ضعفاء، فقراء، فماذا نملك إلا أن نظل تابعين له؟ نستمد نسغنا منه، ندور في فلكه، نأتمر بأمره؟.. ويكون استقلالنا أجوف فارغاً أبعد ما يكون عن الاستقلال..‏

-أنا أخالفك الرأي أستاذ، احتج عزيز وقد ضربت آخر ذرة تفاؤل لديه..‏

-كيف؟ ماذا ترى؟ سأل الأستاذ بابتسامة من يرغب في أن يرى نفسه على خطأ..‏

-حين تستقل البلدان العربية كلها ما الذي يمنعها من أن تتحد؟‏

-ما يمنعها الآن..‏

-الآن.. هناك استعمار..‏

-وغداً سيكون استعمار.. وما هو أدهى من الاستعمار، قاطعه الأستاذ ممعناً فيه النظر..‏

-أدهى من الاستعمار؟ إيش هو أستاذ؟ تدخلت شمس بحب استطلاع جديد..‏

-الحكام..‏

-لا، أستاذ، تنطع له عزيز من جديد، لا أعتقد أن هناك حاكماً لا يؤمن بوحدة العرب وضرورة وحدة العرب.‏

-وأنا أعتقد ذلك أيضاً.. لكن يؤمن بمصالحه أكثر، يريد أن يحافظ على كرسيه أكثر، فيرسخ الحدود ويعمق التجزئة حتى ليبدو أكثر تمسكاً بها من الاستعمار..‏

-والجامعة العربية أستاذ؟ عادت شمس تسأل، وقد سمعت الكثير عن تلك الجامعة من الناس والإذاعات.. سبع دول عربية الآن في الجامعة.. ما هي وحدة، أستاذ؟‏

-الجامعة!؟ رد الأستاذ وهو يلوح برأسه متنهداً، آه من بريطانيا كم تخترع من أشكال وأطر!!‏

-ما الشكل الصحيح، إذن.. أستاذا؟ سأل هذه المرة عواد وقد صمت طويلاً.‏

-من المحيط إلى الخليج دولة واحدة.. بلا حواجز، بلا حدود.. يرفرف في كل مكان منها علم واحد، فيها جيش واحد ولها رئيس واحد..‏

-يا سيدي.. أنا أرضى بولايات عربية متحدة.. مثل أمريكا.. علق عزيز متحسراً‏

-دولة واحدة، ولايات متحدة.. تدخل عواد.. المشكلة.. كيف؟‏

-بالكفاح.. بالتضحية.. اندفع الأستاذ متحمساً يجيب..‏

-أيضاً.. كفاح وتضحية!! قاطعته شمس مستغربة..‏

-تعلمين شمس؟ انتهينا من الاستعمار يعني انتهينا من الجهاد الأصغر.. فماذا يكون أمامنا؟‏

-الجهاد الأكبر، أجاب عواد للتو وقد سمع الجواب من قبل..‏

-أجل.. ما بعد الاستقلال هو الجهاد الأكبر.. مهمات كثيرة أمامنا: نهضة، تطور، لحاق بركب الأمم، صنع حضارة.. لكن قبل ذلك كله التحرير والوحدة!!‏

-التحرير!! الوحدة!! الله ما أعظم أن يتحقق هذا الحلم، هتف عواد بحماسة أستاذه وقد تشرب حلمه نفسه!!‏

-تعلمون؟ همي الآن أن يتحقق حلم استقلالنا هنا.. أن يجلو الاستعمار عن بلادنا!!‏

لم يكن ذلك هم الأستاذ وحده.. بل كان هم الناس جميعاً: الجلاء.. الاستقلال. كانت فرنسا قد وعدت أكثر من مرة بإعطاء سورية ولبنان الاستقلال، لكنها كل مرة كانت تكذب وتراوغ، تسوف وتماطل.. حتى قرار هيئة الأمم المتحدة، حاولت الالتفاف عليه، قصفت البرلمان السوري، ضربت دمشق، طرحت مشاريع معاهدات وأفكار اتفاقيات تلغي كلها الاستقلال، لكن كان ثمة رجال سياسة يعرفون كيف يدافعون عن حق بلدهم في الحرية والاستقلال، وكيف يدفعون الاستعمار إلى الجلاء، وكانت هناك قوى جديدة تريد أن تطيح بالقوى القديمة جانباً..‏

آليات فرنسا بدأت بالانسحاب: طيرانها، مدفعيتها، دباباتها، جيش الشرق كله ينبغي أن يعود إلى الغرب.. كل في أرضه وكل في موقعه، الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان إلا ندين متكافئين متكاملين.. الكل على نار. ثمة تساؤل ولهفة.. متى تنهي فرنسا انسحابها؟ متى يجلو آخر جندي عن‏

أرض الوطن؟‏

-الحمد لله!! الجلاء صار وشيكاً، جاءت شمس لعزيز بخبر طازج نقلته لها عايدة بيهم للتو.‏

-أنا لا أصدق حتى أرى بعيني وأسمع بأذني!!‏

-بل صدق.. خبر يقين لا يأتيه باطل من أمام ولا من خلف..‏

-إيه.!! تأوه عزيز وكأنما أقر بصدق الخبر. اللعنة على الاستعمار: عصملي وفرنساوي.. قد ذهبا بعمرنا..‏

-العمر كله ما يزال أمامنا.. عزيز!!‏

-ونحن ندنو من الغروب، شمس!؟ عاد عزيز للتنهد حابساً دمعة توشك على الانفلات..‏

-لا.. لا تقل ذلك، حبيبي!! احتجت شمس وهي تشعر بنوع من القهر بعد أن رأت الدمعة في عينه. شمسك لا تزال في الجوزاء!!‏

-كم أود ذلك حبيبتي!! لكن كيف وها نحن نعود وحيدين؟ تساءل وهو ينظر حولـه فلا يرى بدورا ولا منافا.. أولادنا يطيرون من حولنا لنعود كما بدأنا.. أنا وأنت فقط.‏

-والأخضر!؟ احتجت بقوة أكثر، أنسيته؟ انه يملأ علينا حياتنا..‏

-صحيح.. لكن الأخضر لعيادته، لمرضاه، للناس وليس لنا..‏

-بل هو لنا.. من صنعنا.. وأنا فرحة به، فرحة بما صنعنا..‏

-وماذا صنعنا؟ يخيل إلي أن العمر مضى دون أن نصنع شيئاً!!‏

-عزيز.. قالت بنبرة كلها لوم، ما الذي تقوله؟ انظر حولك يا رجل!! الأصدقاء.. المحبون.. الساسة.. الزعماء.. المحل، القرية.. الأولاد.. مال وبنون، ومازينة الحياة الدنيا؟ مال وبنون.. عزيز.. صدقني.. لقد صنعنا الكثير، أنجزنا الكثير وحري بنا أن نرفع رؤوسنا فخاراً، نزهو على الناس جميعاً..‏

-نرفع رؤوسنا؟ نزهو؟ قال زافراً وهو يشير إلى جسده الممدد على السرير... كيف، وعزيز، الذي كانت ترتج الأرض تحت قدميه، لا يستطيع الوقوف على قدميه.؟‏

-ستقف.. أنا واثقة أنك ستقف.. ستمشي..‏

-أقف؟ أمشي؟ وأنا منذ سنين ما زلت مكاني، طريح الفراش، صريع الألم إن أتيت بأدنى حركة.‏

لكنك تتحسن.. قاطعته شمس واضعة راحتها على شفتيه.. مذ بدأ الأخضر علاجك، أنت تتحسن.. فقط لو تطيعه فتبدأ بالعكازين.. تتدرب على المشي بلا عكازين..‏

-لا، صاح عزيز محتجاً، كل شيء إلا العكازين.. اللعنة عليهما، لا أريد أن أقف على عكازين.. أتسمعين؟ أريد أن أمشي برجلي عزيز فقط، لا بعكازين.‏

-والعجلة؟ لماذا لا تخرج بها؟ تشم الهواء، ترى النور على الأقل..‏

-ولا عجلة أيضاً.. قلت لك، لا عكازين ولا عجلة..‏

بعد ثلاثة أيام، أفاقت دمشق على طلقات المدافع ولعلعة الرصاص.. فتح عزيز الإذاعة المحلية، فجاءه صوت يرتعش فرحا وغبطة: هذا يوم الجلاء!! هذا يوم الحرية.. هذا يوم الاستقلال!!‏

وخرج الأخضر يستطلع.. كان آخر جندي فرنسي قد جلا عن تراب الوطن، وكانت دمشق تخرج عن بكرة أبيها، تتنسم هواء الحرية.. تعب أنسام الاستقلال.. نساء، رجالاً، صغاراً، كباراً، خرجت دمشق.. الكل يهزجون، يرقصون، يعانقون بعضهم بعضاً، يضحكون.. الفرحة غامرة، الزينات في كل مكان.. علم سورية رباعي الألوان: أحمر، أخضر، أبيض، أسود.. هو يرفرف خفاقاً في كل مكان، يكلل هامات الأبنية، يزين الشرفات، الشوارع.. حلقات الدبكة في الساحات، هنا وهناك العراضات، أعراس الوطن تحيي، أفراح الوطن تعيش.. يعود الأخضر يكاد يطير فرحاً.. يكاد عزيز يطير هو الآخر فرحاً.. يمتلئ حماسة وحمية وهو يسمع الزغاريد، الهتافات.. قرع الطبول، عزف المزامير، ثم يشتد حماسة حين ينقل له الأخضر خبر العرض العسكري.‏

-لنخرج، يصيح بشمس والأخضر.‏

في العجلة الخاصة التي صنعها له ذات يوم، يضعه الأخضر ثم يدفعه إلى الخارج، عينا شمس ترقبانه.. بعجب ودهشة تتابعانه، ولا تملك إلا أن تبتسم وهي تغمغم.. "لا عكازين ولا عجلة".. كم حاولت معه شمس!! كم ألح عليه الأخضر لكنه كان لا يفتأ يردد "عزيز يركب عجلة مقعد!!‏

"لا، لن أخرج إلى النور إلا على قدمي، حرام علي الخروج، إلا واقفاً". لكن ها هو ذا ينسى. فرحه ينسيه حتى نفسه، ويدفع الأخضر بالعجلة عبر أزقة الميدان، شارعه الرئيسي، باب الجابية، نزولاً إلى الحميدية، فالسراي، حيث الجماهير تحتشد والعرض العسكري يبدأ..‏

ساحة المرجة تغص بالناس، ضفتا بردى تغصان بالناس، والكل يرقبون أن يظهر الرئيس.. الهتافات مدوية، الأهازيج فرحة، الزغاريد ملء دمشق.. فدمشق كلها تعيش عرس الجلاء..‏

يظهر الرئيس في الشرفة.. من حوله وزراء وضباط، يمسك بحبل السارية حيث العلم ما زال مطوياً. في طرف الساحة تربض عجلة عزيز، من هذا الجانب الأخضر، ومن ذاك الجانب شمس. يشد الرئيس الحبل، يبدأ علم الاستقلال بالارتفاع.. "آه لو كنت معنا الآن، كم ستكون فرحتك كبيرة أيها الزعيم الشهبندر!! "وتنحدر دمعة على خد عزيز" بعضهم يزرعون والآخرون يحصدون!؟" ببطء يرتفع العلم، بسرعة تعود إلى ذهن عزيز ذكرى يوم آخر تسلق عزيز فيه سطح السراى.. يرفع بنفسه العلم العربي وقد خرج آخر "عصملي" من أرض الوطن. طبول الجوقة العسكرية تدق، الأبواق تعزف، الصنج يرن.. تملأ الموسيقى أذني عزيز، تملأ الهتافات رأسه، تلهب الزغاريد دمه.. وتفور قدور في داخله، تثور براكين، تضطرم حمم.. ولا يشعر عزيز إلا وهو يرتفع بيديه في الهواء، يرتفع بكتفيه، بعجزه كله ثم لا تعود هناك عجلة.. تندفع الرجلان إلى أمام.. على مهل.. تندفعان.. بحذر تندفعان.. عينا شمس تنفتحان دهشة، عينا الأخضر تلمعان فرحا، يداه تشيران:‏

-أمي!! ها هو ذا يقف!! ها هو ذا يمشي!!‏

-حمداً لك يا رب!! تهتف شمس رافعة يديها إلى السماء، لاحقة بالرجل الذي يمشي قدماً، شاقاً بيديه الزحام.‏

-أبي!! أبي!! مهلاً!! أبي!! يصيح الابن، لكن الأب يمضي قدماً.. يريد أن يصل إلى السارية، أن يرفع العلم بيديه..‏

-عزيز!! تهتف به شمس وقد أمسكت بذراعه. ها هي ذي المعجزة تتحقق، ها أنت ذا تمشي!! تتابع وهي تتلمسه، كأنها لا تصدق ما ترى، فيما دموع ساخنة تنحدر على خديها شآبيب مطر صيفي.‏

-أمشي!!؟ يرد عزيز ناظراً إلى نفسه، ثم إلى شمس، وجهه هالة من إشراق، عيناه كوكبة من بروق، يفرش ذراعيه جناحي نسر ينضوي تحتهما الأخضر وشمس، يتطلع إلى الأعلى، حيث العلم والشمس. للتو يشعر أنه نسر.. جناحاه قويان وهو يطير.. يحلق عالياً في السماء، بل يخيل إليه أنه يكاد يلامس الشمس، يكاد يبلغ الجوزاء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244