سباحة في الوحل - محمد يوسف الصليبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

9

سوق الحميدية في دمشق من الأسواق العريقة والقديمة. إن كنت غريباً في هذه المدينة الأموية وحاولت التسوق في هذا السوق، فستدفع أضعاف ثمن ما تشتريه. تجولت فيه طويلاً ثم قررت أن أعود إلى البيت. وجدت حافلة قديمة متجهة إلى باب مصلى، دخلت فيها ومن هناك سأركب حافلة أخرى إلى مخيم اليرموك. الساعة الثانية ظهراً سارت الحافلة في شارع ضيق حيث كل الشوارع في تلك المنطقة القديمة ضيقة. سارت الحافلة ببطء.‏

دخل الهلالي الكبير بيت جدي عبد الرحمن والد أمي. تبعه نايف وزوجته وقريب آخر لنا يريدون أن يعيدوا سعدى إلى منزلها. استقبلهم عبد الرحمن بوجه متجهم. قدم لهم القهوة وانتظر ما سيقوله الهلالي.‏

- علقت!‏

صاح راكب في حافلة أخرى تسير في الاتجاه المعاكس لحافلتنا. كانت الحافلتان متجاورتين. سمعت الصرخة، فانتفضت. هل حقاً أنهم انتفضوا ويريدون استرجاع ما أخذ منهم؟ ها هم يطبقون مقولة ناصر، ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. وسعدى هل ستعود بالمفاوضات؟ ما كان عليك يا يوسف أن تضربها، قال جدي عبد الرحمن. ولكن يا أبا العبد هي أخطأت! نعم، ولكن الخطاْ لا يستحق كل هذا الضرب. وبعد كثير من المفاوضات الصعبة عادت سعدى إلى بيتها. تصالحت مع الهلالي. وصلت البيت والتصقت بالمذياع.‏

عبرت قواتنا قناة السويس يا لفرحة الآمال هل حقاً عبرنا حطمت القوات السورية خط الدفاع الأول وهي في طريقها إلى فلسطين يا للاسم المحفور في مقلة العين وسويداء القلب سنعود وسأتجول في شوارع دير سنيد وأصلي في القدس تحطم خط بارليف هيا كل سيناء وغزة وبعدها النقب وباقي المدن سنعود سنعود هذا هو الفعل وليس الكلام أمريكا تطلب وقف إطلاق النار وعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب يا لوقاحتهم لا لن نقبل كل أرضنا وفلسطين هي أرضنا ليذهبوا هم من حيث أتوا ومن كان منهم في فلسطين قبل إعلان دولتهم فليكن مواطناً فلسطينياً له ما لنا وعليه ما علينا صعدت إلى سطح المنزل رافقتني أم وسيم والأولاد الدنيا مساءاً خط أبيض لطائرة إسرائيلية يقابله خط أبيض لصاورخ سوري يلتقيان معاً فترتسم صورة زاهية باللون الأحمر الفاقع تنير سماء دمشق دمشق شرف العرب والقاهرة تاريخهم ها نحن نعيد أمجاد صلاح الدين أين أنت يا عقبة يا بن نافع يا خالد يا بن الوليد ويحكم أحفادكم يقومون بالمهمة على أحسن وجه كم عدد الطائرات التي حطمناها حطمنا أربعين طائرة أو أكثر ويزداد العدد بمرور الوقت نحن نزحف ونتقدم وصلنا تل الفرس وطلائع قواتنا في الحمة وأنتم هناك في الممرات هيا تقدموا وأنت أما من دور لك إذهب إلى الجامعة ذهبت مئات الطلاب يتدافعون على مركز التدريب الذي تم أقامته في الجامعة ضابط من القوات السورية يعطي دروساً في كيفية استعمال المدفع المضاد للدبابات وهل سيصلون هنا أم ستأخذوننا إلى الجبهة هذا عمل غير صحيح أين أنت يا روحي يا فتوح يا رئيس اتحاد الطلبة الفلسطينيين ماذا في إمكاننا أن نفعل إلى لبنان سندخل فلسطين من هناك امسكني البدوي أنت غير مؤهل لأن تقاتل أبق هنا ربما يحتاجوننا لم أر دمشق بهذا النظام من قبل الناس تنتظم في طوابير حول المخابز الكل هادئ وسعيد بما يحدث نحن العرب يا عم تعرفنا عند الشدائد لقد فاجأناهم وسنسحقهم كما سحقونا من قبل المرة الأولى التي نحارب فيها لقد عادت سعدى إلى بيت الهلالي بالمفاوضات ولكن الوضع هنا مختلف عليك أن تحطم رأس الأفعى قبل أن تنتزع جلدها وها نحن نفعل في المساء ذهبت إلى منزل أبي الهيثم هل أنت في حاجة لأي شيء سألت أم الهيثم لا كل شيء موجود والحمد لله وأبو الهيثم هناك في الجبهة في لبنان أنت أنت يا أبا الهيثم أعرف معدنك الأصيل وصلابة إرادتك إذهب وكن أول الداخلين إلى فلسطين آه القدس يا عروسة المدائن أنت يا فيروز سلم فوك هي حقاً مدينة المدائن نحن في الطريق إليك فاهدأ يا صلاح الدين والله عملها السادات وكذلك فعلها الأسد الساعة الثانية ليلاً الأخبار مطمئنة تسللت إلى حجرتي لحظات ولحقت بي أم وسيم أنهم يحطمون عظامهم قالت وأنا سأحطم اليأس قلت لها واستلقيت بين أطياف الأمل أتحسسها وأذوب بين ثناياها هم هناك يقاتلون وأنت هنا تتقلب بين الآمال الزاهية انتعش كل شيء ألا تقاتل وقد كنت تتهمهم بالتخاذل عندما نملك الإرادة نفعل كل شيء قتل مندلر قائد الجبهة الجنوبية هذا هو الكلام الدبابات السورية على أطراف فلسطين وماذا حدث للجيش المصري كان من المفروض أن تكون كل سيناء معنا الآن ونكون في وسط النقب رويدك يا رجل هل أنت القائد أنا من يصنع الأمل ويتوه في أحلام اليقظة لا زلت يقظاً وهي كذلك جاورتني في السرير أضع يدي على مكمن العجائب الطائرات تتساقط كأوراق الخريف نحن في الطريق أدفع ودفعت تأوهت وتأوهت جولدا مائير إنها تبكي عبر الهاتف نكسون مملكة إسرائيل في طريقها إلى الزوال هذا ما تنتجه الغطرسة عادت سعدى لكنها لم تكلم الهلالي بقيت صامتة حتى أنها نامت بعيداً عنه يا سعدى ما مضى قد مضى تعالي إلى حيث أنا وما فعلته بي هل أنساه بهذه السهولة هجوم مضاد من قبل القوات الإسرائيلية يشقون طريقهم في القطاع الجنوبي بعرض كيلو متر واحد إنهم يتقدمون باتجاه دمشق يا لخيبة الآمال هناك خيانة قال أحدهم يا رجل صلي على محمد لو كان هناك خيانة لاكتشفوا خطة المعركة قبل أن تبدأ الجيش الإسرائيلي يطوق الجيش الثاني المصري يا رجل وحد الله أين سمعت هذه الأخبار في إذاعة لندن يا رجل وهل تصدقهم هل حقاً اخترقوا قناة السويس‏

- ضربنا إسرائيل على رأسها لكننا لم نجهز عليها! قال البدوي بأسى.‏

- لم نستغل مفاجأتنا لهم. قلت.‏

- أنقذتهم أمريكا.‏

- والسادات لن يحارب أمريكا كما قال!‏

- وهل سيحتلون القاهرة ودمشق كما يزعمون؟‏

- لا تكن متشائماً!‏

- طلائع الجيش العراقي وصلت دمشق!‏

- وصلوا متأخرين! أوتراهم ينقذون الموقف؟‏

هرب بعض الرفاق إلى حلب. بقيت في دمشق. لن أهرب وسأواجه قدري هنا. بدأت أسمع صوت انفجار القذائف. أنهم بالقرب من سعسع. خازوق دق ولن يخلع من شرم الشيخ إلى سعسع. يا للكارثة! هل ضاع الجهد الطويل في بناء قواتنا سدى؟ لا حرب ولا سلام! السادات وافق على وقف إطلاق النار، فأصبحت لا أنام! بدأت المفاوضات المباشرة بين الجنود المصريين والإسرائيليين. عندما ينقطع حبل المسبحة تتساقط حباتها بلا توقف! مستعد للذهاب إلى آخر الدنيا من أجل السلام، قال السادات. إلى آخر الدنيا يا سادات! أي سلام؟‏

- وصل طلبة من غزة إلى دمشق! قال رفيقي.‏

- حقاً؟‏

- وهل عرفت عني الهزل؟‏

- لا..‏

- إذاً لقد وصلوا!‏

دفعت قدميّ اللتين أصابهما الهزال إلى مكان تجمعهم يحدوني الأمل أن أجدها بينهم! وصلت إلى هناك. تجولت بينهم أتصفح الوجوه. لا أثر لها بينهم. ضاعت غاده كما ضاعت جباليا وقبلها دير سنيد والقدس. غاده أنت في مقلة العين كما القدس. بحثت عنها في مقلة عيني، كانت صورة لغاده. هل تزوجت؟ ربما! ضاعت غاده. كان الأمل أن أجدها بينهم. ضاعت.‏

- عبد العزيز.. صرخت.‏

- يوسف الهلالي! بالأحضان يا رجل.‏

يقصفك القدر بخيبة الآمال، يلقيك أرضاً. تصرخ من شدة الألم. ينتشلك أحدهم. تعود إلى حالتك الطبيعية. وها هو ذا عبد العزيز ينتشلني بعد أن تمرغ وجهي بتراب الخيبة والإحباط. هل يعلم عنها شيئاً. اسأله، قال رفيقي الذي تركني أحلق مع الأحلام عالياً. ربما تجدها، قال لي. كان يعرف أنها ليست هناك. كان يعلم! ارتخيت بين يدي عبد العزيز التلال. هو جار لنا، وصديق، لكنه ليس قريباً من النفس كما عبد الكريم وفاروق. شدني إليه بقوة، فاستعدت بعض قوتي ورباطة جأشي.‏

- اشتقت إليكم!‏

- ونحن كذلك.‏

انتحينا جانباً. أمسكت بدمعة نافرة من عينيّ. رأيت الدموع تتراقص في عينيه. جلسنا تحت شجرة مورقة. فاروق كان بجانبي وكانت أم كلثوم تشدو بشمس الأصيل. تحدثنا عن الحرب. خذلونا. قال. الكل محبط، وفوق الإحباط إحباط آخر. أنه يفاوضهم. ما الذي حدث للذات العربية؟‏

- كيف الأهل هناك؟‏

- كلهم بخير، وقد أرسلوا لك بعض الملابس.‏

- وكيف يوسف؟‏

تنهد، صمت. خفق قلبي بشدة. تطايرت أفكاري في كل الدروب الضيقة المعتمة. أنه ابن أخي الذي أحبه.‏

- هل تعلم أن هناك فيلم لعبد الحليم؟ قال يوسف الهلالي الأوسط.‏

- أوتريد أن تشاهده؟‏

- يا ليت!‏

قدمت له ليرة إسرائيلية، هي نصف ما أملك.‏

- يسعدك!‏

قال وتلقف الليرة بسعادة كادت أن تقفز من عينيه، بل هي حقاً قفزت. نحن في الفقر سواسية يا يوسف يا ابن أخي! لماذا أسماك أبوك يوسف؟ توفي يوسف الهلالي الكبير وهو يحلم بالعودة إلى أرضه وها هو ذا نايف يسمي ابنه يوسف تيمناً بالهلالي الكبير والهلالي الكبير نفسه أسماني يوسف. ويوسف قضى في السجن سنوات عدة بعد أن رفض بعناد إغراءات امرأة العزيز. ونحن ماذا نقاوم الآن؟ الفقر والحرمان.‏

- يوسف اعتقل؟‏

يا للوعة القلب الأبدية! من أين تأتيك الضربات؟ غاده ضاعت، هل حقاً ضاعت؟ حتى وإن تزوجت من آخر، فهي في القلب أبناؤها ومضات تحيي الأمل! لن أنساها! لن ننسى! الصليبيون استولوا على بيت المقدس ومكثوا فيه زمناً طويلاً، ثم حرره صلاح الدين. يا رجل! ذاك صلاح الدين! اليوم عندك..‏

- اصمت! قال رقيبي.‏

- لماذا؟‏

- إن قلت فروايتك محكوم عليها بالإعدام!‏

- لماذا؟‏

- إن ذكرت أياً من الأسماء، فأنت تشتم الدولة، والدولة شيء مقدس لا تلوكه الألسنة، إن فعلت، فأنت هالك لا محالة.‏

- سامحني!‏

- فقط تذكر ذلك!‏

حدثني الهلالي الأوسط عن برنامج فكاهي في التلفزيون الأمريكي. أحدهم يقلد ريغان وهو نائم في اجتماع لمجلس الوزراء الأمريكي. وآخر يحاكيه وهو يخطب في الأمة حيث كان شخص يجلس داخل الطاولة ويلقن ريغان الكلمات التي يجب أن يقولها، وعندما نسي الجملة الأخيرة، ظهر الرجل وقال بصوت مسموع "فليحفظ الله أمريكا،" ثم ردد ريغان العبارة كالببغاء. هذا هو ذا رئيس الدولة العظمى يكون مادة للفكاهة، وعندما سأله المذيع عن رأيه في البرنامج، قال أنه كان يضحك من قلبه. لم يغب الممثلان خلف الشمس.‏

- ها أنت ذا تعود مرة أخرى للمحذورات! قال تابعي.‏

- استميحك عذراً.‏

- ما تقوله الآن له موقع آخر في سيرة الهلالي.‏

- أبو زيد الهلالي؟!‏

- بدأت تخلط الأمور! أنه يوسف بن يوسف الهلالي.‏

- وهل هو قريب لأبي زيد الهلالي؟‏

- لقد لفت نظري إلى شيء مهم. سأسأله!‏

أرسلت للهلالي الصغير رسالة من سجني في رام الله مفادها أن اترك تلك المجموعة التي تصادقها الآن لأن فيها موبوءاً يتعامل مع الموساد. وصلته الرسالة. تركهم ومضى بعيداً في الانتقام من خداعهم له. انضم إلى مجموعة مقاتلة. وكانت عملياته العسكرية موجعة لهم. الصدفة وحدها هي التي كشفته.‏

- أين ذهبت؟‏

- بجانب الهلالي!‏

- أي منهم؟‏

- الأوسط.‏

- اتركه جانباً الآن. لقد رشحك لأن تقص قصته!‏

- أحتاج لأن أسمع منه.‏

- ستسمع.‏

- أين هو الآن؟‏

- يمضي حكماً بمدى الحياة في سجن نفحه!‏

الجمر ينتشر في أجزائك. مدى الحياة؟! ألم تقل أن عملياته كانت موجعة؟ تحمّل هو كل شيء. حاول إنقاذ رفاقه، لم يستطع. ضحى بكل شيء وتحمّل حكماً قاسياً. السجن المؤبد.‏

- أين ذهب الهلالي. سألني نديمي.‏

- لا زال مشدوهاً يجلس بجانب عبد العزيز.‏

- ألم يدعه للغداء؟‏

- فعل!‏

- وماذا فعل؟‏

طلب عبد العزيز من الهلالي أن يؤجل الدعوة لوقت آخر حتى يستقر في مكان ما. ودّعه الهلالي وحمل هديته ومضى. سار على قدميه مسافة طويلة. لا يشعر لا بالتعب ولا بحرارة الشمس القاتلة. يوسف الهلالي الأوسط يملأ عقله وقلبه. هو يحبه بصورة جنونية. هادئ وقليل الكلام. وعندما تم اعتقاله، لم يصدق أحد أن هذا الهلالي الأوسط والهادئ سار على خطى عمه، بل تفوق عليه.‏

- اتركه يتحدث عن نفسه!‏

- سأفعل.‏

انزويت في ركن من عقل الهلالي وأخذت أدون ما يدور فيه.‏

كيف تشعر صفيه؟ قلب الأم! كم تحملت؟ مات زوجها وهي في ريعان شبابها. تحملت الكثير. كانت تطمح أن يتزوجها ذيب، ولو فعل لقتلتهما ذيبه معاً! كم قاست المسكينة! كنت أذهب في الليل وأعطي صفيه مصروفها الشهري. قال لي ذيب ذات مرة عندما عاتبته لأنه لم يهتم بأبناء أخيه. وواقع الحال أنه كان يراقب البيت، ولم يقدم لها أي مليم. هكذا قالت لي صفيه عندما قلت لها ما قاله ذيب لي. صالح وإخوته هم والحق يقال من أنقذ صفيه من وضعها الصعب، وقبلهم كان أبوها يفعل هذا. لكم الله يا آل الحاج!‏

دخلت البيت. لا حركة فيه. أين ذهبت أم وسيم؟ دخلت حجرتي وتركت الباب مفتوحاً. أشعلت لفافة وجلست على حافة السرير. نفثت دخان لفافتي في الهواء. تابعته بعينيّ. اندثر في فضاء الحجرة. وغاده؟ لا لم تندثر! هي هناك. تزوجت! ربما، لكنها هناك وهي لا زالت في القلب كما القدس ودير سنيد وغزة.‏

اليوم الخميس، اجتماعي الأسبوعي مع التنظيم. ذهبت إلى منزل صلاح. حركة غير عادية في المنزل. ضغطت جرس الباب. خرج ذاك الطفل الصغير. صلاح في المكتب ويطلب منك أن تذهب إلى هناك. أسرعت إليه. وجدت كثيراً من الرفاق يدخنون اللفائف ووجوههم تنطق بكل ما هو جاد وخطر. شيء ما يحدث! ما هو؟ لا أدري. جلسنا في القاعة الرئيسة. صلاح منهمك في حديث مع رفيق آخر لم أره من قبل. الدخان والانتظار زادا من حدة توقعاتي. هنا شيء خطير يحدث. صمت الجميع. تعلقت العيون بذاك الذي يبدو ثورياً من طراز فريد. وقف أمامنا لحظات. يريد أن يضفي أهمية على ما سيقوله وظني أنه خطير.‏

- أيها الرفاق!‏

يريد الرجل أن يخطب فينا. فأول علامات الثورية هي الخطابة.‏

- لقد ضاقت صدورنا جميعاً بالممارسات غير الثورية لقيادة هذا التنظيم!‏

وماذا عن ممارستك وأنت جزء من هذا التنظيم؟‏

- الفساد في كل ركن من أركان ثورتنا!‏

الآن فقط علمت؟ وماذا كنت تفعل أنت؟ تقاوم الفساد؟!‏

- حاولت أن أتصدى لهذا التسيب التنظيمي المتشح بالفساد والديكتاتورية!‏

يا بطل الأبطال! رعاك الله!‏

- فشلت!‏

فشل مؤقت، وكان عليك أن تتحلى بنفس طويل!‏

- وعندما تفاقمت الأمور كان عليّ ومجموعة من الرفاق الشرفاء أن نتخذ القرار الصعب لاجتثاث هذا الفساد!‏

هل ستحاربون إسرائيل؟‏

- نعلن باسمكم مولد التنظيم الشعبي الثوري!‏

من فوضك أن تعلن باسمنا تنظيمك هذا؟ هو بلاغ رقم واحد من تلك التي اعتدنا عليها في فترة الستينات من هذا القرن. الكرسي هو السر! لا فساد ولا ديكتاتورية! هذه الملابس الأنيقة تحتاج إلى كرسي مريح، وأنت يا رفيق تبحث عن هذا الكرسي، وعندما سدت أمامك السبل إليه أعلنت الانفصال عن التنظيم الأم! تصاعد التصفيق من الجالسين. لم أصفق! تعابير وجهي، كما قال أحد رفاقي فيما بعد، كانت توحي بأنني ضد الانفصال. أنا بالفعل ضده. أنتم الباحثون عن المناصب لا علاقة لي بكم. لكم مقاعدكم الوثيرة حيث الأموال تتساقط بين أقدامكم وأنا لي أفكاري وأسني الذي أعيش فيه. غادرت القاعة. استوقفني صلاح.‏

- إلى أين يا رفيق يوسف؟‏

- لدي ما أعمله في البيت!‏

- نريدك لحراسة مقر الحركة الجديدة.‏

- هناك من الرفاق من يقوم بالمهمة عني.‏

غادرت القاعة بعد منتصف الليل. شهدت التشقق يسري ليس في جسد التنظيم فقط ، ولكن في نفسي. تشققت. انعدمت قدرتي على التفكير. كلهم رؤوس! رؤوس بصل أصابها العفن. عرفت لماذا تتراجع الثورة وتنتصر ثورات أخرى. يحارب الفساد وهو يخلق بؤراً جديدة له! أيها الموبوء! أنت كما هم. إذهب بحركتك إلى الجحيم. من يناضل يناضل حتى وسط الأسن. اندثر! اندثرت أنا! دخلت حجرتي. نمت، نمت بعمق، عمق المأساة.‏

اقترب منه، لا تخف! الغول. وحش من وحي الخيال. رأيته مجسداً أمامي. هناك من دفعني من الخلف لألتقي به وجهاً لوجه. ملامحمه كريهة، أسنانه بارزة. عيناه يتطاير منهما الشرر. توجست خيفة. حاولت أن ابتعد، لكن اليد الخفية أمسكت بي ودفعتني إلى الأمام. لا تخف! لن يفترسك! تماسكت ووقفت أمامه. هذا المخلوق الكريه يخيف الأطفال. أنت رجل. اقترب منه. اقتربت. كنت أحمل خنجراً في وسطي. رآه. اهتز جسده من الغضب. أحافظ على حياتي، قلت له. لم يتكلم. رفع إحدى يديه. برزت مخالبها. وكأنه يقول لي أستطيع أن أهشم رأسك بضربة واحدة، قلت لنفسي. تحسست يدي خنجري. إن فعلها سأطعنه في مقتل. سأفعل مهما كان الثمن. سكنت حركته. تجرأت عليه واقتربت. ما الذي تريده؟ سألني. أن لا تعترض سبيلي ولا تقترب من أولادي! قلت. لا تحاول الإقتراب من حياضي. ولكن هي لنا. كانت!‏

صحوت..‏

الساعة السابعة صباحاً. أزلت أوساخ الليلة الماضية بمياه ساخنة نقية. ارتديت ملابسي وغادرت البيت. على الباب سمعت سعالاً متواصلاً قادماً من حجرة أم وسيم. اللفائف الرخيصة تنفث سمومها في شرايين القلب، قلت لنفسي. وماذا عن شرايينك؟ هي مملوءة بالسموم منذ ولادتي. في موقف الحافلات بجانب سينما النجوم دخلت مطعماً متواضعاً. بدأت أتناول طعام إفطاري ببطء. الفساد والتسيب التنظيمي هما ما أجبرانا على أن نقوم بما نقوم به الآن. التشرذم يا شرذمة يهوى الكراسي!‏

- محمود!‏

- كيف الأحوال عندكم؟‏

- لقد حاربنا!‏

- لقد تحركتم حركة دائرية!‏

- ماذا تعني؟‏

- درتم حول أنفسكم!‏

- المهم أننا تحركنا!‏

- لو فاجئوكم هم لوصلتم السودان وربما بغداد!‏

يا محمود نحن في زمن هوالعلقم، هو الإهتراء، هو كل مرّ وحارق. أحسدك يا محمود لأنك تركت عالمنا ورحلت! أبناؤك! يتولاهم الله. لا تقلق يا رجل. ألق بأثقالك على الله. غرزت عينيّ في المقعد المجاور لمقعدي. اختفى. كان هنا منذ لحظة. محمود النجار. لقد اختفى. ربما تخيلته! لقد رأيته حقيقة! وهل يبعث الموتى الآن؟ يعود محمود عندما تعود دير سنيد والقدس وغاده و...‏

- أنت مسؤول التموين.‏

قلت للشاوي عندما دخلت منزلهم. كان قد أعد الشاي وبعض السندويشات الخفيفة. تناولت كأس الشاي واعتذرت عن السندويشات لأنني تناولت إفطاري. حضر البدوي الذي كان يستحم بملابسه الداخلية.‏

- هل رأيت عساقيل أبي قردان؟ قال الشاوي ضاحكاً.‏

- سريع كالغزال أنا بهذه العساقيل كما تسميها.‏

- تعلمت الهروب!‏

- لا..أنا لست كذلك!‏

- كلنا هربنا!‏

- لست مسؤولاً.‏

جارتهم امرأة شامية في الستينات من عمرها. دعتنا لنشرب فنجاناً من القهوة عندها. حضرت امرأة صغيرة السن تحمل وليدها بين ذراعيها. وضعته على المقعد بجانبنا. أخذ يبكي. وضعت في فمه قطعة حلوى ملفوفة بقطعة قماش نظيفة وناعمة حتى لا تسقط قطعة الحلوى في فمه. هدأ. نظر إليه الشاوي.‏

- يوسف!‏

- نعم!‏

- ماذا كانت تضع والدتك في فمك عندما كنت تبكي؟‏

- حجرة صغيرة ملفوفة في قطعة قماش سميكة!‏

صمت..‏

- لم أكن أعرف أنك ابن نعمة! والدتي كانت تضع في فمي بعرة!‏

ذاك زمن مضى يا شاوي! كانت والدة البدوي تلقيه في بيت الشعر وتذهب لتجلب الماء. وكان البدوي يتمدد من كثرة البكاء، لذلك هو طويل ويحمل ساقين كساقي أبي قردان. عدنا إلى منزل الشاوي والبدوي. أخذنا نعد الطعام. حضر أبو الهيثم. رحبنا به. كان يقود سيارة جيب تابعة للمنظمة. تناول طعام الغداء معنا.‏

- كان عندي مبلغ من المال صرفته فيما يخدم المنظمة، لكني لم أحصل على وصل بالمبلغ، كان صعباً أن أطلب وصلاً ممن يمدني بالمعلومات. هل بإمكانكم أن توقعوا لي على هذه الإيصالات؟‏

فكرت في الأمر، لا أعرف عنه الكذب، وهو مسؤول في الاستخبارات الفلسطينية. وافقنا. وقعنا جميعاً على إيصالات باستلام مبالغ مالية من أبي الهيثم.‏

خرجنا معاً. جاورته في سيارته. في ساحة مخيم اليرموك صدم أبو الهيثم عربة مملوءة بالتوت. هو ليس سائقاً ماهراً. ذهبت إلى صاحب العربة وسألته إن كان يريد ثمناً للتوت المنتثر على الأرض. لا يا عمي! هذه ضريبة عليّ أيضاً أنا أن أدفعها، مع السلامة. سّر أبو الهيثم وذهبنا معاً إلى منزله.‏

وجدنا الثائر صاحب الألف دينار المفقودة وزوجته هناك، ومعهم ثائر آخر وزوجته. ذهبنا بسياراتهم إلى غوطة دمشق. الجمال والطبيعة الساحرة وأشجار المشمش والبرقوق والماء العذب والنسمات الخفيفة التي تهب بين الحين والآخر كانت كلها هناك. سكرت، سكرت، تهت، سرحت، تطايرت نفسي وتفرقت أفكاري‏

ذات طبيعة جبلية ساحرة هي أيضاً بير زيت ببساتينها الهادئة في فصل الصيف عندما تورق أشجار البرقوق والخوخ والمشمش تتسلل من بين الخضرة ألوان برتقالية وصفراء وحمراء ألوان الثمر الذي جادت به الأرض تلتقي هذه الألوان مع اللون البني للأرض الجبلية فتعطيك إحساساً بالهدوء وبعظمة الخالق كان نبينا محمد عليه الصلاة السلام يتعبد في غار حراء وهناك زاره جبريل وبلغه الرسالة الجبل هذا الشاهق كآمالنا ككرامتنا أين ذهبت هذه الآمال وتلك الكرامة كيف طاوعتنا عقولنا أن نتركها لهم بأي حق أي شيطان هذا الذي يستوطن النفوس الميتة هل بيعت هذه الأرض حطين أين هي وعين جالوت والكرامة فيها الكرامة لو سرنا على نفس الدرب لوصلنا طويل طويل هذا الطريق يبدأ بالنفس أولاً حتى الأغنام عندما تكون متراصة لا تقتحمها الذئاب ذئاب ذئاب وثعالب أرأيت كيف كان لهم عش من الجواسيس في أحراش عجلون وذاك الذي كان مسؤولاً عن بئر المياه في بيارة الباشا كان جاسوساً أمضى ردحاً من الزمن وهو يعرف بالاسم كل من يقترب من الحدود ونحن نلهو ونلهو ونبوح بأسرارنا كأنها نكات سخيفة ندلقها في الشارع لكل من يريد أن ينقل أخبارنا إليهم عفن عفن‏

- أشارك يوسف! قال أبو الهيثم.‏

- ونحن نقبل التحدي! قال الثائر.‏

بدأنا نلعب تلك اللعبة المسماة الطرنيب. هزمونا في الدور الأول.‏

- ها هو ذا الذي أردت أن ينقذك يخذلك. قال الثائر.‏

مهزوم وأخذل غيري أيضاً. الهزيمة تلاحقنا في كل مكان.‏

- هي نكسة وليست هزيمة! قال أبو الهيثم.‏

- سمها ما شئت، النتيجة واحدة.‏

- جولة في حرب طويلة. قلت.‏

وفي الدور الثاني هزمناهم. بدأنا نعد للدور الثالث والفاصل.‏

- الطعام جاهز. قالت أم الهيثم.‏

- فلنؤجله. قال الثائر.‏

أم وسيم أجلت عملنا لما بعد العشاء، وطال التأجيل. أحاط الضباب بيتنا كما حجب الضباب رؤية السادات عندما أجل سنة الحسم التي وعدنا بها. يومها كانت الحرب بين الهند وباكستان محتدمة وملأت الدنيا بالدخان والضباب. وزادت سنوات الجمر سنوات أخرى. أهال السادات آلاف الأطنان من الرماد على الجمر الملتهب، فخمدت ناره، لكنه بقي يلتهب!‏

- العشاء الآن! قالت أم الهيثم.‏

امتثلنا للأمر. تحت ضوء أحد المصابيح المنتثرة في شارع المطار أخذنا نتناول طعام العشاء. كل شيء يغري بأن تأكل أكثر من طاقتك. فعلت أنا ذلك. حضرت فناجين الشاي، فاشتعلت اللفائف. تطاير الدخان في فضاء لا حدود له.‏

- كان من المفروض أن نقضي عليهم. قال أبو الهيثم.‏

- المفروض شيء والواقع شيء آخر. قلت.‏

- كان في متناول أيدينا أن نفعل ذلك. قال الثائر.‏

- لم يكن الأمر بهذه السهولة! قال الثائر الآخر.‏

- أمدتهم أمريكا بكل سبل البقاء. قال الثائر.‏

- يا لهذه الأمريكا! قال أبو الهيثم.‏

- أليس بالإمكان فصل عرى هذه الصداقة بين أمريكا وإسرائيل؟ سألت.‏

- خاصة أن أرواحهم في أيدينا! قال الثائر.‏

- ولكنا نستلقي على مؤخراتنا احتراماً لهم. قال أبو الهيثم.‏

- هذه هي المشكلة. قلت.‏

نجحت. أصبحت الآن في السنة الرابعة. إجازة صيف طويلة. بحثت عن نقودي التي أرسلها لي أبن خالي من السعودية. لم أجدها. زارني زميل قديم. ذهبنا معاً لأشتري بعض الملابس حتى أقضي إجازتي في حلب أو اللاذقية. لم أشتر شيئاً. عاد معي إلى البيت وطلب مني أن أعد له فنجاناً من القهوة. فعلت. وعندما غادرني نمت. في الصباح لم أجد النقود. مبلغ كبير من المال. ذهبت مع الريح وذهبت خطتي في قضاء إجازة في حلب مع الريح أيضاً.‏

- هناك من يريدك! قالت أم وسيم.‏

خرجت. زوجة أحد أبناء غزة الذين تعرفت عليهم في دمشق.‏

- أبو عيد يريدك لأمر مهم.‏

ذهبت. وجدت الرجل يتألم بشدة.‏

- عسى ما شر!‏

- الآلام تقتلني وأخشى أن تكون هذه نهايتي.‏

- يا رجل وحد الله!‏

- أوتذهب لأخي في حلب وتستدعيه؟‏

تأتيك الطعنة من حيث لا تدري. فقدت نقودي وها هو أبو عيد يريدني أن أذهب إلى حلب. تململت ولم أتكلم.‏

- لا عليك من ناحية النقود!‏

- ليس القصد!‏

- أعطه العنوان يا أم عيد وما يحتاجه من نقود.‏

أبو فراس الحمداني، الروم، حلب وأنا على أبوابها. خرجت من الحافلة. خطوت خطوتي الأولى على أرضها. شارع صلاح الدين. أبو فراس الحمداني وصلاح الدين وأنا المهزوم الوحيد بينهم، أنا المحبط دائماً. عانى أبو فراس من ذلك أثناء سجنه. كان صلباً. ونحن ماذا حدث لصلابتنا؟ استبدلناها برخاوة فاجعة. سأذهب إلى آخر الدنيا من أجل السلام! قال السادات. سأذهب إلى آخر الدنيا لمحاربة الروم، قال أبو فراس. وأنا بينهم في منتصف الطريق. وصلاح الدين في طريقه إلى حطين. وأنا أنتظر ذلك الانتظار المر. المرارة والعلقم والاحتراق وأنا، متى ينصلح اعوجاجنا؟ متى؟‏

نزلت من السيارة التي أقلتني إلى شارع صلاح الدين. نظرت إلى الجانب الآخر من الطريق. رأيته، إبراهيم عوده. طويل القامة أبيض البشرة بجانبه امرأة قصيرة ملامحها دقيقة ويبدو أنها زوجته. كانت ملتصقة به ويدها تحتضن يده. أما الأخرى، فأصغر سناً، بيضاء شعرها طويل كذنب حصان ولها عينان زرقة مرج أبن عامر ارتسمت فيهما. تقدمت منهم. هو يعرفني. أخذني بالأحضان.‏

- أهلاً يوسف.‏

- محظوظ أنا إذ وجدتك هنا!‏

- هناء زوجتي، وقمر أخت زوجتي، وهذا يوسف صديق قديم، هو الآن طالب في الجامعة. أظنه في سنة رابعة.‏

نظرت إلى قمر خفية. أنها قمر بالفعل. ألقت هناء القبض على نظراتي وهي تتسلل إلى وجه قمر، ابتسمت. كانت ابتسامتها مشجعة. كنت سمعت عنها وعن أختها من أبي عيد. وواقع الحال أنها، أقصد قمر، أجمل مما وصفها أبو عيد. شعر منسدل حتى منتصف ظهرها. البحر كله استوطن عينيها. بيضاء البشرة. ملامحها دقيقة وجميلة. ابتسمت عندما صافحتها.‏

- ماذا تدرس في الجامعة يا يوسف؟ سألتني هناء.‏

- في قسم اللغة الإنجليزية.‏

- كنت أبحث عن مدرس إنجليزي، وها أنت ذا تأتي وحدك!‏

- لكنني مدرس صعب، وطالبتي يجب أن تكون مجتهدة!‏

- وأنا كذلك!‏

- إذاً اتفقنا.‏

أخذنا سيارة لنذهب إلى بيت أهل هناء. ما أسرع ما اتفقنا، قلت لنفسي. لو أن العرب يتفقون بهذه السهولة، لحررنا فلسطين منذ زمن. لكنهم يتفقون على عدم الاتفاق. كلهم يخشى الآخر! لماذا؟ وصلنا المنزل. دخلنا. عائلة فلسطينية هي نموذج للعائلة الناجحة في المنفي. امرأة عجوز وقورة ورجل عجوز يضاهي امرأته سناً ووقاراً، وهناك شاب نحيف لكنه أنيق، عرفت فيما بعد أنه يعاني من مرض في القلب. تعلّم أفراد الأسرة في سوريا، فحصلوا على شهادات جامعية راقية. هناء مديرة مدرسة إعدادية من مدارس الوكالة، وقمر مدرسة هناك ولهم أخ آخر موظف مرموق في مركز الوكالة في دمشق.‏

- يوسف قريب إبراهيم. قدمتني هناء لأهلها.‏

سعدت بلقائهم. استحوذت هناء على أحاسيسي بلباقتها وحسن ضيافتها. أما قمر فتعلقت بضوئها المنبعث من عينيها. كنت أراقبها وهي تتراقص في المنزل كنحلة بين الأزهار. رشيقة وأنيقة، فازدادت جمالاً. انتهزت فرصة كان الجميع فيها مشغولاً فقلت لإبراهيم أنني حضرت بناء على رغبة أخيك المريض. أهتز في البداية، ثم تمالك نفسه.‏

- ما به؟ سألني.‏

- مرض شديد لا أعرفه.‏

- سنذهب إليه غداً إن شاء الله.‏

قدمت هناء وقمر لنا الطعام، ولقد كان طعاماً لذيذاً يدل على ذوق رفيع من قبل من أعده.‏

- قمر في السنة الرابعة-قسم جغرافيا في جامعة بيروت العربية.‏

- هي أهل لما هي فيه.‏

- ماذا تعني؟ قالت قمر.‏

- هو يمدحك! قالت هناء.‏

- أريد أن أسمعها منه.‏

الجمال الصارخ هو عكس الجمال الهادئ. غاده..تلك السمراء ذات الجمال الهادئ، فقدتها. هناك أمل ضئيل في استردادها. لكنها في القلب. قلت هذا من قبل! قال رفيقي. الآن أنت في حلب، وبجوار هذا الجمال الصارخ. ما رأيك فيه؟ يأسرني الجمال غير المدعي. وها هو ذا أمامك. أحضرت كتابها الإنجليزي وجلست بجانبي. كنت بجانب غاده عندما قابلتها أول مرة. غرقت في رائحة عطرها وتبللت ملابسي بفعل الرذاذ المتساقط من غيمتها. وأنا الآن أغرق في رائحة عطر رائعة. بدأت أقرأ لها. هي تنفث عطرها على جسدي كله. سكرت برائحتها العطرة وبأنفاسها الدافئة. تشعر وأنت في بيتهم وكأنك تعرفهم منذ زمن مضى. استولت عليّ. أعشق الجمال بأنواعه كما أعشق الرقي. ربما لأنني أمضيت عمري كله بين الكثبان الرملية في جباليا وبيت لاهيا.‏

ها أنت ذا تجلس بجانب سيف الدولة وأبي فراس الحمداني والقمر. هذا القمر تحدثه وتسمع منه. تلقفت نظرات أبي فراس الحمداني المشجعة بامتنان. قاومت رغبة في أن أحتضن أصابع يدها بين يدي. غاده..آه! لم أتردد. كانت تذوب أصابعها في راحة يدي. لكني فقدتها، ليس عن طيب خاطر. تآمر الجنود والقدر ضدي ففقدتها وترددي أكد ضياعها. قمر بديل عنها. لا.. صرخت! ليست بديلا عنها، ولا بديل عنها! غاده لي وإن طال الزمن! سأراها ولو عن بعد! أملأ رئتيّ بهواء استنشقته هي، وبعبير يفوح من غيمتها التي توشك على إسقاط عطرها. غاده لي..لي ولو تباعدت المسافات!‏

عدنا إلى البيت. رافقتنا قمر. منزل عصري وجميل ذلك الذي يسكن فيه إبراهيم وهناء. أنه ملكهم كما قالا لي. وأنا ماذا أملك؟ أمل يتضخم كل يوم وإحباط يلتصق بأفكاري أكثر وأكثر. وقبس من نور كثيراً ما يخبو!‏

- غداً عندما تتخرج وتتوظف، ستشتري منزلاً أجمل منه! قالت هناء.‏

هل هي دعوة لأن أقدم على ما أفكر فيه؟ قمر جميلة وجمالها صارخ وأنت تعشق الجمال بكل أشكاله. بدأنا نشرب القهوة في حديقة صغيرة خلف البيت. الجو خريفي رائع. "ترى! لماذا أعشق الخريف من فصول السنة؟" سألت نفسي. نسماته الباردة تسكر الروح الهائمة. وأنا المالك الأبدي لتلك الروح. سكرت وسكرت معها.‏

- من أين يا يوسف؟ سألتني قمر.‏

أنها تحدثني بخصوصية الآن، تسألني مباشرة.‏

- طبعاً من غزة.‏

- وهل تعرف إبراهيم من هناك؟‏

- لا..عرفته في دمشق.‏

- ووالداك، أين هما الآن؟‏

- في رحاب الله!‏

- ماذا؟‏

- في رحاب الله!‏

- منذ متى؟‏

- منذ أن تساقطت أسماؤنا من على خارطة الدنيا وتناسانا التاريخ، أو نسينا نحن تاريخنا!‏

- هل أنت شاعر؟‏

- أنا لست بشاعر، لكني مغامر فقد مجدافيه فاتكأ على قارعة الطريق ينثر أفكاره ومأساته على أوراق صفراء مهترئة ويبحث عمن يقرأه!‏

- خزان من الأفكار الحزينة أنت يا يوسف! قال القمر.‏

- ممتلئ؟ هل هناك كلمة في اللغة تعطي معنى أبعد لهذه الكلمة؟ أنا أفيض بمشاعر جياشة حرقتها اللوعة والحرمان.‏

- أنت! من أنت؟‏

- أنا يوسف بن يوسف الهلالي الذي ظلمه القدر والتاريخ وذيبه وذيب!‏

- أنت عشرة في واحد!‏

- بل أنا أضعاف ذلك!‏

- أيها المسكين!‏

- يا جميلتي كلنا مساكين! منذ اللحظة التي التجأنا فيها إلى الآخرين ونحن مساكين.‏

- عمّ تتحدثان؟ سألت هناء.‏

- عن الزمن والتاريخ والقدر.‏

- وماذا عن المستقبل؟‏

- لا وجود له في وجود من لا يؤمن به.‏

- تفلسف الأشياء!‏

- أبعديني عن الفلسفة، لقد قاسيت منها الكثير!‏

ودار الحديث في مواضيع وأماكن شتى. تناولنا طعام العشاء، ولقد كان خفيفاً ولطيفاً. دخنت كماً من اللفائف ليس بالقليل. لم تعلق لا هناء ولا قمر على كم اللفائف التي دخنتها. استأذنت قمر وخرجت في طريقها إلى بيتها، ودعتها على أمل أن أزورهم في المستقبل القريب. أحضرت هناء فناجين القهوة، فأخذت أدخن من جديد.‏

- هذا القمر! قلت.‏

- أوأعجبك؟‏

- ومن لا يعجب به يكون بلا إحساس!‏

- زرنا مرة أخرى وستطفئ ظمأ الروح بمصادقتها، أقصد بمصادقته.‏

- هذا وعد.‏

في الصباح غادرت وإبراهيم حلب في طريقنا إلى دمشق. ودع هناء وداعاً حاراً، وودعت أنا أبا فراس الحمداني وسيف الدولة وداعاً خجولاً واعداً بأن أعود وأنا أحمل تراثهما وأهتدي به. كنت أعرف أنه وعد صعب، لكني سأحاول. اصطحبني إبراهيم إلى محطة الحافلات. لحظات وكنا في داخل إحداها في طريقنا إلى دمشق، إلى حيث الانبعاث من جديد.‏

- قمر هذه القمر! قلت له.‏

- هل تود خطبتها؟‏

- لا أعرف!‏

- بإمكاني أن أساعدك.‏

- أكون شاكراً.‏

وصلنا منزل أبي عيد. كان يتقلب على فراشه من الألم. دخلنا حجرته. رآنا. أخذ يبكي ويثرثر بكلمات فهمت منها أنه عاتب على أخيه لأنه تأخر. اعتذر بأنني وصلت متأخراً. وفي الصباح الباكر أسرعنا إليه. نقله إلى المستشفى وغادرتهم أنا بعد أن اطمأننت أنه لا خطر على حياته.‏

- سأراك قريباً في حلب. قال إبراهيم.‏

- إلى اللقاء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244