|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:33 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
12 صحت سعدى بعد الهلالي الكبير الذي سكن القلق وبعض من الخوف وجهه. التاعت سعدى عندما رأته. هذا الرجل الذي يصارع الصخر فيصرعه، يرتعب وإلى هذه الدرجة! ذهب إلى ولديه نايف وذيب. أيقظهما من نومهما ثم استدار إلى ابنته دليله. احتضنهم جميعاً. أسرّ إلى سعدى أن تستعد للرحيل. لن أغادر بيتي، قالت سعدى بلوعة. سنعود بعد أسبوع، أقل أو أكثر يا سعدى. يقولون أنهم ذبحوا أهالي دير ياسين كالخراف، وأنا لا أريد أن أرى أولادي وهم ينحرون. ارتعبت سعدى من الفكرة. لملمت أغراضها ووضعتها في ركن من حجرتها. حملت ما قدرت أن تحمله وذهبوا جميعاً إلى بيت لاهيا. - اقفل الباب جيداً يا يوسف حتى لا يدخله اللصوص! في الطريق رافقهم جدي عبد الرحمن وأخوته وأولادهم. الجميع في طريقهم إلى قرية بيت لاهيا هرباً من رصاص اليهود الذين بدؤوا يمطرونهم بالرصاص من المستعمرة القريبة، يقال لها مستعمرة دير سنيد. ولماذا تركتموهم يستوطنونها؟ صرخت في الهلالي عندما حدثني عن الرحيل. يا ولدي من الذي سمح لهم بذلك؟ بالتأكيد لسنا نحن. صدقني يا ولدي! وصدقته، هو لا يكذب. نزلوا عند صديق الهلالي في بيت لاهيا، وتابع جدي عبد الرحمن رحيله إلى مدينة خان يونس حيث استجار بصديق له هناك. نزل الهلالي عند صديقه اللهواني عدة أيام. طالت إقامته، فصنع خيمة له يؤوي فيها أولاده. - أسبوع آخر وسنعود يا سعدى، لا تقلقي! كان يواسي زوجته وفي حقيقة الأمر كان يواسي نفسه. نصب كل من نايف وذيب خيمة بجانب خيمة الهلالي. سارت حياتهم رتيبة، مملة، ومملوءة بالترقب والانتظار. طالت أيام التشرد وطال انتظار الهلالي. طال انتظاري في صالة المطار، مطار القاهرة الدولي. سمعت أسمي يتردد في أرجاء المطار. أنهم يطلبون مني أن أتجه إلى مكتب خاص في إدارة المطار، يقال له قسم أمن المطار. لا غرو، فأنا من غزة وخطر على الأمن المصري، لا، بل الآمن العربي كله. ذهبت. وجدت ضابطاً تتربع على كتفيه عدة نجوم لامعة. - أسمك؟ يا لله! أسمي مكتوب في وثيقة سفري، ولماذا أنا من دون خلق الله الذين يتواردون على المطار كل ساعة، بل كل دقيقة تطلبون مني ذلك؟ - محمد! - قف! - عبيد! - يا مجنون! فضحت سر الرواية! - آه..يوسف الهلالي. - كيف فعلت ما فعلت؟ - اختلطت علىّ الأمور، فأنا أيضاً أوقفوني في المطار وأخذوا يسألونني عن إسمي واسم والدتي وما شابه. - هل أنت من غزة؟ - طبعاً. - لا تنس أنك تروي سيرة يوسف بن يوسف الهلالي. - لن أنسى بعد الآن! - كل وعودك أخلفتها! - سأفي بوعدي هذا! وقف الهلالي الكبير على تل رملية عالية في بيت لاهيا. أخذ ينظر إلى بعيد، إلى أرضه التي سرقوها منه وتركها هو هلعاً من بطشهم. دمعت عيناه، رافقته سعدى في تيهه الجديد وشاركته لوعته وحرقة الذكرى! أوتراني أعود إليها؟ من يدري؟ وقفت أنا خارج مطار القاهرة الدولي بعد أن سمح لي ذلك الضابط بالدخول إلى القاهرة. كنت حائراً كما الهلالي الكبير، ولكني كنت أعرف إلى أين سأذهب. إلى عبد الكريم وعنوانه معي، بل أنني حفظته عن ظهر قلب. جاورتني سيارة أجرة صغيرة. - أوتوصلني إلى هذا العنوان؟ - بالتأكيد. أجاب السائق. سمعت حكايات كثيرة عن السرقات التي تحدث لزائري القاهرة للمرة الأولى. وضعت حقيبة ملابسي بجانبي داخل السيارة وأقفلت الباب. تحركت السيارة ببطء، ثم انطلقت بأقصى سرعتها. نظرت إلى السائق. لم تتكون لديّ فكرة عنه، لم أستطع قراءة ما يدور في عقله. قطعنا مسافة قصيرة، ثم سألني: - هل تريد أن نذهب من وسط المدينة أم من شارع صلاح سالم؟ - أذهب من أي طريق ترتاح له. قلت لأنني لا أعرف القاهرة. ذهب من طريق صلاح سالم. صلاح سالم؟ اسم من هذا؟ بحثت في الذاكرة عنه. تذكرته. أحد قادة ثورة يوليو ورفيق ناصر. ناصر محاصر في الفالوجا، قال الهلالي الكبير لصديقه اللهواني. ربما تكون دير سنيد من القرى التي سيسترجعها الجيش المصري! تابع. صلاح سالم، هذا الضابط العصبي المزاج، طلب من القادة المصريين سنة 1956 أن يسلموا أنفسهم للسفارة الإنجليزية. رفض ناصر وقال سنسلم أنفسنا للشعب المصري. وفي الفالوجا رفض الاستسلام وأذاق الجنود الإسرائيليين العلقم وهو يقاتلهم. - إلى أين أنت ذاهب؟ سألت السائق عندما سار مسافة طويلة في شارع غير مضاء، هو شارع صلاح سالم الصحراوي الذي لم أكن أعرفه. - لا تخف! لن أسرقك! وكأنه خمّن ما أفكر فيه. - لا أملك شيئاً لتسرقه مني، لكني أشعر بأنك خارج المدينة، وبصراحة أكثر، أنا خائف لأننا في الصحراء. مرت بجانبنا سيارة غير مسرعة في منعطف حاد، استوقف سائق سيارتي سائقها وسأله حتى يهدئ من مخاوفي. - يا زميل! ألسنا في طريق صلاح سالم؟ - بالتأكيد! قال السائق الآخر. وصلت منطقة المنيل في القاهرة، منطقة شعبية وعبد الكريم يسكن فيها، بالقرب من جامع قايت باي. اهتديت إلى البيت بسهولة. أعطيت السائق ما يريد من النقود. لكنه قال: ألا أستحق مكافأة لأنني لم أسرقك؟ ضحكت وضحك هو. نفحته جنيهاً مصرياً لأمانته! شكرني وانصرف. حملت حقيبتي وصعدت الدرج إلى الدور الثاني حيث يسكن عبد الكريم. أمام باب شقته وقفت. استرحت لثوان، ثم ضغطت جرس الباب. فتحه هو. واجهني. سمّر عينيه في وجهي، وفعلت أنا. صمتنا سوياً لعدة ثوان، ثم انطلقت الأسماء معاً عبد الكريم يوسف. تعانقنا عناقاً حاراً وطويلاً بطول أيام الفراق. دخلت شقته. جميلة ومتواضعة ويسكنها وحده. - أهلاً يوسف. - سعدت بلقياك يا عبد الكريم، أيها العجوز الشايب! هل هذه الكلمات كافيه للتعبير عن مشاعري بلقياه؟ سعدت...؟ انتشيت باللقاء. عطش السنين ولوعة الأيام وحرقة الغربة كلها اندثرت لحظة أن رأيته. ماضيّ كله تجسد في تلك اللحظة النادرة الحدوث-لم أره بعدها مطلقاً-عبد الكريم يا أيامي الماضية، يا ذكرياتي الملتاعة، يا عمر العمر! قلت هذه الكلمات لحظة لقاءك لفاروق. قال مؤنس وحدتي. وما الفرق بين فاروق وعبد الكريم وأنا؟ كلنا واحد! نسيت غاده! من قال هذا؟ لها مكان ومكانة خاصتان في البطين الأيمن من قلبي. احتفظ بها هناك وسأراها ولا بد أنني راجع إليها والتقيها حتى وإن طالت أيام التيه والغربة. - ما الذي قذف بك إلى القاهرة؟ سألني عبد الكريم. - حصلت على شهادتي الجامعية، وجئت أقتنص فرصة أن أتوظف في أي بلد عربي عن طريق القاهرة. - موسم التعاقد على الأبواب. - وأنا أترصده! في المساء خرجنا نتجول في شوارع المنيل. كثافة سكانية لم أر لها مثيلاُ لا في دمشق ولا في عمان ولا حتى في جباليا. دخلنا مطعماً مزدحماً يبيع سندويشات الفلافل. اشترينا أربعة سندويشات. تمتعنا بأكلها في الشارع المزدحم. الوجوه واجمة وحائرة ومنتظرة، أنها تنتظر الرخاء الذي وعدها به السادات. - ما هي أخبار غاده؟ سألني عبد الكريم. - أنا من يسألك عنها! - لا أود أن أزعجك! - لا يزعجني الإزعاج، فجسمي مثقل بكل هموم الدنيا، ومهما كانت أخبارها، فهناك متسع في ذاتي للألم، فلا تقلق. - لقد تمت خطبتها لابن عمها! كانت الرصاصة التي اخترقت رأس محمود النجار في عمان رصاصة تائهة، أما هذه الرصاصة فموجهة إلى القلب. أصابته في البطين الأيمن الذي يأوي غاده. توقفت دورة دمي وبقيت واقفاً في الشارع. وقف بجانبي عبد الكريم مواسياً. تشجع، قال. ومن أين تأتي الشجاعة؟ الذات مثقلة بالهموم والكآبة والآلام، من أين؟ احتملت، فأنا على مدى أيام عمري أتلقى الصدمات وطعنات الزمن. إن كان لذيب وذيبه من مأثرة، فهي أنهما زادا من قوة الإحتمال لديّ. تحركت. قادني عبد الكريم إلى المنزل. تركني هناك وخرج قائلاً أنه سيعود بعد دقائق. فردت جسدي على الأرض. انزلق التعب من أجزائه. استرحت. نهضت وذهبت إلى الحمام. تركت جسدي تحت المياه الدافئة، فازدادت قوة احتمالي. غاده..الغيمة الندية ستتزوج؟ ليباركك الله يا غاده، حتى وإن تزوجت، فأنت أنت ومكانك القلب ومقلة العين. سمعت نقراً على الباب. فتحته. - أين عبد الكريم؟ فتاتان متوسطتا الجمال. جسمان ممتلئان بغير سمنة. عيون جريئة، ولا أريد أن أقول وقحة. ورغبة تطل من تلك العيون الغجرية تستولي على أفكارك. كل هذا دفع الدماء حارة في عروقي. اهتز مركز العمل في رأسي. سهرة أخرى من سهرات العمر في طريقها إليك! أورتب عبد الكريم ذلك؟ - تفضلا! - وهل هو في الداخل؟ - سيعود بعد لحظات. وقبل أن تدخلا البيت، كان عبد الكريم قد وصل. لكز إحداهن من الخلف، فأطلقت صرخة مكتومة، لكنها غانجة. لكز الأخرى، فغنجت بدلال. دخلنا جميعاً وأقفل عبد الكريم الباب بالمفتاح. جلست إحداهن بجانبي وجلست الأخرى بجانب عبد الكريم. أخذنا نتحدث. نهضت الفتاتان ودخلتا حجرة عبد الكريم الذي دخل معهما. بقيت وحدي. طال وقوف الهلالي الكبير وسعدى بجانبه على تلك التل الرملية المرتفعة. أطالا حملقة عيونهما في اتجاه أرضهم. كان يرى أشجاره وهي تتطاول بكبرياء يماثل كبرياء نفسه. أنه يعتز بأرضه وبأشجارها المثمرة التي قضى عمره كله يزرعها. تسللت يد سعدى إلى يده. باردة كالثلج، قالت سعدى لنفسها. ربما كانت يدها هي الباردة! انسحبت الشمس تاركة وراءها قتيلاً نعاه الهلالي بحرقة لأنه قتل قدرته على متابعة النظر إلى أرضه. جلس مع سعدى على التراب الندي. الكثبان الرملية في بيت لاهيا أشبه بسجادة عجمية غالية الثمن. طالت جلستهما دون أن يتكلما. أسبوع آخر وسنعود يا يوسف، لا تبتئس! عاد عبد الكريم بصحبة الفتاتين. لقد تخلصتا من ملابسهما وأبقيتا على ملابسهما الداخلية. ليلة من ليالي أبي نواس، قلت لنفسي. أحضرت إحداهن الكؤوس والمكسرات، وفتح عبد الكريم زجاجة من الراح الرخيص. ملأ كأساً وقدمه لي. أوتشرب؟ سألني، ودون أن أجيب وضعه أمامي. - عّرفنا على هذا الرجل. قالت إحداهن. - هذا وعل قادم حديثاً من الصحراء! - وعل؟ قالت الثانية. - بل أنا وعل أضاعت الأيام ذاته! - أفيلسوف هذا؟ سألت الأولى. - كتلة من الهم والألم والأفكار الهائجة! قال عبد الكريم. دلقت الكأس في جوفي دفعة واحدة. ذهل عبد الكريم وكذلك الفتاتان. أوتظن أنك الوحيد الذي استوطنته الرغبة ولذة الشراب؟ قلت لعبد الكريم دون أن أتكلم. صبّ لي كأساً ثانية. انطلقت موسيقى هادئة من جهاز تسجيل موضوع على الطاولة القريبة من مجلسنا. تمددت الموسيقى في أرجاء الحجرة. أخذت إحداهن ترقص، رقصة هادئة كهدوء صوت الموسيقى. كنت قد أحضرت عدة أشرطة لمسرحية فيروز التي شاهدتها مع أمنية ووالدتها. أحضرت واحداً من تلك الأشرطة ووضعته في المسجل. كان للمغنية جورجيت صايغ التي شاركت في تلك المسرحية. بدأ صوتها ينطلق من آلة التسجيل. - دلوني على العيون السود وعلقوني... بدأت الفتاتان تتمايلان في رقصة صاخبة صخب الموسيقى المنطلقة من جهاز التسجيل. تابعتهما وهما تقومان بالحركات المثيرة للرغبة. انتشيت. وقفت. أمسكتني إحداهن وأخذت ترقص حولي. تحمست. اندفعت الرغبة إلى عينيّ. أخذت أشاركها رقصها. وكما قلت لك سابقاً، أنا لست براقص ماهر. - يا ليل الليل اللي ما له حدود... وكان ليلي بلا حدود. وكان ألم الهلالي الكبير وسعدى بلا حدود. فقدا أرضهما ومصدر رزقهما. نسيت كل آلامي وآهاتي، وأخذت أرقص وأرقص، تمسكني واحدة وتقدمني للأخرى. تدفعني بمؤخرتها فارتد أمام الثانية، ألتصق بها. تتطاير أطرافي ذرات تطوف جسد الراقصتين الرائعتين. - بين عيوني... بين عينيها، بين ساقيها، بين ثدييها، ليل حالك السواد. وليل الهلالي وسعدى كان ليلاً طويلاً وحالك السواد، ذرفت خلاله سعدى كثيراً من الدموع على الأرض المسروقة. ليل لا ينتهي، ليل يسكن فيه الألم وتستيقظ الرغبة. انتشى عبد الكريم، فأخذ يرقص معنا. حركاته الراقصة تضاهي حركاتي البلهاء. - آه يا بيي... "بيي" كلمة تعود للهجة اللبنانية تعني يا والدي. آه يا أمي، يا سعدى وآه يا أبي يا هلالي! أوصيتماني أن أستقيم، وها أنذا استقيم! استقيم واقفاً وأرقص وأرقص وأتوه بين الراقصتين. وعبد الكريم استقام وأخذ يشاركنا الرقص. وأنتما هناك جالسان على تل رملية ترقبان أرضكما المسروقة. أما كان من الأكرم لك يا هلالي أن تستلقي فوق أرضك وتندثر معها حتى يسرقوك أنت الآخر كما سرقوا الأرض؟ - أيها الأخوة... - سكوت، فالقائد سيخطب! قال عبد الكريم. هذه الليلة هي ليلة تاريخية-لاحظ أن كل أيامنا، حوادثنا، مناسباتنا، كلامنا، أخطاءنا، وأسننا هي تاريخية-التقى فيها من افترقا أعواماً طويلة، هي ليلة السكارى ومحروقي الذات والعاطفة. ليلة من ليالي العمر المعدودة. أصدقكم القول أنني وأنا غائب عن الوعي أعبّر عن حالتنا أصدق تعبير، لقد تركني الهلالي لأقود أفواج السكارى في كل أنحاء العالم. إنها لحظة تاريخية وظرف حرج تلك التي أقودكم فيها! ربما أقودكم للإندثار، للعدمية، للأسن، للقذارة، للهزيمة! اختر أي كلمة قذرة وستكون وصفاً صادقاً لما سأقودكم إليه! - تابع خطابك أيها القائد المغوار! قالت الأولى. - سلم فوك أيها القائد الملهم! قالت الثانية. - يا هلالي يا مغوار أنت القائد طول المشوار! قال عبد الكريم. أيتها الراقصات املأن الأرض رقصاً وغناءً حتى يزول الهم والألم من هذه النفوس الطيبة التي استوطنها العذاب سنوات طويلة وآن لها أن ترتاح. أرقصن حتى يتحلل درن النفوس المعذبة فوق أجسادكن التي خلقت لعمل خلاق لا يقوم به إلا الفحول من الرجال. - تابع أيها المغوار! هتاف: سنحررها، سنحررها، من النهر إلى البحر! سنحررها! هذه الذات الخربة! - ظننتك ستحرر فلسطين؟ قال عبد الكريم. - لا تمزح يا عبد الكريم! ومن أين تتساقط الدراهم علينا إن نحن فعلنا؟! نحن سكارى الأرض سنطلق ثورة السكر من أقصاها إلى أقصاها، واسمع أنت يا هلالي ياكبير، أنا لن أستقيم وسأتابع انتفاضتي هذه حتى تتخلص ذاتي وكل ذات أخرى من ذيب وذيبه والثائر الذي فقد الألف دينار، وعليه أن يجدها، ومن أبي نضال حتى يرد راتب الشهيد إلى والدته، أم علي، وسنواصل انتفاضة السكر هذه حتى وإن طاردتنا المخابرات الأمريكية والموساد! تباً لهما! - تابعوا الرقص والتصفيق للقائد! قال عبد الكريم. تابعوا ما أنتم فيه وصدقوني إنها انتفاضة حتى العصر! حتى الصباح يا جحش! ليكن، انتفاضة حتى الصباح! فما زالت الرأس مشتعلة والأحاسيس فواره، قوموا بعملكم على أكمل وجه، لا رحمكم الله! كنت قد تخلصت من ملابسي. قفزت من فوق الكرسي الذي كنت أقف عليه وأنا ألقي خطبتي العصماء-وهذا وصف للخطبة أطلقه عبد الكريم وليس أنا، لذلك لزم التنويه-استلقيت على إحدى الغانيتين. لم أخترها، قفزتي هي التي اختارت! تلقفتني هي بشبق ثائر، ثورة ذاك الذي أشاح بيده عندما سمع لفظة راتب الشهيد. واستشهدت رغبتي فوق جسدها! كانت معركة طويلة وسهلة، هزمت فيها نيران الألم وفوران الرغبة وتراكم الحرمان. هزمتهم جميعاً بهجوم صاعق! وتابعت هجومي بلا توقف. لا أعترف بالوقفات التعبوية في الجيوش النظامية، فأنا ثائر والثائر عليه أن يغير قانون الطبيعة ولقد نجحت! هجومي كان قاسياً وكاسحاً استمر منذ منتصف الليل-أوليس ذاك هو الوقت الذي كانوا يفاجئوننا فيه؟-حتى الصباح، وبلا توقف، صدق أو لا تصدق، بلا توقف! أنهكت قوى الأعداء، فاستسلموا لي. حتى بعد استسلامهم، تابعت هجومي، وعندما اندحرت الفرقة الأولى أمام هجومي، تقدمت الفرقة الثانية التي انسحب عبد الكريم أمامها. واصلت من جديد. هاجمتها. أنهكت قواها، فأخذت تصرخ أن أنقذوني، أنقذني يا عبد الكريم، فهذا وعل لم ير الماء قبل هذا اليوم، أو قبل هذه الليلة. اصمتي أيتها الدعجاء الملقاة أمامي! لا منقذ لك مني هذه الليلة، فأنا آليت على نفسي أن أمزق أعدائي-دع سمائي فسمائي محرقه، دع مياهي فمياهي مغرقة، وأحذر الأرض فأرضي محرقه وأبي ضحى هنا وأبي قال لنا مزقوا أعداءنا-هكذا أوصاني الهلالي الكبير، أبي. استقم قال لي. تابعت هجومي غير آبه بصرخاتها الملتاعة. أشفقت الأولى على الثانية، فأزاحتها إلى خط الدفاع الثاني وتقدمت هي. نحن انسحبنا إلى خط الدفاع العاشر ولم يتقدم أحد لأخذ مواقعنا. صمدت لحظات-نحن لم نصمد ولا حتى دقيقة-ثم أخذت تصرخ من قوة ضرباتي وهجومي الكاسح. انبلج الصبح ولا زلت هائجاً لا يقترب مني أحد إلا ومزقته! أوقفت هجومي مضطراً، فقد تفرق الأعداء وغادرونا يجرون أذيال اللذة والهزيمة! استقم، قال الهلالي ومن أين تأتي الاستقامة يا هلالي أما زلت جالساً فوق تلك التل الرملية تنظر بحسرة إلى أرضك أنا ما زلت أنظر بذهول إلى بقايا معركة الأمس التي كنت فيها فحلاً هائجاً لا يقف في طريقي عائق ذهل عبد الكريم من ثورتي الهادرة لم أكن أعرف أنك بهذا العنف قال ولقد كنت عنيفاً وثائراً ألم اللوعة لوعتي على غاده أطاح بترددي فأشرعت سيفي وأخذت أقطف الورود الرؤوس يا خليفة أبي نواس صه الرؤوس هناك من يقطعها وبصمت أما أنا فعليّ أن أقطع الورود وقطعتها أيها الحجاج الثقفي زمن الحجاج مضى أوترانا في حاجة إليه الآن نحن والله نحتاجه ما أشجعك أيها البدوي من هذا يقال أن الحجاج كان يسبح في بحر دجله نهر دجله أيها الجاهل أنت الجاهل فالنهر أصبح بحراً يا عديم الإدراك في هذا الزمن الأغبر كما كنت أسبح أنا في الأسن أوشك على الغرق رآه البدوي فتجرد من ملابسه وأسرع إليه فأنقذه أوتعرفنا يا أخ العرب وهل يخفى الحجاج على أحد قال البدوي ولماذا أنقذتنا وأنت تعلم ما فعلناه بأهل بغداد بغداد فقط ومكة وكل من رفع راية العصيان ضد أولي الأمر من بني أمية أعلم قال البدوي سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن من يمت غريقاً فله الجنة ولذلك أسرعت إليك أنقذك مما أنت فيه ومن ينقذهم الآن إنهم في حاجة لمن ينقذهم من الغرق فكلهم يغرقون والغرقى في الجنة علينا إنقاذهم من أنقذك أنت يا هلالي لم ينقذ سعدى أحد أخذت المسكينة تتلوى من الألم وحرقة الحرمان بعد أن باع الهلالي بقرتها حتى غادرت الدنيا وفي قلبها غصة وحرقة تحرق جبالاً فما بالك بنفس رقيقة عندها من الكبرياء ما يفوق كل كبرياء الآن آه يا سعدى ماذا تركت لي من تلك الكبرياء وأنت يا هلالي تريدني أن استقيم لم يحن الوقت بعد ولن أجد من يمد لي يد المعونة لإنقاذي عندما تتقاذفني الأمواج وتودي بكل آمالي وسط المياه الآسنة كم سبحت في مثل ذاك البحر الهائج وأم وسيم تقول أنني سباح ماهر هي من علمني السباحة فتفوقت عليها لقد أصبحت معلماً للسباحة قالت لي ذات يوم أتعلم بسرعة وعندي ملكة الإبداع قلت لها كانت موجة هائجة تسلقتها فأصبحت على قمتها وكم حاولت أن تطيح بي وأنا ممسك بناصيتها حتى استكانت وارتخت بين ذراعيّ ترجوني بكل رقة أن أكون رقيقاً معها وما كنت أين ذهبت كل تلك الرقة التي صاحبتك ردحاً من الزمن ومن أين أتيت بكل هذه القسوة التي تطبع حتى معاملتك للآخرين تركت الندم والاعتذار لهم وأصبحت قاسي القلب متصلباً - صباح الخير يا يوسف! - بل قل مساء الخير. - أونمت إلى هذا الحد؟ - تركتك تستريح من عناء معركة أمس! - لقد كنت أنت فارسها! - كلنا فرسان مهزومون! - لا تقل هذا يا رجل! - هي الحقيقة. كنت قد أعددت طعاماً أظنه لذيذاً. نهض عبد الكريم واغتسل. بدأنا نأكل وأذ بصديق قديم يدخل البيت، أنه حسين قرموط. شاب نحيل الجسم، أصلع، يطير مع الهواء من تواضع وزنه. أخذته بالأحضان. سمعت أنك هنا، فقلت لنفسي إن كان الهلالي في القاهرة، فابحث عنه عند عبد الكريم، ولم يخب ظني. حضر محمود أبو طه، صديق كان جاراً لنا في مخيم جباليا. الماضي كله يتكوم في هذه الحجرة. تذكرت أيام الصبا ونحن نلعب الورق عن قرش، نوع من القمار، وكثيراً ما كان هذا الشيطان حسين يكسب كل قروشي. كنت أحبه وأحقد عليه لأنه كان يستولي على قروشي التي كنت أشقى حتى أحصل عليها. أصرّ حسين على أن نذهب معه إلى منزله لنتناول طعام الغداء عنده، وافقنا. حي المطرية. مبان قديمة قدم القاهرة، ومكتظ كأنه مخيم جباليا. أخذنا حسين إلى هناك حيث كان يسكن مع قريب له هو أيضاً جار لنا في جباليا ومتزوج من أثنتين. أخذني الرجل بالأحضان، فهو يعرفني حق المعرفة. وصافحتني زوجتاه. أيامي الحزينة والجميلة، المرة والحلوة، العذاب وبعض من الحنان كلها ارتسمت أمامي. جلسوا جميعاً معنا، فهذه هي عادتنا نحن أبناء غزة. كلنا عائلة واحده. تحدثنا كثيراً. كانت إحدى زوجتي الرجل من دير سنيد، أي من بلدي وتعرفني جيداً وتعرف قصتي مع ذيب وذيبه. أما الأخرى فلا أعرف من أي بلد هي، لكني أحترمها جداً لأنها مؤدبة وأخلاقها راقية. - ما هي أخبار ذيبه؟ سألتني الأولى. - في جباليا! - هل تكرهها يا يوسف؟ سؤال صعب الإجابة. ولقد سألت نفسي ، هل أكرهها؟ واقع الحال أنني لا أكرهها، كرهت معاملتها القاسية لي. هي ابنة عمي، وكما قلت لك في الماضي أنه عندما تصفو الأمور بيننا، فإنها تكون كريمة معي. يقال إنها كريمة، وأكثر كرماً من ذيب. ولكن لحظات الصفاء هذه قليلة جداً. - لا، لا أكرهها. قلت. - وذيب؟ - بالتأكيد أنا لا أحقد عليه، فقط كرهت حرصه الزائد على الحياة. ودار حديث ممتع استرجعت خلاله أيام الصبا في جباليا وحتى في بيت لاهيا. اقترب حسين من قلبي كثيراً. ماذا تدرس يا حسين هنا في القاهرة؟ إدارة أعمال، قال. وستدير أعمال من؟ لا أعمال لنا يا حسين إلا هذه الثورة ومدراؤها كثر ولن يسمحوا لك بالإقتراب! ومن يسمح للآخرين بالإقتراب من البقرة الحلوب؟ أرسلت لذيب بأنني في القاهرة، ومن هناك أريد الذهاب إلى ليبيا لأتوظف. ولقد حضرت البعثة التعليمية الليبية إلى القاهرة. قدمت أوراقي، وكنت من أوائل المتعاقدين مع هذه البعثة، حيث أنهم كانوا يبحثون عن مدرسي اللغة الإنجليزية ويتعاقدون معهم بسرعة. في تلك الفترة تسلمت رسالة من إبن خالي في السعودية يخيرني فيها بين الذهاب إلى لندن وقضاء سنة هناك أصقل خلالها لغتي الإنجليزية، أو أن أذهب إلى السعودية للعمل هناك كمدرس. ناقشت الاقتراحين في عقلي، رفضتهما معاً وفضلت الذهاب إلى ليبيا، فأنا لا زلت متعلقاً بدليله وحبي لها، رغم إصابته ببعض التصدعات، مازال قوياً ومتماسكاً. جلس مجموعة من الأصدقاء عند عبد الكريم. لا أعرف كثيراً منهم. بدأوا يلعبون القمار. ولعبة القمار هذه لا أتقنها. يسمونها السبعة والنصف. يخلطون الورق ويوزعونه، ومن يكون مجموع ما لديه من أرقام ورق اللعب سبعة ونصف، يربح. خسر أحدهم معظم نقوده. طلب مني أن أقرضه بعض النقود. أعطيته جنيهين مصريين. عاد للعب مرة أخرى. ربح كثيراً. سأدعوكما إلى مسرحية عادل إمام، شاهد ما شافش حاجة. قبلنا الدعوة، عبد الكريم وأنا. ذهبنا إلى المسرح. جلسنا في أول الصفوف، ولقد كانت ليلة من ليال العمر التي لن أنساها. ضحكت على مدى ثلاث ساعات، ضحك متواصل أنساني همومي وغربتي وحرقة أيامي. نحن في حاجة لأن نضحك، قلت لنفسي. عاد كثير من طلاب قطاع غزة إلى القاهرة. مع أحدهم أرسل لي ذيب مبلغ مائة جنيه مصري. أمسكت النقود بيد مرتجفة. لم أصدق أن يرسل لي ذيب مائة جنيه. أين كانت هذه النقود عندما كنت أعاني الحرمان في جباليا؟ تذكرت عبد الحكيم. هو صديق آخر مقرب من النفس في جباليا. بعد أن سحقنا الإعصار سنة 1967، بدأ يتاجر في العملة. - أوتشاركني يا يوسف؟ سألني عبد الحكيم. - سأسأل أخي ذيب. وذهبت إلى ذيب. قلت له أنني سأتاجر في العملة مع عبد الحكيم. نهرني بشدة قائلاً أنت لا تفهم لا في التجارة ولا في النجارة! وهكذا فشل المشروع، وبعد عدة سنوات أصبح عبد الحكيم مليونيراً. جلست وعبد الكريم في شرفة شقته. أحضر فنجانين من القهوة، وأخذنا ندخن ونراقب عباد الله وهم يمرون من أمامنا. شعب لطيف هذا الشعب المصري، ومهما حاولوا أن يشوهوا أفكاره، فأن معدنه أصيل ولا ينسى إخوانه من العرب. أنظر إلى أبناء الشعب الفلسطيني! كلهم أو معظمهم تلقى تعليمه في مصر. إن كنت ذا فراسة،فأنك ستقرأ الهم والألم في الوجوه. شعب فقير ولكنه مكابر! مكابر؟ آه يا جرحي المكابر! وطني ليس حقيبة وأنا المسافر..آه يا محمود درويش! - هل رأيت فاروق في دمشق؟ - ومن ذا الذي أعطاني عنوانك في القاهرة؟ - كيف هو؟ - ألا تعرف فاروق؟ هو كما هو لم يتغير. - وماذا يعمل؟ - يستعد للسفر إلى المجر للتحضير لشهادة الدكتوراه. - قائد ممتاز هو! - وهل سيسمحون له أن يكون كذلك؟ وطالت جلستنا. أمضينا أكثر الليل نتسامر. لم يزرنا هذه الليلة أي من طالبات الأنس. اكتفيت أنا بذكرى تلك الليلة الليلاء التي كنت فيها هائجاً ولم يعقني عائق. ذهبنا للنوم قرب الفجر. نمنا بعمق. وفي صباح اليوم الثاني، بدأت أعد العدة للسفر. كنت قد حجزت مقعداً في الطائرة الكويتية المتجهة إلى طرابلس. وكان موعد سفري في اليوم الثاني. اصطحبني عبد الكريم إلى المطار. أصرّ على ذلك رغم أنني قلت له بأنني سأذهب وحدي. عنفني بشدة وقال كيف تحدث نفسك بأنني سأتركك تذهب وحدك؟ سأكتب لك، قلت. فقط؟ سألني. لا، لن أنسى، سأرسل لك قطعة قماش من النوع الفاخر وبعض النقود. هكذا اعتدل، قال. ودعته بحرارة ودخلت صالة المطار استعداداً لدخول الطائرة. دمعت عيناي. زادت نبضات قلبي. ما لهذا الزمن يحرمنا من كل ما هو جميل؟ التقيت فاروق ولم تمض عدة أسابيع حتى غادرت دمشق، وها أنا ذا أودع عبد الكريم بعد أن أمضيت معه أياماً هي من أيام العمر المعدودة. يا لهذا الزمن القاسي! كله لحظات تستعد أثناءها للسفر! حتى سعدى أنجبتني وغادرت مسرعة وكذا فعل الهلالي الكبير. دمعت عيناي! دخلت الطائرة. حياتي كلها رحلة سفر دائمة. أين أجد الراحة؟ وهل سأجدها في ليبيا بجانب دليله؟ من يدري. قل للقراء بأنك ستقص عليهم ما حدث للهلالي في طرابلس! قال قريني. ها أنت ذا قد قلت لهم. هل نسيت شيئاً مما حدث للهلالي في القاهرة؟ أشياء لا قيمة لها، ولا تهم القراء. وداعاً..وداعاً يا عبد الكريم، وداعاً يا قاهرة المعز، وداعاً يا أجمل أيام عمري، وداعاً أيها القراء الأعزاء، سألقاكم في الجزء الثالث من سفر الهلالي، فكونوا في انتظارنا. - في انتظاري يا رجل! - لا بأس، في انتظاري. الاحساء 25/12/ 1998 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |