سباحة في الوحل - محمد يوسف الصليبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- 1 -

- عدت إليك.‏

قلت والمرارة تتسرب من داخلي وتغلف حروف كلماتي. إليك. نعم. أستعمل صيغة المفرد. أنت. نعم. عدت أسكب تيهي على صفحات أتمنى أن تلتصق بذاكرتك. "لا زلت في الذاكرة." أوتقول ذلك حقاً؟ أما ذاكرتي فمملوءة بما سأحكيه لك. لا. سأنثره أمامك لتختار أنت منه ما هو ممتع وتقذف بالبقايا في قاع الذاكرة. لم يعد لديك الوقت لتختار وتمحص الأشياء. إذن تلقف كل ما سأرويه لأنه حقيقة. أي نعم.. والله حقيقة. لماذا أقسم؟ لأؤكد لك ما هو مؤكد. أنت مصغ لي. أشد على يديك. وأحيي اهتمامك. تدفعني لأن أقول ما لا يقال.‏

دمشق..‏

المنفى والوطن! لا. بل الوطن الآخر كما تقول. بعيداً عن تلك البقعة التي نسميها الوطن. تلك الخيوط اللامرئية لا زالت تجذبني إليه. أصبحت بعيداً من تلك الغيمة التي توشك أن تسكب ماءها على الأرض العطشى. دمشق. امتزج بها وتذوب هي في ذاتي. على أطرافها أتلمس طريقي. أرتعش من شدة الانفعال. تؤرقني فكرة الغوص في أحشائها. لا تستحث خطاك. انتظر! ما أطول الانتظار وما أقساه! لا زلت في بداية البدايات. ذلك النزل الذي شهد ذوبانك بين الأغصان الندية. أما زالت هناك؟! ستعرف. فقط انتظر ولا تستعجل الأشياء. نفس الحجرة. تحمل كل أمتعتك. وداعاً عمان. تباعدت الخطى وأصبحت على الطرف الآخر من مرتع طفولتك. استلقيت على السرير بكامل ملابسك. تثقل الأفكار صدرك. متكاثفة وقلقة كذاتك التعبة. حائرة! من؟! كلتاهما: ذاتي وأفكاري. حاولت أن أبتعد عن كل شيء. لا مهرب لك. أنت وسط الأشياء. تشارك في صنعها أحياناً، وكثيراً ما تصنعك هي. دمشق ملجأ آخر..للروح وللجسد.‏

- أنني أنتظرك.‏

ذهلت. من ذا الذي ينتظرني؟ جلت أنحاء الحجرة، لم أجد أحداً. هدأت. خاطر من تلك التي أتخيلها. أمسكت ذاتي برفق. تملصت. تسربت من بين أصابعي. يا رفيقة دربي..لن أؤذيك. لا أطلب منك الاستسلام، فقط ترفقي بي.‏

- لماذا تتجاهلني؟‏

حالة الذهول مرة أخرى؟! من أنت لأتجاهلك؟! إنك تضاعف قلقي. أين أنت؟‏

- ما أشد ما تنسى! لم أكن أعرف أن ذاكرتك ضعيفة إلى هذا المدى.‏

تحسسته بكل جوارحي. إنه هو. ماذا يريد مني؟‏

- لقد تذكرتك. ولكن لماذا تلاحقني؟ وماذا تريد مني؟‏

- أريد أن أقص عليك ما خفي عنك من تاريخ عائلتك.‏

- لا أريد أن أعرف. أريد أن أنسى.‏

- من نسي قديمه تاه.‏

- وأنا تائه منذ مولدي.‏

-لا تكن سوداوياً. ها أنت ذا تعيد رسم طريقك كما تريد.‏

يذكرني بعبد الكريم وفاروق وكل الزوايا المضيئة في حياتي. كيف يريدني أن أرسم حياتي من جديد وهذه الحبال تشدني إلى الماضي. سأحاول!‏

-لا تحاول. بل افعل. وسأقص عليك ما خفي من أيامك الطويلة هناك في جباليا لتنير لك الطريق.‏

- اتركني وحدي، أرجوك.‏

- عنيد أنت كالهلالي الكبير. ومع ذلك اسمع.‏

حدثتني أختك قالت:‏

التجأ والدك إلى بيت لاهيا-ما لهذا اللجوء يرافق حياتنا؟ الهلالي الكبير يلتجىء إلى بيت لاهيا، ودليله وزوجها يلتجآن إلى ليبيا وها أنذا أيضاً التجىء إلى دمشق. وهي لا تبعد كثيراً عن دير سنيد. حرقتني حروف الاسم. مررت بها ذات مرة وأنا في طريقي إلى بير زيت- ترك أرضه وبيته واستلقى فوق تراب تلك القرية الهادئة التي لم تطأها أقدامهم. يوسف الهلالي الكبير وسعدى ودليله، ذيب وذيبه وكذلك نايف وزوجته. لم تكن أنت بينهم.‏

- ماذا تعني؟ سألته بلهفة.‏

لا تدع الظنون تذهب بك بعيداً. لم تأت أنت بعد. كنت تسكن الهلالي الكبير. امتنع عن إلقائك. كانت المرارة تسكنه. كره أن تأتي وسطها. كما كرهت ذلك سعدى. كانا يظنان إن الأمر لا يعدو عدة أيام ثم يعودان. طالت الأيام واستوطنت المرارة جسديهما. وكان ما كان. أتيت أنت. ضاق المكان، وتقطعت بكم السبل. لا بد مما لا بد منه. باع البقرة. استلقى الهلالي على أطلال سعدى بعد أن أرهقتها الأيام. لم يطق صبراً، ولحق بها بعد أن تزوج مرة ثالثة.‏

- لماذا تذكرني بما أود أن أنساه؟!‏

- لن تنساه، ولن تستطيع. ما تود أن تنساه هو ماضيك. أريدك أن تدرك أن المرء لا ينسى نفسه. ماضيك هو أنت، لذلك اصمت واستمع.‏

- ماذا تريد مني؟! أرجوك..اتركني وحدي، فأنا استعذب وحدتي وأريدها الآن. لا تفسدها عليّ.‏

- أنت وحيد حتى بين الآخرين.‏

- وماذا في ذلك؟‏

- انهض وتجول في شوارع المدينة؟‏

- لا زلت على أطرافها.‏

- غداً ستندثر بين أحشائها.‏

- غداً قصة أخرى.‏

نهضت. ينبعث الملل والإرهاق من جسدي كله. سرت بتثاقل إلى النافذة. ألقيت نظرة زائغة على دمشق. مضاءة. الأمطار الخفيفة تزيل أوساخها. ومن ذا الذي يزيل أوساخ نفسي؟ سألتها. تحسستها. تنزلق بيسر. هذه النفس المراوغة! لا عليك. تعذبينني أم أعذبك؟ ظني أن كلاً منا يعذب الآخر. هذا الآخر الذي أرهبه. من خلق تلك الرهبة في ذاتي؟ وما هي الذات أصلاً؟ قاطعني بعنف. أوتريد أن تعرف؟ أنا أدلك. أتذكر تلك الأيام الطويلة التي كنت تقضيها وحدك في منزلك؟ أظنك تذكر! بل أنني على يقين أنك تذكر. هم يتكلمون ويتضاحكون في صحن الدار وأنت وحدك تجتر آلامك ومرارة أيامك. كنت تفرغ شحناتك الكهربائية لأحدهم وبعد أيام تبتعد عنه، لأنك كنت تشعر بأنه عرف عنك ما لا يجب أن يعرفه. هذا هو ببساطة سبب خوفك من الآخر. كلمات بسيطة لكنها مقنعة. كنت في قرارة نفسي أعرف هذا، ولكني كنت أتجاهله. أبحث عن الحب والعطف. أحياناً كنت أجدهما في عيون من أحدثهم، وأحياناً أخرى كنت ألحظ نظرات الاستهجان. لكني لا استهجن ما تقصه عليّ. قاطعني مرة أخرى. لذلك أنا أحبك واحتمل حماقاتك وتطفلك. لا تنزعج فأنا لا أقصد الإهانة. عدت إلى السرير. استلقيت عليه بإصرار. لكزني هذا الآخر بشدة أن انهض. عاندته وأغلقت عينيّ. عنيد هو الآخر. استسلمت له. تحسست نقودي في جيبي. غادرت الحجرة. ألقيت نظرة خاطفة في كل مكان ممنياً النفس أن ألقاها. لم تكن هناك. ولم تكن في الصالة أيضاً. ألقيت بالمفتاح أمام موظف الفندق وغادرت. يئست أن أجدها.‏

أمام سينما دمشق توقفت. حفلة مسائية. ليكن. العشاء أولاً. اشتريت بطاقة دخول. مطعم المصري والحمص الشهي والفتة الدمشقية الرائعة. لأملأ تلك المعدة الخاوية. وهكذا كان. كانت خاوية. متى؟! يوم ذهبت مع مصطفى الواوي لأعمل في قطع ثمار البرتقال. شتاء غزة محتمل البرودة. إجازة مدرسية. ذهبت مع مصطفى وأخته. سيارة نقل ضخمة حملتنا مبكراً إلى بيارة الترك. رغيفان من الخبز وحبة طماطم وبعض الفلفل الحراق. الجمال كله تكثف في ذلك المكان. بجانب سياج البيارة الضخم أشعلنا النيران وأخذنا نحمص الخبز. الحرارة المنبعثة من النار تعانقت وحرارة جسدي المنبثقة من هذا السحر الذي أراه حولي. تتوه نفسي مع ضباب ذاك الصباح الشتوي بجانب السياج. أكلت بنهم. طال انتظارنا حتى ينقشع الضباب.‏

- لا عمل لكم اليوم. الضباب كثيف ولا يمكن قطف البرتقال. قال رجل.‏

حملتنا السيارة مرة أخرى إلى أطراف المخيم. روعة الطقس كانت من نوع آخر. الأرض مبتلة بالماء. تتصاعد رائحتها فتزكم الأنوف. تمتزج بأحاسيسي فأرتعش من اللهفة. وميض يطوف جسدي كله. ما كنه هذه المشاعر الثائرة؟! تدور بي وأدور بها. جمال لا ينتهي. جاورني مصطفى الواوي. شاركني اللحظة. غبت عنه في ذاتي. تسربت الدقائق من حولنا. رأيتها تنزلق إلى اللامكان. معدتي خاوية. هذا ما يعكر استمتاعي بالجمال المتداعي حولي. ما قذفته لها احترق في لحظات التيه في ملكوت الله. جائع. من أين تحصل على ما يقيك الجوع؟! مصطفى الواوي بجانبي. ربما كان جائعاً مثلي هو الآخر. فقد والده منذ زمن وتزوجت والدته وبقي مع أخته. هذا الزمن الجائع. سمعت عواء أمعائي.‏

- مروان..‏

هو ابن أخي، ومن غيره يستطيع مخاطبة ذيبه.‏

- مروان..‏

انتبه لي. أنا عمه. المسافة بيننا شاسعة. ذيب زادها اتساعاً وذيبه زادتها غربة.‏

- ماذا تريد؟‏

- اذهب واحضر لي قطعة من الخبز.‏

لم يكن باستطاعتي أن أذهب أنا. لقد أتيت على مخصصاتي اليومية من طعام الإفطار والغداء ولو ذهبت، فأنني أعرف الرد. "سنضع لك مخلاة في رقبتك. لقد أكلت كالوعل. انتظر حتى يحين طعام الغداء. انتظر قليلاً وسيحضر أخوك." يا لهذا الأخ الذي يشرف على كل شيء. المعدة خاوية، وعواؤها يسمعه من يسكن الطرف الآخر من المخيم. هدأت قليلاً آملة أن يحضر مروان لي تلك القطعة العتيدة من الخبز. عاد. جأرت أمعائي. كانت يداه خاليتين. تبددت آمالي وتسارع عواء أمعائي. ما باليد حيلة. قلت لها. لم أحاول أن أسرق من قبل، ولن أفعل الآن. الأفضل لك ولي أن تنتظري. كانتظار الهلالي وسعدى! قالت بسخرية لم تخف عليّ. احتملت سخريتها. من لا يستطيع أن يصون أمعاءه، عليه أن يبتلع الإهانة. قلت لنفسي. الآمال الخائبة، هذه ليست الأولى. خائب الرجاء متدثراً في إحباطاتك دائماً. هذا هو أنت. قالت لي أطرافي.‏

- انتظر حتى يحين موعد الغداء. قال مروان والأسى يملأ عينيه.‏

إنه انتظار سيطول انتظاري له. أعرف هذا. اليوم هو الأحد. وذيب لا يذهب إلى العمل. أعرف أيضاً أن هناك نوعاً من اللحوم. قطعة منه كافية لأن أتذوق طعمه. أتذكر أيها المحروم؟! عاد يذكرني بما أريد أن أنساه. لقد تذكرت أنت حادثة السروال والإبرة. متى؟ سألته. يوم أردت أن ترتق بنطالك؟ لقد تذكرت. يومها حضرت خالتك. من منهن، فهن كثر. تلك التي تحبها كثيراً. آه.. خالتي آمنة. يومها اشتكاك ذيب إليها. قال أنك أخبرت أختك دليله بأنه أكل زوجاً من الحمام لأنه كان قد شرب شربة ملح إنجليزي. يومها نظرت إليه ببلاهة، ثم أقسمت أنت بأنك لا تعلم عن الحمام ولم تر دليله. ولقد كنت صادقاً. كيف ذبحت ذيبه الحمام وكيف طبخته؟! أنت لا تعلم. كل ما في الأمر أنه اعترف بما أراد أن يخفيه عنك. كم عانيت أنت؟! كانت أناتك تصل سعدى والهلالي الكبير هناك في سكنهم الدائم. كل هذا وتقول أنك تريد أن تنسى؟ الماضي يسكنك يا مسكين ولا مهرب لك منه. لا أريد أن أنسى، فقط أريد ألا أتذكر. قلت له. وما الفرق؟ قال لي. ابتعد عني الآن، فليس بإمكانك أن تملأ معدتي الخاوية. تذكرت قطعة اللحم التي تنتظرني، فتراخت أطرافي. ارتدت أمعائي على نفسها. لا طعام الآن. انتظر. سأفعل. وعندما حان الوقت التففنا حول ما صنعته ذيبه. وعاء مملوء بالخبز والرز. هو ما يقولون عنه "المنسف." أما كمية اللحم فهي في صحن آخر وخلف ظهر ذيب. يقتطع منها قطعاً صغيرة ويلقي لكل واحد منا واحدة بعد أن يقضم منها قليلاً بأسنانه الحادة. تلقفت القطعة التي قذفها لي ذيب. ابتلعتها. لا تطفئ نار معدتي المنتظرة الكثير لتمتلئ. عافت نفسي الطعام رغم عوائها الذي لا ينقطع. اقتحمتني الكآبة.‏

- لم ينضج الخبز إلا منذ وقت قريب. قالت ذيبه وكأنها قرأت أفكاري.‏

يا لهذا الزمن الأغبر. تجوع في بيتك؟! وهل هو كذلك؟! ازدردت كمية من الطعام بلا رغبة. خرجت.‏

خرجت من مطعم المصري بعد أن استمتعت بالفتة الدمشقية. ذهبت إلى دار السينما. فيلم عن جميلة بو حريد. تلك الجزائرية التي شغلت فرنسا والعالم أثناء سنوات الجمر في الجزائر. تعيدني إلى ما يسكنني. عميق هو في الذاكرة. لم أعمل الكثير لأفخر به وبنفسي. تألمت. هاجت جراح نفسي. أخرجت لفافة وأخذت أدخن باستمتاع وألم. تداخل دخانها وآهاتي الصامتة الصاعدة من أعماقي.‏

- أنت..‏

لم أعر الصوت انتباهاً. تابعت أحداث المقاومة الجزائرية مأخوذاُ بالجرأة والشجاعة. سادية فرنسية تشبه سادية من طردونا. عندما ألقوني في قاع المجنزرة، تمنيت أن أندثر معها في سديمية خانقة. لم يتحقق رجائي. أخذت أعد الضربات على قدميّ وأعيد العد مرة أخرى عندما أصرخ.‏

- أنت..‏

انتبهت. لا زالت اللفافة تحترق بين أصابعي ومع احتراقها تتطاير أفكاري الثائرة. دخانها يستلقي في خلايا رئتيّ. لم أحول حواسي عما كنت أراه أمامي. خفت العاقبة، فالتفت صوب الصوت.‏

- نعم!‏

- أخرج من فضلك.‏

"أوتراه أدب مصطنع، أم هم كذلك؟ رجال الشرطة هم كما هم في كل مكان." قلت لنفسي. دقائق وسأتحقق من الأمر. لكنه شرطي سوري. تبينت ملامحه من خلال بقع الضوء التي كانت تتساقط على وجهه. صارم. ألم أقل لك أنهم كما هم في كل مكان. يا رجل! لماذا تلتصق بي؟ أترك لي فرصة كي أتحادث وذاتي. هو شرطي، لكنه لم يخفني؟ لم أفعل ما يستحق العقاب.‏

- ألا تعرف أن التدخين ممنوع في صالات السينما؟ سألني بصرامة واضحة.‏

- لا..والله لا أعرف، فأنا قد وصلت اليوم إلى دمشق.‏

- حقاً؟!‏

- أنا أقول الحقيقة.‏

- إذن لا تدخن. قال بلطف لم أعهده من رجال الشرطة!‏

- لا بأس.‏

أطفأت لفافتي. عدت مكاني. تقلصت حريتي التي ظننت أنني استرددتها كاملة. لا تدخن. لكنه كان لطيفاً. وما فائدة اللطافة إن كانت ستمنعك من الاستمتاع بلفافتك؟ كانت دموعي تحفر لها مجريين على صفحتيّ وجنتيّ. كنت أبكي نفسي! حالي.. لوعتي..ضياعي وتيهي. أينما يممت وجهك فثمة مأساتك أمامك تفضح بهجة لحظتك ومظاهر سعادتك. مأساتك تلك لن تغادرها ولن تغادرك.‏

صحوت على صوت دمشق يملأ خلاياي. أنا لك وأنت لي. أخاف منك. أنت الغامضة. أنت الواضحة. أنت المبتسمة. أنت المكتئبة. دمشق.. مرحباً بك أسترد بك ذاتي. بردها أقسى من برد غزة. عدلت عن الذهاب إلى الفندق. آثرت أن أتجول في شوارعها. سرت على طول سور معرض دمشق الدولي. نهر بردى.. جدول ضيق يقسم المدينة إلى جزأين. ومشاعري تقسمني جزأين. روحي وأفكاري هناك في شوارع مخيم جباليا وجوارحي هنا في دمشق. نظيف هذا الشارع. غسلته الأمطار. من يغسل أدران روحي؟ صنعت دنياي. هي لي وحدي. أحدهم يحتضن ذراعاً بضةً أنيقة. يهمس في أذنها وتهمس له. تطايرت الهمسات. طرت معها.‏

غادة.. تلك الابتسامة الهادئة المرسومة على شفتين دقيقتين انزلق عليهما أحمر الشفاه فترك بصماته عليهما. كلماتها هامسة. غزالة تتجول في المدينة. كنت بجانبها. هي أذن غزالة أليفة وأنا صاحبها. وتقول إن إحباطاتك أبدية؟! هي لحظة ذبت فيها. كثيرة تلك اللحظات. لا ليس كما تظن. لكنها لحظة تساوي العمر كله. ما لهذه الدنيا تستولي على كل لحظات الصفاء التي أقتنصها من بين فكيّ القدر؟! لم ألمس شفتيها، ولم أكن لأفعل لو أتيحت لي الفرصة. هي مقلة العين ومقلة العين لا يمكن تقبيلها إلا عن بعد. تحترق مشاعري داخلي. تحس بها. ذاك زمن مضى. لن تستطيع أن تسترده. ومع ذلك فأنا أخلقها في دنياي.‏

تزاحمت الأمطار الخفيفة فوق وجهي. أحس بها كوخزات الإبر الخفيفة. إحساس ممتع. تركتها تنساب على هذا الرأس المهموم وأفكاره المتراكمة. تبللت ملابسي. أسرعت الخطى إلى مسكني. نعم إنه مسكني. وعند المدخل انهمرت الأمطار بشراسة. نجوت. وكم مرة نجوت في حياتك؟! بل كم مرة سينقذك القدر من هلاك محقق؟! ها أنت ذا تعود إلى سوداويتك التي كثيراً ما حذرك منها عبد الكريم وفاروق. أين هما؟ وهل سيعوضني القدر بمن هم على شاكلتهما؟ لا أظن. علني ألتقي بهما مرة أخرى! من يدري؟ فالقدر له تصاريفه العجيبة. وقفت دقائق أتابع انهمار المطر من خلف زجاج الباب الأمامي. كأنني تحولت إلى قطرات ماء امتزجت مع هذا المطر، عله يطهر روحي. لا أحد في الشارع المحاذي للفندق. فقط سيارات تمر مسرعة. تحاول الهروب. وكنا نحاول الهروب أيضاً. ولكن من رمضاء الطريق. عندما خرجنا من منازلنا القرميدية، مصطفى الواوي وجهاد وحسان. تسللنا من المخيم إلى قرية بيت لاهيا القريبة. كنا حفاة وشمس الظهيرة تلفح الأرض ووجوهنا بحرارة حارقة. تقافزنا حتى لا تخترق حرارة الطريق الرملية أقدامنا. انتهينا تحت أشجار الجميز . تسلقنا إحداها وأخذ كل واحد منا يزدرد ثمارها باستمتاع. لا يستطع صاحبها أن يكتشفنا، فالوقت وقت غداء واستلقاء، ونحن نستلقي على أفرع الشجرة الضخمة نلتهم ثمارها بنهم يضاهي نهم الجراد إذا حط على شجرة مورقة. امتلأت أمعاؤنا. نزلنا. تركنا أجسادنا تستريح طويلاً في ظلال الشجرة. تفتقت أفكارنا عن فكرة رائعة. اقتلعنا "قولايح" الصبر. خلصناها من أشواكها. بحثنا عن بعض الخرق البالية. صنعنا منها ومن "قواليح" الصبر شباشباً تقي أقدامنا حرارة الطريق الرملية. نجحت الفكرة لبعض الوقت. بعدها تقطعت الخرق البالية وتكسرت "القواليح" وعادت الحرارة تخترق أقدامنا من جديد لتصل إلى مراكز الحس في عقولنا فنقفز بسرعة كمن لسعته عقرب سامة.‏

صحوت على صوت موظف الاستقبال في الفندق يدعوني إلى فنجان من الشاي. تقافزت أحاسيسي مختلطة بشهوتي. علها هناك! خاب ظني. خيبتي الأبدية. إحباطاتي المتتالية. دلقت فنجان الشاي إلى معدتي وبرفقته دفقات من لفافة دخنتها باستمتاع. استأذنت الجلوس وغادرت إلى حجرتي. استبدلت ملابسي المبتلة. راقبت المطر الذي لا زال ينهمر بغزارة من النافذة. أطفأت نور الحجرة. استلقيت على سريري.‏

لم أدخل دمشق بعد.‏

خطوتك الأولى كانت في دهاليز مظلمة أضاءت دنياك المقفرة. كانت لحظة شعرت فيها برجولتك. عبق السنين التي احتوت تيهك وأنت صبي ترتع في شوارع مخيم جباليا. استنسختها ثانية أمامي. تخلصت من ملابسها. ألست راقصة؟ بلى. قالت. وماذا لو أمتعتيني برقصة قبل أن تنتهكي ذاتي وتستخلصي رحيقها؟ استجابت. انزلقت من على السرير. افترشت أنا الأرض. باردة. الحرارة المنبعثة من أطرافها آنستني تلك البرودة فاحتضنتها بأفكاري. ترقص ومعها ترقص شهوتي وذكرياتي. تهز ثدييها فتهتز ذاتي. إنها لي. هذه الأنانية التي استولت على أفكاري! ترقص. ترقص. تخلصت من ملابسها. تخلصت من ملابسي. شاركتها الرقص. لا أتقنه. تخاصمت حركاتي البلهاء مع حركاتها الرشيقة. احتضنتني. احتضنتها. تهنا في فضاء الحجرة المعتم. ترقص وأرقص معها. أتوه في ثناياها. نرقص. الدنيا كلها ترقص. بدأ العرق يتسرب من جسدينا. ارتفعت حرارة الحجرة. نرقص. اندثرنا معاً استلقينا على السرير. تخلصت من الأغصان الجافة. تناثرت الورود أمامنا. استنشقت عبيرها. نرقص معاً. تأوهت. انزلق بينهما. تأوهت. احتفظ بنفسك سليماً معافى. أما لهذا الانزلاق من نهاية؟! كيف؟ تراقصت أطرافنا. لا زال العرق ينزلق من أجسادنا. توقف. ومن ذا الذي يوقف اندفاعي؟ توقف! أتاني الصوت حاسماً وقاطعاً.‏

- من أنت؟‏

- أيها التائه! أوتغتصب هواءنا؟!‏

- من قال هذا؟‏

- وماذا تفعل أنت الآن؟‏

- أتمدد على السرير. احتضن أفكاري ولا أبوح بها.‏

- أيها الكاذب! لقد قرأتك وعرفت ما تحاول إخفاءه.‏

- أوتراقب أفكاري وتدقق في ذاتي؟!‏

- أنت الوباء كله. تصحرت حياتنا بفعلكم.‏

- يا هذا! الوباء هناك. الوباء هو من اغتصب لحظتي، وربما لحظتك. اقتلعه إن استطعت وإلا اتركني احتضن أفكاري وذاتي.‏

نمت بعمق. في غفلتي انحدرت يدي تبحث عنها. لم أجدها. تابعت بحثي بلا جدوى. اندثرت من ذاتي كما تندثر أحلامي عندما تصطدم بمصاعب الدنيا. لا بد وأنني صورتها في أفكاري. قلت لنفسي. لا تحزن على ما فقدته فأنه ليس بالحقيقي. حتى حياتي ليست حقيقة! على هامش الدنيا أنقل خطواتي! سلباك كل متع الدنيا. استحوذا على أفكارك. وفي المدرسة حاولت أن تظهر ما حاولا طمسه. لم تفلح. الفشل يشاركني حياتي. فترة الفسحة بين الحصص، وفاروق بجانبي. الأستاذ أبو وردة يستدعي فاروق. أنا بجانبه ولم يلتفت لي. فرضت نفسي عليهما. تجاهلني المدرس.‏

- كم كانت درجاتك في الصف السادس يا فاروق؟‏

- مائتان وواحد وسبعون. قال فاروق.‏

قهرتني الرغبة في الظهور. لم أستطع صبراً.‏

- حصلت أنا على مائتين وخمس وستين درجة.‏

تجاهلني. هذا اللعين يزيد مأساتي. مهمل في المنزل وفي المدرسة. ملعون من يصمت عن الحق. لا بد وأن ألفت انتباهه.‏

- كنت الثاني على المدرسة. قلت بصوت عال، ولكنه يحمل نغمة الاحتجاج والتحدي معاً.‏

- أعرف هذا. قال اللعين بدون اكتراث.‏

تعرف هذا وتقتل أحاسيسي وكبريائي التي أحاول بناءها. يا لك من قاتل! ادفع بي إلى الأمام. لو كنت مربياً حقاً لفعلت ذلك. يكرهني. هذه الفكرة لم تغادر رأسي. هو مدرس العلوم. احفظوا هذه الصفحات غيباً. قال ذات مرة. تحديته وحفظتها. في اليوم الثاني أخذ يسألنا واحداً تلو الآخر. انتهى من التسميع لنصف الفصل قرب نهاية الحصة. جواب السؤال الذي سأله لم يستطع أي من الطلاب الإجابة عليه. رفعت يدي مبدياً رغبتي في الإجابة. طلب مني ذلك، وظني أنه كان يأمل بأن أخطئ لأنال عقاباً يريده أن يكون شديداً. أجبت إجابة صحيحة. خاب ظنه. لم يمدحني كما هي العادة. ابتلعت خيبتي وجلست. بدأ يعاقب أولئك الذين لم يحفظوا. طالبان جالسان في المقعد الأول يمسكان أحد الكسالى ويهوي هو على مؤخرته بعصا غير سميكة عدة ضربات. يصرخ أثناءها الطالب صراخاً يفتت الأكباد وهو يستمتع بالصراخ والضرب. سادي. هو كذلك. وفي الحصة الأخرى أحلت الإحباط إليه عندما سألني مرة أخرى. أجبت إجابة صحيحة. لم يستطع كتم مشاعره. حاولت ضرب الهلالي بكل الطرق، لكنه نجح في الإفلات. ملاحظته أرضت غروري. ها هو ذا يمدحني من حيث أراد إهانتي. انسكب حقده عليّ بين كلماته. تركت الحقد وتلقفت الثناء المختفي بين الكلمات. أختار ما يروق لي. فلسفة درجت على إتباعها معظم سني حياتي.‏

انزلقت تلك الأيام وراءي، وها أنذا في دمشق وحدي. على أطرافها. بلى. غداً سأتوه في أحشائها. لا صبر لديك. استعجل اللحظات لأقرأ ما ستحمله لي الأيام . تنازلت عن سماعة الطبيب. كلية الآداب ليست سيئة. وقسم اللغة الإنجليزية مفخرة تلك الكلية. ابتهج. أنت ستلتحق به. متى؟ انتظر!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244