|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:33 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
8 بداية إحساسي برجولتي كانت في الصف الثالث الإعدادي في مدارس وكالة الغوث. النظام هناك كان أن نحلق شعرنا على الصفر. حاولت أن أطلق العنان لشعري كي ينمو كما الأعشاب البرية حول شجرة برتقال في بيارة شاسعة. حضر مدير المدرسة، الأستاذ سعدي الطيب. عليكم جميعاً أن تحلقوا رؤوسكم على الصفر. كلمة قالها وغادرنا. كنا نعرف شدة الأستاذ سعدي. طلبت قرشاً من ذيب كي أحلق رأسي. أعطاني. نمره أربعة. قلت للحلاق. وفي اليوم الثاني مرّ المدير على فصلنا. عندما رأى إنني لم أحلق شعري على الصفر أمسك بالمقص وغاص به في رأسي راسماً شارعين! ملامحي الغليظة والشارعان زاداني اكتئاباً. طلبت من ذيب قرشاً آخر كي أحلق رأسي لأتخلص من الشارعين، رفض. صحوت صباحاً وذيب في طريقه إلى العمل. أعطى ذيبه عشرة قروش وطلب منها أن تشتري بعض الفاكهة. - لا أريد فاكهة. قلت لها. فقط إعطيني قرشاً. تابعت. نظرت لي طويلاً باحتقار. لا تقل لي كيف عرفت أنها كانت تنظر لي باحتقار. فنظراتها كانت تخترق جسدي كلسعات عقرب سوداء سامة. - ومن قال أن لك فاكهة؟ - سمعت ذيب وهو يطلب منك أن تشتري فاكهة! - نشتري لنا وليس لك! حقاً تشتري لهم وليس لي أنا أنا ذاك الشيء البالي الذي لا يساوي قرشاً ولكن لماذا لم يعطني هو قرشاً رفض لماذا ولماذا تتمسك أنت بالمدرسة انطلق واعمل واكسب وماذا أعمل وأنا لا زلت في بداية حياتي ولكن لماذا تعاملني ذيبه بكل هذا القدر من الكراهية والاحتقار حتى أنها عندما اشترت الجوافة رفضت أن تعطيني واحدة من أين تأتي الأحزان من ذا الذي سأل هذا السؤال البلاغي شارعان في رأسك وملامح غليظة ووالدان غابا عنك وأنت ملقى في صحراء قاحلة ينهشك الجوع والعطش والحرمان تصرخ بأعلى صوتك ولا مجيب دع عنك الأوهام وانطلق أين المفر رحمك الله يا طارق يا بن زياد أين المفر البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس لكم والله إلا القتال وأنت ليس لك والله إلا الصبر فاصبر قال الأستاذ سالم مطر لي ذات يوم اصبر يا يوسف فغداً تتخرج وتتوظف وتنساهم وها أنذا بعيد عنهما آلاف الأميال ولا زالا يمسكان بعنقي لماذا يا ذيبه تعاملينني بكل هذه القسوة لماذا يا ابنة عمي - أوتريد أن تعرف؟ قال محدثي: كان والدك رحمه الله قاسياً، وذيبه هي أبنة أخيه. عندما توفي والد ذيبه ترك لها أرضاً شاسعة، طمع فيها الهلالي فأراد تزويجها لإبنه ذيب. وذيب هذا رفض هذا الزواج من البداية. ولكن من أين له أن يقول "لا" للهلالي. هربت ذيبه من منزل الهلالي إلى بيت جدتها. هي الأخرى كانت ترفض الزواج من ذيب! وجدتها هذه من عائلة أخرى. أرادت تزويجها من قريب لها. مال هوى ذيبه إلى ذاك القريب. طار جنون الهلالي وذهب إليهما. انتشل ذيبه من جانب جدتها. وقبل ذلك قذفها بنظرة نارية يقال أن ذيبه بالت على نفسها من الخوف الذي انتشر في كل أجزائها. صفعها عدة صفعات بيده الثقيلة فغابت عن الوعي. لم يكن بمقدور جدتها أن تتدخل ولو فعلت لكانت نهايتها. ساق الهلالي ذيبه إلى البيت. وهناك عنفتها سعدى. وسعدى هذه لا تحب ذيبه من البداية، ولكن من أجل الأرض وطبقاً لرغبة الهلالي الكبير وافقت على زواج ولدها ذيب من ذيبه. يقال أن ذيبه لا تتمتع بأي مسحة من الجمال. الأرض مغرية في ذاك الزمن ولم يكن يعلم الهلالي أنه سيفقد أرضه وأرضها ويورث أبنه ذيب ذيبه حاقدة وكارهة. التم أولادها حولها. وضعت صحناً مملوءاً بالتوت جمعه ولدها الكبير من شجرة التوت المزروعة في صحن البيت. أنت لا تأكل معنا. هكذا قالت عندما اقتربت منهم لأتناول حبة توت. أنت موبوء ولا أريدك أن تقترب من أولادي حتى لا تنقل مرضك إليهم. يا بنت الكلب. صحت بأعلى صوتي. والله لأتسلقن شجرة التوت هذه وأجمع كل ثمارها. وتسلقتها. تذكرت أن جارتنا ربما تكون بملابس النوم، فصرخت عليها إنني سأرتقي شجرة التوت. انتهزتها ذيبه فرصة وقالت: هذا ما تريده أنت، أن تتلصص على جارتنا، ما أنت وسخ كأهلك. يا شيطانة الشياطين، من أي عجينة أنت؟ حتى الشياطين تتبرأ منك. ارتخت يداي ونزلت عن الشجرة وخرجت بعد أن بصقت عليها. في الطريق صادفني جهاد ومصطفى الواوي. هيا نلعب كرة قدم، قالا. كنت قد رتبت كل شيء. ساعدتني أم وسيم في إعداد الأطباق الشهية كما جهزت هي قطعة كبيرة من الحلوى. كان أول الحاضرين راضي. جلسنا معاً أمام حجرتي وأخذنا ندخن اللفائف في انتظار الآخرين. لحظات ووصل البدوي يحمل كيساً منتفخاً. ثم حضر أحمد الشاوي ومحمد سالم وعياد الهادي وشحته الطويل وآخرون. طلب مني أحمد البدوي أن أفتح المظروف أمام الجميع لأنه يحتوي على هدية قيمة يريد أن يراها كل الرفاق. وتحت إصراره فتحته. كان يحتوي على بالون أحمر منفوخاً وحبة حلوى خاصة بالأطفال وماذا أيضاً؟ لا أذكر بقية الأشياء المضحكة. انفجر الجميع بالضحك. دخلنا الحجرة. كانت الكراسي مرتبة حول طاولة استلقت عليها "كيكة" كبيرة مغروزة بالشموع، عددها عدد سنوات عمري. امتلأت الحجرة بالدخان المتصاعد من اللفائف المحترقة. بدأ أحدهم يغني.. - "يا دوب مرت أربع وعشرين ساعة، وضاع الهوى يا خسارة.." أربع وعشرون ساعة فقط؟ يحسب عمر الإنسان بعدد الأيام السعيدة في حياته. ولو حسبت ذلك لكان عمري كله حول تلك الأربع والعشرين ساعة منذ مولدك وأنت تعاني وازدادت معاناتك عندما تركتك سعدى وبعدها الهلالي. يا دوب مرت أربع وعشرين ساعة وضاع ما بنيناه في سنوات طويلة. فقدت الثقة في كل شيء قال ناصر، وأنا لا زلت متفائلاً ولا أدري مصدر هذا التفاؤل. - ضاع كل الضياع.. وأنا ضائع بين الآمال الممزقة والأحلام الزاهية أحلم وأحلم هي أحلام يقظة لكن ما يستحيل تحقيقه على أرض الواقع أحققه في أحلام يقظتي أحمد البدوي يشاركني أحلامه وهو يحلم بابنة عمه كتب لها ذات يوم يقول أين أنا في مسير حياتك أرجو أن أكون في المركز وأنا أين أنا من مسير حياة غاده أرجو أن أكون في المركز أنا متأكد من ذلك ولكن أين غاده - يا دوب.. يا دوب جهزنا أنفسنا لنرتقي الموجة الهائجة وأذ بأبي الهيثم ورفاقه يدقون الباب ويحبطون كل خططنا ويقال أن عبد الناصر كان سيهاجم إسرائيل في السادس والعشرين من مايو لكن السفير الروسي أبطل كل خططه كيف تتشكل الأمور لا أحد يدري الذي أعرفه هو علينا أن نلتزم بها - وضاع.. وضاع كل شيء حتى الطريق إلى القاهرة ودمشق كانت سالكه ولو قرروا أن يستولوا عليهما لفعلوا ولما اعترضهم أحد وأنا لو اقتحمت ذلك البيت ودخلت عليها لما اعترضني أحد لكني جبنت أنا وهربت وهم توقعوا خسائرهم الفادحة إن هم استولوا على المدن الكبيرة وقاومهم الأهالي الذين لا يهربون تقدم الشاوي ليرقص وشاركه أحمد البدوي. لحظات ودعوني للرقص فأخذت أرقص بخطوات متنافرة. لم أعتد لا الرقص ولا الدبكة الفلسطينية. آه..الدبكة الفلسطينية. ذيب ماهر فيها وكذلك ابن خالته سعد. كان ذاك يوم..من كان سيتزوج يومها؟ نسيت. في تلك الليلة أحضروا الراقصات وأبا عقيل. وأبو عقيل هذا نافخ مزمار لا يكل ولا يمل. بدأوا يدبكون وكان قائد الدبكة ذيب بحركاته الرائعة. جاورته راقصة وأخذت تدبك معه. انضم إليهم سعد ابن خالتة ذيب والتاجر الماهر في بيت لاهيا. أخذوا يدبكون باستمتاع وكأننا حررنا دير سنيد. حاولت أن أدبك، تعثرت قدماي وعدت إلى مكاني استمتع بحركاتهم وألوم نفسي على عدم إتقان هذا التراث الشعبي الرائع. في فترة الاستراحة أخذت إحدى الراقصات ترقص، ثم مالت على سعد ليعطيها بعض النقود. - إفتحي فمك وسأملأه بالنقود! فعلت، وملأ يده بالقطع المعدنية وأخذ يصبها في فيها. صحت فيه صامتاً رويدك يا سعد! أنا أحق بهذه النقود من تلك الغجرية! لكنه في لحظة الاستمتاع دلق ما في جيبه في فم الراقصة وأخذت أنا أراقب النقود وهي تتسرب من يده إلى فيها بالتياع. أما كان بإمكانه أن يسرب تلك النقود إلى جيبي؟ استمتعنا بعشاء رائع. قال البدوي ألا يوجد كأس؟ نظرت إلى راضي، فقال يوجد. استلقى العرق الزحلاوي الرائع على سطح الطاولة. هاجمه البدوي وأخذ يكرع الكؤوس بلا حساب. اكتفيت أنا بكأس واحدة. شاركنا شحته الطويل الرقص والشرب. وتتابع حفلنا حتى تحطمت الطائرات عند الفجر. "لقد لعبت الخمر برأسك." قال رفيقي. عد إلى حفلتك واترك الطائرات المحطمة في أماكنها." - جد عليّ بكأس يا بدوي! - هذه لك، وهذه لي. وقدم كأساً مملوءة حتى منتصفها لشحته ودلق هو الكأس المملوءة في جوفه. حياك أبا نواس. يا شاربي الكؤوس استمتعوا بها وانسوا ما أنتم فيه، واتركوا الطائرات تتحطم في أي وقت تشاء. ونسيت أنا ما أنا فيه وتذكرت فقط أنني سأعوم بين الأمواج هذه الليلة، ولتتحطم كل القيم! في منتصف الليل غادر الرفاق منزلي على أمل اللقاء غداً صباحاً للذهاب إلى المطار حيث أنني سأسافر إلى ليبيا. تخلف راضي في البيت، فأخذ قلبي يحاول القفز خارج صدري. نظرت إليها، فأرجعت قلبها إلى مكانه. إنها ترتجف. خرجنا إلى صحن البيت. أخذت استنشق الهواء النقي وأغسل به رئتيّ اللتين أمتلأتا بالدخان الفاسد. صمتنا نحن الثلاثة. كان الأولاد قد أخلدوا للنوم. استأذنت أم وسيم في أنها تريد أن تنام وبقيت أنا مع راضي أعد الثواني والدقائق حتى يغادرنا. - متى ستذهب إلى المطار؟ - الساعة التاسعة سأنطلق من هنا! - سأذهب معك. - لا داعي لأن تشغل نفسك! - لا بأس. قدمت له لفافة. أشعلها وبقي جالساً على صدري. لم يكن في استطاعتي أن أذهب إلى حجرتي مدعياً أنني سأنام. شعرت أنه ينتظر شيئاً. نظر إلى ساعته. الواحدة صباحاً. حان وقت الذهاب. - تصبح على خير. - ما رأيك لو نمت هنا؟ - أعتقد أن أمل عادت من بيت أهلها وتنتظرني. - مع السلامة وتصبح على خير. أمل تنتظرك، وأنا هناك من ينتظرني. أغلقت الباب خلفه. صوت إغلاق الباب مسموع ولا بد أنها سمعته فأنا على يقين أنها لم تغلق جفونها. ذهبت إلى الحمام. غسلت وجهي وسرحت شعري. ذهبت إلى حجرتي. تعمدت أن تكون خطواتي مسموعة. دخلت. بدلت ملابسي. لبست بيجامة جديدة كنت قد اشتريتها لألبسها في ليبيا. أعدت ترتيب الحجرة. فتحت النافذة والباب لأطرد الهواء الفاسد. أشعلت لفافة وأخذت أنتظر قدومها. أغلقت النافذة وأصخت السمع. سمعت وقع أقدامها. خفيفة وحذرة. بدأت أتنفس بشدة. كان صدري يهبط ويعلو بتسارع عجيب. دخلت. في أبهى زينتها. قابلتها في منتصف الحجرة. احتضنتها. ضمتني بشدة إلى صدرها. مكثنا دقائق على هذا الوضع. تباطأت حركة صدري. في مأمن أنا فلا داعي للقلق. قلت لنفسي. أنه صباح يوم تموزي جميل في دمشق. الندى الذي تكاثف أثناء الليل بدأ يذوب بفعل حرارة الشمس. ذاب..ذاب..حتى أخذت المياه تتدفق من كل مكان. حرارة متصاعدة الشدة وذوبان متسارع بفعلها. استلقيت بين الزهور. أنها تصب رحيقها على كل أجزاء جسدي. يذوب وأذوب أنا بفعل روعة القطرات المنصهرة. الساعة الثالثة صباحاً ولا زلت بين الورود أسبح فوق عبيرها. هي تسبح معي غائبة عن الوجود. وأنا كذلك. كنا نغوص في أعماق الوردة فيندفع رحيقها إلى أعلى. أتلقفه أنا بمزيد من السعادة. أغرق..أغرق وفي غرقي أستمتع بالمياه العذبة. هل غرقت في ماء حار عذب ذات يوم؟ أنا فعلت واستعذبت الغرق! كنت أتنفس بسهولة ويسر، استمد قوتي منها وتدفعني هي للمزيد من الغرق. كانت تغرق معي وتدفعني لأن أبقى تحت المياه، لا فوقها. وعندما كنت أود أن أطفو على السطح كانت تساعدني بحركاتها الرائعة فأطفو. أترك نفسي فوق المياه. يدفعني ضغطها لأن استلقي بلا مقاومة. إني أغرق فوق الماء أو تحته على رأي نزار قباني. أغرق..أغرق..غرقت. في الصباح كنت أتناول طعام إفطاري الذي أعدته هي لي. أخذت أدخن لفافة وأرتشف الشاي باستمتاع. حضر أبو الهيثم. شاركني جلستي. هو من سيوصلني إلى المطار. لحظات وحضر أحمد البدوي والشاوي. قدمت لهم فناجين الشاي ودخلت حجرتي لأبدل ملابسي. دخلت خلفي حاملة شيئاً. - هذه هدية لأختك! قالت وعيناها تلمعان ببريق عجيب. دققت النظر في عينيها. تسلل شعور ساحر إلى كل أنحاء جسدي. لا أعرف كيف أصفه. حتى أن الهلالي لم يستطع ذلك. لا تصفه. قال رقيبي. لم أتسلم هدية إلا مرة واحدة. لقد حدثتك عن قطعة القماش تلك التي صنع منها ابن خالي بنطالاً تشرّب الماء بعد غسلة واحدة فأصبح ربع بنطال. وها هي أم وسيم ترسل هدية لدليله، وكنت قبلها اشتريت أشياءً كثيرة لها. أصبحت جاهزاً فخرجت. جلسنا لحظات ثم غادرنا البيت في طريقنا إلى المطار. وقبل أن تتحرك السيارة، استأذنت للحظات. "لقد نسيت شيئاً." قلت لهم. دخلت البيت فوجدت أم وسيم خلف الباب. أغلقته وتعانقنا عناقاً طويلاً. تملصت من بين يديها وخرجت. - ماذا نسيت؟ سألني البدوي. - شيئاً ما! - نعم! تقاذفتني النظرات الشكاكة. لم أعرها انتباهاً. تركت لهم حرية تفسير ما حدث كما يريدون. أبقيت على صمت شفتيّ وعينيّ. كنت أتذكر اللحظات الحلوة قبل السفر وأمتع ناظريّ بمشاهد كنت أحلم بها في الماضي فأصبحت حقيقة الآن. اصبر ما كان عليك إلا أن تصبر وها أنت ذا قد صبرت حققت وتحقق كثير من أمانيك أنت الآن في دمشق تغوص في أحشائها كم دفنت نفسك في كثبان مخيم جباليا تقطعه من أوله إلى آخره مشياً على الأقدام تبحث عن شيء لا تجده معدتك خاوية وجيبك بقيت على حالها من قلة الاستعمال كم مرة غزوت بيارات البرتقال وبساتين اللوز والمشمش ما لم تحققه في البيت كنت تجلبه من تلك البساتين من قال إن ذلك حرام محروم أنت وتحاول أن تذيب بعضاً من حرمانك فقط بعضاً من حرمانك اندلق هنا في دمشق ما أعمق بئر الحرمان هذا خزان ضخم من المآسي والآلام والحرمان ادلقه كله تحاول لا أنت تفعل لا بد أن تتخلص منه حتى تعيش حياتك كالآخرين نزلنا من السيارة. حملت حقيبتي وذهبنا جميعاً إلى مبنى المطار. إنه مطار حديث! عملت بعض إجراءات السفر، ثم جلسنا في صالة الانتظار. طلب البدوي زجاجتين من البيرة وزجاجة عرق. رغم أنني كنت أود أن أملأ هذه المعدة ببعض منه إلا أنني فضلت أن أبعدها عن كل ما هو مسكر. أريد أن أتمتع برحلتي وأنا في كامل قواي العقلية. - علمت أنهم في ليبيا لا يبيعون المشروبات الروحية. قال البدوي. - هكذا سمعت. قلت. - إذاً ادلق هذه في جوفك المحروم. وقدم لي كأساً من العرق. ترددت في الإمساك بها. تحرك البدوي من مقعده. اقترب مني حاملاً الكأس بيده. أمسكني من رأسي. حاول أن يدلقها في جوفي كما تفعل الأم مع طفلها العنيد الذي يرفض شرب الدواء. أمسكت بالكأس ضاحكاً وأخذت استمتع برشفات منه. لم تدم جلستنا طويلاً حيث سمعنا نداء الدخول إلى الطائرة عبر مكبرات الصوت. عانقتهم جميعاً. طوقني البدوي بذراعيه مدة أطول. سألني إن كنت في حاجة للنقود. شكرته وقلت له أن معي منها الكفاية. منعت دمعة كادت أن تتسلل من عينيّ. ربما تسللت وتبخرت من حرارة الوداع. غادرتهم. لم ألتفت. دخلت من البوابة إلى الطائرة. قادتني مضيفة جميلة إلى مقعدي. نجحت في سنة أولى وكذلك في سنة ثانية، وها أنت ذا في طريقك لمقابلة دليله وتركب ماذا؟ طائرة! هل حلمت بهذا من قبل؟ أعرف أن أحلامك كانت ولا زالت فاقعة. أن تتزوج وتركب سيارتك الخاصة وتتوه في شوارع غزة. أنت الآن تتوه في شوارع بلدان عربية كثيرة. انظر ماذا فعلت في دمشق. تسير بخطى واسعة للوصول إلى هدفك. وغاده.. بدأت تغيب عن أفكارك. لا.. من قال أنني أفعل ذلك؟ أنت تفعل! إنها هناك في غزة، وربما تنتظرك! لم أسمع عنها طيلة تلك الفترة الطويلة. وأنت أيضاً لم تكتب لها. وأين هو عنوانها؟ لا بد وأنها الآن مدرسة في إحدى مدارس وكالة الغوث! كم بهية الطلعة هي! دخلت الطائرة.. أشبه بحافلة ضخمة، مقاعدها واسعة ونظيفة. داخل الطائرة ينتابك إحساس غريب. هو مزيج من الانبهار والسعادة والخوف. يقولون أن الطائرة نعش طائر! عبد الوهاب كان يرفض السفر بها! أنت فعلت. أجلستني المضيفة بجانب النافذة.. مكانك المفضل. بجانب النافذة. تلقي نظرات متتالية على الناس والكون. تراقب الحياة وهي تتشكل. ونحن ! هل سنبقى هكذا نراقب الحياة؟ وإلى متى؟ آن لنا أن نشكل الحياة، لا أن نراقبها! هذا الهم الجاثم على صدورنا! متى نتخلص منه؟ دون ذلك دماء وعزيمة وتضحية ونكران ذات. وهذه هي صفاتنا التي تناسيناها. جلس بجانبي شخص.. يبدو أنه أمريكي أو بريطاني. هكذا يوحي شكله. ليكن من يكون. رفقة طريق وهي رفقة عابرة! ألقيت نظراتي عبر النافذة. أرض المطار! وهل كان هذا المطار المدني من ضمن المطارات التي دمروها في سنة 1967؟ يا للكارثة! كل مطاراتنا! كم واحد؟ وظني أن ذاك المطار السري في القاهرة قد تم تدميره أولاً. المطار السري في رأس قائمة المطارات التي سيتم تدميرها. درس في السرية ورسالة مفادها أننا نعرف كل شيء. تحركت الطائرة.. تحركت الدماء في عروقي. تراقصت مشاعري. انتفضت أحاسيسي. خليل ورده. أسمه يتردد عبر مكبرات الصوت في السجن. هو رفيق اعتقل من تنظيمنا في نفس قضيتي. "شحرور"، كلمة عبرية معناها إفراج. يا للآمال المتعاظمة! بالتأكيد أسمي بعده. إذن سأنطلق في الدنيا مرة أخرى! هذا هو المنطق. "شحرور" وبعدها مات مكبر الصوت. إذاً ماتت الآمال! اكتسحني الألم والاكتئاب. أرسل لي كلمة مع سجين آخر يعمل في مطبخ السجن، "لا تبتئس، فغداً سيتم الإفراج عنك!" ومتى يأتي هذا الغدً؟ بعد يوم سمعت أسمي خلال مكبر الصوت. تراخت أطرافي من الفرحة. لكنهم لم يطلبوا مني أن أحمل أمتعتي وأخرج. نزلت إلى ساحة السجن. وجهوني إلى حجرة فيها شاويش يهودي من أصل مصري أسمه موشى. أنت يوسف الهلالي؟ سألني. نعم. قلت. أرفع القبعة عن رأسك. رفعتها. أنصرف، وهذا كل شيء. بدأت ترتفع.. كسهم ينطلق لاصطياد حمامة كانت طائرتنا تشق عنان الفضاء. "هذه عبارة مستهلكة! عليك باستبدالها." قال الراوي. بحثت عن عبارة أحدث. تنطلق في الفضاء. "هذه أفضل." قال. "تابع سردك!" تركت الأرض لأهلها. سأعيش في الفضاء مع آخرين، حتى وإن كانت إقامة مؤقتة. انطلق مع الطائرة إلى أعلى. دائماً إلى أعلى فالصقر دائماً في السماء. ويوسف الهلالي أرادني أن أكون صقراً، وسأكون. استوت في الفضاء.. واستوت أفكاري. عدت أنا كما أنا. آه يا غاده! أين أنت؟ تسكنين عقلي ومقلة عيني! السكنى شيء وأن تكون بجانبك شيء آخر. انظر إلى دمشق من علو! كان الطيارون الإسرائيليون ينظرون إليها بحقد ويقذفونها بحمم من طائراتهم. انظر لها بحنان ففيها مسكنك ووردتك! فيها رفاق دربك وفيها أم وسيم. أهذا كل شيء في دمشق؟ فيها الأمل..هذا الأمل الذي يطوقك، لولاه لانتهت الحياة. هل حقاً إن وضعنا أيام الصليبيين كان أسوأ منه الآن؟ أظنه كذلك قال قريني! ألم تسمع عن أولئك الذين كانوا يسيرون في أحد شوارع القدس وقابلهم جندي صليبي. انتظروا هنا حتى أحضر سيفي. وانتظر المتهالكون حتى عاد وقطع رؤوسهم على قارعة الطريق. - مرحباً! ظننت أنه هو. انتبهت إليه فأنا في حاجة لمن يؤنس وحدتي. - مرحباً! إنه جاري. نظرت إليه. نعم هو. يتكلم الإنجليزية. عيناه حبتا طماطم ناضجتان. - مرحباً. - هل تتكلم الإنجليزية؟ - نعم. قلت بفخر! - من أين أنت؟ - فلسطيني من غزة. - أنا أمريكي. أمريكي؟ أصل البلاء! لماذا تفعلون بنا ما تفعلون؟ كيف استولوا هم على عقولكم؟ ذات مرة استولوا على عقول الألمان, ثم ماذا حدث بعد ذلك؟ هل سيحدث ذلك لهم في أمريكا أيضاً؟ ربما! ونحن هنا ماذا نفعل؟ لم تكن لي رغبة في مواصلة الحديث، رغم أنني كنت أود أن أسأله عن مبادئ ولسون! لكنني آثرت الصمت. وضعت رأسي على حافة المقعد وأغمضت عينيّ. نمت! - بعد عشر دقائق سنهبط في مطار القدس الدولي، على الأخوة الركاب ربط الأحزمة استعداداً للهبوط! عشر دقائق فقط، ثم نهبط في مطار القدس الدولي، مطار العاصمة. عدلت من وضع مقعدي. ربطت الحزام استعداداً للهبوط. لامست عجلات الطائرة أرض المطار، فأخذنا نصفق بحرارة. عبر النافذة رأيت علم فلسطين يرفرف في الفضاء. نزلنا من الطائرة. كانت بانتظارنا حافلات نظيفة وحديثة، صناعة عربية! كانت الإجراءات سريعة ومنظمة. سعدى والهلالي الكبير كانا في انتظاري. أخذتني سعدى بالأحضان وكذلك فعل الهلالي. ركبنا سيارة إلى قرية دير سنيد. وصلنا منزلنا. ذيب وذيبه ونايف وزوجته كانوا في انتظارنا. حضر خالي صالح وجدي عبد الرحمن. كانت لحظة رائعة من لحظات العمر. كان الهلالي الكبير يتكلم بفخر عن كم النقود الهائل الذي أرسله لي لأتخرج دكتوراً. ذهبنا إلى منزل غاده. تقدمت لخطبتها. كانت أمي سعيدة بها وكذلك الهلالي. - إلى صالة الانتظار.. قال موظف الجوازات. ذهبت والأمريكي معاً. عجائب الأمور! فلسطيني وأمريكي معاً. نحن سر البلاء! جلسنا جنباً إلى جنب. مرّ صعيدي يبيع عصير المانجه. طلبت كأسين. قدمت له العملة السورية. قال الصعيدي إنه لا يقبلها، فأخرج الأمريكي محفظته. تقدم الصعيدي نحوه يريد أن يأخذ ثمن العصير بالدولار. - هذا ضيفي يا رجل! كيف ستأخذ منه ثمن ما دعوته أنا إليه؟ - هو ضيفي أيضاً. قال الصعيدي وانصرف. هذه هي الأخلاق. ضيفنا، وحكومته تفعل بنا ما تفعل! انظر ما حدث للطائرات المصرية والكم الهائل من الأسلحة التي تقدمها أمريكا إلى إسرائيل. هم فعلوا كذلك مع الهنود الحمر! وهل سنكون نحن هنوداً حمراً؟ لا أظن ذلك! لا أظن. تحوم الطائرة فوق مطار طرابلس الدولي. كم مطاراً مررت به؟ كلها تتكلم العربية! أي نعم والله اللغة العربية. "وماذا في ذلك؟" سألني رفيق حياتي. الكرسي مغر! هذا الكرسي اللعين! لم تجلس عليه. هل بإمكانك أن تترك الماء الآسن الذي تعوم فيه في دمشق؟ أنت تعرف أنها خطيئة ومع ذلك تتمادى في السباحة فيه! أنت تعلم أنه ماء موبوء، وتتابع السباحة. خرجت من الطائرة. أخذت أبحث عن دليله وصالح. لا أثر لهما في المطار. ألم تصلهم برقيتي؟ انتظرت فترة أخرى. أخيراً طلبت من سائق تاكسي أن يوصلني إلى المدينة، وهناك سأدفع له ما يطلبه. وصلنا المنزل ووصل صالح ودليله في نفس اللحظة. اعتذر صالح بأنه كان يدور بالأولاد حول المطار. هي رحلة فقلت لأمتعهم بالمناظر الجميلة حول المطار. احتضنتني دليله، وكذلك فعل صالح والأولاد. دخلنا المنزل. حملت أثقالي من حزن واكتئاب. ارتددت إلى نفسي. تركتهم حولي. حتى في لحظات الارتقاء لا بد وأن تصطدم ببعض الصخور. ماذا يا صالح؟ ألم يكن بمقدورك أن تنتظر لحظات؟ كانت لحظة اللقاء ستكون أروع! يوم وصلت من بير زيت إلى غزة كان اللقاء رائعاً، رغم ذلك الجفاء المكوم في الذاكرة لذيب وذيبه. دليله هي أختي، أختك الوحيدة. ما كنه هذا الاكتئاب الذي أخذ يتسلل إلى نفسك؟ الاكتئاب! أخذت الدموع تتساقط من عينيك أمامهم جميعاً. هذه الدموع! كم مرة تساقطت؟ انزعجت دليله وكذلك صالح. - ما الذي يبكيك؟ سألتني. - لا أدري! - صالح هو قريبك! - أعرف ذلك! - إذاً لا تكتئب. أخذت أعرض عليهم ما أحضرته لهم من سوريا. صندوق مملوء بالحلوى الشامية كما أوصتني دليله. من النوع الغالي. لكنه كله نوع واحد. - طلبت من البائع أن يشكله لي. قلت معتذراً في الأسبوع الثاني من وصولي. - والله أنك تكذب يا أخي. قالت دليله. يا للصورة التي تتشظى! أكذب؟ ولماذا؟ لا يا دليله والله أنني لا أكذب، هذا هو ما حدث بالضبط. تبهت الصور عندما تتعرض لأشعة الشمس. حتى أنت يا دليله تعاملينني بفوقية. أنت؟ - انظر إلى هذا المعطف الذي اشتراه لي صالح بثلاثمائة جنيه. يا رب السماوات والأرض! معطف بثلاثمائة جنيه؟ لم أعلق، لكني عصرت عقلي كي أستوعب الموقف. لماذا؟ وهل ستشتري لغاده مثل ذاك المعطف بمثل هذا المبلغ من النقود؟ - أحمد الشاوي، هل تبيعني حذاءك القديم؟ - بعشر ليرات سورية. - يا رجل بخمسة، فحذائي لم يعد يصلح لأن أذهب به إلى الجامعة. - بعشرة. - أسددها لك في وقت آخر. - لا بأس. وانتعلت حذاء الشاوي القديم نصف المهترئ. وأنت يا دليله معطف بثلاثمائة جنيه؟ - كان عليك أن تكون سعيداً لسعادة أختك! عاتبتني لأنني لم أبد سعيداً بما قالته لي. - دائماً تنحرف أفكاري لتلتقي وأفكار الفقراء! - لكن الله أعطانا! - فليزدك الله. بدأت أعمل مع تاجر ليبي في اليوم الثالث لوصولي إلى طرابلس. كنت أتمنى أن يرسل لي النقود أخي أو ابن أخي، ولكن ليس من صالح. من أجل ذلك سالت دموعي عندما قابلتهم للمرة الأولى. رغم أن صالح لم يدفع مليماً من تكاليف رحلتي إلا أنني تمنيت أن تكون جيبي مملوءة بالنقود من عائلتي، من الهلالي الكبير مثلاً! - دليله.. - تفضلي! ودخلت جارة لهم تصحبها فتاة جميلة. - أخوك يتعلم الإنجليزية في دمشق؟ - هذا صحيح. - أريده أن يعلم ابنتي هذه اللغة! الفتاة جميلة وصغيرة. جلست بجانبها في اليوم الأول، وفي الثاني كنت أترك اللغة الإنجليزية واتحدث معها. ثم بدأت أتحسس شعرها وجيدها. في اليوم الخامس لم تأت. تسلمت رسالة من البدوي تفيد بأنني نجحت. إذاً أنا الآن في السنة الثالثة في كلية الآداب-قسم اللغة الإنجليزية. سعدت دليله لنجاحي وكذلك صالح. نجحت! متى؟ في الصف السادس الإبتدائي. كانت الإمتحانات تأتي من الوزارة، وهي عادة صعبة. نجحت نجاحاً باهراً، ربما كان ترتيبي الثالث أو الرابع على المدرسة كلها. أشاعت ذيبه أنني رسبت ونجح أبنها الذي كان في الصف الثاني الإبتدائي، وأخذت توزع الحلوى. صادفتني خالتي في طريقي إلى منزل أخي نايف. "هل حقاً رسبت؟" من قال هذا؟ سألتها. ذيبه وهي توزع الحلوى. لون البكاء صوتي وأنا أقول لها أنني نجحت وأنا الرابع على المدرسة كلها. أخذت تقبلني، ثم وزعت الحلوى قائلة إن يوسف الأول على المدرسة كلها. وأنا الآن الأول على الجامعة كلها! بدأت أتجول في شوارع طرابلس. كان يرافقني ابن أختي الذي بدأ يحبني وبدأت أحبه. لم يعجبني الدلال الزائد للأولاد. حدثت دليله بذلك. "لأنك محروم يا أخي، فأنت ترى معاملتي لهم دلالاً زائداً." ربما هذا صحيح، قلت لنفسي. - سنخرج للعشاء على شاطئ البحر. قالت دليله. - عندي عمل، ماذا لو ذهبنا غداً. قال صالح. - يمكنك تأجيل عملك حتى الغد! وهكذا كان. ذهبنا إلى الشاطئ. تناولنا السندويشات التي أعدتها دليله. كانت لذيذة. هي الحياة التي كنت أحلم بها وأنا أطوف مخيم جباليا حافياً. ورغم كل هذا إلا أن تصرف دليله مع صالح لم يعجبني. - بودي أن تصفعها عندما تعاندك! قلت لصالح. - ليست الأمور كما تظن؟ قال. ومضت أيام وإذ بدليله تعاتبني لأنني قلت ما قلت لصالح. ذهلت من تصرفه. كيف تقول لدليله ما قلته لك يا صالح؟ سألت نفسي بدلاً من أن أسأله. لا زالت خفايا العلاقات الأسرية غريبة عني. ربما كان السبب أنني لم أنشأ في جو عائلي صحي. - بدأت تحلل الأمور وحدك! التفت حولي. لا يوجد أحد، فأنا فوق سطح العمارة التي تسكن فيها دليله. ربما كنت أفكر بصوت عال. - نسيتني؟ - أنت؟ - ومن غيري؟ - كيف وصلت هنا؟ - لا تسأل عن أمور إن بدت لك تسئك! - سمعت الهلالي وهو يقص عليك عدم ارتياحه من الوضع هناك! - وهل له أن يعترض؟ - لا، ولكن له حق إبداء عدم الأرتياح. - لقد نجح وأصبح في سنة ثالثة. - قال لي الهلالي ذلك عندما تسلم رسالة البدوي. نزلت بسرعة عندما سمعت أصواتاً عالية قادمة من منزل صالح. كانت خناقة بين صالح ودليله. لم أتدخل، بل أنني آثرت أن أغادر البيت. تذكرت خناقات ذيب وذيبه. لكنها كانت من نوع آخر. خرجت وأخذت أتجول في شوارع طرابلس. هجمت ذيبه وأمها على منزل ذاك الرجل الذي منعه الهلالي الكبير من الزواج بذيبه تريدان الفتك بزوجته وهي قريبة لهما. خرج الرجل مع زوجته وهجما على ذيبه وأمها. كانت الأولى تلبس عقداً من الذهب تطايرت أجزاؤه عندما أمسكتها زوجة الرجل منه. أخذت تبكي بصوت عال فالتم الجيران حولهم. كان ذيب يتوضأ. ترك وضوءه وخرج بنبوته وهجم على الرجل يريد أن يقسمه نصفين. هجمت معه. هرب الرجل. شتمه ذيب شتائم مقذعة. لم يفتح فمه. استدار إلى ذيبه وصفعها أمام الجميع. - يا بنت الكلب ما الذي دعاك لمهاجمتهم؟ صمتت ثم توالت ركلاته وصفعاته لها. لم تتدخل أمها. هربت حتى لا تستلقي يده الثقيلة عليها. وفي البيت كانت العصي تنهال على ذيبه وتصرخ هي بكل قوتها، ولم يتركها إلا عندما هجمت خالاتي عليه لتخليصها مما هي فيه. رأيت الناس يتجمعون أمام دار للسينما في طرابلس. ذهبت أستطلع الأمر. ندوة شعرية للشاعر مظفر النواب. سمعت من شعره الكثير وخاصة قصيدته عن القدس. دخلت حيث كانت الدعوة عامة. ظهر على المسرح. متوسط الطول أصلع ممتلئ الجسم. بدأ يلقي قصائده. أخذ يشتم المتخاذلين من العرب. طلب منه الجمهور أن يلقي قصيدته المشهورة عن القدس. القدس.. آه..القدس..نار في القلب تحرق وتحترق . لا تنطفئ. صعد منك النبي الكريم إلى السماء. وحررك صلاح الدين واستلم مفاتيحك عمر بن الخطاب، وماذا فعلنا نحن بك؟ هل بعناك؟ كيف ضاعت؟ ضاعت القدس عاصمة العواصم. تذكرت فيروز وهي تشدو للقدس.. القدس عروس عروبتكم.. هي القلب! هي مقلة العين. هي نحن، ونحن هي. ضاعت فضعنا. حواريها القديمة تفوح منها رائحة التاريخ. باب العامود! كم تجولت في تلك المنطقة مع غاده وفاروق وعبد الكريم! أين أنتم يا رفاق العمر؟ هل ضاعت غاده كما ضاعت القدس؟ فلماذا تركتم كل زناة الأرض.. زناة الأرض وشياطينها! ذبحهم الغرب وألقى بجثثهم علينا. يريدون ذبحنا، بل فعلوا. ألا تذكر دير ياسين؟ هي فقط؟ وقبيه والسموع وغيرها وغيرها؟ ووقفتم خلف الأبواب تصرخون فيها أن تصمت صوناً للعرض.. أنظر إلى نفسك، فلسطيني من غزة! موبوء! خطر على الأمن القومي المثقوب! ثائر! تهدد سلامة الدولة! إصمت أيها المنكوب حتى نستعيدها لك. انتظر أنت فقط ولا تفعل. وهم لم يفعلوا ولن يفعلوا. أولاد ... هل تسكت مغتصبة؟ هل تسكت؟ ماذا فعلت غاده بعد أن سجنت؟ حتى الآن لا أخبار منها! وإن أجبرها أهلها على الزواج من آخر لا تحبه، هل تعترض؟ وإن اعترضت، إلى متى يدوم اعتراضها؟ سترضخ للأمر الواقع، حتى وأن كانت كارهة. القدس غزة دير سنيد دليله صالح ذيب ذيبه ومن حولك محيط لا بد أن تسبح فيه لا تنسى أم وسيم والثائر الذي فقد ألف دينار وأبو الرائد وأم على التي فقدت ولدها وتأفف أبو نضال عندما طالبت براتب ولدها الشهيد أسن أسن وأنت تغوص فيه والقدس عروس عروبتكم كما الشهداء هي في القلب تعيش وإن طال الزمن عندما تشرق الشمس سينسحق الأسن وتموت الجراثيم بفعل الحرارة متى يحدث هذا حتى أنت أصبحت جزءاً من هذا الأسن انتفض وما الفائدة من ذلك سيسحقونك كحشرة ضارة بل سيتآمرون عليك أين كمال عدوان وكمال ناصر ومحمد يوسف النجار أين أبو على إياد كلهم ذهبوا لأنهم كانوا يحاولون رفع غطاء الشمس يريدونها أن تشرق اصمت صوناً للشرف المنتهك اصمت واترك المهمة لنا أنتم لا تملكون الأدوات لتحريرها يا لنكبة الأمال إصمت أيها الملعون أصبحنا نحن اللعنة وهم البلسم ألا ترى ما يحدث الآن الكل يتسابق لنيل رضاهم ونستقبلهم استقبال الأبطال القتله أبطال - لا تواصل! قال قريني. - لماذا؟ - ستدخل في الزمن الحاضر! - وماذا في ذلك؟ - له مكانه وأسلوبه! صمت. عدت إلى بيت صالح ودليله. وجدتهم وكأن شيئاً لم يكن. يتحدثان برقة ويشربان القهوة. ابتسما عندما شاركتهم جلستهم. قدمت لي دليله فنجان قهوة، فأشعلت لفافة. قدمت لصالح واحدة. قبلها مني. - لا تدخن يا صالح! - لفافة واحدة لا ضرر منها. - رائحتها كريهة! أحضر نايف البازلاء الخضراء وهو مسرور. إنه ينفذ إحدى رغبات دليله. تريد أن تأكل البازلاء الخضراء. الله وحده يعلم كيف حصل نايف على النقود ليشتري ما اشترى! كان قد أحضر معه لفافة من التبغ الفاخر. قدمها لصالح بسعادة طاغية. وصالح هذا هو أخ زوجة نايف التي يحبها بلا حدود. بدأ صالح يدخن. هو ليس مدخناً، لكن التدخين عنده ترف زائد، أراد أن يلقي برماد اللفافة التي احترقت حتى الثلث الأخير. اعتقد نايف إنه سيلقي باللفافة. - لا..لا تلقها! - لن ألقيها. - اعتقدت ذلك، فما زال فيها نفسان! قدم صالح عقب اللفافة لنايف. دخنها يا رجل، قال نايف وقد تلقفت يده العقب وبدأ يسحب منه نفساً عميقاً، أتبعه بآخر حتى احترق فلتر اللفافة. - أشكرك يا نايف. قالت دليله. - أنت أختي الوحيدة! ظن نايف إنها تشكره لأنه أحضر لها ما تمنت. - أشكرك لأنك أخذت اللفافة من صالح فأنا أكره رائحة الدخان. قذف صالح بعقب لفافته في فنجان القهوة الفارغ، وهكذا فعلت أنا. غضبت دليله، لكنها حصرت غضبها في تنهيدة مستنكرة. بعد الغداء ذهبت ودليله نشتري بعض الأشياء, أنفقت ما أخذته من التاجر الليبي الذي عملت معه بعد ثلاثة أيام من وصولي لطرابلس في شراء هدايا لأم وسيم وراضي وزوجته وبعض الأصدقاء. في المساء اصطحبني صالح إلى مكتب اللجنة الأسلامية لمساعدة الطلبة الفلسطينين. دخلت وحدي وتحدثت مع المسؤول. تعاطف معي ووعدني أن يقدم لي منحة دراسية. ولقد حصلت عليها عندما وصلت دمشق. في صباح اليوم الثاني ذهبت مع صالح ودليله إلى المطار. غادرت طرابلس.. لم يكن انطباعي جيداً عن الرحلة. تغيرت مفاهيم كثيرة لدي. الأسن هو الأسن. دخلت مكتب منظمة التحرير في طرابلس. طلبت من موظف أصفر الوجه نحيل الجسم أن يمنحني توصية لتجديد إقامتي في ليبيا شهرين آخرين. رفض. ذهلت. كيف هذا؟ هي التعليمات، قال. ومن أصدر هذه التعليمات؟ سألت. أنت تسكت فقط وتنفذ ما يملى عليك. وأم علي والدة الشهيد؟ لتنتظر. صرخت فيه، فهاجمني. أمسكني صالح وخرجنا من المكتب. لحقني. وجدت زجاجة كوكاكولا فارغه، حملتها وهجمت عليه أريد تحطيم رأسه، وكنت فاعلها لولا أن منعني المارة وصالح. غادرت طرابلس.. أخذت سيارة من مطار دمشق الدولي وذهبت إلى البيت. أدخلت المفتاح، تحرك ببطء. دخلت. أم وسيم تجلس أمام حجرتها. الساعة التاسعة صباحاً. الأولاد في المدارس. أخذتني بالأحضان. مضى وقت طويل وهي تتحسسني. أحضرت فنجانين من القهوة. جاورتها في جلستها وأخذنا ندخن. - دقائق وسيكون الحمام جاهزاً. أزلت كل أوساخ السفر عن جسدي. أمضيت وقتاً طويلاً أتلمس الزهور التي بدأت قطرات الندى تسبح فوق أوراقها. في المساء ذهبت إلى منزل أبي الهيثم. قضيت وقتاً طويلاً عندهم. تناولت طعام العشاء وذهبت إلى منزل البدوي. - الوضع خطير. قال. - ما وجه الخطورة؟ - هناك كلام عن الحرب! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |