سباحة في الوحل - محمد يوسف الصليبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

7

- كيف عملت في امتحان المسرحية؟‏

سألت أحمد البدوي الذي كان هو أيضاً قد رسب فيها السنة الفائتة. كانت قسماته تنطق بمعاناته داخل قاعة الامتحان.‏

- أظنني أجبت إجابه جيدة.‏

- وأنا أعتقد أنني عملت جيداً فيها.‏

- ولكن أستاذها لا يعجبه العجب!‏

- سننتظر حتى تظهر النتائج.‏

توجهنا إلى مبنى اتحاد الطلبة. هكذا يسمون الكافتيريا هنا في دمشق. وجدنا شحته الطويل وعياد الهادي ومحمد سالم وآخرين. استمتعنا بجلسة مريحة مع أكواب الشاي واللفائف. كنا نسترق النظر إلى حسان دمشق وهن يتواردن على الكافتيريا لشرب الشاي أو فقط للحديث واستعراض ملابسهن الزاهية. وقعت عيناي على جمانه. هل هي شقراء أم صفراء؟ حتى الألوان فقدت دليلي إليها! التقت عيوننا. ارتعشت عيناها وفي لحظة كانت ترتد إلى ذاتها. أبقيت عينيّ عليها. جاورتها غاده. غاده.. يا للاسم المغروس بين البنفسج والليلك. ترى.. أين أنت الآن؟ انكمشت على نفسي. لا يمكن أن يحدث هذا! أوتتزوج من آخر وتستلقي بين ذراعيه؟ غاده لن تعملها! حتى وإن فقدت الأمل في عودتي إليها! وماذا عنك أنت هنا؟ تستلقي في مياه آسنة. هي كذلك، لكن قلبي مقفل على حب واحد وحيد هو غاده. ونحن سنحرر الأرض من البحر إلى النهر! وما زلنا حتى الآن نبتعد عن النهر! إذاً لماذا تلومهم على أفعال أنت جزء منها؟! أوتكون غاده هي الأرض التي كلما حاولت الاقتراب منها ابتعدت هي أكثر؟! غاده كانت بجانبي، تسكن مقلة عيني، وكذلك الأرض. لم أر دير سنيد إلا وأنا في طريقي إلى بير زيت. ومخيم جباليا، وغزة والبحر؟ كنت أستلقي بين ذراعيّ مخيم جباليا وأعوم في حقول بيت لاهيا وأغزو بيارات البرتقال في بيت حانون، والآن قيدت قدماي وليس باستطاعتي حتى لمس ذرة تراب من الكثبان الرملية هناك.‏

- ألا تخجل من نفسك؟‏

وصلني صوته لائماً وساخراً. أهملته.‏

- بين رفاقك وتنكفئ على ذاتك، تحلم بما لا يمكن أن تحققه!‏

- أيها المجنون، لا تقتل أحلامي! هي ما بقي لي.‏

- إعمل على تحقيقها.‏

- ها أنا ذا أعمل!‏

- تدرس في الجامعة، تدخن اللفائف وتسبح في المياه الهادئة.‏

- وماذا بإمكاني أن أفعل أكثر؟‏

- انتفض!‏

وانتفضت..‏

اعتذرت من رفاقي وغادرت الكافتيريا. ألقيت نظرة خاطفة على جمانه. لا يمكن الوصول إليها. هي محاولات أولية فقط، وربما تصل! هذا الخواء العاطفي. سامحك الله يا سعدى! أنت من كان عليه أن يحميني منه. ذيبه عمقته. أراك تلقي بكل أخطائك على ذيبه ومعها ذيب. أنت الآن بعيد عنهما! امسكني. حاولت أن أهرب منه. تمكن مني. نظرت حولي. خفت أن يتهمني الآخرون بالجنون. صمت.‏

- تحفر في ماضيك لتعذب نفسك. قال.‏

- ربما لأبرر سقطاتي.‏

- تحرر منه.‏

- سأفعل.‏

تابعت طريقي ممنياً النفس ألا يلاحقني. خاب ظني.‏

- أوترى ماذا فعل عنادك؟‏

- ماذا فعل؟‏

- لأول مرة تخرج عن الخطة المرسومة لرواية الهلالي.‏

- ألعن الروتين وتريدني أن ألتصق به؟‏

- عد إلى الخطة المرسومة!‏

قال يوسف الهلالي:‏

أمي كانت واحدة من خمس بنات لجدي عبد الرحمن وولد واحد، هو خالي صالح. وخالي صالح هذا أمسك الحياة بيديه. استمتع بكل دقيقة من وقته. غني وبلا عمل. له جزء كبير من بيارة برتقال تركها له أبوه. آفته القاتلة كانت النساء. يعشقهن. سحرته إحداهن. أنا لا أعرف اسمها. لقد حدثني عنها أبن خالي، لكني نسيت الاسم، وحتى لو تذكرته فلن أبوح به. وظف خالي كل ذكائه للوصول إليها. نجاحة كان جزئياً. التجأ-ما أكثر ما تستعمل هذه الكلمة، ربما لأن كل حياتك لجوء- إلى والدتي طالباً المساعدة بطريقة غير مباشرة، فهو يعرف شراسة والدي عندما يتعامل وهذه الأمور.‏

- سعدى!‏

- نعم.‏

- أريدك أن توصلي هذا المنديل مع هذه الحلوى لها!‏

- أخاف من يوسف!‏

- لن يعلم!‏

- وهل ستقبل هي؟‏

- أظن ذلك!‏

قالت سعدى:‏

ضد رغبتي. صالح أخي الوحيد، وحبي له فوق كل مبادئي! لم أكن أحس بخطورة ما وافقت عليه. وكما قلت لك كان ذلك ضد رغبتي. وضعت المنديل وباقي الهدية في مكان لا تطاله يد الهلالي. أعرف أن شراسته لا حدود لها عندما ننحرف عما رسمه لنا. الحق أقول إنه لم يقم بهذه الأعمال طيلة حياته معي. وأنا مخلصة له أحفظ عهده وأصون شرفه. كان يقدّر هذا لي. ولكن الشيطان صور لي ما أقوم به وكأنه أحد مظاهر محبتي لصالح. حضر الهلالي الكبير بعد عمل يوم شاق في أرضه. استلقى تحت ظل شجرة التوت الضخمة أمام البيت. أحضرت الطعام وتناولناه معاً. استراح قليلاً ثم دخل المنزل ليعد أرجيلته، حيث كان نايف خارج البيت. كيف اهتدى إلى مكان المنديل؟ لا أعرف. كنت لا أزال أجلس تحت الشجرة عندما دوت صرخة هي الزلزال بعينه.‏

- سعدى.. س..ع..د..ى!‏

أسرعت إلى الداخل وكل اعتقادي أن مكروه حدث له. عندما وقفت أمامه رأيت الشرر يتطاير من عينيه. رأيته حقيقة. أصابتني شظايا متناثرة منه. أخذت أرتجف. حتى الآن لم يخطر ببالي انه اكتشف هدية صالح لتلك المرأة.‏

- من أين هذا المنديل وهذه ا..ل..ح..ل..و..ى؟!‏

استولى عليه الشك، ورغم رعبي منه إلا أنني أحسست بالظنون تلون كلماته، فغضبت! كان عليّ أن أقضي على هذا الشك اللعين، فبادرته قائلة:‏

- إنها لصالح.‏

- ولماذا يتركها هنا؟‏

هنا تكمن المصيبة. لماذا؟ وماذا أقول له؟ لن أستطيع اقتلاع الشك منه إلا إذا قلت الحقيقة. وهل سيصدقني؟‏

- أرادنى أن أسلمها لفلانه!‏

- أوتطاوعينه يا سعدى؟‏

زال الشك من كلامه، لكن الغضب تكوم في كل كلمة من كلماته اللائمة. حقاً لماذا وافقته، أنا التي تكره الاعوجاج أقوم بما هو معوج؟! لم تكن لدي إجابة جاهزة. تطايرت الكلمات من عقلي، فوقفت صامته. بقي هو كما هو ثم ألقى بيده الضخمة فوق صفحة خدي. كان الشرر يتطاير منه، فأصبح يتطاير مني ومنه. تتابعت ركلاته وصفعاته. حاولت أن أكتم صراخي، فلم أستطع. أطلقت صرخة مدوية. هجم علينا نايف الذي حضر لتوه. أمسك والده.‏

- هذه اللعينة تقوم بما لا أحبه من الأعمال!‏

قال والغضب يتطاير من عينيه. لا أريدها في بيتي! تتابع انفجار غضبه وقراراته المتسرعة-ربما ورثت أنا منه تلك الحالة. فعندما أغضب يتوقف تفكيري وتكون قراراتي متسرعة وخاطئة-كل هذا الحب وتطلب مني أن أغادر بيتك يا يوسف؟! ومن أجل ماذا؟ لكنه يا سعدى عمل فظيع! أخوك نعم، لكن أن ينزلق بك إلى طريق ملتوية وموبوءة، فلا. ثرت لكرامتي. كنت أرتجف! حملت ملابسي وغادرت بيت الهلالي إلى بيت والدي.‏

غادرت مكتب بريد الجامعة وأنا أحمل رسالتين، إحداهما من دليله والأخرى من محمد النزيه، أبن خالي في السعودية. الأولى تحمل دعوة لزيارة ليبيا والثانية تحمل شيكاً بقيمة أربعمائة ليرة سورية. لحظة من اللحظات التي تتحقق فيها رغباتي دون إبطاء. سرت في طريقي إلى البيت.‏

جواز السفر هو جزء من الوطن أحمله وأدور به في دنيا الله الواسعة لكني لا أملكه هو في قلبي في مقلة عيني كم مرة وأنت في عمان تقدمت بطلب إلى السفارة المصرية للحصول على وثيقة سفر مصرية فأنت فلسطيني من غزة ومن ذا الذي سيصدر لك جواز سفر لا وطن لك أصبحت رديف المجرم أنت من غزة إذاً أنت مثير للمشاكل وجريء وخطر على الآمن القومي يا لهذا الأمن القومي المفتوق من أماكن كثيرة ذهبت إلى السفارة المصرية في دمشق مع رجل من غزة أكبر منك سناً كنت مانعت في البداية ليقينك بأنك لن تحصل على شيء وتحت إلحاحه ذهبت تقدمتما بطلباتكما قبل طلبك ورفض طلبه حصلت أنت على الوثيقة ولم يحصل عليها هو هي تقادير السماء ولكن هي وثيقة أشبه ببطاقة هوية غير مسموح لك بها السفر حاول أن تضيف ليبيا سوريا هي البلد الوحيد المسموح لك بالإقامة فيه ستسافر إلى ليبيا أمنية أخرى تتحقق سترى دليله وتتحدث معها وتمكث مدة طويلة معها إنني لم أرها منذ سنوات ورغبتك تلك التي تقتحمك حتى وأنت في قاعة المحاضرات كما الأرض أمامنا ويغتصبونها سنحررها وتمضي شهور وسنوات نعد العدة ولا نقترب منها رغبتي ملعونة ولكن رغبتنا في تحرير الأرض مقدسة أحرقوا المسجد الأقصى ثارت ثائرتنا وهذا كل ما ثار منا يا رجل لا فائدة غص في المياه حتى وإن كانت فاسدة فأنت محكوم بكل زناديق الأرض تتقطع أوصالك وأنت تحاول ولا تحاول يا رجل حط في الخرج آه مسرحية محمود جبر يا رجل حط في الخرج لا تيأس فالصليبيون احتلوا بيت المقدس عشرات السنين ثم أخرجهم منها صلاح الدين ومن أين لنا صلاح دين جديد يا رجل إذهب وادلق رغبتك بين أحضانها إذهب وادخل‏

دخلت‏

بدا البيت كئيباً بدونها. بحثت عنها بعينيّ، بابها مقفل وحتى لا أثر لأطفالها فيه. أين ذهبت؟ سألت نفسي. ربما في حجرتها مع.. مع من؟ أوتغتصب حريتها كما اغتصبها منك الآخرون وطردوك من وطنك؟ كن عاقلاً واهدأ! ومن أين يأتي الهدوء؟ تتسرب الظنون والأفكار الكريهة إلى رأسك. تتثاقل حركتك، تتسارع قراراتك الخاطئة. اعتدل! كيف؟ دخلت حجرتي أبقيت بابها مفتوحاً آملاً أن أراها تدخله. لم تفعل. أغلقته. أخذت أدور في الحجرة كنحلة بين الأزهار. لا..أنت دبور تلسع الفراشات الجميلة. أنت..أنت..‏

- أصبحت مثلهم!‏

- أهذا أنت؟‏

- قلت لك أصبحت مثلهم!‏

- كيف؟‏

- تبحث عن التغيير، فتهتم بالقشور وتترك الجوهر.‏

- كيف؟‏

- ألم ترفض أن تبدأ فصلك بتقرير عن الهلالي وزوجته سعدى؟‏

- نعم، حتى لا يملني القارئ.‏

- وماذا فعلت؟‏

- ماذا؟‏

- بدأت بيوسف الهلالي الصغير ثم عدت مباشرة للهلالي الكبير وسعدى. لم يكن عندك جديد تقدمه. وزير الداخلية بدلاً من وزير الخارجية ووزير الخارجية وزير دولة للشئون الخارجية. هل فهمت؟‏

أصاب كبد الحقيقة. هذا ما يحدث! ولكني جزء من هذا العفن! حاولت أن أتجاوزه، نجحت. نجاحاً مشروخاً، لكنه نجاح على أي حال. ثم هويت وسط العفن، ولم تحاول حتى مقاومة السقوط. غالطته وقلت:‏

- لقد تغيرت!‏

- كيف وأين؟‏

- في سجن عسقلان.‏

- عندما أصبحت شاويشاً للحجرة؟‏

- نعم!‏

- تلك لحظة وانتهت، وهم سيحاولون أن يتغيروا، لكنهم سيعودون للعفن نفسه. انتظر وسترى!‏

أوتراه يقرأ المستقبل؟ أثار ولا يزال حيرتي. من هو؟ كثيراً ما يتحقق حديثه عن المستقبل. تنبأ بأن رغبتي ستتحقق وتحققت. وها هو ذا يقول كلاماً خطيراً. متى سيحدث التغيير؟ وكيف سيعاودون السقوط؟ ألقيت بأحمالي على كتفيّ القدر. أشعلت لفافة وأخذت أدخنها باستمتاع، فأنا لم أدخن منذ فترة طويلة. ألقيت نظرة على ساعتي. الثانية ظهراً. كنت جائعاً، لكن نفسي عافت الطعام. تخلصت من ملابسي كلها واستلقيت على السرير. أغمضت عينيّ. حاولت أن أنام، ولكن تلك الرغبة اللعينة تكاثفت وانقضت على ملك النوم وطارت به بعيداً. أبقيت على جسدي ممداً. حاولت إغراء النوم أن يزورني. تمادى في رفضه زمناً أظنه طويلاً، ثم استجاب لإغرائي، فنمت.‏

يا للعار ذاتهم المهزومة تشاركهم فرحة ما يقال استقلالهم فاليوم هو ذكرى اغتصاب الأرض وهم يحتفلون بها يشاركهم كثيرون من المهزومين حتى وأن فعلوا فنحن لا بد راجعون إليها كما فعل صلاح الدين وأسلحتهم النووية لمن يخزنونها أكثر من مئتي رأس نووية الغرب هو من اضطهدهم وضربنا بهم هو من أحرقهم وقذف بأشلائهم علينا ممن سينتقمون كثيرون منا رفعوا راية بيضاء على عصا مكنسة وأخذوا يلوحون بها في الفضاء كما قال أميل حبيبي في رواية المتشائل استلقينا على الأرض وتركنا مؤخراتنا عارية يغزوها الريح والتراب والحشرات السامة في استرخائنا امتلكوا هم كل شيء يا للعار يحتفلون بسرقة أرضنا وبعضنا يشاركهم احتفالهم يرسلون لهم ببرقيات التهنئة هم من ساعدوهم على سرقتها يا للعار اسم بلد يتبدل وشعب يقتلع ولصوص يصبحون أسياد الأرض وغداً أسياد العالم ونحن ما زلنا نستلقي ومؤخراتنا عارية يا للعار‏

قال الراوي:‏

- غضب الهلالي يوسف منك لأنك تعاطفت مع أفكارك وأضفت للرواية جزءاً لم يكن مقرراً، وتداخلت الأزمنة في روايتك حتى أنها أصبحت غير مفهومة.‏

- لكني أنا من يكتبها ولي مطلق الحرية في أن أضيف لها ما أراه مناسباً.‏

- لقد أضفت لها ما هو مباشر وفج وكلنا نعرفه!‏

- أنت الراوي فارو فقط ما أمليه عليك.‏

- إما أن تعود لخط سير الرواية أو اتركها لآخر يلتزم بما أقصه عليه.‏

صاح يوسف الهلالي غاضباً. لأول مرة أراه أمامي: مربوع القامة أسمر البشرة، ملامحه الغليظة تطبع شخصيته بفلسطينية معذبة ومميزة. تأملته جيداً. لم أنفر منه، أحببته وتعاطفت معه.‏

- كان عليّ أن أعبر عن جزء مما يجول في خاطري. قلت له معتذراً.‏

- بإمكانك أن تكتب هذا في مقال صحفي.‏

- لن ينشره أحد!‏

- هل حاولت؟‏

- ألم أقل لك؟ تضع نفسك في مواقف محرجة!‏

قال من لا يتركني لحظة، حتى عندما يختفي يطوقني ظله يراقب حركاتي وحتى أفكاري.‏

- ابتعد أنت. أنت لست طرفاً في هذا اللقاء!‏

- من قال ذلك؟‏

- اتركه يكتب ما يشاء. إنه يعبر عما يدور في أذهاننا!‏

قال أحد القراء.‏

انفرجت أساريري، فهذا قارئ يثني على ما أقصه، وربما هناك الآلاف من الصامتين. أين أنتم؟ تكلموا، ارفعوا أصواتكم فربما أجبرتموهم على أن يتقبلوا ما أريد أن أدخله من تعديلات على الرواية. انتفضوا....‏

- إما أن تلتزم بخط الرواية أو أتركها! قال الراوي.‏

- أين وصلنا؟‏

- الهلالي مستلق على السرير نائم.‏

- سأنسحب وأترك لك حرية التصرف. انصرفت.‏

قال الهلالي:‏

انتفضت من الرعب. حملني بيد واحدة. كنت لعبة في حضن يده. لم يؤلمني. طار بي بعيداً. ارتفع إلى أعلى وارتفعت معه. حيوان متوحش ضخم لم أتبين ملامحه اعترض طريقنا. أرسل كماً هائلاً من اللهب علينا. تفادته اليد التي تحملني. حاولت أن أتبين ملامحه، لم أستطع، لكنه مخيف. تراجعت اليد وتراجع صاحبها. ابتعدنا عنه قليلاً. لم نعد نراه. تابع صعوده وأنا ملقى في يده. صعدنا وصعدنا كثيراً. اصطدمنا بكتلة هائلة من اللهب، أحرقت كثيراً من أطرافي. صرخت فيه أن ابتعد. أحاطته النيران من كل جانب. أخذ ينتفض. قذف من جوفه بمادة غريبة. ابتعدت النيران عنا وابتعد هو عن الجسم الملتهب. علينا أن نواصل الصعود. قال. فقدت كل قوتي على المتابعة، قلت له. لا تتحامق! الطريق أمامنا طويل وعلينا أن نصل إلى الهدف. وما هو؟ سألت. ستعرفه عندما نصل. إنه مجنون. قلت لنفسي. غافلته وقفزت من راحة يده. درت في الفضاء الشاسع. هويت. لاحقتني اليد الخفية والمخيفة. التقطتني من أعلى رأسي. صرخت. صرخت صرخة مدوية.‏

- ماذا حدث؟‏

سألتني برقة استلقت على كل أجزاء جسدي.‏

- لا بد وأنني كنت أحلم! حلم مخيف.‏

- كيف أنت الآن؟‏

- لا بأس.‏

ذهبت. غابت قليلاً، ثم عادت تحمل فنجانين من القهوة وبعض قطع الحلوى. تذكرت سعدى وخالي صالح-أوتراني ورثت من خالي كل هذه الرغبة للنساء؟-والمنديل والحلوى والهلالي وهو يحرق سعدى بنظراته ويده تستلقى على وجهها بقوة. جلست أمامي. قدمت لها لفافة مشتعلة وأشعلت أخرى لي. أخذنا ندخن ونرتشف القهوة. لم أسألها ولم تتحدث هي عما يحدث. نظرت إلى ساعتي. الثامنة صباحاً. نهضت هي وغادرتني. دخنت لفافة ثانية، ثم نهضت. ذهبت إلى الحمام. أقفلت الباب. تخلصت من ملابسي. تركت جسدي تحت المياه الدافئة. الماء والصابون ينزلقان عليه بيسر. أفكاري تائهة كما ذاتي، تركت لها العنان:‏

معه كل الحق استأثرت بالمساحات الشاسعة في الرواية وأخذت تسرد قصة حياتك وكأنها هي كل شيء وآلاف المعذبين أين هم من روايتك أنا واحد منهم هذا حق لكنهم يستحقون أن تكتب عنهم كيف أنت تكتب عن شعب كامل يتعذب كل يوم بل كل دقيقة تحتاج إلى مجلدات لرصد عذاباتهم أنا واحد منهم كنت ضمن آلاف سجنوا وعذبوا كنت أنت موقوفاً والآخرون محكومين مدى الحياة وبعضهم لسنوات هي عمرك طلب منك الحارس الإسرائيلي أن تنظف الممر أمام حجرات السجن في أي منها سجن عسقلان تلك الأيام كان الجمر ملتهباً وكنت أنت تلتهب أنظر كيف أصبحت الآن في دمشق تهت يا مسكين تناسيت ماضيك حملت صفيحة الماء ودلقتها في الممر صاح أحدهم عليك واحد من عشرين سجيناً محرومين من اللفائف وسماع الإذاعة لأنهم محكومون مدى الحياة ويطالبون بتحسين أحوال سجنهم طلب منك أن تشعل عقب لفافة وتحضرها لهم حتى يدخنوا وثارت أعصابك عليك تلبية طلبهم وإن رآك الشرطي عقابك سيكون شديداً سجن انفرادي لمدة أسبوعين وماذا أيضاً ولكن عليك تلبية طلباتهم لو كان فاروق أو عبد الكريم مكانك لفعل وأنا سأفعل أخذت عقب اللفافة المشتعل ووضعته في يدك التي تحمل صفيحة الماء واتجهت إلى بداية الممر نظرت إلى الشرطي بطرف عينك كان يسير في الاتجاه المعاكس قذفتها لهم ها أنت ذا قد أنجزت مهمة خطرة تسلل إليك الفخر ممزوجاً بسعادة طاغية وخطة الإضراب نقلتها في ورقة صغيرة إلى الحجرات الأخرى شك فيك الجندي والورقة في يدك التي تحمل صفيحة الماء تحسسك لم يجدها وهكذا نجح الإضراب الذي دام أسبوعاً كنت أنت أنت كما قالت غاده عدت أنت كما أنت وعبد الكريم أين هو الآن آه يا للذكرى الحارقة هذبك السجن وقضى على معظم الآفات التي أوجدتها فيك ذيبه ومن ورائها ذيب انتفض وقد خطواتك إلى ما كنت تطمح فيه عد ثانية إلى الطريق الذي انحرفت عنه تلك الرغبة الهائلة إطرحها أرضاً وعد ثانية الجفاف ضرب أرجاءنا كلها الجفاف والرغبة والأعمال التي لا معنى لها وعدد من المنظمات أفرادها يعملون ضد بعضهم البعض وأنت من أنت كن مثلاً يوسف بن يوسف الهلالي يغوص في أعماق دمشق هذا ليس مكانه هناك هناك مكانه أنت تعمل تعمل‏

خرجت..‏

في منتصف الطريق بين الحمام وحجرتي صادفته. رجل في الأربعينات من عمره. ألقيت عليه نظرة فاحصة، وفعل هو. تقدم باتجاهي. صافحني. لم أتحدث. تركت له حرية الكلام، قال:‏

- أنت الذي يسكن هنا؟!‏

سؤال لا معنى له. شعرت بعدمية لا أدري مصدرها. كان عليّ أن أرد على سؤاله.‏

- نعم.‏

- هل أنت مرتاح؟!‏

- نعم!‏

- تفضل تناول طعام الإفطار معنا!‏

اعتذرت بأنني على موعد مع رفاقي. لم يلح عليّ، ارتديت ملابسي وخرجت. ذهبت إلى منزل البدوي. وجدته وقد غادر فراشه منذ لحظات. جلسنا في الحجرة. شاركنا جلستنا أحمد الشاوي. تناولنا طعام الإفطار.‏

- أوتذهب معي إلى السفارة المصرية، أريد أن أضيف ليبيا على وثيقة سفري؟‏

- سنذهب جميعاً، بعدها نحضر فيلم سينما.‏

وخرجنا. ركبنا الحافلة من أمام سينما النجوم في مخيم اليرموك. كانت الساعة العاشرة صباحاً وقليل هم الذين شاركونا الرحلة. استولينا على المقاعد الأخيرة.‏

قال أحمد البدوي:‏

- ألم يحن الوقت لاسترجاع ما ضاع منا؟‏

- فكر في أي شيء إلا هذا! قال أحمد الشاوي.‏

- لا بد وأن نحارب! فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. قلت.‏

- أنت تحلم. قال الشاوي.‏

- ألم تسمع عن مبادرة السادات الأخيرة؟ قال البدوي.‏

- يريد الحل السلمي بأي شكل! ولكنه لن يستطيع، لأنهم لن يعطوه ما يريد. قلت.‏

- لقد تخلص من رجال ناصر بكل سهولة. قال الشاوي.‏

- لم أكن أعرف أن السادات بهذا الدهاء! قال البدوي.‏

- هو كمسمار مغروس في بطن خشبة وغير ظاهر. وعندما أتيحت له الفرصة انقض على رفاق الطريق. قلت.‏

- ومحمد فوزي! هذا العسكري الفذ الذي لم يبتسم، أويودعه السجن؟ قال الشاوي.‏

- هذا هو الفرق بيننا وبينهم. هم يكرمون أبطالهم ونحن نودعهم السجن. قلت.‏

نزلنا من الحافلة وانتقلنا إلى أخرى في طريقنا إلى مبنى السفارة المصرية. الشوارع في هذا الحي نظيفة. إنه حي راق. حي السفارات، أرقى أحياء دمشق. ماذا عن سكانه؟ هنا كان يسكن الجاسوس كوهين.. لا. في حي أبو رمانه. كان يلتقط كل أسرارنا ويرسلها لهم. يا للوعة الأيام! كنا نظن أننا في مأمن منهم هنا وأسرارنا لا نبوح بها ولا تصل إليهم، وأذ بهم يعيشون بيننا! كوهين هذا الجاسوس وذاك الذي كان في مصر يعرفان كل شيء عنا‍ حتى أسماء ضباطنا، ونحن لا نعرف عنهم أي شيء. لا عجب إذاً إن انتصروا هم وهزمنا نحن. دخلنا مبنى السفارة. انتظر الأحمدان في الصالة ودخلت أنا على الموظفة.‏

- هل من الممكن أن أضيف ليبيا على وثيقة سفري؟‏

- لا أظن ذلك.‏

- إذاً ممكن أن أقابل القنصل؟‏

وبعد عدة دقائق دعتني لأدخل له. صافحته بوجه بشوش آملاً أن يحقق طلبي.‏

- هل بإمكاني أن أضيف ليبيا على وثيقة سفري؟ قلت.‏

- لا أظن ذلك.‏

- السادات يقول بأعلى صوته إنه مع الشعب الفلسطيني ويساعدهم، كونوا معنا بالفعل وليس بالقول فقط.‏

- لماذا تريد أن تضيفها؟‏

- لأزور أختي التي لم أرها منذ سنوات.‏

نظر إليّ طويلاً، ثم طلب مني وثيقة السفر. كتب بخط يده " تم إضافة ليبيا بمعرفة سفارة مصر في دمشق." وطلب مني أن أذهب إلى نفس الموظفة لختمها بخاتم السفارة. فعلت.‏

خرجنا من البناية وأنا أشعر أنني أنجزت شيئاً. الخطوة التالية هي أن أشتري تذكرة السفر، وهذه أسهل الخطوات. ذكرني أحمد الشاوي بأن على أن أحصل على إقامة من وزارة الداخلية السورية. كيف الوصول إلى هذه الإقامة العتيدة؟ نظرت إلى ساعتي، لازال هناك متسع من الوقت. إذاً لنذهب إلى هناك، قلت لهم. دخلت الدائرة، فوجدت موظفاً محترماً.‏

- أريد أن أحصل على إقامة‍.‏

- وكيف أمضيت كل هذه المدة في سوريا دون أن تحصل عليها؟‏

- أنا طالب في الجامعة؟‏

- وماذا يعني ذلك؟‏

ماذا يعني ذلك بحق السماء؟ سوريا للعرب جميعاً. هكذا يقولون في إذاعتهم. تذكرت مصباح وهو يبكي بحرقة لآن إسرائيل استفردت بدمشق وأخذت تقذفها بأطنان من قنابل النابالم. تعال يا مصباح والق نظرة على دمشق. ماذا يفعل بها هذا الموظف؟ لكنه ليس كل سوريا. هذا صحيح، ومع ذلك فأنا أعاني. تذكرت الجاسوس كوهين. كيف دخل سوريا وحصل على إقامة؟‏

- يا رجل أريد أن أسافر لأقابل أختي التي لم ألتق بها منذ سنوات.‏

- هات وثيقة من الجامعة تثبت أنك طالب فيها!‏

ولم يكن ذلك صعباً. سأحضرها غداً وأحصل على الإقامة، ثم أسافر إلى ليبيا لأزور دليله وأقضي عندها عدة أسابيع، أتحدث معها وأسمع منها. إنني أحبها محبة طاغية. هي أختي الوحيدة الباقية على قيد الحياة. وفوق ذلك هي من شجعني على دخول الجامعة. أمنية أخرى من الأمنيات المكبوتة ستتحقق.‏

دخلنا دار السينما. فيلم كاوبوي عن الغرب الأمريكي. البطل جوليانو جيما. يمثل دور البطل الأمريكي الذي يقتل كل من يقابله من الأشرار. ودائماً رصاصة في الرأس. في الرأس؟ ونحن؟ هل نمثل دور الأشرار؟ دائماً رصاصهم في رؤوسنا. يقتلون أسراهم ويمثلون دور البطل. في الرأس؟ يطردوننا من فلسطين ويسكنونها بغير وجه حق وهم يمثلون دور البطل. في الرأس؟ يبقرون بطون النساء الحوامل ويقتلون الأطفال قبل الشيوخ ويمثلون دور البطل. في الرأس؟‏

- ما أروعه من فيلم. قال الشاوي.‏

- يبهروننا بمناظرهم الراقية ولكن يقتلوننا برصاصة في الرأس كما يفعل بطلهم.‏

- نحن السبب.‏

- نستلقي تحت أقدامهم. آما آن لنا أن ننتفض؟‏

- هل تريد أن تحصل على شهادتك الجامعية؟ سألني الشاوي.‏

- بالتأكيد.‏

- إذاً انتفض في نفسك.‏

- هذا هو المنطق الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه.‏

- لا تفلسف الأمور.‏

ولم أعد أفلسف الأمور. حاولت مرة وأنا في الصف السادس الابتدائي أن أفلسفها، فكان نصيبي عدة ضربات بعصا قريب لنا. متى كان ذلك وكيف حدث؟ كان ناصر في أوج عظمته ومعركته مع الإخوان على أشدها. تحمسنا له. "فلتسقط الأحزاب،" كان شعار تلك المرحلة. أخذت أكتب على جدران البيوت المتداعية ذلك الشعار. من بين كل الذين كتبوا، استدعتني المخابرات الفسلطينية أنا وحدي. لماذا؟ لا أدري. ولكن هل هي المخابرات الفلسطينية أم المصرية؟ المهم أن ذيب أوكل مهمة مرافقتي لقريب لنا عجوز. ولم يفته أن يلقنني درساً في كيفية عدم التفلسف كما قال أحمد الشاوي. وفي الصباح ذهبنا إلى مركز المخابرات. دخلت وأذ برجل متجهم يجلس على مقعد خلف طاولة مملوؤة بالملفات.‏

- اسمك؟‏

- يوسف بن يوسف الهلالي.‏

- والدتك؟‏

- وما دخل والدتي في الأمر؟‏

- يا كلب! أنت هنا تجيب على الأسئلة فقط؟‏

- سعدى!‏

رمقني بنظرة غاضبة ومتسائلة. أنت ووالدك ووالدتك كذا! قالت نظراته. صمت. ملأني غضب مكتوم. تحرك من خلف مقعده ووقف خلفي كما فعل رحاميم جزار سجن غزة بعد ذلك بسنوات. لم ألتفت. وفجأة سقطت يده على رقبتي. كانت لطمة شديدة تعادل في قوتها لطمة رحاميم. تحملتها ولم أصرخ. فعل ثانية، ولم أصرخ أيضاً.‏

- أوتهزأ بي يا كلب؟‏

- لا!‏

صفعة على الوجه، ونظرة نارية حارقة ملأتني بالخوف. وظني أنه أراد أن يرسل لي رسالة تقول هذا هو مصيرك إن تفلسفت مرة أخرى.‏

- من كتب على جدار بيت أبي غانم تلك الشعارات؟‏

- لا أعرف!‏

- ألم تفعل أنت؟‏

- لا!‏

- يا كلب كلهم رأوك وأنت تفعل!‏

- لا!‏

- قل كتبت وستذهب إلى المنزل!‏

أغرتني المساومة. أردت أن اتخلص من المأزق. كدت أن أقول إنني كتبت ذلك، ولكن في آخر لحظة اعتقلت الكلمة.‏

- لم أكتب!‏

أدخل الرجل العجوز. قال له أن هذا الثور، وأشار إليّ، لا يريد أن يعترف. قل له أن يعترف واصحبه معك! وجه العجوز لي لطمة شديدة. اعترف! قال.‏

- لم أكتب شيئاً.‏

- أنا أعترف عنه.‏

- إذاً وقع هنا؟‏

- على ماذا؟ سأل العجوز.‏

- على تعهد بأن لا يفعلها مرة أخرى!‏

بصم وخرجنا. تأخر عني خطوات ثم انهال بعصاه على مؤخرتي وساقيّ. هربت. ذهبت إلى منزل أخي نايف.‏

وذهبت مع راضي إلى مكتب منزو في دمشق. دخلنا على الموظف الذي صافح راضي بحرارة. جلسنا أمام المكتب. حضرت فناجين القهوة. دخنا اللفائف. أثناء ذلك طلب منه راضي أن يساعدني في استخراج الإقامة. طلب مني صورة تلك الشهادة الجامعية. سلمتها له ووعدني بأن تكون الأقامة جاهزة خلال اسبوع.‏

الأمور اسهل مما تصورت لكن لولا وجود راضي لما تم الأمر بهذه السهولة وماذا في ذلك الواسطة تلك الآفة القاتلة هي تتمدد في كل مكان حتى في مكاتب منظمة التحرير أنسيت رسوم المدرسة الثانوية التي حصلت عليها في عمان عندما تعرف أحد الثوار على والد رفيقك عاطف يومها أدخلت النقود في جيبك ولم تذهب إلى المدرسة متى تعتدل الأمور حدثني يوسف الهلالي بأن طفلة له ولدت في أمريكا وأراد أن يغادر إلى السعودية بعد أن حصل على شهادة الدكتوراه ذهب إلى مكتب جانبي في البلدة التي كان يعيش فيها ملأ نموذجاً يطلب فيه جواز سفر لإبنته وعندما رأت الموظفة الطفلة انفرجت أساريرها قائلة ما أجملها وأرسلت الطلب وبعد أسبوع كان جواز سفر الطفلة الأمريكي في صندوق بريده متى تعتدل الأمور‏

- قف! قال الراوي.‏

- ماذا؟‏

- لقد أفشيت سراً ما كان عليك أن تفشيه. الهلالي يحتفظ به إلى الجزء الرابع من سيرة حياته، وهو غاضب جداً منك.‏

- لكني قلت ذلك في نفسي!‏

- وأنا أسجل ما يدور في عقلك!‏

- اعتذر!‏

- الاعتذار غير كاف!‏

- ماذا تريد إذاً؟‏

- وعد بألا تبوح بالأشياء قبل وقتها.‏

كيف أعد بما لا أضمن تحقيقه. هكذا تطور عقلي في هذه البيئة. كل أسرارنا على ألسنتنا نبوح بها ونقول إنها سر. هل نسيت المطار السري في مصر؟ كان سائق الحافلة يقف بجانب الطريق ويصرخ بأعلى صوته "المطار السري!" يريد ممن يسكنون بجانبه أن يغادروا الحافلة. "المطار السري" وهذا الراوي يريدني ألا أبوح بأسرار الهلالي! وماذا أفعل أنا الآن؟ أسرد أدق أسرار حياته أمامكم وينقلها لكم هذا الذي يطلب مني أن أعتمد مبدأ السرية!‏

- قلت لك بح بها في وقتها وليس قبل ذلك.‏

- هذا وعد مني! قلت وتمنيت أن ألتزم بما وعدت به.‏

خرجت وراضي من مكتب الجوازات. كنت سعيداً بما أنجزناه. إذاً سأحصل على الإقامة خلال أسبوع، وسأزور دليله. دليله تلك التي أحببتها حباً فاق كل الحدود. ربما محبتي لسعدى التي غادرتني مسرعة تحولت لدليله. ورغم أنها خذلتني ذات مرة عندما أخذت أحوم حولها آملاً أن أحصل على قطعة معدنية تسمى قرشاً، إلا إنني لا زلت أحبها بنفس الشدة.‏

- متى ستسافر؟‏

انتشلني راضي من أفكاري.‏

- بعد أن أحصل على الإقامة.‏

- الأسبوع القادم إذاً!‏

- إن لم يكن الأسبوع القادم، فالذي يليه.‏

ركبنا الحافلة المتجهة إلى مخيم اليرموك. وصلنا. ذهبنا معاً إلى البيت. دعاني لأتناول طعام الغداء معه. اعتذرت. لا رغبة لي في الطعام، قلت. رافقني إلى بيت أخته. كانت تجلس أمام حجرتها. عندما رأتنا تهللت أساريرها.‏

- هل حصلت عليها؟ سألتني بلهفة.‏

- الأسبوع القادم إن شاء الله.‏

جلسنا بجوارها. لحظات وأعدت هي لنا فناجين القهوة. أخذنا ندخن ونرتشف القهوة، هذه المرة استمتعت أيما استمتاع. استأذن راضي وخرج. ذهبت أنا إلى حجرتي. تمددت على السرير.‏

- لا تنس موعدنا الليلة. قالت أم وسيم لراضي.‏

حاولت أن أنام..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244