سباحة في الوحل - محمد يوسف الصليبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

10

زاحمت الغيوم الشمس، فحجبت كثيراً من أشعتها. أحاط الضباب بالقرية ذات الخضرة المترامية الأطراف، فانبثق منظر مريح للعين يشعر به كل ذي مشاعر خفاقة. صحا الهلالي الكبير من نومه. نقل نظراته في محيط حجرته. لم يجدها! نهض. اغتسل وصلى الفجر. ذهب إليها. مستغرقة في النوم. تأملها. دقيقة الملامح، نحاسية البشرة ذات عينين سوداوين جميلتين. تلك هي سعدى التي لا زالت متباعدة عنه. سرت في عروقه رعشة مملوءة بمشاعر لا يدري كنهها، أنها من ذاك النوع الذي يصعب وصفه. أبقى على نفسه واقفاً بجانبها يتأملها. آه يا سعدى لو تعرفين كم أحبك؟ حبي هذا يفجر جنوني عندما أراك تفعلين ما فعلت مع أخيك. ثقتي بك بلا حدود، لكني أرفض أن ينافسني في حبك حتى أخوك! جلس بجانبها وأبقى عينيه تتأملان هذا الجمال النائم. لازالت هي نائمة. بدأت رموشها تتراقص فوق عينيها. لمحها الهلالي، فعرف أنها توشك أن تستيقظ. حاول الانسحاب حتى لا تراه جالساً بجانبها. الحب هو معادلة متكافئة بين طرفين، ولكني الأقوى، وعليّ أن أبدو كذلك. قال لنفسه. وقبل أن ينهض، كانت سعدى قد حررت عينيها من جفونها المغلقة. تأملته وهو بجانبها. انفجر حبها له. تحب رجولته وأخلاقه شهامته وكرمه عدله وجنونه فقره وعزة نفسه وسامته وقوة شكيمته حنانه وغضبه الثائر هدوءه وثورات غضبه، تحب فيه الرجل، وهو رجل.‏

- صباح الخير يا يوسف.‏

- صباح الخير يا سعدى.‏

- هل مكثت طويلاً بجانبي؟‏

سؤال أود أن أكذب في إجابته. مكثت العمر كله بجانبك! حتى وأن ابتعدت ، فأنت دائماً في القلب-وفلسطين دائماً في القلب وفي مقلة العين-أحبك يا سعدى ذلك الحب الأزلي الذي لا انفكاك منه، وما ضربي لك إلا انعكاس لهذا الحب المجنون! أحبك يا سعدى يا فلسطين!‏

- ما الذي تفعله؟ قال رقيبي.‏

- وماذا أفعل؟‏

- لماذا تدخل فلسطين وبخط كبير في سرد سيرة الهلالي؟‏

- أصدقك القول، وهذا سر لا تبح به لأحد، لقد قفزت في عقل الهلالي ووجدت أن فلسطين تستوطنه بل أنها تسري في ذرات جسده، لذلك قررت أن أبرز هذا العشق الأزلي في سيرته.‏

- يا رجل! أنت لا تتعلم! قال لك الهلالي أن لا تنحرف عن سيرته واترك سبر أغواره بين الحين والآخر! اتركه ينثر مأساته على العالم لعل ضميره يصحو!‏

- هيهات! الضمائر الميتة يصعب إحياؤها مرة أخرى!‏

- عد إليه حتى لا ينفذ صبره!‏

قال الهلالي الكبير: نعم!‏

نهضت من فراشها. رافقها الهلالي خارج الحجرة. ذهبت هي لتغتسل وتتوضأ، وذهب هو يعد قهوة الصباح، القهوة العربية اللذيذة التي يعشقها.‏

خريف دير سنيد رائع. ويكون أكثر روعة في نهايته عندما يتداخل فصلا الشتاء والخريف معاً. تتسلل البرودة إلى المنازل الطينية فتشتعل النيران في المواقد المصنوعة من الطين وتخفف من وقع النسمات الباردة على الأجساد الهادئة. ومع ذلك كانت البرودة في ذاك الصباح محتملة تدغدغ المشاعر وتثير الأحاسيس. حمل الهلالي قهوته وفراشه وخرج. جلس تحت شجرة التوت العتيقة. تدثر بعباءته العتيقة أيضاً وأخذ يوقد النار في الموقد العتيق. لحقت به سعدى بأكواب الحليب الطازجة. جلست بجانبه. احتسيا الحليب مع بعض الخبز الذي حمصه الهلالي على النار. بدأ يرتشف قهوته ويسحب أنفاساً متتالية من أرجيلته التي أعدتها له سعدى. مين أسعد مني مين، أنا في علم ولاّ حلم؟ قال الهلالي.‏

صحوت مبكراً. اليوم هو الجمعة، يوم العطلة الأسبوعية. وجدت ذيبه توقد النار أمام حجرتها. درت حولها. لم تكلمني. مدت لي بنصف رغيف غير محمص. تلقفته، فأنا جائع. كنت أود أن تعطيني من ذاك الخبز الذي تحمصه على النار. افطر. قالت. وماذا أفطر؟ قطعة خبز! بدأت أقضم قطعاً صغيرة منها، ألوكها طويلاً حتى استمتع بطعمها. حضر ذيب من العمل. كان يعمل في الوردية الليلة مع قوات الطوارئ. صحا الأولاد كلهم. جلسوا حول مائدة لا أعرف ما بها.‏

- أين يوسف؟ سأل ذيب.‏

- رفض أن ينتظر وتناول طعام إفطاره وحده. قالت ذيبه كاذبة.‏

كنت في حجرتي أستمع لهم. انتابتني قشعريرة شديدة. تكذب ذيبه ويصدقها ذيب وأتعذب أنا وتسوء نفسيتي، بل وتتشوه. أخذوا يتناولون الطعام وأنا أسمع الصوت الصادر من أفواههم وهم يلوكون قطع الخبز المحمص. صرخت على سعدى والهلالي الكبير بصوت مكتوم. تسللت الدموع من عينيّ بلا استئذان. تركتهم يتمتعون بما يأكلون وخرجت.‏

جلست بين الرفاق في كافتيريا كلية الآداب. كان بينهم الشاوي والبدوي وشحته الطويل ورجل بملابس عسكرية أراه للمرة الأولى. سألتهم إن كان أي منهم يريد كأساُ من الشاي. البدوي فقط هو الذي طلب مني أن أحضر له كأساً. أحضرت ثلاث كؤوس: واحدة للبدوي والثانية للذي يرتدي الزي العسكري، أظنه كان ضابطاُ برتبة عقيد، والثالثة لي.‏

- أشكرك. قال.‏

- أنت ضيفنا.‏

قدمني البدوي له وقدمه لي. سامي الخطيب فلسطيني من الضفة الغربية ويعمل مع منظمة التحرير. هذا جندي محترف، أتراه واحداً من أولئك الذين هربوا سنة 1967؟ قلت لنفسي، ومع ذلك ارتحت له.‏

- هل تعلم أن فاروق هنا؟ سألني البدوي.‏

ذهلت. تفتت ذاتي ذرات تطايرت في دهاليز الذكرى. كان يصعب عليّ لملمتها. صمت عدة دقائق غائباً عن الوعي وعن الحياة. أوتعود أيام الماضي؟ لا..لا تعود، ولكن فاروق يعود! وعبد الكريم؟ وغاده؟ وجباليا؟ ودير سنيد؟ و..و..و..و.........‏

- هل أنت جاد؟‏

- اسأل هذا الرجل. وأشار لصاحب الزي العسكري.‏

- يا حضرة العقيد، هل حقاً أن فاروق هنا؟‏

- أوتعرفه؟‏

- أعرفه؟ هو توأم روحي! أين أجده؟‏

- سأدلك عليه غداً!‏

- غداً؟ وهل تعتقد أنني من الممكن أن أنتظر هذا الغداً؟ أرجوك الآن!‏

- الآن؟ نحن نجلس مع الرفاق!‏

- الآن لو سمحت!‏

- خذه إليه، إنه صديق عمره. قال البدوي.‏

- فلننتظر عدة دقائق، بعدها نذهب معاً. قال العقيد.‏

أمضيت عمري كله في انتظار شيء ما. لا ليس غودو! وهذا العقيد ذو الزي العسكري الأنيق والنجوم التي تلمع على كتفيه يطلب مني مزيداُ من الانتظار. وفاروق ينتظر! لكن ما الذي أتى به إلى هنا؟ تحترق ذرات دمائي من هذا الانتظار الذي فرضه عليّ العقيد. أريد أن التقي وماضيّ. هذا الماضي الذي يعذبني. أنا أعيش فيه. حاضري ومستقبلي يسكنان ماضيّ. محكوم أنا به. بساتين الفاكهة في بيت لاهيا، وبيارات البرتقال في بيت حانون، وكثبان الرمل في جباليا، كلها أماكن ترتبط الروح بها. أما انتهيت يا سيادة العقيد؟ ماضيّ كله في تلك البقعة التي يقطنها فاروق. الأول الابتدائي ومادة الحساب والأستاذ محمد.‏

-يوسف، أنت الأول على الفصل وفاروق الثاني. قال الأستاذ محمد.‏

- والله أنه غير عادل! قال فاروق.‏

- لماذا؟ ورفعت صوتي حتى يسمعني الأستاذ.‏

- أنا أحق منك بالمركز الأول.‏

- وأنا أحق منك به. قلت ورفعت صوتي أكثر.‏

- لماذا تتكلمان؟ سألنا الأستاذ محمد.‏

- فاروق يعترض على ترتيبه ويقول أنك غير عادل.‏

لماذا قلت ما قلت؟ لا أعرف. الصداقة انحراف عن العلاقات العادية الرتيبة، وفاروق أكثر من صديق. بالتأكيد أردت من الأستاذ محمد أن يعاقبه. هل لتثبت لنفسك أنك الأول عن جدارة؟ فاروق صديق الروح تعّرضه لمثل هذا الموقف السخيف؟ أين صداقتك إذاً؟‏

- تعال هنا يا فاروق! افتح يدك.‏

وأخذ يضربه بشدة. لا تقل مثل هذا الكلام مرة أخرى. جن جنون فاروق، وأخذ يتوعدني بالانتقام. وفي الفسحة كنت ألهو مع الآخرين بجوعي وإحباطي، وأذ بفاروق يدفعني بشدة على الأرض. وقعت. نظرت إليه من الوضع منبطحاً. نهضت. تشابكت معه بالأيدي. أظنه انتصر عليّ. وفي صباح اليوم الثاني انتظرني على باب المدرسة. وصلته. لم أنظر إليه. لقد عقدت العزم على ألا أكلمه.‏

- تريد أن تتمتع بمنظري وأنا أضرب؟‏

لم أتكلم.‏

- لقد استمتعت بتأوهاتي وهو يضربني؟‏

ضحكت.‏

- ألم أقل لك؟‏

تعانقنا.‏

الجبال الشاهقة لا تهزها نسمات الريح العابرة. وصداقتنا متينة وشامخة شموخ جبال الهمالايا. والشايب، هذا اللقب الذي أطلقه فاروق على عبد الكريم، حيث كان هذا الأخير يتمتع بشعر كثيف لكن بقعة بيضاء من الشعر تلون شعره فاحم السواد. هذا الصديق الذي اتحدت روحه مع روحينا، أين هو؟ فاروق يعرف عنه بالتأكيد.‏

- يكفي هذا الانتظار. قلت للعقيد.‏

- هل يمكن أن نؤجل اللقاء ليوم غد؟‏

- والله إن لم تأخذني إليه الآن لأدورن في كل أزقة دمشق مشياً على الأقدام باحثاً عنه. أنت لا تعرف ما بيني وبين فاروق!‏

- إذاً هيا.‏

ألقيت جسدي المتهالك على المقعد بجانب العقيد. لم تكن لي رغبة في الكلام. نظر هو إليّ فعرف رغبتي، أحترمها. لم يتكلم. قاد سيارته في أماكن أعرفها، لكني نسيت اسمها الآن. أظنه كان في طريقه إلى مركز قيادة قوات الصاعقة الفلسطينية. انتظرت ذاك الانتظار الأبدي.‏

فاروق وعبد الكريم وأنا. في أحد أيام الاحتلال الأولى ذهبنا إلى بيت حانون، لا تسألني لماذا! لقد ذهبنا وهذا يكفي. كانت تنقصنا غاده. لم أكن قد تعرفت عليها بعد. دخلنا بستان برتقال بجانبه بستان آخر مغروس بأشجار المشمش والتفاح واللوز. قفزت أنا أولاً فوق السياج وأذ بي في البستان الآخر. تبعني فاروق. وبقي عبد الكريم ينتظر.‏

- جبان "دمره" حائر ومتردد. قال فاروق ضاحكاً.‏

تشجع عبد الكريم. لم يحتمل اللقب. جبان؟ هذا ما لا أقبله. قال وقذف بجسده فوق السياج. وقع وسطه. امتلأ جسده بالأشواك. حررناه مما هو فيه، وأخذنا نقتلع الشوك من جسده. دقائق وعاد كما كان. أخذ يشاركنا غزوتنا لهذا البستان!‏

- هل يعجبك هذا يا سليط اللسان؟ لم أعد جباناً الآن؟‏

قال عبد الكريم بغضب. ضحكنا منه ومن غضبه وأخذنا نستمتع بالفاكهة اللذيذة.‏

- أين ذهبت؟ سألني العقيد.‏

- مع فاروق وعبد الكريم في بيت لاهيا وبيت حانون.‏

- أنه في دمشق الآن!‏

آخر مرة شاهدته فيها كان في حجرة التحقيق عندما جمعنا رجال المخابرات الإسرائيلية في زنزانة نظيفة. أرادوا أن يعرفوا مقدار العلاقة بيننا. لم نتعانق. لكنه غمزني بعينه ألا أتكلم ولم أتكلم. لم أكن في حاجة لغمزة عينه فأنا أعرف ما يريدون.‏

قال فاروق إن أثنين من رجال مخابراتهم توليا تعذيبي. يضربني أحدهما لكمة فأرتد إلى الآخر الذي يعاجلني بلكمة أخرى فأرتد للأول. ووسط لهوهما بجسدي المنهك سدد أحدهما لي لكمة قوية، سقطت على أرض الزنزانة قبل أن تصطدم قبضته بوجهي فاصطدمت بوجه رجل المخابرات الآخر. طار جنونهما وأخذا يضربانني بشدة حتى أنني ندمت على تلك الحركة.‏

فاروق..‏

قفزت من السيارة قبل أن تتوقف. وقعت على وجهي، لكني نهضت بسرعة. رآني فاروق، فقفز عن مقعده الذي كان يجلس عليه أمام مقر قيادة قوات الصاعقة. في لحظة كنا نتعانق عناقاً صهرنا نحن الاثنين في واحد. ذهل العقيد من حرارة اللقاء. وقف أمام سيارته يراقبنا ويراقب الدموع التي بدأت تنزلق من العيون الأربعة. أبعدته عني للحظات. نظرت في عينيه. حمراء مغرورقة بالدموع. مكثت لحظات أنظر إليه ثم ضممته إلى صدري. فاروق يا كل الماضي والحاضر يا عمر العمر! فاروق يا صديق العمر!‏

- لم أكن أعرف أنكما على هذه الدرجة من الصداقة! قال العقيد.‏

خرج كثير من الرفاق من المبنى. كانت ضجة لقاءنا شديدة. أخذ الجميع يراقبوننا ونحن نسير تحتضن ذراع كل منا ذراع الآخر.‏

- يوسف! كنت أعرف أنك هنا، وكنت على يقين من أنني سألتقيك.‏

- كنت تائهاً يا فاروق، وها أنت ذا تشاركني تيهي.‏

- أنت التائه الأبدي!‏

نجحت وتخرجت من الجامعة. كان فاروق وصلاح النسر يرافقاني في ممر كلية الآداب-صلاح هذا كان رفيق فاروق في القاهرة وعندما طردتهم السلطات المصرية ترافقا هنا في دمشق-قرأنا أسماء الناجحين، كنت من بينهم، وكان البدوي والشاوي أيضاً من ضمن الناجحين. ها أنا ذا أتخرج من الجامعة. ماذا سأفعل الآن؟ لا أدري! جلسنا في كافتيريا الكلية. أخذنا نشرب الشاي وندخن. مرت جمانه. باسقة كشجرة كينياء.‏

- هذه هي الفتاة التي حدثتك عنها يا فاروق.‏

- جمانه..جمانه! صرخ بأعلى صوته.‏

- يا مجنون! اصمت!‏

- جمانه!‏

التفتت. رأتنا. تابعت سيرها. لحقها فاروق.‏

- لماذا تخذلين الهلالي يا حلوة الحلوات؟ قال لها.‏

- قلت له!‏

- وماذا قلت له؟‏

- هو يعرف، وأرجوك اتركني.‏

اقترب منها أكثر. عمق نظراته في وجهها.‏

- جمالك رائع يا فتاة!‏

- ووقاحتك شديدة يا رجل.‏

- عندك كل الحق أن تخذلي هذا الدميم الذي يدعى الهلالي، ولكن ما رأيك في هذا الوسيم الواقف أمامك؟‏

سمعته. أخذت أضحك. يا قبيح الأفكار والجرأة! أنت كما أنت، لم تتغير. قلت لنفسي. التقت جمانه وغاده وفتاة أخرى.‏

- كل هذا الجمال في دمشق! الله! قال فاروق.‏

ذهبت إليه. أمسكته من ذراعه وأبعدته عنهم.‏

- اعذروه، فلم ير هذا الجمال من قبل. لقد حضر حديثاً من حقول بيت لاهيا.‏

نظروا إلينا وتابعوا سيرهم دون تعليق.‏

- ماذا ستفعل الآن أيها الهلالي الضال؟‏

- لا أدري.‏

- هل تريد أن تسافر إلى الخارج؟‏

- عندي عمل أريد أن أنجزه أولاً، بعدها أقرر.‏

دخل فاروق وصلاح النسر والبدوي والشاوي حجرتي. كنت قد طلبت من أم وسيم أن تعد لنا غداءً يليق بالمناسبة. حدثتها عن فاروق ومدى علاقتي به. لم تبخل هي علينا بألذ الأطعمة والحلويات.‏

- متزوج أنت أيها الدميم؟ قال فاروق.‏

- وعنده ولد! قال البدوي.‏

- اسكت أنت يا أبا قردان. قلت.‏

- لماذا تنكر؟ قال الشاوي.‏

- هو الفحل الوحيد بينكم. قال صلاح النسر.‏

- آه لو تراه وهو يعب كؤوس الراح! قال البدوي.‏

قال فاروق:‏

اشترينا زجاجة نبيذ من النوع الرخيص وحضّرنا عشاءً فاخراً بمعاييرنا. أتت غانية جميلة وأخذنا نأكل ونشرب ونطارحها الغرام. وفي منتصف الليل، تسلق النسر النافذة وأخذ يغني ثم أقسم بأغلظ الأيمان أنه سيلقي بنفسه من النافذة حتى يضع حداً لحياة الضياع هذه التي يعيشها. يا نسر، صحت عليه. لا لن أنزل، وسألقي بنفسي وسط هذا الشارع. يا رجل لا تكن مجنوناً، والدتك تنتظرك. قلت له. تكذب. تعال الغانية تنتظرك. عندها صاح النسر: لبيك يا غانية الأنس، يا غانية أبي نواس. وقفز إلى أرض الحجرة وألقى بجسده فوقها. مكث معها زمناً طويلاً كنت خلاله أدرس مادة كان امتحاني فيها غداً.‏

قال البدوي عندما يدلق الهلالي الكأس في جوفه، لا يذكر إلا والدته سعدى ووالده الهلالي. يصرخ باسميهما ويطلب منهما أن ينقذاه من ذيب وذيبه.‏

- لقد تركهما خلفه. قال فاروق.‏

- هما في ثنايا عقله. قال البدوي.‏

- مسكين هذا الهلالي، مسكون بالهم، ولن يجد الهم مكاناً أفضل منه ليسكنه.‏

أحضرت زجاجة عرق زحلاوي وزجاجتي بيرة سورية. أخذنا نعب منهما باستمتاع. شرب البدوي أكثر منا، وأخذ يهذي. دق المهباش يا حميد، مرت عالقوم خياله. دق الصاروخ يا هليل، وخلي الرصاص يلعلع! يا هلالي عم في بحر من العرق والبيرة! لقد أصبحت سباحاً ماهراً. شحته أدلق هذا الكأس في جوفي!‏

قال فاروق:‏

هذه دمشق العرب ترحب بكم تعبون فيها كؤوس الراح وتدرسون ولتحيى فلسطين يا عرب فلسطين تنتهك يضاجعها كل سافل عابر سبيل ونحن نتعامى عنها يا فلسطين لبيك جينا وجينالك يا فلسطين جد عليّ بكأس يا أبا قردان لبيك يا فاروق يا ملك السفالة يا حامل كل وقاحة العرب في لسانك يا هلالي لا تبخل علينا لا بالشراب ولا بالطعام ولا تنسى اللفائف فاليوم هو عيد اللقاء وبيت لاهيا يا فاروق وعبد الكريم وغاده دع عنك هؤلاء الآن واستمتع بما وهبك الله من نعم يا سكارى العالم كله تعاطفوا معنا فنحن الذين نسيهم العالم وتذكرهم السكارى هيا إلى أرض الميعاد يا شعب الله المختار أنك لست مختاراً مختار بيت لاهيا كان عميلاً وقتله المخاتير يا مختارون هيه غداً تنتحرون هيه يا مختارون أرض الميعاد من ذا الذي وعدكم بها ونحن أي أرض لنا يا شعب الله المختار أتذكرون عندما أمركم الله بعدم الصيد يوم السبت ماذا فعلتم حفرتم الخنادق حتى تمتلئ بالسمك يا مختارون وتحتفلون بالتي قتلت نبي الله يا مختارون وتمارسون ساديتكم على شعب أعزل يا مختارون هيه‏

أخذ فاروق يرقص وشاركه البدوي. أخذ الشاوي يدق على صينية الشاي. وتتابعت فقرات حفلنا الساهر الكبير بمناسبة حصول الفريق الفلسطيني لكرة القدم على المركز الأول في مباريات كأس العالم!‏

قال فاروق:‏

- سنسهر حتى الصباح.‏

قال البدوي:‏

- والصباح الذي يلي الصباح.‏

قال الشاوي:‏

- فليسقط النوم.‏

قال النسر:‏

- جد علينا يا هلالي بكؤوس الهوى‍.‏

قال فاروق:‏

- بكؤوس الراح يا حمار.‏

- قال النسر:‏

- بكؤوس الزفت أيها الوقح.‏

قال الهلالي:‏

- رويدكم لا ترفعوا أصواتكم.‏

قال فاروق:‏

- هل طوقوا المخيم؟‍‏

قال الهلالي:‏

- أين ذهبت؟‏

قال البدوي:‏

- أحدهم بالباب.‏

- قال الشاوي:‏

- قل لهم لا سلاح لدينا‍!‏

فتحت الباب وأذ بعبد العزيز واقفاً أمامي.‏

- أين أنت يا رجل. لقد انتظرناك طويلاً. هيا شاركنا احتفالنا.‏

قال فاروق:‏

- إلى بيت لاهيا ومخيم جباليا.‏

لقد طوق جيش الدفاع الإسرائيلي مخيمكم. التزموا بيوتكم. ونحن نلتزمها منذ اليوم الذي فقدنا فيه حرية الكلام. ممنوع التجول من الساعة السادسة مساءً حتى الرابعة فجراً. ونحن لا نتجول أصلاً، فكيف تطلب منا أن نمتنع عن أشياء نحن أصلاً منعنا أنفسنا منها طواعيةً. اليوم كلنا مطوقون من الداخل ومن الخارج. حضرت فناجين القهوة السادة واشتعلت اللفائف. حرائق في كل مكان. لا يصلح أن تبقى الأمور هكذا. إشعلوها في كل مكان وماذا بقي من الوطن؟ البقاء لله كلنا سنفنى ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الإكرام والإجلال بيت لاهيا ترحب بكم وجباليا ترقص على وقع أقدامكم. أي منها؟ الهاربة أم القادمة؟ لا فرق، كلها حركة. أيها النائمون، استيقظوا. دعوا كؤوس الراح تملأ خلايا عقولكم.‏

- إحضرها‍‍. قال فاروق.‏

- إقفل فمك يا فاروق! قلت له.‏

- قلت لك إحضرها!‏

- أيها المأفون لقد سكرت!‏

- ألم تسكر أنت؟!‏

تدخل البدوي. تناول يد فاروق وأخذا يدبكان الدبكة الفلسطينية. اشتركنا جميعاً. أهو عرس؟ عرس تحرير فلسطين؟ لا نريدها الآن. دع ذرات العرق تتسرب إلى خلايا جسدك كلها وانس كل ترهات التحرير والعودة. عد إلى ذاتك أولاً ثم بعدها تعود! لقد قالها ناجي العلي، "يا طالب الدبس من قفا النمس!" ونحن نطلب الدولة ممن يوردنا قعر المهالك! عد إلى ذاتك أولاً!‏

قال فاروق:‏

خرجت من السجن بعد ثلاثة شهور، تعلمت أثناءها الكثير. زاد إدراكي لنوعية العمل الذي سأقوم به. وعلى مدى سنة من الزمان قمت بعمليات عسكرية أربكتهم. وظفت كل قدراتي الفكرية والجسدية في ذاك العمل. وعندما ذهبت إلى مصر، حملت تقريراً كاملاً عن كل عملياتنا على صدري. لماذا يا فاروق فعلت ذلك؟ كان من الأفضل أن تحفظ التقرير على أن تحمله. وغاده يا فاروق؟ ماذا حدث لها؟ رأيتها يا هلالي. جفت مياه غيمتها. ذبلت الوردة اليانعة. تفتتت أفكارها. كانت تعرف ما تقوم به. صمدت لصدمات الزمن. حصلت على شهادتها وتوظفت مدّرسة في مخيم جباليا. أختها مديرة مدرسة. أرخت شعرها على كتفيها وتخلصت من تلك الغيمة التي كانت فوق جبينها. قالت: لن يرى هذه الغيمة أحد غير الهلالي. قابلتها مرة أخرى. جفت كشجرة انقطعت عنها المياه.‏

- أما من أخبار عن يوسف؟ سألتني.‏

- لا زال في السجن.‏

- هل قدم للمحاكمة؟‏

-لا، لم يعترف بشيء.‏

-هو رجل! أنا أعرفه!‏

- وماذا عنك يا غاده؟‏

- سأنتظره وإن طال انتظاري.‏

وطال انتظارها. التقاها عبد الكريم. آزر انتظارها وشدّ من أزرها. هو عائد لا محالة! قال لها. سأنتظره مهما طال الزمن. قالت. وطال انتظارها! وعندما علمت أنك أبعدت إلى الأردن، قابلتها. يتشظى الزمن يا فاروق، ومعه تتشظى آمالي. أوتراه يعود؟ صعب! قلت. ممكن في دورية فدائية. ويوسف الهلالي هذا مغامر صعب المراس، إن طرقت الفكرة رأسه، فهو لا بد أن ينفذها. وبدأت المسكينة تنتظر انتظار غودو. تقدم لها كثير من الرجال، رفضتهم جميعاً. ابن عم لها مصمم على أن يرتبط بها. اشتكت لي. ما باليد حيلة. قلت لها. تركتها وهي تقاسي. أن ترفض ما باليد وتنتظر المجهول أو توافق، هذا صعب التنبؤ به. ولكني أظن أن والدها سيجبرها على القبول. كلمتهم عنك، لكنك تأخرت في العودة. وما كان في إمكاني أن أكتب لذيب عنها. أخيراً كتبت لزوجة أبن أخي المدّرسة معها. قالت أن غاده على وشك أن تتزوج. ألم تكلميها؟ سألتها. لا. كيف أطلب ممن طلبت أن تنتظر من يطلبها وعودته مشكوك فيها؟ قالت: انتظر وربما يجود عليك الزمن بمن هي مثل غاده! وهل على المقيد بالزمن والمقذوف بالأقدام أن يملك حرية الانتظار؟ هذا أولاً، وثانياً هل هناك من تضاهي غاده؟ لا مثيل لها بين نساء الأرض كلها. أنا لا أبالغ! هل بإمكانك أن تستبدل وطنك مهما كان ظلمه لك؟ فما بالك إن كان هذا الوطن يقدم لك كل ما تتمناه؟! هذا الزمن ليس زمننا! إنه زمن آخر، سلّم زمام أمره لغيرنا! قلت لها. قالت: ستعود حتماً وتلتقي بها حتى وإن كانت في عصمة آخر! وماذا يفيد مثل هذا اللقاء؟ قلت لها. عدم اللقاء أفضل من اللقاء المشروخ! هي لنا! هي كلها! حتى وإن طال الزمن.‏

قال فاروق: هذه هي حلب. من هنا مرّ أبو فراس الحمداني، وهنا كان قصر سيف الدولة. يا ابن عمي أريدك أن تكون عضدي ويدي اليمنى في مقارعتنا للروم، قال سيف الدولة. وأنا ما جئت إلا لأكون كما تريدني أن أكون.‏

قال الهلالي: ذاك زمن مضى يا فاروق، والآن يقولون يا أبناء عمومتنا ما أردناكم إلا أن تكونوا حراساً لحدودنا التي هي ليست حدودنا! وهم يقولون سمعاً وطاعةً، ما جلسنا على مقاعدنا الوثيرة إلا لنكون كما تريدوننا أن نكون. فقط إغرقونا بالمال والحسان ونحن سنسحق كل معتد زنيم يريد الاقتراب من حدود أولاد عمنا المساكين الذين قضوا فترة طويلة وهم في التيه مشردون. وهكذا كان.‏

نزلنا في فندق متواضع في حلب. عارض فاروق فكرة مرت كالسحاب في رأسي أن نذهب معاً إلى منزل إبراهيم. سنمضي بقية اليوم هنا وفي المساء تذهب وحدك وتستطلع الأمر. إن كانت هناك موافقة، حضرت معك في مساء اليوم الثاني. دخلنا حجرتنا في الفندق. أخذت حماماً ساخناً وغيرت ملابسي وجلست وفاروق في شرفة الفندق نرتشف القهوة وندخن اللفائف.‏

- ما هي أخبار عبد الكريم؟‏

- في جامعة القاهرة يدرس الهندسة الميكانيكية.‏

- في أي سنة هو؟‏

- السنة القادمة هي الأخيرة.‏

- وماذا ستفعل أنت يا فاروق الآن؟‏

- سأذهب إلى المجر لأحصل على الدكتوراه كما وعدوني هنا في دمشق.‏

- والوطن؟‏

- كلنا ننتظر!‏

ولم يدم انتظاري طويلاً. تركت فاروق وهو في طريقه لأن يغفو وذهبت أنا إلى منزل إبراهيم. كانت لحظة الغروب عندما انحرفت من شارع صلاح الدين إلى شارع جانبي في نهايته يقع المنزل. ضغطت جرس الباب. فتحت لي هناء. فوجئت. أهلاً يوسف. قالت. كنت أحمل باقة ورد اشتريتها وأنا في طريقي إلى منزلهم. بعد عدة خطوات تربع القمر في وسط المنزل. كانت ابتسامة رقيقة ترتسم على وجه القمر، فتألق وكأنه مزدان بآلاف النجوم. قدمت لها باقة الورد. قبلتها شاكرة. جلسنا في حديقة البيت الخلفية نشهد اللحظات الأخيرة لرحيل الشمس. غابت كما غبنا نحن عن الوطن! أيدوم غيابها؟ بالتأكيد لا! ستشرق من جديد. تحدثنا في كل شيء وعن كل شيء. لم تكن أجابتها قاطعة. مترددة هي. هذا هو العقل الذي غرسوه فينا! تناولنا طعام العشاء. اقترح إبراهيم أن أوصل قمر إلى منزلها وأنا في طريقي إلى فندقي. وافقت. خرجنا معاً.‏

- هذا هو شارع العشاق.‏

- أسمه الحقيقي؟‏

- هكذا أسموه الذين يحبون!‏

- وأنا أسميه شارع قمر.‏

- ماذا عن هلال القمر؟!‏

- رائع!‏

وصلنا بيتهم الذي لا يبعد كثيراً عن بيت إبراهيم. دعتني قمر للدخول. ترددت. ما لهذا التردد لا يفارق قراراتنا؟ قلت لنفسي. دخلت. والدها الوقور وأمها الهادئة كانا في انتظارها. تأخرت يا قمر. قال والدها. لقد تعشينا معاً عند إبراهيم وهناء وأوصلني الهلالي. قدموا لي فنجاناً من القهوة شربته ودخنت لفافة.‏

- ألا تتوقف عن التدخين؟ قالت قمر.‏

- إحدى متع الحياة القليلة التي بقيت لدي.‏

- غداً ستكون حياتك أكثر متعة!‏

- عندما يأتي هذا الغد سأقرر!‏

غادرتهم بعد أن أمضيت ساعة من الزمن مجاوراً للقمر، أحدثه وأسمع منه. كانت لها شروط رفضتها في قرارة نفسي. أحد هذه الشروط للارتباط بها كان عليّ أن أغير تاريخ ميلادي. يا لسخافة هذا الشرط! قلت لنفسي. عميقاً في داخلها تشعر أنها أكبر مني! وماذا في ذلك؟ قلت لنفسي. تركتهم وذهبت إلى فاروق في فندقنا. وجدته جالساً في نفس الشرفة يدخن. هو مدخن شره أيضاً.‏

- سبع أم ضبع؟‏

- أحياناً تتفوق الضباع على السباع!‏

- إذاً أنت ضبع كاسر!‏

- لا، ليس كذلك.‏

حدثته عن شروطها. لا داعي لأن نذهب إليهم غداً. سنتجول في حلب ثم نغادر في المساء إلى دمشق.‏

قال فاروق:‏

أتذكر صباح، تلك الفتاة التي خضنا من أجلها كثيراً من المعارك؟ أذكرها يا فاروق وأذكر جمالها الهادئ الذي في جانب منه يحاكي جمال غاده. لقد رضخت أخيراً لنداءاتي المتكررة، وتصادقنا. أحببتها حباً شديداً. ذهبنا معاً إلى القاهرة. قبلت هي في كلية الآداب، وأنا في العلوم السياسة. وبيت لاهيا يا فاروق؟ استشهد فاروق رشيد! أذكره! أحد المرشحين لصداقتي. كان بطلاً، ومحمود أبو ديه، استشهد أيضاً. يا للرفاق الذي رووا بدمائهم أرضنا! ما كان علينا أن نغادر الأرض! أجبرت على الرحيل! كنت أظن أنني سأعود كمقاتل، ولكن قتلني أولئك الذين يتسلقون المقاعد العالية ويخزنون الذهب والفضة. ما أكثر ما اخترقت تنظيماتنا!‏

قال فاروق:‏

في القاهرة تنقلت من تنظيم إلى آخر حتى حط رحالي في قوات الصاعقة الفلسطينية. وبعد أن أوقف السادات الحرب تذمرنا. أبعدتنا السلطات المصرية إلى دمشق. وأنا أبعدت إلى عمان. يريدونها فارغة من كل ذي نبض وحس وطنيين.‏

- أين ذهبتما؟ صاح صلاح النسر عندما رآنا على مدخل البناية.‏

- في مهمة نصف فاشلة. قلت.‏

- بل نصف ناجحة. قال فاروق.‏

- كان عليكما أن تعلماني عنها!‏

- ألا تعلم فضيلة الكتمان؟‏

- ليس عليّ.‏

تناولنا طعام الإفطار معاً. جلسنا أمام البناية ندخن ونشرب الشاي.‏

- هل ستبقى في ذلك البيت يا هلالي؟ سألني فاروق.‏

- لا أعرف.‏

- أما زال التردد يستوطن منبع القرارات لديك؟‏

- وماذا أفعل؟‏

- غداً سننقل أشياءك إلى هنا وتعيش معنا حتى تقرر ما تريد!‏

ذهبت إلى البيت. أدخلت المفتاح في الباب. دخل ببطء. دخلت. كانت أم وسيم خارجة من حجرتها. رأتني. جاورتني. أين كنت؟ اتجهت إليها. أمسكتها. الأولاد في البيت، قالت. دخلت حجرتي. دقائق وحضرت فناجين الشاي. أخذنا ندخن. حضر راضي وزوجته. جلسنا معاً أمام الحجرة. لحظات ثم استأذنت لأنام. نمت.‏

قذفني بشدة داخل البئر. تعلقت بجذر شجرة ضخمة بجانبه. أصبحت معلقاً في منتصفه. نظرت إلى أسفل. عميقة هذه البئر! لا زالت قواي تساعدني على التماسك. زادت نبضات قلبي لدى لمعان فكرة في رأسي بأنني سأسقط إلى قاع البئر. سمعت فحيحاً صادراً عن ثعبان ضخم. ارتجفت من الخوف. حاولت تسلق البئر إلى أعلى. أمسكت بحجر بارز في الجدار. يدي اليمنى تمسك بالحجر واليسرى تمسك بالجذر. تقدم فأر ضخم باتجاه الجذر. أخذ يقضمه. وفي لحظة انفلتت يدي منه فتعلقت بيد واحدة على الجدار. تحسسته. أمسكت بحجر آخر. خارت قواي. أيقنت أني هالك لا محالة. تلك اليد الخفية التي كثيراً ما أنقذتني دفعتني من مؤخرتي إلى أعلى. أصبحت على حافة البئر. دفعة أخرى وكنت استظل بظل الشجرة التي أنقذني جذرها من الهلاك. سعدى بجانبي والهلالي الكبير قادم من بعيد يحمل أرجيلته ودلة القهوة السادة في طريقه إلينا.‏

- ماذا تفعل يا يوسف؟ سألتني سعدى.‏

ألقيت نظرة على وجهها. مشرق ينطق بالسعادة. ألقيت بنفسي بين ذراعيها. ارتحت. تدفقت دموعي. بكيت بحرارة. لماذا تركتني يا سعدى؟ يا أمي الحبيبة! بكيت بصمت. سالت دموعي على وجهها. أخذت رأسي بين يديها. أوتبكي يا مقلة عيني؟ أنت يا سعدى لا تدرين ماذا فعلت بي! أنني أسبح في بحر هائج من الأحزان. خرقة بالية بين أكوام من الزبالة أنا يا سعدى! آه لو بقيت بجانبي يا سعدى. كثيرة هي الأشياء التي كانت ستتغير! ارتحت على صدرها. تسربت الكآبة من عينيّ، احتوتها. يا روح الروح أنت يا يوسف. لم يكن باستطاعتي أن أبقى بجانبك. حضر الهلالي تلقفني من بين يديها. يا ولدي! ماذا فعل بك الزمن؟ كما ترى يا هلالي يا كبير! وسط الدبابير أسير. تركتماني أعاني. لا تبتئس يا بني، فإن الله معك! كيف يا أبي وأنا بلا دليل في هذه الحياة التي لا ترحم؟ يا أبي أما في الإمكان أن أنتقل إليكما؟ تنهدت سعدى! وتحامل الهلالي على ذاته. انتظر يا ولدي فلا بد أن الله سيفرجها عليك!‏

صحوت على صوت الباب وهو يفتح. منتصف الليل أو قبله بقليل. أم وسيم في قميص نوم من النوع الغالي الذي يسارع دوران الدم في جسدك! أذهلني جمالها. توقف جسدي عن الاهتزاز. ما بك؟ سألتني. رأيت الهلالي وسعدى بجانبي. أنت تحلم. قالت. ليته حلم يطول أو يتحول إلى حقيقة! نهضت. لم أقترب منها. ذهبت إلى الحمام. اغتسلت. رجعت. وجدتها تجلس على حافة السرير. وقفت عندما كنت في منتصف الحجرة. تلقفتها بين ذراعي. تداخلنا معاً. ذهبنا إلى السرير. تدلت حبات الفراولة الحمراء الندية. مددت يدي أقطفها واحدة واحدة. تذوقتها. لذيذة الطعم، لا تضاهي لذتها فاكهة أخرى. كانت تقترب مني فتغمرني رائحتها الرائعة. انتشي. أذوب بين ثناياها. اندثر في أنفاسها. طرقات على الباب. نهضت. لملمت نفسي. خرجت. حاولت أن أبدو نائماً. فتح الباب.‏

- أين كنت؟ سألها.‏

ترددت. أظنها كانت ترتجف. صمتت لحظات.‏

- سمعت صوتاً قادماً من هذا الاتجاه، فذهبت استطلع الأمر.‏

- بملابس النوم؟‏

- وماذا في ذلك؟‏

اقترب من حجرتي. كنت قد ارتديت ملابسي ونمت. فتح الباب. أشعل الضوء. أبقيت على نفسي في السرير مغمضاً عينيّ. اقترب مني. لا زلت أتظاهر بالنوم.‏

- أنت، يوسف!‏

لم أرد عليه. تناومت.‏

- يوسف.‏

فتحت عينيّ ببطء، فركتهما.‏

- نعم.‏

- هل أنت نائم؟‏

- وماذا تراني أفعل؟‏

- أريد أن أتحدث معك!‏

نهضت أمامه. كنت لابساً بيجامتي. اقترب مني. أظنه تنسم رائحة العطر الذي كانت أم وسيم قد سكبته على كل أجزاء جسدي. كنت التهمت كثيراً من حبات الفراولة الفاقعة الاحمرار. خرج. خرجت خلفه واغتسلت. كانت أم وسيم قد ذهبت إلى حجرتها. أظنها ذهبت أولاً إلى الحمام واغتسلت حتى تزيل ما علق بها من أوراق شجرة الفراولة. جلسنا معاً أمام الحجرة. حضرت أم وسيم تحمل فناجين القهوة. قدمت له لفافة. قبلها. إذاً لم تصل الأمور حد العداء. قلت لنفسي.‏

- يوسف!‏

- مصغ إليك أنا.‏

- أريد أن أحدثك في أمر أرجو ألا تحمله أكثر مما يحتمل.‏

- تحت أمرك.‏

- هل بإمكانك أن تجد لك بيتاً آخر تسكنه؟‏

- بكل تأكيد. فقط أمهلني يوماً أو أثنين لأجد منزلاً لائقاً.‏

- معك أسبوع.‏

- ولماذا تريده أن يرحل؟ سألت أم وسيم بالتياع.‏

- لأتخلص من القلق الذي أنا فيه!‏

- قلقك هذا أبدي!‏

- ويوسف يزيدني قلقاً.‏

استأذنت وذهبت إلى حجرتي لأتابع نومي. حاولت أن أضع رأسي على المخدة. جافاني النوم. لا زلت أتمتع بما قذفته في فمي من تلك الفاكهة التي لم ولن أجد لها مثيلاً لا في لذتها ولا في طراوتها.‏

- أنت تحرجني بما تفعله!‏

- كفى يا أم وسيم ما أسمعه من كلام.‏

- ما سمعته كله كذب، والرجل محترم!‏

- أعرف ذلك، ولكن هذا يكفي!‏

ودار حديث بينهما سمعت قليلاً منه وفاتني الكثير. نمت نوماً عميقاً. لم أصح إلا الساعة التاسعة صباحاً. نهضت واغتسلت. بدلت ملابسي وكنت على وشك أن أغادر حجرتي عندما استوقفتني.‏

- لا تبتئس. قالت لي.‏

- كنت سأسافر إلى القاهرة على أي حال.‏

- ابحث عن منزل آخر وسأنتظرك كل ليلة هنا.‏

- لا بأس!‏

خرجت. ذهبت إلى فاروق وصلاح.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244