|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:33 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
5 قالت سعدى: -هذا لن يدوم وذاك لن يحدث. لأول مرة تعارضه. سدد إليها نظرات خالية من النيران التي اعتادت أن تمتزج بها. إنها على حق، ولكن وضحى-وهذا اسم أختي التي لم أرها- عرجاء ونصيبها من الجمال اقتصر على عينين استعارت جمالهما من جمال عينيّ الهلالي الكبير. إنها على حق. قال الهلالي لنفسه، ولكن لا بد لها من أن تتزوج. تابعت سعدى: - لن أبقيها مع زوج هدّه المرض ولا يوجد في جيبه مليم يدفعه لها ولأولادها. ولن تتزوج من هذا الأقرع فارس. لم يبق إلا أن أزوج أبنتي ممن لا أنظر إليه وأنا في طريقي خائفة ومرتعبة في وسط ليل مخيف. كانت وضحى قد تزوجت من قريب لنا فقير، لكنه يعتمد على قوته البدنية في كسب عيشه، لم يكن يملك من الأرض إلا القليل وهو أخ لثلاثة آخرين ماتت والدتهم وتركتهم لأب لا حول له ولا قوة. أنجبت منه ولدين وبنتاً. وفي قمة نشاطه أصيب بمرض الجذام. انزوى في حجرته ومكثت وضحى عنده عدة أسابيع تعيل أولادها على ما تجود به عليها سعدى. وسعدى هذه لها من الكبرياء ما يمنع أبنتها من أن تلتجئ إلى أي من أخوة زوجها لمساعدتها، وهم على أي حال لم يكونوا من ميسوري الحال ليساعدوها. هي من البداية ضد هذا الزواج، لكن إصرار الهلالي الكبير وعناده تغلبا على كبريائها ووافقت عليه. كان هم الهلالي أن يصون أبنته. زوجها شاب فقير، هذا صحيح، ولكن الهلالي يملك من الأرض ما يساعده على مساعدة زوج أبنته. اقتنعت سعدى بذلك. كانت تطمع بزوج لأبنتها من عائلة تضاهي عائلة الهلالي، ولكن هيهات أن تتحقق الأمنيات الصعبة. وعندما أصيب زوج وضحى بالجذام، أصرت على استرداد أبنتها وأولادها. وهذا ما حدث. وافق الهلالي تحت ضغط زوجته وكبرياء نفسه المتلحفة بالعقلانية على استردادهم. وفي ذات يوم طلب زوج وضحى أن يرى أولاده. رفضت سعدى بشدة خوفاً من أن يصابوا بالمرض مثله. رجتها وضحى أن تفعل، ولكن عناد سعدى كان هائلاً. مضت شهور والرجل يعاني وربما يشكو همه إلى الله. ووضحى أيضاً كانت تعاني، فهي زوجته حتى وأن اعترضت في البداية على الاقتران به. وفي يوم توفي الرجل فتنفست سعدى الصعداء. لقد تخلصت من هم أثقل عليها كثيراً. احتضنت أبنتها وأولادها. ولكن ذكرى الرجل بدأت تخيم على حياتهم. تساقط أولاد وضحى مرضى واحداً تلو الآخر ثم ماتوا جميعاً. شدهت وضحى وكذلك سعدى. انتقام ألهي لا راد له. كيف يا سعدى لا تسمحين لزوج أبنتك أن يرى أولاده؟ ما هذه الكبرياء اللعينة التي أعمت عينيك وأفقدتك الرحمة من قلبك؟ لام الهلالي نفسه لأنه ترك زوجته تحقق ما تريد. استولى عليه الحزن أياماً طويلة هجر فيها سعدى ولم يكلمها. - السلام عليكم. - أهلاً أبا فارس. هكذا كانت البداية بين الهلالي وأبي فارس. هو جار لنا ولكنه لا يملك أيضاً كثيراً من الأرض. استبشر به الهلالي خيراً، وأنبأه إحساسه بأن أبا فارس هذا يريد وضحى لأبنه. بعد أن حضرت فناجين الشاي والأرجيلة، قال أبو فارس: - يشرفني أن أخطب أبنتكم وضحى لأبني فارس. اهتز الهلالي طرباً، لكنه أخفي سعادته هذه تحت غطاء من الحكمة والتفكير الهادئ. لم يرد أن يظهر لأبي فارس رغبته بالموافقة خوفاً من أن يبدو الأمر سهلاً وأنه يتحين الفرصة لزواج أبنته من أي عابر طريق. - أمهلني مدة أفكر في الأمر. قال الهلالي بصرامة مصطنعة. - لا بأس. قال أبو فارس وانصرف. اقتحمته سعدى. ذئبة اندفعت بكل قواها تدافع عن أبنتها. أن تبقى في بيت أبيها خير ألف مرة من أن القيها لهذا الفارس. ماذا سيقدم لها. أنها أبنتي ودليله ما زالت صغيرة. وضحى هي من سيساعدني في البيت ولن أقبل لها فارس هذا زوجاً. افترش الهلالي حصيرة نصف مهترئة تحت شجرة التوت الوارفة الظلال. طلب من نايف أن يعد له أرجيلته. اتكأ على مسند وضعه فوق جذع الشحرة. سرح ببصره في الفضاء الممتد بلا نهاية. سحب نفساً عميقاً من أرجيلته ونفث دخانه في الفضاء. هذه السعدى! لها من الكبرياء ما يجعلني عاجزاً عن تقريعها. لكنه حدث. قال الهلالي لنفسه. لاحقته إلى مجلسه تحت الشجرة. متوثبة كلبؤة أحاط الخطر بأطفالها. قذفها بنظرة نارية هذه المرة. سكنت بجانبه، لكن أنيابها ما زالت مستنفرة. أقفل شفتيه ولم يطلق سراح أي كلمة. أخفي تعابير وجهه حتى لا تقرأه سعدى. نظرت إليه. مازالت النظرة النارية تنبعث من عينيه. لاذت بالصمت. عرجاء وأرملة وتريد أن تبقيها بجانبها. يا لك من ذئبة مفترسة يا سعدى! حدّث نفسه. ذوت حدة النظرات النارية من عينيه، فقفزت سعدى. - أوحقاً تريد تزويجها من هذا الفارس؟ انبعث العطف من عينيه، فهو وأن كان يبدو قاسي القلب، إلا أن له من المشاعر الجياشة ما يحتوي بها عائلته كلها. أنه يحبها. وهي أيضاً. - وماذا نعمل يا سعدى؟ قال بصوت غلبت عليه العاطفة. هل نتركها بلا زواج؟ وإلى متى؟ - ربما يأتيها من هو أفضل منه! - ومتى يأتي؟ الفتاة عرجاء ونصيبها من الجمال قليل. اتركيها فربما أسعدها الله وهي بجوار فارس. - أهون عليّ أن تبقى بلا زواج من أن تتزوج هذا الفارس. - يا سعدى اتق الله في بناتك. - لا حول ولا قوة إلا بالله. سحب نفساً عميقاً من أرجيلته. أدخل كماً هائلاً من الدخان إلى رئتيه. نفثة ببطء من بين شفتيه. تابعه وهو يتسلل في هذا الكون الهائل والفضاء الشاسع. ما كنهه؟ هذه الدنيا! أين ستأخذنا؟ من قال أن زوج وضحى يموت في أوج شبابه ثم يلحق به أولاده؟ يا لهذه الدنيا الغادرة. حضرت وضحى بأكواب الشاي. تأملها وهي في طريقها إليهم. عرجها واضح. غمرها بعطفه. أفسح لها مكاناً بجانبه. جلست. تناول كوب الشاي. ارتشف منه قليلاً ثم عاد إلى أرجيلته. صمت وصمتوا هم. حضر نايف. أبن زوجته الأولى، أخت سعدى. طويل القامة، قوي البنيان. لولا هذا المرض اللعين لكان نايف هذا ذا شأن. تابع تدخين أرجيلته وتابعت هي كركعتها. تأملته سعدى. غمرته بحبها وأعجابها. حان وقت الرحيل. تقاسمنا الرسوب. كلنا.. أحمد وأحمد وأنا وآخرون. ستذهبون إلى عمان وتتركوننا هنا نتوه في شوارع دمشق. قلت لهم. هذه الوثيقة اللعينة، بها غير مسموح لي بمغادرة دمشق. قلت لنفسي. حزموا حقائبهم وذهبت معهم إلى موقف السيارات المتجهة إلى عمان. لم ننتظر طويلاً. اندسوا في سيارة، ثلاثتهم، أحمد الشاوي والبدوي وعياد عبد الهادي. دقائق ثم انطلقت بهم السيارة إلى عمان. بقيت وحدي، حيث أن محمد سالم فضّل أن يبقى في البيت. ها أنت ذا وحيد مرة أخرى في شوارع مزدحمة بالناس. هناك بيت، ولكن أين الأهل والأصحاب؟ أين تلك الحبيبة التي قضيت معها أجمل أيام عمرك؟ أين فاروق وعبد الكريم؟ أتذكر، ذاك المساء الممطر في رام الله. كان يوم سبت. التقيت فاروق. أتيت أنت من بير زيت لزيارته. حمل مذياعه الخشبي الصغير وخرجتم معاً من المعهد. شارع طويل محاط بالأشجار العالية المورقة أبداً. إنها أشجار الكينياء رمز الكبرياء والدوام. تحت شجرة جلستما، كما جلس الهلالي وعائلته تحت تلك الشجرة، ولكن في دير سنيد. يومها وافقت سعدى على زواج ابنتها من فارس. تاهت بكم الأحاديث كل مكان. سبحت أفكارك في بحر من الأحلام. غاده والحب والحرب والسلام، فلسطين ودير سنيد. أوتعود الأيام وأعمل في حقل والدي؟ مات الهلالي وبقي ذيب وذيبه. مات نايف وبقي ذيب. هو رب الأسرة. أم كلثوم تشدو: شمس الأصيل. أنا وحبيبي يا نيل نلنا أمانينا.. كيف تتحقق الأماني؟ وضع فاروق مذياعه على حجر بجانبنا. لم نتحدث. كل يحادث نفسه. وقفنا. أخذنا نذرع الشارع جيئة وذهاباً. بدأت قطرات المطر تتساقط ببطء. أنها تنذر بعاصفة شديدة. قال فاروق. لنغادر المكان، قلت. مطرح ما يرسي الهوى ترسي مراسينا، والناي عالشط غنى والقلوب بتميل..بتميل يا جميل. ونحن غنينا بلا ناي وبلا صوت. تسارعت قطرات المطر. تسارعت.. تسارعت. شمس الأصيل. اختفت تلك الشمس. غابت خلف الأفق. أين يا ترى ذهبت؟ سبحت الدنيا في ظلام محبب إلى النفس. نستطيع أن نرى طريقنا. غادرنا المكان وتركنا أم كلثوم وشمس أصيلها. قطعنا مسافة صامتين. ثم.. أين المذياع؟ آه.. لقد نسيناه. رجعنا أدراجنا إليه. والقلوب بتميل.. يا نيل. التقطه فاروق وأسرعنا إلى داخل المعهد. أمام سينما دمشق توقفت. عن يميني كان مطعم المصري. نظرت إلى ساعتي. نسيتها في البيت. أوقفت أحدهم وسألته عن الوقت، أعتذر بأنه لا يحمل ساعة. وآخر قال أن ساعته معطلة. ما لنا وللوقت؟ قلت لنفسي. يتسرب من بين يديك دون أن تشعر به. ليذهب إلى الجحيم هذا الوقت. دعتني أمعائي لأن أتناول طعاماً ما. هل هو الغداء أم العشاء؟ لا أعرف ولا أريد أن أعرف. دخلت. محمود النجار، يا للصورة الدائمة الحضور؟ أنت هنا؟! ظننت أنني فقدتك إلى الأبد. احتضنني. قذفت بأفكاري وأحزاني فوق كتفيه. تحجر الدمع في مقلتيّ. كيف طاوعتك نفسك أن تتركني؟ جلست أمامه. نفس المكان الذي اعتدنا أن نجلس فيه في عمان. - كيف أولادي وزوجتي؟ سألني. فاجأني السؤال, وكيف لي أن أعرف أحوالهم وأنا بعيد عنهم آلاف الأميال. نظرت إليه. أنه صديق قريب إلى الروح، ومن حقه عليّ أن أرعى أولاده، لكن ما باليد حيله. - لا أعرف! قلت باستحياء. تجهم. عاتبتني نظراته. أنت الصديق ولا تعرف أحوال أولادي؟ قالت نظراته. ما هكذا تكون الصداقة، ولا هكذا يكون الوفاء. تابعت. - أنت تعرف يا محمود أنني في دمشق، وأنا بعيد عنهم وحتى لا أعرفهم. - ظننتك ستعود إلى غزة وترعى أولادي. - كيف السبيل إلى ذلك؟ - تركتهم يرتعون في الفساد هناك وهربت أنت إلى دمشق. يقولون أنهم ثوار وتتقافز الدولارات بين أيديهم. ثم تقول لي لا أعرف أولادك؟ - ما باليد حيلة. - هذه هي المصيبة. كيف نزيح هذا الوباء المسمى فساداً عن كاهلنا؟ أنتم.. لكنكم هربتم. والأمرّ أنكم تعتذرون. - لا نستطيع مقاتلة الهواء! - دون كاشوتا فعل. - لسنا دون كاشوتا. - تخلقونه. وعندما غادرت المطعم، أمسكني من ذراعي. - ستهرب كما هربت من عمان؟ شدهت. أنه هو. إذن ذاك الذي كان يحدثني في المطعم ليس محمود النجار. - أهذا أنت؟ - تتدثر بأوهامك! ظننتني محمود النجار. - أين هو؟ - تعرف وتسأل! - ماذا تريد مني؟ - ها أنت ذا قد رسبت في الجامعة ورسبت في جباليا ورسبت في عمان. عمرك كله سلسلة من الفشل. أعمل شيئاً تعتز بأنك نجحت فيه. هربت... لست الوحيد الذي يهرب. كلهم هربوا وتركوا الأرض لهم. أما آن لهذا الهروب أن يندثر من حياتنا؟ هربت من جباليا ومن عمان، والمصيبة أنك هربت من ذاتك. سينما دمشق. فيلم الرمال الحمراء عن الغرب الأمريكي. لأزور أمريكا من خلاله. قلت لنفسي. هم الذين قتلوا رئيسهم. أتشمت فيهم وأنتم قتلكم من يتولون أمركم. يا لفداحة الفرق بيننا وبينهم. الرمال الحمراء. الأرض الخلاء، قاحلة تزينها أشجار متناثرة. الفرسان يتراكضون. تنطلق الرصاصات، فتخرق رؤوساً كثيرة وينتصر البطل. دائماً ينتصر البطل. يقف مع حبيبته تحت شجرة مورقة. الرمال تحت أقدامهم حمراء. وأنت أين تقف؟ أرض موحلة، تغوص فيها حتى عنقك. يا مسكين، لا دور لك، هكذا خلقت. ابحث لك عن دور! بحثت حتى حفيت قدماي. ألم تسمعه يقول لك أن حياتك سلسلة من الفشل المتتابع؟ تركت الرمال الحمراء وتغوص أنت في الوحل. من ذا الذي يدفعك لأن تغوص حتى عنقك؟ يدفعني؟ يدفعنا كلنا. قاوم حتى تنجو من الغرق، وإن نجوت أنت هل سينجو الآخرون؟ يا للسؤال المعضلة! أين أنت منهم. أنت الوباء أو أنت من جلب الوباء. هكذا يفكرون. وهل هي مصيبة أن أكون فلسطينياً؟ ومن غزة؟ أنت.. أنت الوباء. خرجت أحمل وبائي. غابت الشمس كما غابت عندما كنا في رام الله. فاروق وأنا وأم كلثوم وشمس الأصيل. أين تلك الأيام؟ لازال الشارع مزدحماً بالمارة. أين يا ترى يقفون؟ أعلى الرمال الحمراء، أم تراهم يغوصون في الوحل حتى أعناقهم؟ سنجلب تلك الرمال ونغطي بها الوحل الذي تمدد حتى وصل عقولنا. ربما جيل آخر. لا بأس، ها هو ذا أمامي! من أين انبثق؟ أبو الرائد. ذاك الذي يريد أن يتعلق في الهواء يوم صرخت فيه أن لا وضع تنظيمي لي. ها هو ذا أمامي. تأملته. التقت عيناي عينيه. أنه هو. تقدم نحوي، بل أنا من تقدم باتجاهه. أريد دوري. ربما لا تصلح لأن تكون ذا دور. قابلته. توقفت وتوقف هو. مدّ يده فالتصقت بيدي مصافحة، مصافحة ليست من القلب. - أهلاً بالهلالي؟ قال مرحباً، ربما ترحيباً كاذباً. - أهلاً بأبي الرائد. قلت مجارياً ترحيبه. - أين أنت الآن؟ - كما ترى، في ساحة المرجة. ضحك وضحكت أنا. لقد تعمدت أن أقول ما قلته رغم أنني أعرف ما يقصده. - أقصد ماذا تعمل؟ - وماذا تراني أعمل؟ أصطاد في شوارع ضيقة. تابعت سخريتي. - كأنك قرأت جبرا إبراهيم جبرا! - كأنني؟ قلت مستنكراً. بل قرأت كل رواياته. تابعت صادقاً. - وأين أنت منها؟ - صراخي طويل في ليل كأنه سرمدي. - أصبحت مثقفاً. قال بلهجة لم أستطع أن أميز إن كانت ساخرة أم صادقة، وظني أنها الأولي. - صفة أتمناها، لكني لا أدعيها الآن. في بهو الفندق الأخضر جلسنا. من الفنادق الراقية في دمشق، والثوار دائماً يجب أن يلتقوا في الفنادق الراقية حيث الجواسيس ومتصيدو المعلومات وملتقطو الصور خفية. جلست انتظره كما طلب مني وذهب هو إلى حجرته. حجرته أم جناحه؟ لا أدري. أشعلت لفافة وقدم لي عامل الفندق فنجاناً من القهوة كان قد طلبه لي أبو الرائد. نظرت إليه وهو في طريقه إلى حيث أجلس. تأملته. وجه لامع وسترة راقية وبنطال أرقى وربطة عنق من أغلى الأنواع. "آه يا جرحي المكابر، وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافراً." أه يا محمود درويش! وطني ليس حقيبة وأنا... وأنا من؟! المسافر، التائه، الحائر، المغامر، المقامر؟ أنا الذي لا دور له. أمبراطور؟ وزير خارجيه؟ أي شيء إلا ثائر. هو مدرس ثانوي، ومن سكان مخيم جباليا. "حقا؟" قال رفيق ظلي. نعم هو كذلك. ولم العجب؟ المخيم يحوي النصاب والشريف، الحرامي والثائر، الجاسوس والفدائي، والكاذب والصادق. - أراك وقد بدأت بالصفة القذرة؟ قال مستنكراً. - لأن القذارة ترتع في أرواحنا وتدمر كل قيمنا. قلت له بحدة. - الآن لا تتغاب وحاول أن تحصل منه على منحة. - يا رجل! يا طالب الدبس من قفى النمس. - الدولارات بين يديه. - لكنها ليست خارج يديه. - ها هو ذا قد قدم. - أصمت أو انصرف. - سأصمت. قال ثم توارى عن الأنظار. جلس أمامي. أخرج علبة لفائفه الفاخرة. نظر إلى ما بين أصابعي. كانت لفافة من نوع الحمراء السورية تحترق ببطء. دخانها ملأ المكان. يبدو أن رائحتها قد ضايقته. قدم لي لفافة رفضتها بعناد. - يا رجل أمسح زورك بلفافة كنت الأمريكية الصنع. - أخاف أن أعتاد عليها. وكما تعرف ليس بأمكاني أن أشتريها. صمت. أشعل لفافته، فأطفأت أنا لفافتي. عندما تتحدث أمريكا على الآخرين أن يصمتوا. نشتمهم بأقذع الشتائم ونستلقي تحت أقدامهم وندخن لفائفهم ونقود سياراتهم. يا لنا من أمة ضلت طريقها! أنها تتحلل! ربما تهترئ! قلت لنفسي. طال صمته، ولم أرد أنا أن أبدأ الحديث. وماذا سأقول؟ لا دور لي. هو يريد أن يلغي دوري حتى يحافظ على دوره. أي دور من الأدوار يا ترى دوره؟ مازال صامتاً. وفجأة انفرجت أساريره. تقدم باتجاهنا رجل نحيف لكنه طويل القامة. وقف أبو الرائد يرحب به، فوقفت أنا كذلك. لا بد أنه مسؤول. لكنه يبدو من درجة أقل من أبي الرائد. شاركنا جلستنا. قدم له أبو الرائد لفافة، أشعلها بارتياح. رمقني بنظرة، فالتقت عيوننا. أنه كذلك، كما توقعت، مسؤول. قلت لنفسي. قدمني له أبو الرائد، ثم قدمه لي. - الرفيق صلاح، مسؤول الساحة هنا في دمشق. - أهلاً وسهلاً. - الرفيق يوسف الهلالي. كرهت أن يلفظ أسمي الحقيقي. وددت أن يدعوني بأسمي التنظيمي. لقد اخترت أسم "إبراهيم حمدي" بطل رواية في بيتنا رجل لأحسان عبد القدوس. ظني أنه نسي أسمي الحركي، وقدمني بأسمي الحقيقي. لا بأس. قلت لنفسي. - يوسف. وجه حديثه لي. هذا هو مسؤولك التنظيمي، ومن هذه اللحظة لك وضع تنظيمي. أترك الهواء الذي كنت معلقاً به وتعلق بالرفيق صلاح. أترك الهواء للآخرين مثلي. - من أين الرفيق يوسف؟ سألني صلاح. - من غزة! - أعرف هذا فهو واضح من لهجتك. ولكن من أين من غزة؟ - من مخيم جباليا. - أهلاً وسهلاً. - الرفيق يوسف من الرفاق الذين يحافظون على مواعيدهم، إياك أن يشتكي منك يا رفيق صلاح. سترتاح للعمل معه. دقيق في مواعيده وحماسه زائد. - وماذا يعمل الرفيق؟ - في الجامعة. طالب في كلية الآداب-قسم اللغة الإنجليزية. - قسم حسان دمشق؟! - هذا ما تقوله أنت. هل ارتحت له؟ سألت نفسي. لعلني. يختلف عن أبي الرائد. يبدو جاداً على غير ما اعتدت أن أرى من رجال في عمان. استرقت عدة نظرات إليه. جهدت أن لا يلحظني وأنا أرمقه بنظراتي الفاحصة. اقترب من نفسي أكثر. لا يذكرني بأحد. لا فاروق ولا عبد الكريم، ولا حتى محمود النجار. لكني ارتحت له. أخرجت علبة لفائفي وقدمت له واحدة. قبلها مني، وأشعل لفافتي. أنني حقاً ارتحت إليه. طالت جلستنا، وقبل أن أغادر بادرني قائلاً: - متى نلتفي؟ - أفضّل مساء كل خميس. - وهو كذلك. - وأين سألتقي بك؟ أخرج ورقة وقلماً وكتب عنوانه. قرأته، مخيم اليرموك-شارع فلسطين. في نفس المكان الذي أسكن فيه. ارتاحت أساريري. - نحن نسكن في نفس المخيم! - أين تسكن؟ في اللحظة التي كادت الكلمات أن تنطلق من بين شفتيّ، أعدمتها. سري يجب أن يكون ملكي. لا أريد أحداً أن يعرف أين أسكن. لقد ارتحت له، لكنه لا يجب أن يعرف أين أسكن. - قريباً من مسكنك. سألتقيك مساء هذا الخميس إن شاء الله. - إلى اللقاء. غادرتهما. وقت العشاء ولم يدعني! كيف له أن يدعو من يؤرقون رتابة حياتهم؟ ولكن ماذا عن صلاح؟ هل هو نسخة منه؟ ظني أن لا، لكنه مسؤوله وعليه أن يجالسه ويستمع له. غادرتهم. لم انتظر طويلاً حتى اقتحمت أحشاء الحافلة المتجهة إلى مخيم اليرموك. وجدت مقعداً خالياً بجانب النافذة. جلست فيه. لم يشاركني أحد. لحظات وانطلقت الحافلة في طريقها إلى حيث أسكن. أغمضت عينيّ وأسندت رأسي إلى حافة المقعد. تحررت من كل قيودي. وصلني هدير المحرك قوياً، يدفع الحافلة إلى الأمام بقوة هائلة. من ذا الذي يوقف اندفاعنا إلى الأمام؟! سألت نفسي بحدة. ما الذي يحدث يضرب الأسد على رأسه يتألم يترنح ربما ترديه الضربة أرضاً لكنه ينهض من جديد يمارس حياته وكأنه خلق للمرة الثانية ونحن نجلس في مكان ما تحت الشمس ولا نحرك ساكناً الأرض آه هذه الأرض أهي الوطن لماذا يرتبط القلب بها ويتعلق بذرات ترابها أنها تضيع وتضيع معها كرامتنا وشخصيتنا وذاتنا آما آن لنا أن ننطلق ها أنذا في الجامعة وبعد ذلك مدرس أتزوج أولاد وبنات والأرض تضيع ما الذي يحدث تشوهت أفكارنا وعندما اعتدلت انطلقت كل الأسهم تصطادها نحن الذين عريناها أمامهم جميعاً اقتلوا ممثل فتح قبل ممثل الحكومة قال أبو نضال عندما اجتمعنا به لن نسلم سلاحنا ولماذا يظهر سلاحنا أصلاً فيتنام مثل يحتذى كيف نخلق أخرى يا الله كم هانت علينا كرامتنا ترتع في عشب أخضر أملس الملمس وهم هناك يعانون تدخن اللفائف وتشرب القهوة والشاي وترتاد أرقى الفنادق وهم هناك يتأوهون من وقع أحذيتهم العسكرية تسربت أنت إلى الأسن كل ما يحيط بك آسن أين ذاك الدور الذي كنت تحلم به أنت جزء من الأسن المستشري في الذات هذه الذات غير السوية أنت لست وحدك المحكوم بذيب وذيبه هم أيضاً كذلك والرجل الذي وهب نفسه ليحررنا من ذيب وذيبه قتلوه كم حاربناه عندما قدم رئيس وزراء استراليا ليتباحث معه أثناء أزمة السويس وجه له أنذاراً في بداية الإجتماع جمع أوراقه انتهى الإجتماع ليس لدي ما أناقشه معكم قال وغادر القاعة وترك رئيس وزراء استراليا ينتف ريشه الذي كان قد انتفش وتطاير نحتاج لهذه الكبرياء ولهذه الكرامة اندثرتا من يحييهما مرة أخرى الأرض هذه الكلمة الخطيرة أنها الوطن ونحن نعيش على أرض ليست وطناً ما كنه هذا الوطن يغزوك وأنت وسط الأسن هذه النفس الدنسة تغرق وتغرق في الوحل وأنت تغرق معها وأحمد البدوي غرق في ذاته لأنه غرق في الوطن لا فائدة يا يوسف قال ذات مرة حتى من كنا نظن أنهم سينقذوننا من الغرق غرقوا هم في الفساد أحضر زجاجة عرق وأخرى بيرة شاركه شحته الطويل الجلسة دلق كأساً من العرق إلى جوفه أتبعه بآخر ثم كأساً من البيرة وبعض الطعام وهكذا فعل شحته وتابع كل منهم الشرب بتلذذ غريب أغروني أن أشاركهم لكني لم أرتح لمذاق ما يشربون جد على بكأس آخر يا أحمد لبيك يا طويل القامة والفكر هذا عطاؤك عن العام المقبل أدلق هذا الشراب في جوفك فهو يشفي من مرض الفكر ليت شعري أين أبا نواس يشاركنا جلستنا جد علىّ بكأس آخر قال البدوي وقف أبو نواس خلف الأمام وهو يقرأ " قل يا أيها الكافرون" " لبيك" قال أبو نواس وكان قد ملأ معدته من شراب العنب المعتق وفي نهاية الصلاة انهالت الأحذية على رأسه أيها الفاسق أنت من قرأ الواقع لبيك صاح الطويل كأساً آخر ولفافة تبغ من النوع الرديء وكأسك يا وطن يا وطن الفقراء المساكين يرتع فيك أقسى أنواع اللصوص يسرقونك وأنت تقدم بلا تردد لبيك يا وطني وهؤلاء يرتعون في الفساد ويتمرغون في أحضان الغواني ويرفعون راية الثورة يسرقونك ويرفعون راية الثورة وبعد ذلك تسأل من الذي يعوق اندفاعك إلى الأمام يقتلون المندفعين لدفعك أنت إلى الأمام حتى يحين موعد قتلك ويرفعون راية الثورة ترتع أنت في الفساد وترفع راية الثورة لبيك يا وطني نحن من سيقدمك على طاولة الطعام هدية لهم لبيك يا وطني يا مهد الأنبياء من يتلفظ بالوطن سنقذف به خلف الشمس لبيك يا وطني سنحرره من النهر إلى البحر ونبتعد نحن سنحرره ونبتعد نحن أغثني بكأس يا بدوي لبيك يا طويل القامة والفساد لبيك يا عشبي الأخضر سأتمرغ فوق أعشابك الندية سأدلق كل أحباطاتي فوق جسدك الغض فأنا عصر الفساد عصر الإنفراد عصر الإنحسار عصر الهزيمة عصر من لا عصر له لبيك يا وطني صحوت... التصقت العجلات بالأسفلت المهترئ. توقفت الحافلة. نظرت من النافذة. وصلت. تحركت قدماي ببطء. حان الوقت لأن التصق بواقعي. نزلت. وصلت المنزل. لم أضغط جرس الباب كما كانت عادتي. أدخلت المفتاح في القفل وفتحت الباب. دخلت. تحرك الباب قليلاً. لقد أحست بي. أرادت أن تتأكد. دخلت حجرتي. أشعلت الضوء. جلست لثوان على السرير. لا عمل لدي. أخلقه يا رجل. هناك الكثير لتفعله. اقرأ رواية أخرى. أدرس بعضاً من دروس اللغة الفرنسية التي رسبت فيها. لا رغبة لي في ذلك. تابعت تمددي على السرير. وهم لماذا لا يعملون؟ سألت نفسي . الأرض ضاعت، هناك الكثير ليعملوه كي يستردوها، لكنهم لا يعملون. ربما خسروها على طاولة القمار. أنت تختلف! أنا جزء من الأسن. أنا منهم، لم أتميز؟ خرجت من نفس الرحم الذي خرجوا منه جميعاً. يا رجل؟! ابحث عمن يعملون. خلف الشمس. هم خلف الشمس. لا أريد أن أكون خلفها. أعمل بصمت. دخلت... أهذا أنت؟ سؤال ملون بالرغبة والإندثار. أرتحت لقدومها. لم أكن أتوقعها. لكنها حضرت ومعها فناجين القهوة. هي تعرف مقدار محبتي للقهوة وللغوص في المياه الدافئة، ومن غيرها يملك تلك المياه التي تدعوك للسباحة حتى وأن كنت جاهلاً بها؟ جلست على حافة السرير، في منتصفي. أحضرت كرسياً ووضعت عليه فناجين القهوة. لم أعتدل ولم ترد هي أن أفعل. التصقت بي. هاجت رغبتي كما هاجت أفكاري وأنا في الحافلة في طريقي إلى المنزل. أشعلت لفافة جديدة من لفائفي التي توشك على الإندثار. قدمت لها لفافة وأخذنا ندخن. تحسستها. ارتعشت تحت وقع لمساتي. نفثت الدخان في وجهها. تحولت إلى صورة هلامية سابحة في الفضاء. عمقت نظراتي فيها. اخترقت الدخان. وصلتها. لازالت يدي تطوف جسدها. مضطربة، متعثرة، وناعسة. تحسستني هي. وقفت. أعادتني إلى وضعي الأول، مستلقياً فوق السرير. - ليس الآن. قالت. ولم ليس الآن؟ سألت. ليس الآن. هناك الكثير لنفعله. ليس الآن. والأرض ضاعت، لم ليس الآن؟ ضباب يغلف المنطقة. ليس الآن. هذا الضباب اللعين! كان عليه أن ينتظر حتى نعمل! ضباب، ضباب، ليس الآن! متى إذاً؟ مازال هناك متسع من الوقت لنفعل ما نريد. تحسستني. نار مشتعلة في هشيم لا ينتهي. لا راد لها! لا يمكنك إطفاءها. أحست هي بها. أحرقتها. نار..نار.. نار هوجاء. - تعشيت؟ - لا. - إذاً بعد العشاء. - لينتظر العشاء. - العشاء أولاً. لم أذق طعم الطعام وأنت خارج البيت. متى تناولوا طعام عشائهم؟ بعد أن ضاعت الآرض أم قبل ذلك؟ تتوقف المدافع عن الإطلاق. القائد العام في طريقه إلى الجبهة. وهم يعرفون ذلك. بعد العشاء، تتحرك الدبابات. وهم يعرفون ذلك. وحضر العشاء. أجساد جميلة فاتنة، وكلمات فاضحة غانجة وشراب مستورد من فرنسا ودجاج وسمك. وبدأت الحفلة وتحركوا هم. طائراتهم تجوب السماء كلها. بعد العشاء. تحركوا أنتم. أنهم فوق رؤوسكم. بعد العشاء. وتم كل شيء بعد العشاء. حتى الأرض ضاعت بعد العشاء. أصرت أن أتناولها بعد العشاء. كانت ترتجف تحت يديّ ومع ذلك أصرت أن نبدأ بعد العشاء. رضخت لرغبتها. النار تأكلني، تشتعل في كل أنحاء جسدي. حاولت إطفاءها، لم أستطع. تشتعل وتشتعل. ذهبت هي وبقيت أنا أشتعل. ليكن، بعد العشاء. قلت لنفسي. أشعلت لفافة. شخص ما على الباب. سمعت الجرس. إذاً بعد العشاء. ارتديت بيجامتي بسرعة. ذهبت إلى مدخل البيت. فتحت الباب وأذ بأبي الهيثم وجهاد أبن خالي وسالم أبن عم أبي الهيثم بالباب. عانقتهم بحرارة، ومما زاد في حرارة عناقي لهم تلك النار المشتعلة داخلي ولم أستطع إطفاءها. هل ارتحت؟ بعد العشاء؟ ها نحن قبل العشاء ولم نفعل شيئاً. دعوتهم للدخول. دخلوا. جلست على مقعدي بجانب الطاولة. نفس المعقد الذي جلست هي عليه قبل أن تتوسد جسدي. جلس الآخرون على السرير. شاركني جهاد المعقد الآخر. أحسست بالنار تتسرب إلى جسدي من المقعد. - كيف تسير الأمور؟ سألني أبو الهيثم. أبو الهيثم! قضيت ثلاث سنوات في سجون الأردن. ظن الجميع أنك قتلت. وأنت أيضاً فقدت والدك مثلي منذ صغرك. لكن عمك تولاك برعايته ونشأت كأنك في بيت والدك. ماذا فعل السجن بك؟ ها أنت ذا أمامي كما أنت. انتفخ كرشك كثيراً. وأم الهيثم، تلك المرأة الكريمة الرائعة. أوتراك أرسلت لها كي تلتحق بك؟ - أظنها على خير ما يرام. قلت. - هل نجحت في الجامعة؟ - نجحت في خمس مواد. - معنى ذلك أنك ستبقى في سنة أولى. قال جهاد. أسموها نكسة بدل هزيمة. ما كنه هذا العقل العربي؟ كان جهاد يعني أنني رسبت في السنة الأولى، لكنه رفض أن يلفظ كلمة الرسوب. المعنى واحد. لكنه حافظ على شعوري ولم يلفظها. وهم على ماذا حافظوا عندما أسموها نكسة؟ حافظوا على كراسيهم المهترئة. يا لنا من أمة خدّرت حواسها! - أظن ذلك. - ما رأيك في أن تترك الجامعة وتعمل مدرساً عندنا في الجزائر؟ قال جهاد. لم ترق لي الفكرة. أريد أن أحصل على الشهادة الجامعية أولاً. وسأحصل عليها إن شاء الله. بعدها تأتيالوظيفة والزواج. - سأحاول أن أحصل على الشهادة أولاً. ودار الحديث يطوف ذكرياتنا في جباليا والغارات التي كنا نشنها على حقول البرتقال واللوز والتفاح. وكان نصيب ذيب وذيبه من الذكريات كبيراً. ذكرني جهاد بتلك الصفعة التي وجهتها إلى ذيبه وتظاهرت هي بالموت. - هذا النوع من النساء لا يموت. قال أبو الهيثم. - لقد تحررت منها. قال جهاد. - لا تنس ذيب. قال أبو الهيثم. - وهو الآخر تحررت منه. - أظنهما يمسكان بعنقك حتى وهما بعيدان عنك. قال أبو الهيثم. أظن ذلك. فهما وأن كانا يبعدان مئات الأميال عني إلا أن تصرفاتي محكومة بهما. حاولت أن أتخلص منهما. نجحت جزئياً. قالت لي دليله في أحدى رسائلها، أنت الآن في مدينة كبيرة، وتدرس في الجامعة. عليك أن تهيل التراب على الماضي وتنساهما. حاولت. لكن محاولتي كانت نصف ناجحة. - شخص ما بالباب. قال جهاد. ذهبت. راضي. أخ أم وسيم. أنه يستأذن في الدخول. - وهل تحتاج إلى أذن. تفضل يا رجل. دخل. صافح الجميع. قدمته لهم وقدمتهم له. بعد العشاء يا حبيبه! تركت النار تلتهم أحاسيسي وعندما كدت أن أطفئها، عاندت هيجان الذات وأبقيت النار مشتعلة. سنطفئها بعد العشاء. قالت حبيبه. أيا حبيبه علينا أن نقتنص لحظات الذوبان هذه من بين فكيّ هذا الحيوان المفترس. حضر وسيم بأكواب الشاي. اشتعلت اللفائف. ملأ دخانها الحجرة. ازدادت النار اشتعالاً. استأذنت في الذهاب إلى الحمام. في طريقي لمحتها. وقفت لحظات. تقدمت هي باتجاه بابها. حرفت طريقي إليها. أمسكتها. استسلمت. اهتزت تحت قبضة يدي. تطاير اللهب في كل مكان. احتضنتها. يا مجنون، ابتعد. قالت. أغيثيني بالمياه لأطفئ النار. يا مجنون ابتعد، سينكشف كل شيء. لا أبالي، قلت. أنت حقاً مجنون. قالت. عصرتها بين أصابعي. لم أعد أحس بما يدور حولي. ها هو وسيم في طريقة إلينا. قالت. تراخت عضلات جسدي كلها. تركتها وذهبت إلى الحمام. - غداً تتناول طعام الغداء معنا. قال أبو الهيثم. - وهو كذلك. غادروا المنزل. بقي راضي. قدمت له لفافة وحضرت أم وسيم بفناجين القهوة. دخنا اللفائف. اعتادت هي أن تدخن أمامه. لحظات ودعتنا جميعاً لتناول طعام العشاء. اقتربت اللحظة وانحسرت المعاناة وستلقي بأحمالك في بحر لا يعترف لا بالمكان ولا بالزمان. قلت لنفسي. أكلت باستمتاع ممزوج برغبة هائلة احتفظت بها في جنباتي فأحرقتني. كنت أتبادل الحديث مع راضي مؤملاً النفس بأنه سيغادرنا حال انتهائنا من تناول الطعام. - ستأتي أمل. كانت تعيد ترتيب البيت. لقد نثرنا مادة قاتلة للحشرات في البيت. أنت تريد وهو يريد والأمور تسير كما تريد. هاجت أفكاري. سينامان هنا الليلة. وأنت ونيرانك إلى الجحيم. سنحارب أسرائيل ومن هم وراء أسرائيل. لم يعرف المسكين أن كل خططه وحتى أسماء ضباطه عندهم. بعد العشاء سنعوم فوق الآمواج الناعسة وها هو ذا راضي وأمل يقتحمان خططنا وسينامان عندنا. ليشربوا من البحر الأحمر إن لم يكفهم البحر الأبيض. وبعدها طارت سيناء والضفة وغزة والجولان وفوقها كلها القدس. لا تجري الأمور كما نتمناها. وكيف يمكن تطويعها؟ سؤال ربما سأله لنفسه. وها أنذا اسأله لنفسي. - ستنامان عندنا؟ سألت بحسرة. استشعرت لوعتها وآمالها الميتة تحت أقدام راضي وأمل. ماتت رغبتي البائسة. انتثرت اجزاؤها في كل مكان من جسدي. بدأت التقطها وأعيد هيكلتها ثم قذفت بها في حفرة عميقة. أهلت عليها التراب غير آسف. ضاعت غزه وجباليا وقبلها دير سنيد والقدس، ولم لا تلك الرغبة المجنونة؟ كنت أحلم بدير سنيد فأصبحت أحلم بجباليا. وحتى هذا الحلم بدأ يندثر تحت وقع الإحباطات المتتالية. أين أنت من تلك الآمال الباهرة التي كانت هي كل حياتك؟ ما الذي سيحدث أيها الأخوة عندما سنقاتل؟ ربما نستشهد أو يلقون القبض علينا! عندها سننتقل من السجن الكبير إلى السجن الصغير، وكله سجن. هكذا كنت تخطب في جمع من الطلاب في كلية بير زيت. فلنقاطع السلع الآمريكية لأنهم هم سبب البلاء الظاهر. صفق لك الطلاب يومها بحرارة. وعندما انزويت في ركن من مبنى اتحاد الطلبة التقتك غاده. عانقت يدها يدك وتحركت مشاعرك تحتضنها. عيناها حائرتان تنتفضان من الحب والهيام. وأنت في صورة الثائر البطل تنتفض من حرارة اللقاء. أين ذهب كل هذا؟ أين؟ تحرقك الرغبة الشيطانية، ويزيد تصاعد اللهب في اجزائك أنها هي أيضاً تحترق أمامك. - ولم لا؟ قلت. حاولت أن أضفي عقلانية على جملتي، ولكن! فضحتني الرغبة، ولحسن حظي أن راضي لم يلحظ ذلك. ربما لحظه وفسره بشكل آخر. انتبهت هي فازدادت النيران اشتعالاً في جسدها. وصلني اللهب فتحسست علبة لفائفي. أخرجتها. فارغة. نهضت. - إلى أين؟ سألتني بانكسار. - أشتري علبة لفائف. - اللفائف موجودة. - لكني أريد أن أشتري علبة. خرجت. - انتظر! خرجت! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |