|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:33 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
11 قال الحاج عبد الرحمن: الوضع يا يوسف لا يطمئن. زارني اليوم ضابط إنجليزي صديق لأخي عبد العزيز. شرب الشاي معنا. رأى أكوام الحجارة والأسمنت. سألني عما أنوي أن أفعله. قلت له بأنني سأشيد منزلاً جديداً. نصحني ألا أبنيه. قلت له يا رجل المنزل القديم ضاق بأفراد العائلة ولا بد من بناء آخر. أصّر على ألا أبنيه. وعندما سألته عن السبب، لم يجب. غادرنا وقال لي يا عبد الرحمن أنصحك بأن لا تضع نقودك في شيء لن تملكه في المستقبل! وأصدقك القول يا يوسف بأن الفأر لعب في عبي كما يقولون. ماذا يعني هذا الضابط الإنجليزي بحق السماء؟ أوتراه يعلم بما يدبر لنا؟ اليهود في مستوطنتهم القريبة ينشطون ليلاً نهاراً في عمل شيء أجهله. قال يوسف الهلالي: يا عبد الرحمن قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله علينا. أنت قد نويت أن تبني البيت، فابنه، واليهود لن يطردونا من أرضنا. الجيوش العربية لن تسمح لهم بذلك! ولا تنس بأن الجيش المصري ليس بعيداً عنا! حضرت سعدى بأكواب الشاي وصحناً مملوءً بالتين الذي جمعه نايف من البستان. لا زالت شجرة التوت مورقة تنشر ظلالها على مساحة واسعة من الأرض. استظلوا جميعاً تحتها. بدت الأرض كعروس في ليلة زفافها. كأنها تجملت في انتظار عريسها! نظر الهلالي إلى أرضه وتمتم بكلمات غير مفهومة. استوضحه نسيبه عبد الرحمن عما يقول. - هذه الأرض هي أنا وأنا هي ولن أسمح لأي كان بأن يستولي عليها. - وماذا تملك يا يوسف لتدافع عنها؟ حتى بندقيتك القديمة هذه ستتوقف عن العمل بمجرد أن تطلق الطلقة الأولى! - ولكن هل يعملونها؟ حضر عيسى الهلالي الذي لم يكن على وفاق مع الهلالي الكبير. سلم عليهم وقدمت له سعدى فنجاناً من الشاي. فتل عيسى شاربه وأخذ يشرب الشاي بتلذذ. استمتع بالجلسة. نظر إلى الهلالي. التقت عيونهما. تعانقت طويلاً. - يا عم يوسف الوضع غير مطمئن. يبدو أنهم سيخرجوننا من هذه الأرض ويستولون عليها. هكذا قال لي العسكري الإنجليزي في المعسكر الذي أعمل فيه. صمت الجميع. انتشر القلق في كل مكان. ورغم تحذير الضابط الإنجليزي لعبد الرحمن، إلا أنه بدأ في بناء منزله. وتابع الهلالي عمله في أرضه. وفي ظهر أحد الأيام حضرت سعدى إلى الحقل مع ابنها ذيب. كانت تحمل طعام الغداء للهلالي الكبير. جلسوا جميعاً تحت شجرة تين وارفة الظلال. - يوسف! قالت سعدى. نظر لها وهو يلوك قطعة الخبز المغموسة بالحساء. - يوسف! ما رأيك لو أخذت البقرة وبعض الأشياء وتركتها عند صاحبك في بيت لاهيا وهي قريبة وعندما تهدأ الأمور نسترجعها. - اعقلي يا امرأه! الوضع ليس بهذا السوء! - من احتاط سلم! وبعد عدة أيام بدأ التراشق بالبنادق بين الفلسطينيين واليهود. اقتنع الهلالي بأن عليه أن يرسل البقرة وأشياء أخرى إلى بيت لاهيا. في الصباح كان هو ونايف وذيب والبقرة وأشياء أخرى في طريقهم إلى بيت لاهيا. حمل الهلالي حقيبة ملابسه وحمل فاروق الطاولة والكرسي وحمل النسر باقي الأشياء ووضعوها في سيارة سوزوكي. انطلقت بهم إلى مقر قيادة قوات الصاعقة الفلسطينية. كان الألم يتسرب من عينيّ الهلالي. فارقها وكان لا بد من الفراق طالت الأيام أم قصرت. عشت يا هلالي ردحاً من الزمن استرددت فيه ذاتك، ربما فقدتها! من يدري؟ عدت أنت الآن كما أنت. آه غاده، صاحبة الفلسفة الراقية. فقدتها هي أيضاً. وها أنت ذا تفارق أم وسيم جنتك التي قدمتها لك الحياة. قبلتها وظننت أن الدنيا كلها جنة وستدوم! ملكت ما لا تملك واستمتعت بما هو ليس لك. وهم أيضاً يستمتعون بما هو ليس لهم، ويسكنون ما لا يملكون! قانون الغاب في كل مكان. من ستفارق بعد ذلك؟ وأين ستحط بك الرحال؟ - فاروق، صلاح هيا بنا إلى منزل البدوي! - ماذا سنفعل في منزل أبي قردان هذا؟ - سنشتري طناً من العرق وآخر من البيرة وندلقها في أجوافنا هناك! - فلتحيى الأفكار الهدامة! جلسنا في حجرة البدوي الذي اشترى دجاجتين محمرتين وبعض الحمص وكثيراً من المكسرات. كان الشاوي في الخارج. بدأت الكؤوس تندلق في الأجوف الظامئة. هي لا تطفئ اللوعة ولا مرارة الألم، ولكن تسكّنها. كان الهلالي أكثرهم دلقاً للسائل الكريه في جوفه. جاراه البدوي. تقدم فاروق وأمسك بزجاجة العرق وأخذ يدلقها في جوفه باستمتاع. أمسكها منه صلاح النسر ودلق ما تبقى منها في جوفه الذي لا يمتلئ. - طالت ليالي السكر! - والله زمان عنك! - هيا جد علينا بما جاد عليك الكريم يا بدوي! - يا أبا قردان ادلق في جوفي ما في كأسك من سم زعاف يذيب الألم ويحرق حرقة الاغتراب ويسكن الروح الهائمة. - إصمت يا سليط اللسان. - أيها البدوي اللئيم! هات ما عندك. - اصبر حتى يتفتت كبدك من الصبر! - عاشت فلسطين حرة مستقلة! - عاشت؟ ستعيش! أما حرة ومستقلة، فهذا علمه عند عالم الغيب! - لا تتفوه بكلمة تقذفنا بعدها خلف الشمس. - يا جبان! - كلنا جبناء! تمدد الهلالي على أرض الحجرة. تمدد على ظهره. حملق في السقف. نقل نظراته بين رفاقه. أغمض عينيه. تاه في ذاته. استيقظ. - يا سعدى..ياهلالي..أين أنتما؟ - في الجنة يا مسكين! - أوتراهم لاجئين هناك؟! - أقفل فمك أيها اللعين! لا لجوء في الجنة! - أولهما بيت وبستان؟ - بالتأكيد لهما كل ما يتمنيان! - خذوني إليهما! خذيني عندك يا سعدى! - طار الهلالي! - كلنا سنطير! تركتماني وتركت أنا ذاتي تتيه في كل الدروب وكل السراديب. لا أعرف ماذا يخبئ لي الغد، أخاف منه. حتى ثقتي بنفسي سرقاها مني، ذيب وذيبه. أنتما المسؤولان عما أنا فيه الآن. اعقل يا رجل، وما دخلهما في تصرفاتك؟ هما من غرس ذلك الخوف المتنامي في ذاتي من الآخرين ومن الغد. إمسك لسانك جازاك الله كل خير. هو يجازيني بما اقترفته يداي من رذائل. أنا والله مظلوم، لم أتقدم لها، هي من اقتحمني. وأنت لم تتردد. وهل يتردد الجائع أمام ما يقدم له من طعام، حتى وإن كان من مال حرام؟ نفس خائرة وإرادة رخوة وذات تائهة وأمل معدوم وتطلب مني أن أرفض ما جادت به الأيام عليّ؟ أيها الظالم! أيا أبا قردان، لو كنت مكاني ما ترددت في فعل ما فعلت أنا. أليس هذا صحيحاً يا فاروق، يا صديق الطفولة؟ نعم، أنت الفحل التائه في شقوق تحتاج لمن يقفلها، وأنت قافلها لا محالة. يا هلالي يا قريب أبي زيد، أدلق ذاكرتك على التراب وسترى أنها ذهب زائف. كان عليك أن تصمد وتنتظر غودو. انتظر ما لا ينتظر ولا زال ينتظر، وأنا من أين لي صبر ذاك الغودو؟ يا فاروق، أضعت غاده وتاه عني عبد الكريم والتقيتك أنت، إنقذني مما أنا فيه. وما هو الذي أنت فيه؟ هذا الضياع وهذا الألم الذي لا يتركني. الهم أكل نفسي وأطاح ببصيرتي وبقدرتي على التغلب على المشاكل. هيا يا فاروق. أنا أكثر منك ضياعاً. جد عليّ بكأس يا أبا نواس. أبا قردان يا غبي! أبو نواس مات وشبع موتاً. من قال هذا؟ أني أراه بجانبنا يعب من الخمر بلا توقف. آه..لو صادف هذا ال "أبو نواس" أم نسيم، لحلق لها شعرها وعاشرها وكأنها فتى. قيل أنه يحب الغلمان. ذاك المعتوه، أهناك أجمل من النساء أيها الموبوء؟ أنظر إلى أم وسيم وكأنها فرع من شجرة الحياة! ها أنت ذا تدلق ذاتك أمامهم وتفضح نفسك التي تصّر على أن تبقيها بعيدة عن كل متطفل. أيها الزنيم! تجردوا من ملابسكم، إبقوا على ما يستر عوراتكم، وهيا ارقصوا أو ادبكوا أو تخلصوا من قانون الحياة. وبدأنا نرقص وندبك. على دلعونه وعلى دلعونه ومن فلسطين ليش شردتمونا؟ ولك هات شيء أجمل من هذا الذي يذكرنا بمأساتنا! على دلعونه وعلى دلعونه عرفاني مجنون وليش دلتونا؟ دلوك على ماذا أيها المعطوب؟ كلنا معطوبون في هذا الزمن المعطوب! أتذكر تلك المدّرسة الجميلة التي كانت تدرسك مادة الإنشاء..اسمها..اسمها غريب ولن أبوح به، كم تمنيتها! كانت تتراقص حولك وهي تصحح لك جملك الإنجليزية الخاطئة. تمنيت أن تحتضنها أمام الطلاب، وكنت تظن أنك في منأى عن عيون الآخرين، إلى أن صارحك أحدهم وقال ما لهذه المدّرسة تحوم حولك وكأنها فراشة تريد أن تستنشق رحيقك؟ هل أنت فحل شموص لا يمكن إيقافه؟ شموا ولموا ها الريحان، سلطه منه ها الريحان. أين الريحان يا أبا قردان؟ قدمه لنا حتى نشمه ونعمل منه سلطه-اعتدل يا رجل، سمعت أن من يقول سلطه، حتى وإن كان يقصد السلطة الحقيقية يغيب خلف الشمس هناك في السلطة الوطنية-انتبه يا مجنون! أنت الآن تخرج عن النص، وعقوبة ذلك السجن. سمعاً وطاعة يا مولاي، أنا في خدمة السلطة وكل سلطة-أين هذا الريحان يا فاروق؟ سأشمه، ولقد شممتها حتى ثملت! ثملت! انتبه أنت تنشر ذاتك على قارعة الطريق! وماذا في ذلك؟ أوليست أسرارنا كلها كانت عندهم؟ حتى قبل أن ينحرونا كالخراف في سنة 1967 هرب إليهم خمسة فسقه من كبار ضباط الجيش العربي ونقلوا لهم ما لم يصلهم من أسرار. تابع يا رجل، أنشر ذاتك ولا تهتم. غداً سنحررها من النهر إلى البحر! سننظم صفوفنا ولن يخترقها أي زنيم. سنعود إليها! إلى من؟ إلى غاده أم إلى فلسطين؟ كلتاهما واحدة! أنت لم تسكر فقط، ولكنك تحلم. وماذا في ذلك؟ الحلم..الحلم يعيد رسم الحياة كما تحبها. وأنا أحب أن أرسم حياتي كما أريدها وأتمناها، لا كما يريدها الآخرون. أنت سقراط. من هذا السقراط؟ ذاك الفيلسوف الإغريقي. كفى لا أريد أن أعرف شيئاً عن الفلاسفة. لا أحب الفلسفة ولا المتفلسفين! تفلسفت ذات مرة، فانكفأت العصي على مؤخرتي بغزارة. هذا يكفي. أعيش كما أحب أن أعيش. فليحيى السكارى. يا سكارى العالم اتحدوا ضد الظلم وضد العقل وضد الصحيان! اسكروا، اسكروا... نمت تلك الليلة في بيت البدوي. غادرنا فاروق والنسر. رفضت أن أرافقهما، فحالي لا تسمح لي بالإنتقال إلى مكان آخر. تدحرجت على أرض الحجرة. قذف لي البدوي بمخدة وفرشة مهترئتين، وقذفت أنا برأسي على المخدة. كان نصف جسدي على الأرض ونصفه الآخر على تلك الفرشة المهترئة. - قل لهم عن حلم الهلالي. قال رفيقي. - أين أنت يا رجل؟ تركتني وحدي مدة طويلة! - ذهبت إلى حيث أرسلني الهلالي! - وأين أرسلك؟ - هذا سّر، والتزم أنت مهمتك! - أريد أن أنثرها أمام القارئ! - تلك كانت مهمة مستحيلة! - ليكن! - أرسلني إلى سعدى والهلالي الكبير! - وهل قابلتهما؟! - نعم. - وماذا حدث؟ قال : وجدت الهلالي وسعدى ونايف ووضحى يجلسون أمام منزل لم أشاهد له مثيلاً لا من قبل ولا من بعد. الهلالي يشرب كأساً مملوءً بسائل لا وجود له في دنياكم! طلبت منه أن أتذوقه، وعندما وضعت الكأس على شفتيّ، جف! ماذا؟ جف! قال. وطارت الكأس من يدي. كانت سعدى في أبهى صورتها. قلت لهم أنني قادم من عند الهلالي يوسف. أمسكتني سعدى. حدثني عنه! قالت. قلت إن حاله لا تسر لا صديق ولا عدو. أخذت تبكي. تجهم الهلالي الكبير. قفز نايف واقفاً يريد أن يحضره عندهم. نهره الهلالي الكبير وقال إن الوقت لم يحن بعد لاستعادته. قل له أن يستقم! قال الهلالي. انزلقت الدموع من عينيّ سعدى على صفحة خديها، فأصبحت نهراً. قالت: قل له أن يغتسل في هذا النهر من دموعي علها تطهره! أعرف أن قلبه أبيض، وسيستعيد ذاته قريباً. ماذا أقول عنهم؟ هو أيضاً أبني ولا يطاوعني قلبي أن أدعو عليه. قل له كما قال لك يوسف أن يستقيم. وهو سيسعد إن شاء الله. غادرت جلستهم وأخبرت الهلالي بالوصايا. - وماذا قال؟ - انشرح صدره لحظات، لكن الكآبة عادته مرة أخرى! - أيها المسكين اللاهي! - دع القراء هم الذين يتعاطفون معه. - بلغه تعاطفي ودعواتي له بالإستقامة. - عد إلى قرائك وأخبرهم بما حدث له بعد ذلك! عدت إلى الهلالي وهو مستلق على أرض الحجرة. كان البدوي قد خرج ليغتسل، ثم جلس مع الشاوي أمام حجرته. أيقظته من نومه. تجهم. - لماذا أيقظتني؟ ألتضاعف معاناتي؟ - أردت أن أنقل لك ما يقوله القراء عنك! - أشكرهم، ولكن هذه حياتي، حاولت أن أصنعها كما أريد. عاندني القدر، كان أقوي مني! لا أعرف إن كنت نادماً أم لا! - اصبر وحاول مرة أخرى! - تقطعت بي الأسباب، وانتابتني الهواجس ونهش أفكاري الألم المصبوغ بالمرارة. - لا تبتئس! - من قالها لي قبلك؟ آه..نسيت. - كن قوياً! - وأنا كذلك، ولولا قوة إرادتي لانتهيت! الآن عد إلى قرائك وحدثهم عن الأيام الأخيرة لي في دمشق. حضر أبو الهيثم واصطحبني معه إلى منزله. حدثته عن فاروق وصلاح، ثم عما حدث لي في منزلي القديم. الآن أنت بلا بيت، قال. لا، أنني أسكن مع فاروق وصلاح. تغديت معهم وفي المساء أخذني إلى منزل فاروق. أصّر أبو الهيثم على أن يدعونا على الغداء في اليوم الثاني. وافقنا. اصطحبت فاروق والنسر إلى قهوة المهاجرين. جلسنا هناك. كانت الساعة حوالي العاشرة ليلاً. ودمشق في فصل الصيف محتملة الحرارة، وعندما تكون فوق جبل قاسيون، فأنك تشعر بالبرودة في كل أجزاء جسدك. طلبنا بيرة وآخذنا ندخن ونشرب. صمت الجميع. درت في ذاتي. بحثت فيها عما يؤنس وحدتي. - أنت مع فاروق ووحيد؟ فاجأني لصيقي. - وحدتي أبدية. - يا رجل! انتعش! أنت في الفيحاء! - أنت على حق! مددت نظري إلى أبعد نقطة يمكن أن يصلها. دمشق أسفل هذا الجبل الشامخ. شموخها من شموخه. شوارعها مزدانة بأعمدة الكهرباء، ولمن يعرف دمشق يعرف شوارعها من هذه الثريات التي تزينها. هبت نسمات صيفية رائعة، فانتعشت روحي. انتشيت بجرعات البيرة ودخان اللفائف الذي يغزو رئتيّ برغبتي. من يقتل نفسه غير كل ذي مزاج منحرف؟! وأنا.. أنا المنحرف الذي حادت به الكآبة عن الطريق أنا من ضيع في الأحلام أو الأوهام على رأي عبد الوهاب عمره أمضيت يا هلالي عمرك تحلم وتحلم تحقق بعضاً منها وينهشك الألم لضياع أكثرها وما غاده إلا حلماً كبيراً أضعته أنت هي وهم لا أظنها كذلك كانت تمسك بيدي أعتصر رحيقها وأتوه في نسمات عطرها التي كانت تغمرني كلما اقتربت منها أحلامك بأن تكون بطلاً أودعتك السجن لست نادماً على ذلك ندمي أنني أضعت غاده وكان بإمكاني أن احتفظ بها الظروف أقوى منك تبرير الضعفاء وأنا ضعيف محطم الإرادة أو مسلوبها لقد تخرجت من الجامعة ماذا في ذلك كل من يدخلها يتخرج منها وإن طال الزمن أين سعدى لتحتفل بتخرجي ويتباهى الهلالي بشهادتي ويجلس بجانب صهره عبد الرحمن ويقول له - أرأيت ماذا فعل يوسف؟ لقد تخرج من الجامعة. - سأزوجه ممن يحب! سأزوجه غاده! - دعيه يتوظف أولاً يا سعدى ثم نزوجه! - أريد أن أفرح به يا يوسف، هو آخر العنقود. - أين الحلوى؟ قال جدي عبد الرحمن. - يا نايف، لقد تخرج أخوك من الجامعة، فأحضر لنا طبق الحلوى! حضر نايف وأمه التي هي خالتي وزوجة أبي الأولى. - مبروك يا سعدى! قالت خالتي. - مبروك علينا كلنا. مبروك علينا كلنا مبروك علينا النصر كانوا يريدون الإطاحة بزعمائنا ولكننا أبقينا عليهم فانتصرنا وضاعت الأرض مبروك مبروك عقبال ميه يا حبيب الأمة العربية ضاعت القدس لا بأس غداً سنبني قدساً آخر المهم أن قادتنا يتسلقون ظهورنا أكتافنا رؤوسنا مؤخراتنا كل شيء فينا باقون باقون وفوق قلوبكم منتشون... قال الناقل للرواية. - يا مجنون! عد ثانية إلى سيرة الهلالي. ستوردنا المهالك بأفكارك الفاقعة. - والله نسيت! أعذرني. - وإلى متى؟ - إلى أن يشاء الله. - متى تراه يحضر؟ - أمامه طريق طويل حتى يصلنا. أخذ نايف يهزج بالأهازيج الفلسطينية. لعله لا يعرفها، قال له الهلالي الكبير. هو يسمعنا يا أبي ومتأكد أنا أنه يعرفها، فكل فلسطيني لا بد أن يحفظها عن ظهر قلب. أتركني أعبّر عن فرحتي يا أبي بطريقتي! - لماذا نهرته يا نايف عندما كان يأكل التفاح في بيتك؟ - آه يا خالتي. قال نايف: كانت ذيبه تذيقه مرّ الأشياء. وكانت تكرهني وتبخل عليّ حتى برغيف الخبز عندما كنت أجوع وأولادي. ذهبت إلى بيت لاهيا مع الشيخ خميس وجلبنا كثيراً من التفاح، بعضه تسولناه وأخذنا أكثره بالقوة. وأنت تعرفين يا خالتي كم كنت معدماً! أحضرت يوسف ليأكل ما يشتهيه، فأنا أعرف مقدار حرمانه. لاحظت أنه يحاول أن يخفي بعضاً من حبات التفاح عني ليوصلها لذيبه. كرهت فعلته ونهرته. هي لا تستحق أن يعطف عليها أي إنسان، فما بالك وأنا الذي بخلت عليّ حتى برغيف من الخبز. ومع ذلك تركته يأكل. - وذيب يا نايف؟ قالت خالتي. - هذا البخيل! كان يعذب نفسه وذيبه وأخاه. - صه! صاح الهلالي الكبير. - أوليس يوسف ولدك أيضاً؟ - بلى، لكنه أخوه. - يا هلالي... صحوت على صوت فاروق وهو يطلب مني أن نغادر المكان بعد أن اقتربت الساعة من الثانية عشرة بعد منتصف الليل. طلبت منهم أن نبقى قليلاً فأنا ما زلت جالساً مع الهلالي وسعدى ونايف وجدي عبد الرحمن، وصحبتهم لا تمل ولن يجود علي الزمن بها مرة أخرى. - وماذا عن أعمامك؟ قال رفيقي. - لا أعرف إن كان لي أعمام! يقال إن والد ذيبه هو عمي، لكني لم أره. الذي أنجب ذيبه لا يمكن أن يكون عمي إلا إذا كنت أنا... - صه يا مجنون! - دعني أكمل. - لا تنطق، والدتك هي الشرف كله. - أين ذهبت؟ - أليس هذا ما تريد أن تقوله؟ - لا.. - تكذب.. ابتلعت أفكاري وصمت. ولقد كان عليّ أن أصمت. كيف تتسرب مثل تلك الفكرة النتنة إلى ذاك الرأس المغبر بالأفكار السيئة؟ نظرت إلى فاروق والنسر، وجدتهما يتململان. غادرنا المكان. ذهبنا إلى سكنهم. وهناك لم يطاوعني النوم. سرقت قدميّ وخرجت من البناية. لم ينتبه لا فاروق ولا النسر لخروجي. أخذت سيارة وذهبت إلى مخيم اليرموك. وصلت قلعتي القديمة. الأضواء مطفئة. درت حول البيت مرتين، ثم تجرأت وضغطت جرس الباب. وقفت بعيداً. حاولت مرة أخرى. انفتح. تقدمت. أنها هي. - أدخل. قالت. دخلت. احتضنتها، بل هي من احتضنني. دخلت حجرتها. لا أحد ينام هناك. قالت أن الأولاد ينامون في حجرتي القديمة. اغتسلت وعادت في أبهى زينتها. جلست بجانبي. تحسستها. - ما الذي أتى بك في هذه الساعة؟ - سأسافر بعد غد إلى القاهرة. كرهت أن أغادر دمشق دون أن أراك! - يا لك من مغامر! - مغامر معتوه! عمنا في العسل معاً. دخّنا كماً لا بأس به من اللفائف. وقبل أن يندثر الظلام ودعتها وخرجت. سرت في شوارع مخيم اليرموك اتنقل من شارع إلى آخر. وصلت ساحة النجوم. كثير من العمال في طريقهم إلى أعمالهم. تصفحت وجوههم. - يوسف! - من؟ محمود النجار؟! - بالأحضان. عانقته. قال محمود النجار: كنت قد ذهبت إلى قاعدتي مبكراً. كانت عندنا أخبار بأنهم سيهاجموننا. حصنّا القاعدة وأخذنا مواقع الدفاع. انهال سيل من الرصاص علينا، ثم سيل آخر من قذائف المدافع. اصدقك القول يا يوسف، لم أطلق ولا حتى رصاصة واحدة، وعلى من أطلق الرصاص؟! أخذت أدور حول القاعدة لأتصيد كل من يحاول اقتحامها، وفجأة-لاحظ يا يوسف أن كل شيء عندنا يحدث فجأة-انطلقت رصاصة وأصابتني في الرأس. تحسستها بدمائي. إنها في الرأس. وقعت. زارني ملك الموت، عزرائيل: - حان وقت مغادرتك! - ألا تمهلني عدة شهور أقابل خلالها أولادي؟ - أولادك في رعاية من لا ينسى أحد! - أريد أن أراهم! - ستراهم لاحقاً! - إذاً اتركهم حتى يعودوا متى يرغبون! اقتربت منه أكثر. جاورني في الحافلة. أنت محمود؟ سألته. وهل تراني غيره؟ أردت فقط أن أؤكد لنفسي أنك أنت. أنا أنا وهذه بطاقتي. - هل زرت الهلالي الكبير؟ - هو من زارني وسعدى! يا للذات المحروقة! زاراكا وأنا الملقى في متاهات الحياة لا يزوراني؟ ألم يزوراك بالأمس؟ قال رفيقي. آه.. تلك الزيارة الخاطفة. لقد بكت سعدى وبكيت أنا بين ذراعيها. وماذا يفيد البكاء يا سعدى؟ ما حدث قد حدث! أنت تقولين الحقيقة، من يدير حياتنا يريدنا أن نكون ما نكون! غادرنا الحافلة. أمسكت بيده حتى لا يختفي ويتركني وحيداً. أحكمت قبضة يدي على يده. سرت في طريقي إلى بناية القوات. التفت إليه، لم أجده. نظرت إلى قبضة يدي، كانت تقبض الهواء. أين هو؟ وكأنني أحلم! لا، بل صور لك! وماذا أفعل بهذا الخيال الجامح؟ دخلت البناية. ذهبت إلى حجرة فاروق. فتح عينيه. - أين كنت أيها المعتوه؟ - لم أطق الفراق، فمررت على من يؤنس وحدتي. - أيها المغامر الشيطان! حتى الشيطان لا يفعلها! أفي مثل هذا الوقت؟ - كلنا شياطين! نمت، أو حاولت أن أنام. نهض فاروق وغادر الحجرة. أغلقت جفوني. عاندتني. من أين يأتي النوم لقلقي النفس؟ أبقيت على جسدي ممدداً. أجبرني فاروق على النهوض. نهضت. أخذت حماماً دافئاً، فانتعشت روحي. اللفافة وفنجان القهوة زادا من تحرري من أفكاري الميتة. حضر النسر بلفافته المشتعلة أبداً. شاركنا الجلسة. كيف هي أيامك يا فحل الزمان في دمشق؟ سألني. قال الهلالي: أيامي في دمشق يا طويل العمر والسلامة هي مزيج من المتعة والسفالة والاجتهاد. غرقت في بحر من الأسن، لكنه غرق ممتع. أنتم تعرفون أن الذباب يهاجم الأطباق المكشوفة، فما بالكم يا سادتي الأكارم إذا كان الطبق نفسه هو من يدعو الذباب إليه؟ أنا من دعاني الأسن لأن أغوص فيه، لم أتردد، ولم أتردد؟ ذات مفتتة وإرادة خربة. لا تقل لي هذا عيبك، أنظر إليهم جميعاً، كلهم، كلهم يملكون نفس الذات المفتتة والإرادة الخربة! وأذا كنت مخطئاً، وأظنني ليس كذلك، قل لي بربك كيف ضاع منا ما ضاع؟ دير سنيد وجباليا وغزة وبيت لاهيا ونابلس وطولكرم والجولان وسيناء وفوقهم جميعاً، بل درتهم القدس. رحمك الله يا خالد يا بن الوليد، ها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، وكل جزء من جسدي فيه طعنة خنجر أو ضربة سيف، لا نامت أعين الجبناء. استوطننا الجبن، ورحبنا به، لذلك نعيش في الأسن. - لشد ما تغيرت يا هلالي! قال فاروق. - أتمنى أن أكون قد تغيرت! لكني أشك في ذلك! - كيف؟ - أن أكون كما أود أن أكون! - أضغاث أحلام! - وهل تبنى الأمم إلا على الأحلام؟ حضر أبو الهيثم. اليوم هو موعدنا لتناول الغداء معه. أحضر الشاوي والبدوي معه. شاركونا الجلسة أمام البناية. قدمنا لهم اللفائف، وهي دائماً جاهزة لتقديمها للضيوف. أحضر النسر فناجين القهوة. طلب البدوي ذلك السائل المسكر. أصمت يا أبا قردان، فأنت في مركز القيادة! أولا يشربون هم؟ مسكين أنت يا هلالي، تخدعك المظاهر الكاذبة. لا يا أبا قردان فأنا أعرف خبايا النفس، لكني أتعامى عن معرفتي وأنفذ ما يدور في رأسي، ومعظمه لا يصيب، بل يخطئ. قال أبو الهيثم: الوضع في لبنان غير محتمل، أنهم يعدون لشيء خطير. شارون يزور لبنان باستمرار. يستقبله من هم على شاكلته. وبعد مذبحة الحافلة بدأت الحرب الأهلية هناك. لا أعلم لماذا يقاتلوننا بهذه الشراسة وينفثون علينا كل هذا الحقد؟ لو حاربنا اسرائيل بكل هذه الشراسة لتحررت فلسطين! أحلم يا أبا الهيثم فالحلم هو السيد عندما يضيع المنطق. أنا أحلم مثلك، أحلم منذ اللحظة التي غادرتني فيها سعدى وبعدها الهلالي الكبير. أحقق ذاتي بالحلم، وأي حلم؟ أن أعيش في حجرة وحدي بعيداً عن ذيب وذيبه. أزرع الورد وأسقيه بنفسي. ارتحت لهذا الحلم الذي رافقني أياماً طويلة. كنت أعوض فيه حرماني وقلة حيلتي. حلمت بالسيارة والزوجة الجميلة، صادقت غاده وحلمت معها أن نبني بيتاً راقياً تحيط به حديقة مملوءة بأشجار الفاكهة. حلمت وحلمت وصحوت من حلمي وأنا ملقى وسط الأسن. - متى ستذهب إلى القاهرة؟ - خلال الأيام القادمة. غادر الشاوي والبدوي دمشق قبل أن أغادرها أنا. ذهبا إلى ليبيا للبحث عن وظيفة هناك. عرفت فيما بعد أن كلاً منهما توظف مدرساً في القرى القريبة من طرابلس. وصلتني رسالة من صالح زوج أختي دليله يقول فيها أن كل ما أرسله لي من نقود وأنا طالب هو هدية بمناسبة تخرجي من الجامعة، أما ما سيرسله لي فهو دين علىّ أن أسدده فيما بعد. شكرت له صنيعه وقلت عنده كل الحق، فأنا الآن خريج وعلى وشك أن أستلم وظيفتي، وعليّ أن أرتقي لمستوى المسؤولية. عدت وحيداً. انشغل عني فاروق بتدبير أموره حتى يذهب إلى المجر. قادتني قدماي إلى مخيم اليرموك. درت في شوارعه. عشقت هذا المخيم وكأنه مخيم جباليا! أين الكثبان الرملية التي كنا ننزلق من فوقها إلى أسفل؟ ذهبت إلى حصني القديم الذي لم يعد حصني. ضغطت جرس الباب. فتحه وسيم. تفضل، قال. دخلت. ليس كدخولي السابق يوم كان هذا البيت بستاني وأجول بين أشجاره كما أشاء. راضي وأمل كانا هناك. صافحتهم وجلست معهم أمام حجرتي ومكمن أسراري. كل شيء يصبح قديماً، هي الدنيا، ومكمن أسراري هذا أصبح قديماً كما كنت من سكان مخيم جباليا قديماً، حدثت نفسي. حضرت أم وسيم. قدمت لنا الشاي، وأخذنا ندخن. حتى أمل شاركتنا التدخين. حضر ذلك الرجل الأربعيني الذي طلب مني أن أرحل. كلهم يريدوننا أن نرحل! - متى سترحل؟ سألني الرجل. ألم أقل لك؟ كلهم يريدوننا أن نرحل! نحن الوباء! - خلال الأيام القادمة. - إلى أين؟ سألتني أم وسيم. تنشقت الأسى واللوعة بين كلماتها. - إلى القاهرة. - لا تنس أن ترسل لنا أينما كنت. هي عشرة الأيام، وكيف أنسى من أنستني ماضيّ وخلقت داخلي رجلاً آخر؟ لا، لن أنساك يا أم وسيم، فأنت جنتي التي خلقتها لأستريح فيها من رمضاء الطريق! وهل ينسى المرء مرفأ استوطنه سنوات عندما تعطل قاربه؟ دعوني لتناول الغداء معهم، لا بل أحضرت أم وسيم الطعام وشاركتهم فيه. عانقتهم بحرارة وخرجت. شعرت بيدها ترتجف بين أصابعي، فعرفت مقدار معاناتها، هي معاناتي! - هل نسيت شيئاً حدث للهلالي في دمشق لم تحدث القراء عنه؟ سألني. - أظن ذلك! - تظن؟ - هناك شيئان نسيتهما. - وتريد بعد ذلك أن يثق بك القراء؟! - جل من لا ينسى! -إذاً قل كلمتك وغادر! استلم الهلالي إذن صرف منحته الشهرية من السفارة الكويتية وذهب إلى المصرف التجاري السوري. أخذ الصراف يعد له النقود. لاحظ الهلالي أنه عدّ له نقوداً أكثر بمقدار مائة ليره. أخذ النقود وخرج، وعند باب المصرف تأكد أنه أخذ مائة ليرة أضافة لما يستحقه. - إرجع النقود للصراف، فأنها ستخصم من راتبه. قال ضميره. - لا. أنت تحتاجها أكثر منه! قال الشيطان. تاه بين الرأيين. أخيراً وافق الشيطان على رأيه. ما أقدره على الإقناع هذا الشيطان؟ يا رجل! هل نسيت أمنا حواء وكيف أغواها أن تقترب من تلك الشجرة المحرّمة وتأكل من ثمارها؟ يا أمنا الغالية، أما كان بإمكانك أن تقاوميه؟ لو فعلت، لبقينا في الجنة. آه.. هذه الجنة! أوترانا سنكون لاجئين فيها أيضاً؟ قال البدوي ذات يوم: نحن الفلسطينيين سنسكن الخيام هناك بين الجنة والنار، وبالذات نحن أبناء غزة. هذا ال "أبو قردان!" من أين يأتي بهذه الأفكار؟ بعد مسافة ليست بالقليلة، توقف الهلالي واستمع إلى صوت ضميره يؤنبه. رجع إلى المصرف ثانية وعند الباب صرخ فيه الشيطان أن عد بنقودك-لاحظ كلمة نقودك- واستمتع بما جدت به عليك، مائة ليرة ثروة وأنت تحتاجها. رجع. وفي المكان ذاته الذي توقف فيه أول مرة، تسلل إليه صوت ضميره أن لا تفعل. عاد إلى المصرف، ومباشرة ذهب إلى الصراف. - لقد أعطيتني مائة ليرة إضافية. قال للصراف وقدم له الورقة المالية. نظر إليه الأخير بامتنان. - أشكرك! لم يجد الرجل كلمة أفضل منها ليعّبر بها عن إمتنانه له. وداعاً دمشق! عانقت فاروق والنسر في صالة مطار دمشق الدولي، وقبلهم ودعت أبا الهيثم وزوجته. أنا في طريقي إلى القاهرة. أخذت عنوان عبد الكريم من فاروق. سأنزل عنده، ولمن ألتجئ إن لم ألتجئ إليه. قلت لنفسي. استقم. قال لي فاروق وهو يودعني، سأراسلك، فأنا بعد أيام سأكون في طريقي إلى المجر. وفقك الله يا فاروق، فأنت صاحب الذكاء المتوحش وتستحق أن تكون كما تود أن تكون. قلت له. قل له أن يستقيم، قال الهلالي لرسولي الذي أرسلته إليه. وكيف استقيم يا هلالي يا كبير والإرادة خربة والذات مفتتة؟ وداعاً دمشق! أمضيت فيك جزءاً من سنوات عمري. شهدت فيك ذاتي وهي تحاول أن تتماسك وروحي وهي تحلق في فضاءات مترامية الأطراف. عرفت فيك معنى الحياة: قسوتها وحنانها، حرمانها وكرمها، مرارتها وحلاوتها. أنت الحياة يا دمشق. أنت البحر الهائج الذي عمت فيه بلا وجل! منك حصلت على شهادتي، جواز سفري في هذه الحياة القاسية التي لا ترحم. وداعاً دمشق! صعدت إلى الطائرة. هل سأراك يا دمشق؟ دمشق، يا وجعي، يا ألمي، يا حبي، يا حزني، يا فرحي. دمشق يا قلبي الآخر. أنت توأم القدس. أحببتك يا دمشق حبي للقدس وجباليا ودير سنيد وبيت لاهيا. شعرت فيك بإنسانيتي، بكبريائي وبرجولتي. دمشق أنت الأمل عندما تتحطم كل الآمال. أنت الألم عندما تغزونا الألام من كل مكان. معك كل الحق أن تبكي عليها يا مصباح وهي تقذف بقنابل النابالم في سنة الإندثار. دمشق فداك نفسي! وداعاً دمشق! صعدت الطائرة إلى علو شاهق. حلقت فوق دمشق بمبانيها الجميلة. أراها كلها تحتي. آه يا دمشق، لو كان في مقدوري لعشت فيك حياتي كلها. أنت قريبة من تلك البقعة التي هي وطني. لم أشعر بغربتي فيك. احتضنتني وكأنني طفل صغير تحنو عليه والدته وتحميه من برد الشتاء وحرارة الصيف. أنت، أنت يا دمشق قرة العين وإبنة السلطان. معاويه استنجد بك فنجدته، ونحن نستنجد بك وظني أنك لن تخذلينا، فوداعاً يا دمشق وداعاً لا أعلم إن كان بعده لقاء. دمشق أنت نصف حياتي ونصفها الآخر هناك في القدس وجباليا ودير سنيد. وداعاً دمشق! - لا تتركها قبل أن تحدث مستمعيك عن تلك الفتاة التي حاولت أم وسيم أن تزوجها لك! - هذا هو الشيء الآخر الذي نسيت أن أحدث القراء عنه! - إذاً حدثهم عن أمنيه. - آه.. أمنيه؟ هي فتاة جميلة أمها شامية من صلب دمشق وأبوها فلسطيني من... من أي بلد في فلسطين؟ ليس مهماً أن تعرف. أنه فلسطيني وهذا يكفي. كانت لطيفة ومهذبة. سهرت عندهم ليالي طويلة. غمرتك هي ووالدتها بعطفهما وحبهما. التجأت إليهما عندما ازدادت حرارة حصنك. استظللت بظلهم. انفردت على سجيتك في بيتهم. كنت أنت أنت عندهم! - هل نسيت؟ - ماذا؟ - تلك المسرحية الرائعة لفيروز. آه..يومها ذهبت وأمنيه وأختها وأمهما. كانت ليلة من ليالي العمر. جلست بجانب أمنيه. كنت قد أحببتها. ومن كرهت أنت من قبل؟ أحببت كل الناس! الكل قريب منك! ربما كنت تعوض كم الكراهية الهائل الذي حمّلك إياه ذيب وذيبه! - لماذا تركتها؟ كرهت أم وسيم أن تشاركها أمنيه ما هي فيه، حيث أخذت أقضي معظم وقتي عند أمنيه وأمها. أخذت تدس عليهم الحكايات القذرة، وأنت أنت صدقتها. وكيف لك أن تطعن في شهادة من أطعمتك الشهد؟ هربت منهم، ربما هم الذين هربوا منك! - أنت تائه حتى في ذاتك! وداعاً دمشق! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |