|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:33 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
6 كان أخوك نايف قد ملأ سلة بالعنب وذهب بها إلى بيت أهل زوجته. علم الهلالي بذلك، فانتفض من الغضب. أنه يحبهم، لكنه لم يغفر لنايف فعلته التي فعلها من وراء ظهره. حمل نبوته وأخذ يبحث عنه. - صه! - ما خطبك؟ لم تعتد أن تكلمني بهذه الحدة. - لقد مللتك يا رجل. في بداية كل فصل تتحدث عن الهلالي ثم تعود ليوسف. أصبحت مملاً بدرجة كبيرة. - من قال هذا؟ - اسأل هذا الرجل الذي أمضى وقتاً يقرأ قصة هذا الهلالي التائه. - هل حقاً مللت حكايتي؟ - الرتابة تؤدي إلى الملل. لا بد من التغيير. - أسمعت؟ هذا رأي قارئ يمثل قراءك. سعدت بانتصار رأيي. كانتصاراتنا العربية! قلت له. هذه الانتصارات الجوفاء أوصلتنا إلى حافة الجنون. كل شيء يهترئ حتى روايتك عن الهلالي أخذت تتحلل. إنصاتي لك بدأ يشوبه الغثيان. حتى هي أيضاً بدأت تهترئ. لا بد من التجديد. هل عندك من الجديد شيء؟ إن لم يكن لديك شيء إصمت. - لا لن أصمت. صاح بأعلى صوته. عليك أن تنقل تيه هذا الفلسطيني الذي قاوم الإهتراء إلى الآخرين. إنها تجربة عميقة وشاقة. أرجوك لا تبتعد عني وتابع سماع ما أقول. وأعدك بالتجديد. إن أردت أفردت صفحة للقراء ليسجلوا آراءهم ويرسلوها لي حتى أنفذ رغباتهم. - تعلمت الديمقراطية. قلت بهلع. - لا تقترب من هذه الكلمة وإلا كان الإهتراء مصير روايتك. - لا تخف، فالكل ينادي بها، حتى من يتولون أمرنا. - يا رجل حط في الخرج. الكلام لا ضريبة عليه. - لا أريد أن أغيب خلف القضبان. - سأضعك وسط عقل الهلالي لتنقل لقرائك ما يدور فيه. - أي منهم؟ - الهلالي الصغير. - هذا شيء جيد. سأرتاح أنا من ترتيب أفكاره وإخراجها بشكل مريح. - أدخل. - أين؟ - إلى عقله. - أين هو؟ - خرج من بيته هائماً على وجهه. - متى؟ - لا معنى للوقت، لأنه لا يعني شيئاً. - والقراء؟ - حتى هم لا يحسون به. - لكني..... - لا تتذاك. أدخل في عقله قبل أن تصبح أنت الآخر مملاً. لقد طال حديثك معي، والقراء ينتظرون. أسرع! دخلت. كان عليك اقتناص اللحظة يقولون أن الفرصة لا تتكرر ولقد أتتك هذه الفرصة وأضعتها لكن الأمر كان خارج متناول يدي أنا لم أدعهم لزيارتي وكان علينا أن نهاجمهم قبل أن يساووا طائراتنا بالأرض وهي جاثمة في مخابئها صدقني كانت النتيجة ستكون نفسها ربما كنتم خسرتموها في السماء ليتنا فعلنا ذلك كان أشرف لنا أن نموت واقفين كما الأشجار ها أنت ذا تعود للمسرحية الأسبانية الأشجار تموت واقفة لم أقرأها أعجبتني لأنني قرأت مقالاً عنها ففهمت ما تعني وقبل ذلك عدت مرة أخرى لستيرن وحياة وآراء ترستام شاندي أقول صادقاً أنني تأثرت بهما لكني لا أحاكيهما حتى أنني لم أفرد صفحة خالية من الكلمات للقراء حتى يكتبوا آراءهم أريد لفافة والمحلات مقفلة لا بد وأن الوقت قد تجاوز الواحدة صباحاً والشوارع خالية من المارة وأنت وحيد هي وحدتي الأبدية التي أعشقها لكن اللفافة الآن تفعل فعلها وأنا لا أملك حتى نصف لفافة لا تبتئس لقد كانت الطريق من قناة السويس حيث أخذت قواتهم تستريح إلى القاهرة والناس مذهولة مما حدث خالية ولم يكن بإمكانك أن ترى جندياً واحداً فأنت لست وحيداً في هذه الحالة عن بعد رأيته صرخت عليه عياد عياد الهادي أنت المنقذ الآن صرخت عليه صرخة مدوية تردد صداها في الشوارع الخالية من روادها لا أظن صرختي تضاهي صرخة تلك الإعرابية التي استجارت بالمعتصم عندما أهانها جندي روماني يومها هب المعتصم لنجدتها بجيش آخره في عموريا وأوله يلبي صرخة الأعرابية يا لله كل نساء فلسطين وشيوخها يصرخون ولا يجدون من يلبي النداء من الأفضل أن نحتفظ بصرخاتنا إلى زمن آخر ومن حسن حظي أن عياد الهادي استجاب لصرختي تقدم باتجاهي - عياد..أريد لفافة. هل لديك من اللفائف ما يكفي لإطفاء لوعتي؟ - هي في البيت. - إذن هيا إلى البيت. ذهبنا معاً. أمسك بيدي، فعرف مقدار معاناتي. لقد كنت أرتجف. - أوتعمل بك اللفافة كل هذا؟! - وماذا حدث لي؟ - أنك لا ترى نفسك. أنت ترتجف. - حقاً! ربما. ربما كانت كافية حتى لا يفضحني الدخان المتصاعد من جراء انطفاء جذوة النار التي أحرقت أحاسيسي كلها. بدأت أحس بالنسمات الصباحية وأعود أنا كما أنا. آه! غاده. وسط الأشواك أذكرك وبين الليلك والزنبق والياسمين أذكرك. أتحسسك، أستنشقك. أنت الجنة التي فقدتها. أين أنت يا غاده لتحولي بيني وبين الحشرات السامة المنتشرة حولي؟ أين؟ ذهبت تلك الأيام التي كنت الجأ فيها إليك. عرفت أن فاروق وعبد الكريم في الجامعة في القاهرة. فاروق في جامعة عين شمس وعبد الكريم في جامعة القاهرة. الأول يدرس العلوم السياسة والآخر الهندسة الميكانيكية. وأن هنا أدرس اللغة الإنجليزية ولغة أخرى تدعى لغة الجسد. وأنت ماذا تفعلين؟ الله وحده يعرف. - هل تحتاج إلى كأس من العرق؟ سألني عياد وقد صب له كأساً. وافقت. لماذا؟ لا تسألني. كان جنوني جارفاً. أريد أن أهرب من واقعي، أن أغيب عنه. وافقت لأتذوق طعم ذلك العرق الزحلاوي الشهير. صب لي كأساً وأشعلت لفافة من علبة اللفائف التي قدمها لي عياد. شربت الكأس على دفعات وطلبت المزيد. قذفت بالكأس الآخر دفعة واحدة إلى جوفي. جاء الآن دور البيرة. شربت منها عدة كؤوس.. عدة كؤوس..غبت عن واقعي. تناثرت أنا..تناثرت أفكاري. جد عليّ بكأس آخر يا عياد. لبيك يا هلالي. أعيد تمثيل الدور الذي قام به شحته والبدوي. متطرف أنا في أحزاني وأفراحي. عاش أبو نواس فليسقط الضلالي. كأساً آخر يا عياد..يا عياد..يا..... يا سعدى أين أنت ها أنا ذا أكرع الكؤوس بلا أدنى درجة من تأنيب الضمير وأين هو ضاع مع ضياع دير سنيد وبعدها مخيم جباليا وأنت يا هلالي يا كبير تتوعدني يا رجل ماذا فعلت أنا من الذي أضاع فلسطين ليس أنا ماذا فعلتم أنتم هل التصقتم بأرضكم لو فعلتم لكنت أنا الآن في مكان غير هذا المكان ولكان حالي غير هذا الحال لكنكم فررتم كالجرذان المرعوبة وتركتم لهم الأرض والبيت والزرع لا تتوعدني نحن فعلنا أكثر ربما لكنكم أنتم من بدأ سنة الهروب هذه أرضكم يا هلالي يا كبير وعندما أراد تحريرها حاربتموه كلكم نعم كلكم هذا هو الحق يا هلالي يا كبير حملت النبوت لإبنك نايف يوم أهدى أهل زوجته سلة من العنب وقبلها حملت النبوت ودافعت عن عدة أمتار من أرضك ضربت عيسى وعبد ربه ومن أيضاً من آل الهلالي أما أمامهم فهربت كأرنب تقطعت به السبل بعدها أخذنا نبني قصوراً في الهواء ونتحدى الجدران برؤوس عارية إعطني كأساً آخر يا عياد وإن شاء الله سنرده لك في السودان أو بغداد أو في أي مكان يقذفوننا إليه من يدري أين سنلتقي مرة أخرى قال مرزيق لا تقلها عندما قال محمد سالم إن شاء الله نأكل في العودة لا تقلها قال مرزيق لأننا لن نأكل مرة أخرى إلى هذا الحد وصل بك اليأس يا مرزيق كنت أكثرنا عمقاً بمعرفة المستقبل أو بقدرتنا على فعل ما يجب أن نفعله أخذنا نعوم في خبايا الشام كالطحالب في البحر ونسينا دير سنيد وجباليا وماذا سنسى بعد ذلك هكذا هم يقولون نستولي منهم على أرض جديدة فينسون القديمة وهكذا إلى أن نعيد مملكتنا لا تقلها لأننا لن نأكل مرة أخرى إن فاجأونا ثانية سنلتقي في بغداد وربما شملنا لم الشمل ونلتقي بالأحبة سنتساوى في الاحتلال والإذلال يا أبا نواس هاك كأساً آخر أنت من غاب عن خطاياه ويومه بكؤوس الخمر أين أنت لترى أمة تمزقت وضاقت بها السبل ها أنا ذا قد زرتك بعد العشاء تكسرت حواسي كلها وأنا أنتظرك وبعدها راضي وأمل سينامان عندنا وبعد العشاء تحطمت الطائرات لا تخلط الأمور قال عياد وتحطمت الطائرات عند الفجر ليس مهماً الوقت المهم أنها تحطمت وتحطمت معها آمالنا تحطمت بعد الفجر بعد سهرة صاخبة مع غانيات وراقصات مصر وتحطمت الكرامة عند الفجر عندما كانت طائرة القائد العام في السماء وتم تحنيط المدافع والصواريخ ي...ا...س...ع...د...ى...أ...ي...ن...أ...ن...ت أريد أن أراك يا يوسف يا هلالي يا كبير أين ذهبت بل أين هربت وتركتني بين مخالب الذئاب تنهشني وتدلق عليّ كل أحقادها ماذا تركت خلفك يا هلالي عد لنا مرة أخرى يا طارق يا ابن زياد إن لم تعد أنت فأحد أحفادك هيهات أن يعود التاريخ وهيهات أن تتحقق الأماني بالاسترخاء - قف. طارت السكرة وأتت الفكرة. لعنك الله لعنة هلالية لا تحول عنك ولا تزول إلا يوم القيامة. أولا تتركني أكمل سكرتي؟ تحطم خيالي الجامح بكلمة صلبة وقوية. قف. ثم ماذا؟ قبحك الله. تأتي في غير وقتك. - ماذا تريد؟ - أنت لص منذ ولدتك أمك، منذ سرقت شبشب ذيبه ولا تنس ذلك نصف القرش الذي اشتريت به قطعة الحلوى. - يا رجل هذه ليست سرقات. يتعامى القدر عن السرقات الكبيرة ويفضح من يحاول ستر جسده وجوعه. - والآن أيها اللص تسرق طريقة الكتابة من جويس وفرجينيا وولف ومارسيل بروست. - انتظر..من أين لي بكل هذه الأسماء الكبيرة؟ - ألست طالباً في قسم اللغة الإنجليزية؟ - بلى. - إذاً قرأتهم جميعاً والآن تسرق أسلوبهم في الكتابة. - يا رجل لقد أصبحت طريقة كتابتهم تراثاً من حق الشعوب. - أيها اللص! - هل حقاً أنا لص؟ سألت قارئي الذي يقرأ رواية الهلالي. - لا أظنك كذلك. - هل سمعت يا أعمى البصر والبصيرة؟ - لأنه لا يعرف عن هؤلاء الكتاب شيئاً، هذا أولاً. وربما هو يقرأ باستمتاع، هذا ثانياً. اسأل أحد أولئك الذين قرؤوا بداية روايتك ثم قذفوا بها في سلة المهملات. - أولاً لا تجّهل من هم أوعى منك. وثانياً لقد عملت استطلاعاً بين القراء ولم أجد أياً منهم قد ملَ روايتي عن الهلالي. بل أن بعضهم ينتظر الجزء الثالث بفارغ الصبر. - لا تكن متفائلاً. هم شعب لا يقرأ. هكذا قال عنهم دايان بعد حرب حزيران. - لا تتلقف كلام الأعداء بهذه السهولة وتبني عليه فرضيات هي حتماً خاطئة. - على أي حال أنت لص وهذه حقيقة لا يمكنك أن تتنصل منها بحلو الكلام. - عليك أن لا تنس أنني أقص رواية هذا الهلالي كما رواها هو وأنا أصدقه. - أنت كما هم! تتخفى خلف الآخرين. - وماذا تريد الآن؟ - أريدك أن تسمعني وأنا أقص عليك جزءً من سيرة الهلالي الكبير. - ألم تنصحني بالتجديد حتى لا يملني القراء؟ - وقصة الهلالي أيضاً جديدة. حمل نبوته وأخذ يبحث عن نايف الهلالي، ولده الذي ملأ سلة بالعنب وذهب بها إلى بيت أهل زوجته. وجده، وبدون أية كلمة سدد إليه ضربة ساحقة على كتفيه بنبوته الضخم. وقع نايف أرضاً. نظر إلى والده، لم يكن في مقدوره رد الضربة. إنه والده. كانت سعدى على بعد خطوات من مكان الحادثة. صاحت في يوسف أنه سيقتله. أيها الوحش! تطايرت صرخاتها وهجمت على نايف تحميه من الضربة الثانية. نظر إليها الهلالي مشدوهاً. لا زال الشرر يتطاير من عينيه. إنه يسرقني يا سعدى. قال لها بصوت غاضب. هو لا يسرقك، لقد أهدى عمه بعض العنب وماذا في ذلك؟ أنهم أهلي يا يوسف. أنسيت هذا يا هلالي؟ وسلال البرتقال التي تصلك منهم، نسيتها هي الأخرى. أم ما هو حلال عليك محرم على غيرك؟ يا لك من أناني. أنا أعرف أنك كريم، لماذا تضع كرمك تحت نبوتك وتقذف به فوق كتفيّ ولدك؟ ذهل الهلالي من جرأتها. قذف بنبوته على الأرض. ساعد ولده على النهوض. نظر إليه نايف. هو والده، وماذا بإمكانه أن يفعل له؟ خفض عينيه. نظر إلى الأرض. وقف مشلول الحركة كتمثال لا حول له ولا قوة. انحنى عليه الهلالي بحنان. هو يعرف مقدار بأس ابنه ومع ذلك لم يدافع عن نفسه أمام جبروته. تحسس مكان الضربة بحنان وأسف ظاهرين. تأوه نايف بصمت. انسحب. رافقته سعدى. - لا تزعل يا نايف. هو أبوك. نظر إليها هي الأخرى. إنها زوجة والده وخالته أخت أمه في نفس الوقت. رغم قسوتها عليه إلا إنه يحبها وهي تحبه. فقط لولا إنها تفضل ذيب عليه وتقدم له كل ما يريد لكانت بمثابة أمه الثانية. كانت غيرته من ذيب قاسية وقاتلة. قال نايف: - سمعت أن قوات الطوارئ الدولية ستنسحب من غزه. قال ذيب: - وأنت كيف عرفت ذلك يا أبو العريف؟ أم هي فقط الغيرة؟ قال نايف: - أوأغار منك؟ لماذا؟ لأنك تعمل مع قوات الطوارئ؟ حتى لو كان معك مال قارون، لن أغار منك. أويغار الإنسان من بخيل مثلك؟ لو كان بصاقك يفيد الناس ما ألقيته عليهم. قال ذيب: - يا مجنون! قال نايف: - أنا مجنون؟ أنا مجنون؟ يا ميت النفس وعديم المروءة. قال نايف بغضب يضاهي غضب الهلالي الكبير. حمل فأساً كانت بجانبه وهجم به على ذيب يريد تهشيم رأسه. أيقن الأخير أنه ميت لا محالة. هرب كما هرب الآخرون في سنوات النكبة والهزيمة. أخذ نايف يجري وراءه عاقداً العزم على أن يضع حداً لحياته. دخل ذيب بيته وأقفل الباب خلفه. وقف نايف بالباب يصرخ: - إن كنت رجلاً، أخرج. أنت رجل بالكلام فقط. صمت ذيب، ووقف نايف بالباب منتظراً وفأسه مرفوعةً في الهواء. قال أبو جابر الذي كان جالساً أمام منزله: - يا نايف "صلي على النبي، واستهدي بالله." قال نايف: - اللهم صلي على النبي المختار. ولكنك كما ترى يا أبا جابر، لم أفعل ولم أقل شيئاً ليتهمني بالجنون. كان نايف يعاني من مرض الصرع، وكلمة مجنون أثارته وأثارت غيرته المختزنة في ذاكرته منذ أن كان شاباً يافعاً. قال أبو جابر: - هو أخوك وأنت المسؤول الآن بعد الهلالي الكبير، فكن متسامحاً. قال نايف: - أنا مسؤول عن بيتي فقط. قال الثائر الذي فقد الألف دينار في عمان ولم يهتز: - أنا الآن مسؤول الساحة في بغداد. يا رب السماوات والأرض، يا مغني الأغنياء ومطعم الفقراء! مسؤول الساحة في بغداد؟ كم ستفقد من النقود إذاً؟ وذاك الشيخ المسن الذي شتمك لأنه كان في حاجة للفافة وبخلت عليه أنت بدينار، ماذا يفعل؟ مسؤول.. وساحة.. وسنحرر الأرض من النهر إلى البحر. وهذه الملابس الأنيقة التي ترتديها؟ سمعت أنك وأبا الرائد اختلفتما وحاول الأخير أن يرديك قتيلاً بمسدسه. ماذا حدث بينكما يا ترى؟ أعلى الألف دينار التي ادعيت أنك فقدتها اختلفتما، أم على ألف غيرها؟ كانت أصناف الطعام مرصوصة على الأرض تنتظر من يأكلها. أم الهيثم طباخة ماهرة. جلسنا جميعاً، جهاد وخضر والثائر وزوجته وأبو الهيثم وزوجته وأنا، نتناول الطعام باستمتاع. لا زالت كلماته تصطدم بأذنيّ. "أنا مسؤول الساحة في بغداد." وماذا فعلت في عمان؟ الأدق ماذا فعلتم في عمان؟ دمرتم البلد وقاتلتم بعضكم بعضاً ثم غادرتموها إلى أرض تحتاج لأن تدمر. وهم هناك يستمتعون بمناظر القتل عندنا، ربما يخططون لها ونحن ننفذ. يا لمهازل القدر! قلت لنفسي. وأنت يا أبا الهيثم، أشهد أنك قاتلت بشراسة وأسرت وأودعت السجن مدة طويلة. ليتك قاتلت في فلسطين لكان قتالك أجدى. أعلم أنهم استدرجوكم إلى ذاك القتال العدمي كما قالت بنت الحداد عندما وصفت زوجها بالشهيد. ليته كذلك قالت. أنت يا سيدي الثائر، ماذا فعلت؟ - ما هي أخبار أبي الرائد؟ فاجأته. توقف عن مضغ الطعام. اكفهر وجهه. رمقني بنظرة طويلة مستفسرة عن سر ذاك السؤال غير البريء. هو يحبني. هذا ما أشعر به. ربما كنت مخطئاً. هو يحب نفسه فقط. - أظنه عميلاً لدولة عربية. -ولمادا الظن؟ - كلنا غادرنا عمان إلا هو بقي هناك. ما معنى ذلك؟ - لا تلق التهم جزافاً. قال أبو الهيثم. اشتعلت اللفائف ودارت أكواب الشاي على الحضور. قدمت أم الهيثم أنواعاً كثيرة من الفاكهة الدمشقية اللذيذة في صحون نظيفة. بعد استراحة قصيرة بدأنا نلعب الورق. طال الوقت، وماذا نفعل به؟ عندنا الكثير منه. ونحن لا عمل لدينا.مسؤول ساحة بغداد أنجز كل أعماله وأبو الهيثم في إجازة وأنا كذلك. لنلعب الورق إذاً. حضرت فناجين القهوة الساخنة اللذيذة الطعم واشتعلت على إثرها المدافع لتحرر الأرض. "يا مجنون! أين ذهبت؟ أنتم تلعبون الورق فما لكم ولتحرير الأرض؟" انتشلني من أحلام يقظتي. هذه المرة شكرته. كنت أود أن أقول اشتعلت اللفائف وتصاعد دخانها في الفضاء المحدود بسقف الحجرة. أولسنا ثواراً وعلينا الاستمتاع بأوقات فراغنا عندما ننتهي من معركة مع العدو؟ - ما الذي دعاك لأن تمكث كل هذه المدة خارج المنزل؟ قالت لي والأسى يملأ قسمات وجهها. تسلل الألم منها إلى حواسي كلها. لقد نمت الليلة السابقة عند عياد، وفي الصباح ذهبت إلى الشام وأمضيت وقتي بين الجامعة ودار السينما. في المساء كان لقائي مع الثوار. - ظننت أن راضي وأمل سيقضيان وقتاً طويلاً. لم أطق فكرة البقاء في البيت وأنا أحترق بنار لا يطفئها غيرك. - لقد احترقت بها. - لتحرق أعداءنا! قلت. ألقيت نظرة خاطفة على البيت. لم يكن هناك أي من الأطفال. تقدمت نحوها. احتضنتها. احتضنتني بشدة. أمسكت يدها وذهبت إلى حجرتي. تبعتني. طوقتها بذراعيّ. ضغطت جسدها بقوة. تأوهت. التصقت بي. - ماما! ابتعدت. وعندما تقدمت الدبابات الإسرائيلية، ابتعدنا عنها. أخذنا نجري حتى وصلنا منازلنا أسرع مما تصل الذئاب المرعوبة إلى جحورها. كنت في السابعة عشرة من عمري عندما هاجمونا في غزوتهم الكبرى في حرب الأيام الستة. أهي ستة أيام أم ست ساعات؟ سلمت ساعتي لزوجة أخي نايف قائلاً لها إذا استشهدت فهي لأختي دليله ذكرى مني. كنت أظن أننا سنقاتل وربما أستشهد. واتضح لي لاحقاً أن الإستشهاد هجرنا يوم هجرنا مبادئنا. تسابقنا إلى مركز الشرطة نطلب سلاحاً. لا نملكه. قال الشرطي. استوطننا الإحباط. رجعنا. سنقاوم. قلنا جميعاً. عندما يسقطون مظلييهم لاحتلال المخيم سنقاومهم. وبدأنا نحفر الخنادق. كان عبد الكريم يزيد حماسنا وهو يهتف ويقول شعبك جبار ياعروبه، حديد ونار ونحن نردد خلفه يا عروبه. أما فاروق فكان يقوم بنفس الدور في بيت لاهيا. قالت زوجة خالي صالح: - يا يوسف! أحفروا الخنادق بجانب الطريق واحملوا الفؤوس ونحن سنحضر العصي وعندما يتساقطون من الطائرات عليكم بهم. ومن يهرب منهم سنتولاه نحن بعصينا. لا تخافوا. إنهم أجبن من أن يخيفونا. يا مسكينه يا زوجة خالي صالح. والله أنت أجرأ منهم كلهم. هم يهربون وأنت تعدين العدة لمقابلتهم هنا في جوف المخيم. وكأنك أحسست بأنهم سيهربون. جيش من الغزلان يقوده أسد خير من جيش من الأسود يقوده غزال. قال أجدادنا. وهذه هي ذي المقولة تتحقق الآن. لكنهم لم يسقطوا جنودهم حولنا لأنهم يعرفون أن الشعب لا يهرب. - لماذا عدتم؟! قلت له بانشداه عندما رأيت جاراً لنا بكامل ملابس الميدان وبندقيته في يده عائداً إلى المنزل. هل انهزمتم؟! يا لمذبحة الآمال العريضة! هل انهزمنا؟! - لا تخف! فقط عدت إلى البيت لأتناول طعام الغداء. قال كاذباً. الدهشة مرسومة على كل قسمات وجهه. عيناه كما أنفاسه تنطقان بالهزيمة المرة. أين أنت يا زوجة خالي صالح؟ لا فائدة من حفر الخنادق ولا من الفؤوس. تقاتلين الطائرات والدبابات بالفؤوس؟! يا للأمال الكاذبة التي زرعتها فينا إذاعاتهم! بالفؤوس والخناجر؟ طائرات الميراج والدبابات؟! أين طائراتنا؟ تحطمت آمالك يا عيسى عند الفجر. يا أبا شنب لن تسبي أثنتين منهم وستنام بجانب زوجتك التي وصفتها بأنها ليست امرأة. هم سهروا حتى الفجر وتحطمت طائراتهم وعليك أنت أن تعاني وتذبح آمالك بيديك. - ماما! قال وسيم. بعد أن تمزق جسد أبي غانم أشلاءً ازداد القصف. هربت. لست وحدي. مع جمع غفير من سكان المخيم. هربت إلى الأحراش. تقدم وسيم باتجاه حجرتي. هربت أنا إلى الداخل وتقدمت هي باتجاهه. معظم سكان المخيم هربوا إلى الأحراش خوفاً من قنابلهم. قال جارنا الجندي المنسحب: تقدمت الدبابات باتجاهنا، قاومناهم. لم تجد بنادقنا شيئاً أمامهم، لقد دفنت أفراداً منا أحياءً في خنادقهم. ومع ذلك صمدنا. أرسلوا عدة طائرات وقصفونا بلا رحمة. هربنا. كيف لنا أن نقاوم الحديد الضخم ببنادق لا تصلح إلا لقتل الأفراد، ونحن لم نر أياً من عساكرهم. كلهم كانوا في دباباتهم أو عرباتهم المصفحة. هربنا نحن إلى الأحراش. وبجانب شجرة كينياء متوسطة الحجم أسترحت. كنت أجري بكل قوتي. سرعتي كانت تعادل سرعتهم وهم يهربون ويتركون دبابتهم خلفهم. لم أكن أدخن يومها. قطعت مسافة طويلة ثم التجأت إلى تلك الشجرة علها تحميني من جنون قوتهم وسادية جنودهم. لماذا لمت ذيب إذاً عندما هرب أمام نايف وهو يلاحقه بالفأس؟ أخذت أسترد أنفاسي. لحظات وعدت أنا كما أنا. لازال انفجار القنابل يأتيني من بعيد. لم أعره انتباهاً. صوت أنفاس تتردد من حولي. أصخت السمع. ربما شخص آخر التجأ إلى هذه الشجرة. قلت لنفسي. عطشت. أين أجد الماء الذي يرد الحياة لي؟ التفت حولي، فشعرت بحركة بطيئة. ارتعبت! ربما ثعبان مرعوب من قصف الدبابات التجأ إلى هذه الشجرة أيضاً. لكن الثعبان لا يخاف مثلهم. أنه يهاجم ولا يتراجع. نظرت حولي فرأيت يد أنسان ممددة. تقدمت بحذر، فرأيت ما هالني. امرأة في حوالي الأربعين من عمرها ممددة والدماء تسيل من رأسها. طفلها الحديث الولادة ملتصق بها وحلمة ثديها في فمه. أنه يرضع. يقتات من امرأة فقدت حياتها. يا لقسوتهم! قلت لنفسي. هربت من جنازير دباباتهم فوصلتها رصاصة في رأسها وهي ممدة في مكمنها ترضع وليدها. وامعتصماه! أين أنت يا معتصم؟ أين أنت؟ أولم تصلك صرخة هذه المرأة الممددة على الأرض؟! هزني صوت كعواء ثعلب أصيب برصاصة صياد ماهر. إنها إحدى طائراتهم تجوب السماء الخالية في طريقها إلى الإجهاز على ما تبقى من طائراتنا. أمسكت بالطفل الذي بدأ يصرخ بشدة. هدأت من روعه. أخذت أمسح رأسه بيدي المرتجفة. صمت. توقف عن الصراخ. نظرت إلى وجهه، جميل وهادئ. أرتحت له، لكن ماذا أفعل به؟ - ماما أريد أن أتعشى! قال وسيم. وهذا الوليد يريد أن يرضع. وقفت بلا حول ولا قوة. من أين لي أن أجلب الحليب له؟ لحظات وبدأت جموع الهاربين تحيط بي. صبية في العشرينات من عمرها تقدمت المجموعة. عندما ألقت نظرة على الجسد الممدد، بدأت تصرخ صراخاً يدمي القلوب. إنها أمها والوليد أخوها. وامعتصماه..وامعتصماه. أخذنا نهدئ من روعها. ولكن هيهات للقلوب الدامية أن تعرف الهدوء! وصل والدها وأخوها. بدا الرجل مذهولاً وكذلك الأبن. - قلت لها ألا تغادر البيت، لكنها أبت. - اتق الله يا رجل وصلَ على النبي. قال أحدهم عندما رأى دموعاً تتسرب من عينيّ الرجل المكلوم. لا زالت الفتاة تصرخ بلوعة. تقدم الأبن من والدته. حاول إيقاف الدماء النازفة من رأس والدته. بدأت القنابل تتساقط حولنا. تفرقنا. استلقينا أرضأ نتقي الشظايا المتناثرة من انفجار القنابل. لحظات وتوقف القصف. استدار الرجل إلى زوجته. حملها وأبنه ومضيا في طريقهما إلى البيت. تفرقنا نحن مرة أخرى. ونحن أيضاً تفرقنا. خرجت أم وسيم تجر قدميها. لقد أعدت نفسها لتسبح معي وأذ بولدها يطلب عشاءه. وذاك الطفل تلقفه مني والده وأخذ يبحث عن بعض الماء ليروي به طفله. وقفت حائراً، ثم استلقيت على السرير دون أن أرتدي بيجامتي. ملأ التراب ملابسي وأنا منبطح لأتفادى قنابلهم. بعد أن هدأ القصف أطلقت قدميّ للريح كما يقولون. رجعت إلى المخيم. شعرت أنني سأكون في مأمن هناك. نظرت إلى الساعة. التاسعة مساء يوم الخميس. أشعلت لفافة. دخنتها ببطء ثم ذهبت إلى الحمام. غسلت وجهي وانطلقت خارج البيت، فاليوم هو موعد اجتماعنا الأسبوعي. - إلى أين؟ سألتني عندما لاحظت أنني في طريقي خارج البيت. الرغبة تطل من عينيها. تلقفتها وسكبتها على رغبتي. ذابتا معاً ارتجفت أطرافي. أمسكت بيدي محاولة منعي من الخروج. - عندي موعد مهم. - ألا ينتظر هذا الموعد؟ - لا أظن ذلك. - وسيم على وشك أن ينام. - لكني لا أستطيع أن ألغي موعدي. - إذاً سـأنتظرك. - سأعود حال انتهائي من مهمتي. - رافقتك السلامة. لم يكن في مقدوري ولا في رغبتي أن ألغي موعدي مع صلاح. أنني ملتزم بتنظيمي وأكره أن أتخلف عن أي اجتماع أو مهمة يكلفني بها التنظيم. رغم أن رغبتي كانت كاسحة في أن أعوم معها، لكني آثرت أن ألبي نداء أفكاري. ذهبت إلى موعدي مع صلاح. تمنيت أن لا يكون كمواعيدي مع مسؤولي التنظيمي في عمان. دقائق وسأعرف الفرق. قلت لنفسي. سرت في شوارع مخيم اليرموك. أصبحت أعرف معظم شوارعه. وطني الجديد. لا...صرخت بأعلى صوتي. نظر الذين كانوا يجاورونني في الشارع إليّ باستغراب. إنه مجنون. ربما قالوا في أنفسهم. لم يقترب أي منهم مني. مجنون، لا بأس. لكن أن أستبدل وطني بمخيم اليرموك، فهذا الجنون بعينه. أمام منزله توقفت. أحلت إلى رئتيّ آخر نفس من لفافة كنت أدخنها بلا استمتاع. قذفت بعقبها على الأرض، ثم دسته بقدمي. أصلحت من تداخل قميصي مع سروالي ثم ضغطت جرس الباب. خرج صبي صغير ربما في السادسة من عمره. تفحصني للحظات. - من أنت؟ - يوسف. - ماذا تريد؟ - صلاح. غاب في الداخل للحظات، ثم خرج صلاح بكامل ملابسه. عرفت الفرق بينه وبين مسؤولي السابق في عمان. لقد خرج الآخير لي بملابس النوم واعتذر بأنه لم ينم ليلته السابقة وألغى الإجتماع. عندما رآني صلاح انفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة. - أهلاً رفيق يوسف. - أهلاً بك يا رفيق صلاح. - تفضل. دخلت منزلاً متواضعاً. لم أتفحصه، فأنا ضيف وعلي أن أراعي شروط الضيافة. قادني صلاح إلى حجرة جانبية عندما فتح لي بابها صفعتني رائحة اللفائف المحترقة في الوجه. لم أنزعج، فأنا مدخن شره. قدمني لثلاثة من الرفاق نسيت أسماءهم. بعد لحظات أنضم لنا ثلاثة آخرون. بدأ الأجتماع. كان صلاح رئيس الجلسة. - أنتم الآن في مرتبة أعضاء حلقة. لكني تجاوزت هذه المرحلة بمراحل. لقد كنت مسؤولاً عن خلية كاملة في الأرض المحتلة، وكان مسؤولي التنظيمي هو نفسه المسؤول العسكري للتنظيم كله في الضفة الغربية وغزة. إنه خليل أبو خديجه. ومن هذا الصلاح الذي يرأسني الآن؟ لقد مكثت في السجن ثمانية عشر شهراً، وأخيراً أكون عضو حلقة. يا لغرابة تنظيمنا! - لنبدأ بالنظام الداخلي. أشعلت لفافة وسرحت بنظري بعيداً. إلى تلك الأيام التي درسنا فيها النظام الداخلي. فاروق وعبد الكريم وأنا وكان يرأس جلستنا خليل. خليل الذي ألقي القبض عليه وحكم خمسة وعشرين عاماً آه يا خليل! فلان الفلاني. فلان آخر. يوسف بن يوسف الهلالي. إحملوا أمتعتكم وتوجهوا خارج الحجرات، إلى ساحة السجن. قال المذيع الداخلي في سجن غزة المركزي. قضيت فيه ثلاثة شهور. كان الشاويش آشر عندما يراني ونحن ندور في باحة السجن يلقي بعصاه الثقيلة على مؤخرتي ويقول هذا هو الذي فجر السوبرماركت في القدس. وهذا الكلام غير صحيح، لكن تنظيمنا هو من قام بهذا العمل. ولأننا كنا في مرحلة الطفولة التنظيمية، ألقي القبض على الذي كان يراقب نتائج العملية، ومنه استطاعوا أن يصلوا إلى كل أعضاء التنظيم. حملت أمتعتي وخرجت. ودعني رفاق الحجرة وقالوا ربما إفراج! لم يحدثني أحساسي بذلك. سلمت ما أحمله من أمتعة إلى الشرطي الإسرائيلي. طلبوا منا أن نقف ووجوهنا إلى الحائط. أطعنا الأوامر. وفجأة انهالت العصي على مؤخراتنا. أرفع يديك فوق رأسك يا كلب. أين أنت؟! في السينما؟! رفعنا أيدينا فوق رؤوسنا صاغرين. مكثنا وقتاً طويلاً على هذا الوضع. ثم ربطوا أقدام وأيدي كل أثنين منا معاً بالجنازير. أدخلونا في عربة سوداء لنقل المساجين. غطوا عيوننا بربطات سوداء وسارت بنا السيارة في طريق نجهله. لكني كنت موقناً أننا نسير في الطريق الرئيسي في غزة. بعد عدة ساعات توقفت. أنزلونا من السيارة. سجن آخر أجهله. بعد لحظات عرفنا أننا في سجن الرملة. في صباح اليوم الثاني أيقظونا مبكراً. نقلونا إلى حجرة ثانية. أخذنا ننتظر واقفين. وفجأة! نعم فجأة دخلت علينا مجموعة أخرى من المساجين. عانقني بحرارة. إنه خليل أبو خديجه، مسؤولي التنظيمي. ومضت رحلة السجن بي ثمانية عشر شهراً. عرفت وأنا في دمشق أن صديقي ومسؤولى خليل أصيب بمرض في القلب واستشهد داخل السجن. ليرحمه الله. - التحليل العلمي لمأساة المقاومة في الأردن. كان البند الثاني في جدول أعمالنا. قوتان في بلد واحد. لا بد من أن تزيل إحداهما الأخرى لأنهما متناقضتان. ولم لا تكونان متكاملتين؟ سألت نفسي. والثائر الذي فقد الألف دينار، وأبو نضال الذي طلب منا أن نقتل مندوب فتح قبل مندوب الحكومة، والكراسي الرئاسية، أين تذهب؟ نحن أمة لا تعرف معنى التعايش. رفض أعضاء منظمة الجدناع اليهودية قتل أفراد منظمة الأرجون وليحي لأنهم يهود؟ أما نحن فعلينا أن نقتل مندوب فتح قبل مندوب الحكومة. يا للمهزلة! - التحليل السياسي. هذا هو البند الثالث. لا توجد مؤشرات على أنهم سيحاربون قريباً. الضباب يحيط بالسادات. انعدمت الرؤية لديه. في لحظة من الزمن وعندما تتحد مصالح الرجعيين مع مصالح العدو يتحدان وينسقان معاً. بعد ذلك بوقت طويل اتضح لي أن هناك كثيراً من الصدقية في هذا التحليل. - النقد والنقد الذاتي. هذا هو البند الأخير في جدول أعمالنا. ماذا أقول؟ أأنقد ذاتي لأنني أغوص في الأسن حتى أذنيّ؟ ومن منهم لا يغوص فيه؟ قلت لنفسي. من الأفضل أن أصمت. كذبت على نفسي وعلى رفاق التنظيم. ولكنهم لا يعترفون بأن ما أقوم به هو القذارة بعينها. ربما يعتبرونه نوعاً من الحرية الشخصية. بئس الحرية تلك. انتهى الإجتماع، وتواعدنا على أن نلتقي الخميس القادم في نفس المكان والزمان. خرجت. كنت مستمعاً طيلة الوقت. قليلاً ما تكلمت، لكني دخنت كماً كبيراً من اللفائف. لقد أتيت على آخر لفافة قبل انتهاء الإجتماع بقليل. ذهبت إلى أقرب دكان واشتريت علبة لفائف جديدة. على بعد عدة أمتار قابلت البدوي. أحمد البدوي. تقدم نحوي. أخذني بالأحضان. سعدت لمقابلته. كان الوقت متأخراً، منتصف الليل أو بعده بقليل. أصرّ على أن أصحبه إلى المنزل. يا رجل غداً يوم آخر. الآن. ازداد إصراراً. تركت تلك التي تكتوي بنار الرغبة تتلوى من الألم ورافقته ضد رغبتي. - تصور يا يوسف في صباح اليوم الثاني لوصولي إلى عمان أعدّت لي أمي طبقاً من البيض. تريد أن تحترمني. قلت لها يا أمي إن معدتي مملوءة بالصيصان من كثرة ما أكلت من البيض. قال ضاحكاً. في البيت وجدت شحته الطويل ومحمد سالم وأحمد الشاوي. جلسنا نتحدث طويلاً ثم أحضر محمد سالم أكواب الشاي. أخذنا ندخن باستمتاع ثم بدأنا نلعب الورق. لعبة جميلة اسمها "الطرنيب." تعلمتها حديثاً. أمضينا وقتاً طويلاً ونحن نلعب. بعدها استأذنت بالإنصراف. ألحوا علي أن أنام عندهم، رفضت. الساعة الواحدة صباحاً. قلت لنفسي هذا هو الوقت الذي سأسكب فيه آهاتي في بحر هائج يغرق فيه كل من يقترب منه. وأنا فاعل لا محالة. لقد طال انتظاري، وأزف الوقت لأقوم بعمل ما كان يجب أن أعمله منذ يوم أمس. بدأت أجهزتي الداخلية تستعد لتقوم بمهامها، حتى إنني بدأت أرتجف من شدة الإنفعال. وصلت الباب. حانت اللحظة. قلت لنفسي. أدخلت! أدخلت المفتاح في القفل. أدرته. تأوه القفل من قوة ضغطي عليه. إني في عجلة من أمري. انفتح. دخلت. لم أدخل بدأ يقهقه ازداد حقدي عليه دخل الحجرة أمامي لاحقته أغلقت الباب. أطلقت سراح المذيع لينطلق من المذياع بحرية حسدته عليها. استدرت له. أمسكت به. وبقدر ما أوتيت من قوة انهلت عليه ضرباً. صفعته بقبضة يدي صفعة تضاهي تلك التي وجهتها لذيبه يوم رفضت أن تعطينى المفتاح لأحضر المذياع وأستمع لتعليق على مبارة الأهلي والزمالك. سدد لي ضربة موجعة. تحملتها وأحكمت قبضتي حول عنقه أريد الإنتهاء منه مرة وإلى الأبد. - ستقتلني يا مجنون! قال بألم لا تخطئه أذن. ازداد جنوني وازداد ضغط يديّ على عنقه. لم أعد أحس بما يدور حولي. هناك طاقة هائلة تندفع مني إلى يديّ فيضيق الخناق حول عنقه. أيقنت إني قاتله. واصلت الضغط عاقداً العزم على أن أفعل ما لم أفعله معها. عرف هو سر جنوني عليه فاستسلم لي. خجلت أن أتابع ما أقوم به. لن أقتل من استسلم لجنوني. لكنهم قتلوا أسراهم في سنوات الحروب الثلاث. دائماً هم يقومون بالأعمال القذرة. يخفونها ويصدقهم العالم. قال من أراد ذات يوم أن يسترد الأرض: لماذا يغمض العالم عينيه ويصم أذنيه عندما يأتي ذكر إسرائيل؟! لماذا؟! - استرحت؟! خجلت أن أنظر إليه. هو من يؤنس وحدتي. يؤرقني وجوده أحياناً، لكني أرتاح عندما يحدثني عن فشلي! وها هو ذا يسخر مني. لقد تركني فترة من الزمن وحدي كان فيها يراقب إحباطاتي. وعندما دخلت البيت آملاً أن ألقي بأحمالي فوقها، وجدت النور يتسرب من حجرتها وبابها مغلق. وراء الأكمة ما وراءها. قلت لنفسي. من ذا الذي يحتضنها الآن؟ لو كانت تنتظرني، لكان الأمر مختلفاً. - دائماً تخذلك أحلامك! أعادني إلى واقعي، فأنا من أولئك الذين يحلمون ويحاولون تحويل هذه الأحلام إلى حقائق. تقودني أحلامي إلى مواقف أخجل منها. - أتذكر؟! سألني. - ماذا؟! - بيروت. آه..بيروت! كنت أمضي أيامي الأولى في عمان. شاهدت عدداً من الأفلام، أحدها عن الجاسوسية في بيروت. سحرتني مناظر المطاردة بالسيارات بين الجواسيس في الشوارع. تخيلت نفسي أسير في شوارعها وأستمتع بمناظرها. ما رأيك؟ قلت لرفيق رحلتي في تلك الفترة. في ماذا؟ سألني. رحلة إلى بيروت. اتفقنا. حصلنا على تصريح تجول من أحد مكاتب المنظمة وما أكثرها في عمان. ذهبنا. وصلنا بيروت في المساء. ذهبنا إلى شارع الحمراء حيث صالات الرقص وبيوت الدعارة. تلقفنا أحدهم أمام إحداها. دعانا للدخول، فدخلنا. شاهدنا الفتيات الماجنات منتثرات على طاولات متفرقة. جلسنا بجانب إحداهن. دار الحديث القذر حول العمليات القذرة. - ستتقزز منهن. قالت لي. - لكني أريد أن أخوض التجربة! قلت. - أنصحك ألا تفعل. - وماذا عنك؟ - فقط الجلوس هنا. لا أقوم بذاك العمل القذر! - إذاً سأذهب. وذهبت. بقي رفيقي جالساً معها. بحثت عن القاذورات. وجدت إحداها. دفعت بعض النقود ودخلت. امرأة مهترئة مستلقية على فراش مهترئ ومقزز. عافتها نفسي، ولكني لم أدخله من قبل! سأخوض تجربة جديدة مهما كان الثمن. قلت لنفسي ودخلت. لا أدري إن كان جحر ثعلب أم حفرة في شارع تشقق من زحمة السيارات. خرجت متقززاً كما تنبأت بذلك الغانية الأولى. وفي الصباح عدنا إلى عمان بعد أن ألقتني أحلامي بين أحضان تجربة عاهدت نفسي على ألا أكررها مرة ثانية مهما كانت الإغراءات. - والآن.. - والآن ماذا؟ - أين أنت؟ - ملقى على قارعة الطريق أو في الطريق كالطحالب العالقة في البحار. أقتات على الفتات الملقى من الصيادين. - ولماذا لا تقتات على ما هو أمامك؟ - الطريق مغلق! - لماذا؟ - لا أدري. - مع من هي مرتبطة؟ صحوت على نفسي وأنا ملقى على السرير أدخن بلا استمتاع. لقد أصبحت أدخن لمجرد التدخين. حذرني عياد الهادي من خطورة ما أقوم به، لكني لم أبال. أخذت أذرع الحجرة جيئة وذهاباً محاولاً تهدئة رغبتي اللعينة. ازدادت اشتعالاً. خرجت إلى الحمام. وصلني صوتها ضعيفاً وراجفاً. سحقاً. قلت لنفسي. وقفت أسترق السمع. وصلتني آهاتها. شعرت أنها مصطنعة. انفرجت أساريري. صعدت إلى سطح المنزل. كانت النجوم تتلألأ. متعت أفكاري بالنظر إليها. أطلت التأمل. أشعلت لفافة. جلست على مقعد ملقى على السطح. هذه النجوم وهذا الفضاء المضاء بنورها أوتراها تشاهده إنها هناك هل تزوجت يا لغصة تخترقك من أعلاك إلى أسفلك تزوجت غاده عندها ستنتهي أحلامي وتشنق روحي فوق الآمال المقصوفة لقد فقدت كل شيء وهي آخر شيء كنت تأمل أن تبقى لك لكنها طارت من قال ذلك وذاك الجندي الإسرائيلي الذي قال لك لماذا لا تدرس في الخارج عند حاجز أيرز كيف سألته أخرج خارج الأسوار وأصبحت أدرس في الخارج في جامعة دمشق خزان معبأ بأثقال من الهم والعقد والرغبة الجارفة أبحث عمن يحملها عني ولقد وجدتها لكنها ليست ملكي هي كذلك ومن يملكها هو مالك مؤقت استعارها مني هذا اليوم قال فاروق حجارة ملقاة بين الحسان في بير زيت أنتما أما أنا ففحل ملقى بين الحجارة وغاده مرفئي قال له مرفأ نظيف لا تحتمل القاذورات وهذا مرفأ يحتملها أدلقها عليه دون أن يرف لك جفن أين أنت يا سليط اللسان لتشاهد ما أفعله حتى جمانه الطالبة السورية راودتها عن نفسها اعتذرت بأنها مرتبطة في رسالة أنا كتبتها لها قلت فيها إن كنت مرتبطة فأنا منسحب لا محالة ووضعت خطاً تحت هذه العبارة عرفت أنها تمانع فانسحبت كما انسحبوا هم إلى خط الدفاع العاشر ما زالت أناتها تطن في آذنيّ ماذا تتصور هي الآن عرفت أن ابن أخي نايف في السجن لماذا لا بد وأنه سار على نفس الطريق عندما كنت في سجن رام الله حذرته من حردان أبو ذان لأنني عرفت أنه عميل لهم ابتعد عنه وانضم إلينا على غير ما قمنا نحن به قام هو بعمليات عسكرية رائعة في رام الله والقدس ونابلس ولولا يد القدر القاسية لما تم إلقاء القبض عليه انفجرت القنبلة التي كانوا يعدّونها بينهم استشهد أحدهم وجرح الآخر وكان هو خارج المنزل يراقب الطريق سمع الانفجار فهجم على البيت حمل رفيقة الجريح وذهب به بعيداً تركه في الطريق عندما أصرّ الآخر أن يتركه والتجأ هو إلى حردان الذي سلمه لهم أيام تمر ونحن إما في سجن صغير أو آخر كبير أين المفر ي..ا..م..ع..ت..ص..م |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |