النـّو - سليم عبّود

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-5-

في مكتب فاضل مسعود تعرّف إليه مستخدم المكتب. أحضر له فنجاناً من القهوة ظلت صورة المرأة التي كانت معه في البولمان تفتح نوافذ روحه باشتياق حقيقي.. وظلت تتراءى لـه. رغب أن يطلب فنجاناً آخر من القهوة خجل.. كانت قهقهات مدير مكتب فاضل مسعود فاجرة. تقلبت نظراته في الوجوه حولـه، وعلى اللوحات الجدارية وستائر الحرير التي تغطي الجدران والنوافذ..‏

اقتربت عقارب الساعة من التاسعة مساءً.. ظل الباب الذي يفضي إلى الداخل نحو فاضل مسعود ينفتح، لرجال ونساء..‏

سأل متضجراً.‏

-ألم يأت دوري بعد!؟‏

لم تكن نظرات مدير المكتب تمنحه إحساساً بالراحة. ربما لأنه وجد في سؤال الجبلاوي نوعاً من تجاوز رسميات فرضتها طبيعة المكتب.‏

-إنه فاضل مسعود.‏

-وأنا لم أطلب لقاءه.‏

-من سيادتكم!؟‏

-أنا الجبلاوي، وأحذرك أن تخطئ معي بكلمة واحدة.‏

لملم الرجل نفسه وغضبه، وتظاهر بقراءة صحيفة ملوّنة وبورق مصقول، رجل القهوة والشاي أحضر له كأساً من الشاي، أدرك من نظرة مدير المكتب تضجره من تصرف المستخدم.‏

-عليك تجنبه.. هو عقدة فاضل مسعود.‏

خطر بباله أن يترك المكتب.. هو ليس بحاجة إلى هذا اللقاء كله. تذكر ما نشر عن هذا اللقاء في "جابالا" ضرب كفاً بكف:‏

الدكران هو أول من سيفرح بذلك.. سينشر في المدينة خبر رفض فاضل مسعود اللقاء به.‏

.. سيكبر الخبر في المدينة.. يصير مثل كرة ثلج تتدحرج من لسان إلى لسان.‏

شادن طرحت عليه فكرة رفض السفر للقاء فاضل مسعود.‏

"ما الذي يعنينا بالرجل.. استغن عمن تشاء تصبح نظيره".‏

الرجال الذين جالسوه في مقهى الميناء شربوا نخبه.. ونخب فاضل مسعود، ونخب المدينة لقاؤه مع فاضل مسعود يحسب له مئة حساب. قاسم المحمود نشر الخبر، ووزعه.‏

الصحيفة المحلية أرادت معرفة طبيعة هذا اللقاء. مراسل الصحيفة جاء إليه يسأله لمدة نصف ساعة عن موضوع اللقاء، والحوارات المرتقبة.. كانت أسئلة المراسل كثيرة الإحراج، وشديدة الالحاح.. هو يريد أن ينحت حرفاً من هنا وجواباً من هناك.. لكتابة موضوع لصحيفته التي تتقصد ملاحقة الأخبار المحلية، وبخاصة التي يكون لها صفة المفاجئة لتحقيق سبق يشد ويعزز موقع الصحيفة.. ومع ذلك فقد توقع أن يضع المراسل عنواناً بالبنط العريض وبشكل مثير.‏

"فاضل مسعود يستقبل الجبلاوي ويبحثان مستقبل المدينة. المسعود يهيِّئ الجبلاوي لموقع هام في الألفية الجديدة".‏

لأول مرة يجد نفسه في مواجهة أسئلة الصحافة.. استدعى كل ذلك أن يأخذ وضعاً، ويتنفس بهدوء ليعلن أفكاره بتأن.. فأية كلمة تخرج على الأصول تؤدي إلى حالة من التفجر.. من أجل ذلك ظل في إطار عموميات يوليها كل الناس اهتماماتهم وعرف لماذا تأتي تصريحات ولقاءات المسؤولين باردة دائماً، وفي العموميات. صوت انفتاح الباب إلى مكتب فاضل مسعود وانغلاقه.. وحركة الأقدام.. ظل يصخب في رأسه كموج هائج. عينا مدير المكتب الحمراوان.. تشعلان فيه حالة من الصمت المتفجر في الشرايين. ركض مدير المكتب إلى الباب الآخر الذي يفضي إلى الصالة الخارجية.‏

عرف أن فاضل مسعود غادر مكتبه.‏

جاءه مدير المكتب بضحكته المتثاقلة، ليعلن له.‏

-هو ينتظرك صباحاً في العاشرة.‏

**‏

هبط إلى الشارع..‏

اكتشف الجبلاوي أنه يضحك بصوت عال‏

رغب أن يزور كل أسواق المدينة.. لشراء هدية لشادن.. هو منذ زمن يعدها بثوب حريري للنوم.. انطمر خصر شادن بكتل سميكة من اللحم والشحم ولم يشتر لها الرداء الحريري.. كان في كل آخر شهر يعتذر لها .. وتظل تتفتح ابتسامتها له كوردة جورية دون أن تظهر غضبها أو امتعاضها. الفستان الزهري المعروض في الواجهة الزجاجية في وهج الضوء الأحمر بدا أكثر اجتذاباً. هو يريد أن يكون جسد شادن داخل فستان له مثل هذا الاجتذاب الحاد صاحب المحل فرش ابتساماته بين قدميه وعلى وجهه، صارت ابتسامته خيوطاً من شبكة عنكبوتية.. أحس بالخوف وتراجع إلى الوراء.‏

-طلباتك كلها عندنا.. وجهك بحري.. أعرف الوجوه البحرية جيداً. من أي المدن البحرية أنت؟‏

وجد نفسه خارج المحل التجاري.. نظرات صاحب المتجر كانت تفزعه. من متجر آخر مد رجل عنقه طويلاً..‏

-تستطيع أن تأخذ فستاناً بلون "فوشي" أو "بلون السكلما" أو "الموف".‏

وجد نفسه ضائعاً في زحمة الألوان والأشكال المعروضة.. هو لم يتعود على الشراء.. شادن تشتري له حتى ملابسه الداخلية.‏

-لا أريد شيئاً من هذه الألوان.. هي لا تعجبني.. أريد لوناً أرجوانياً.‏

-دقة قديمة.‏

الرجل يستهزئ به.. ومع ذلك تجاهله.‏

اقترب الليل من منتصفه.. وجد نفسه أمام فندق المدينة.. آخر مرّة جاء فيها إلى العاصمة لحضور مؤتمر المدن انزلوه في المريديان. كل شيء في الفندق كان يفصله إلى نصفين من الداخل والخارج. اكتشف أن حياة جديدة هي حياة المريديان.. وأن وجوه الناس فيه لها ملامح مختلفة. وجد نفسه مع مرور الوقت يتقمص وجهاً مريديانياً. كان يضغط على جرس الهاتف.. تأتيه فتاة رشيقة تسأله عبر الهاتف بالإنكليزية إن كان يريد شيئاً.. تقصد الحوار معها مرات.. وطلب شاياً وقهوة.. وفي آخر الليل وجد نفسه يطلب نبيذاً وفواكه لا يعرف طعمها.. وصحنين من الكافيار، رغم استغراب صوت المرأة.. أصر على صحنين من "الكافيار".‏

عندما افتتح المؤتمر كان رأسه لا يزال متضخماً على الوسادة وجاءه صوتها عبر الهاتف يطلبه:‏

"هم يسألون عنك".‏

طلب القهوة المرّة .. دخل قاعة المؤتمر.. ونسي أنه تناول الكافيار في تلك الليلة.‏

-هل تحمل هويتك الشخصية!‏

قدم لصاحب الفندق بطاقته الشخصية.‏

-أنت الجبلاوي؟‏

-تعرفني؟‏

-أما زلت تحلم؟‏

كان الجبلاوي يجيء الفندق يوم كان في الجامعة.. أحياناً يسهر مع رجل الفندق حتى الصباح، ويحدثه عن أحلامه الأوغاريتية.. وكيف يريد أن تنهض أوغاريت. ويقرأ له مقاطع من شعره.. جميعها كانت في شادن.‏

-كيف حال شادن؟!‏

-وتتذكر اسمها؟!‏

-وأتذكر مقاطع من أشعارك لأني كنت أعيش حالة من عشق مشابهة.‏

-يومها كان كل العشق متشابهاً.‏

شرب القهوة مع الرجل وتحدثا طويلاً عن زمن صارا فيه غريبين. عندما دخل إلى غرفته ...‏

ترك على وسادة موجعة رأسه المتورم بصور كثيرة. وظل يتساءل إن كان التفكير بامرأة البولمان خيانة!.. ومع ذلك استحضر رأسها إلى‏

وسادته.‏

**‏

قبل العاشرة صباحاً كان في مكتب فاضل مسعود. أصر على مدير المكتب أن يكتب ملحوظة أمام اسمه "الجبلاوي جاء لمقابلتكم بناء على طلب منكم".‏

مدير المكتب رفض الملحوظة.. وأعلن غضبه:‏

-أنت غريب يا رجل! لم يأتني على شاكلتك من قبل.‏

-وأنا مصر على كتابة الملحوظة.‏

-وأنا مصر على رفضها.‏

وجد رجل القهوة نقطة التقاء بينهما تقضي بأن يتعهد مدير المكتب بنقل الملحوظة إلى فاضل مسعود شفهياً. شربا القهوة معاً، ودخلا في أحاديث حول صعوبة الحياة، وفقدان الإنسان الآن القدرة على الحلم.. لكن كلاً منهما كان واجفاً من الآخر.‏

ازدحمت قاعة الانتظار. ثمة امرأة دخلت بأناقتها وعطرها، وجلست قريبة من مدير المكتب.. سألت:‏

-سيتأخر؟!‏

فرش أمامها ضحكته، وطلب لها قهوة. قدمت له لفافة تبغ: لا أدخن. وقرّب منها منفضة السجائر. كانت تتقصد الحديث بصوت عالٍ عن محلها المخصص لبيع الأثريات واللوحات الفنية. أكدت له أن المستقبل سيكون للوحة.. وأنها تحاول أن تنهض بالعمل الفني عبر البيع والشراء..‏

تفحصت الوجوه حولها ومدت شفتيها المصبوغتين بحمرة فاقعة. تذكر أن الحاج محمد الجبلاوي قبل أن يموت أوصاه باللوحات الفنية التي تمتلكها العائلة في الطابق السفلي.‏

"هي كنز العائلة وتاريخها"‏

فكر بأن يسألها عن قيمة اللوحات لديه.. الفكرة جاءته كالصدمة.‏

أحس بأن فكرة السؤال وحدها تدخله في دائرة الخطيئة. "قداسة العائلة يا جبلاوي ليست للبيع"‏

ظلت تشرب قهوتها في تغانج. تحدثت عن فناجين القهوة الخزفية الموشاة برسوم الفنانين وعن أصناف الكريستال. رن جرس المكتب الداخلي. غاص مدير المكتب في الداخل قليلاً ثم خرج، ليعلن لها.‏

-تفضلي، مدام.‏

أراد أن يعترض ويحتج على دخولها قبله.. فهو جاء قبلها.. وموعده محدد في العاشرة . وجد أن ذلك ليس مستحباً.. لكنه اتخذ قراراً حاسماً بإشعالها معركة مع مدير المكتب إن تجاوزه مرة ثانية. تقصد أن يشعر مدير المكتب بنيته من خلال نظراته المملوءة بالتحدي.‏

قرأ الجبلاوي في الصحيفة الملقاة أمامه على طاولة صغيرة زاوية الأبراج. لم ير في برجه ما يسرّ. طوى الصحيفة وظل يتأمل الجدران الباهتة.. ربما هي ليست باهتة، لكن‏

روحه الداخلية لم تكن في فرحها المعتاد. برجه اليومي هو الآخر لم يكن في ألقه المعتاد.. فصديقه محرر صفحة الأبراج في الصحيفة المحلية كان يتقصد أن يكون طالعه مفرحاً.‏

"أيامك القادمة يا جبلاوي مفرحة". يفصّل له طالعه كما يشتهيه. يوم انتشر خبر لقائه مع فاضل مسعود. كتب أنت على سفر. لقاء هام مع رجل مهم يغيّر حياتك. امرأة البولمان حدثته عن طالعها الذي قرأته في صحيفة البارحة. أكدت له أن لقاءها به كان معروفاً وأنها لم تفاجأ بذلك.‏

رغم اقتناعه بعدم واقعية الطالع الذي يكتب في الصحف كان يحس بارتياح لقراءة طالعه. قرأ العناوين العريضة في الصحيفة: أعاصير تجتاح الساحل الشرقي للولايات المتحدة. وفيضانات في الصين وبنغلادش. هزات أرضية في الجزائر وإيران. قوات الأطلسي تدخل كوسوفو.. تهديدات بين روسيا والأطلسي.. اتفاق عسكري بين إسرائيل وتركيا.‏

ومباحثات لجر المياه التركية عبر المتوسط إلى حيفا، استوقفه الخبر.. ستكون أنابيب المياه في مواجهة (جابالا) عبر البحيرة الأوغاريتية، التي تنحصر بين الساحل وجزيرة قبرص.‏

-تفضل.‏

جلس الجبلاوي على الأريكة البعيدة، وغاص في نعومتها. أشار إليه فاضل مسعود بالاقتراب إلى الأريكة المجاورة لطاولته. لم يجرؤ على تأمل وجه فاضل مسعود كما كان يخطط. أبقى رأسه منحنياً إلى أسفل. فكر بالذي سيقوله. على الأقل يجب أن يحدثه عن المدينة. فهو يعمل في أرشيف المدينة. عشرون عاماً لم يسأله أحد عن محتويات هذا الأرشيف الذي يتضخم ويكبر. وحدها فردوس تأتيه وتستخرج منه أرقاماً وموضوعات لمقالاتها التي تكتبها وتبثها عبر شبكة الأنترنيت. اعتبر أنها الفرصة الأولى له للحديث طويلاً عن المدينة.‏

فاجأه بسؤاله:‏

-سمعت أنك تكتب الشعر.‏

-أكتبه لنفسي فقط.‏

-أشعارك كلها في الغزل.‏

-هي في زوجتي.‏

ضحك فاضل مسعود رغم أنه لم يصدر لضحكته صوت.‏

-قبل الزواج أم بعده؟‏

-قصائدي قبل الزواج هي الأكثر. اتسعت ضحكة فاضل مسعود، وصخبت قليلاً.‏

-وهل يكتب الشاعر قصائده في زوجته؟!‏

أقسم الجبلاوي برحمة أبيه الحاج محمد أنه لم يكتب لامرأة أخرى غير شادن.‏

-واسمها شادن؟!‏

-نعم.‏

أحضر الحاجب فنجان القهوة. وأحس الجبلاوي بأصابعه ترتجف حول الفنجان. خشي أن يسقط منه عندما رفعه إلى فمه.. فأعاده إلى الطاولة.. رفع عينيه إلى وجه فاضل مسعود اكتشف أن عينيه مكورتان كثيراً.. وأن ممراً ضيقاً يفصل بين حاجبيه تحت جبهة عريضة. كان مظهر فاضل يبرز أناقته وهو يقلّب أوراقاً كثيرة في أكثر من مصنف.‏

-حدثني عن أحلامك وحياتك وأي الأشياء تحبها أو تكرهها.‏

.. رغم أن السؤال جاءه مربكاً.. فهو يختصر أسئلة كثيرة في سؤال واحد، ودون أن يحدد زاوية بعينها للإجابة وجد نفسه في زحمة أفكار كثيرة. فقد القدرة على ترتيبها بحسب أهميتها.. تمنى لو جاءه السؤال محدداً.‏

-عن أي شيء تريد أن أحدثك يا سيدي؟!‏

-أي شيء.‏

زاد ارتباك الجبلاوي. فكر أن يحدثه عن عمله في الأرشيف الخاص بمجلس إنماء المدينة وعن مدينة جابالا، وعن أحلامه الكثيرة.. وكيف يجلس في الشرفة المواجهة للميناء ليشرب القهوة ويلوّح بيديه للبحارة القادمين وهم يغنون..‏

-في كل الأحوال هم يغنون.. يختلط حزنهم بفرحهم، وتصير أصوات الموج موسيقا عذبة.‏

-من هم؟!‏

اكتشف الجبلاوي أنه كان يتحدث بصوت عال.. أخفى ارتباكه وراء ابتسامة خجولة.‏

-أقصد الصيادين يا سيدي.. هم يأتون في كل صباح إلى ميناء المدينة، المدينة أكلت سهولها.‏

ظل وجه فاضل مسعود، وحركة عينيه تشعره بالرهبة كان يخرج كلماته بتأنٍ شديد.. يستطيع أن يتنهد قبل أن ينتقل من كلمة إلى كلمة، وأحس الجبلاوي بأن كل سلاسل لسانه قد اختفت فجأة.‏

-كيف تمضي وقتك عادة؟‏

-بين العمل في أرشيف إنماء المدينة، والمنزل. كأي مواطن عادي.. جو المدينة لا يشجع على إقامة علاقات ودية.‏

كل شيء يتغير. الجار لا يعرف جاره.. والأخ لا يلتقي أخاه.‏

أطلق فاضل مسعود ضحكة مجلجلة، وتناول سيجاراً كوبياً ووضعه في فمه دون أن يشعله.. وظل يتأمل وجه الجبلاوي. أحس الجبلاوي أن بوسعه أن يرشف ما تبقى في فنجانه ولكنه خشي من ارتعاش أصابعه.. ندم على اللحظة التي قرر فيها المجيء، ووجد لديه رغبة للإفلات من نظراته التي تطوقه تابع حديثه:‏

-اختفت المقاهي من وسط المدينة ورائحة الشاطئ صارت كريهة.‏

الناس في المدينة يجلسون في مقاهي البحر.. يثرثرون.. يتحدثون كثيراً في كل شيء.. ينفعلون.. ويتحمسون وهم يقرقرون في نراجيلهم.. ثم ينصرفون... ليعودوا في اليوم الآخر من جديد إلى حواراتهم المصعوقة بالانفعال.. وببلاهة متعمدة.. وهم يتشهون كل شيء.. على وسادة أحلام كسولة. كل هوائيات التلفزيون تتجه نحو البحر والجنوب، خارج محطة البث في جبل صافون. يقولون: كل ما يجري يا سيدي مقدمات لمجيء المهدي.‏

-من قال ذلك؟‏

-الرجل المغاربي ذي الذقن الحمراء يقول "تؤلف ولا تؤلفان".‏

-وتصدق!؟‏

رفع كتفيه ببلاهة.. واكتفى بزم شفتيه.‏

-حدثني عن حياتك.‏

-حدثه عن شادن: هي أم.. أم ولا أكثر.. وأنا كنت أفضلها أماً... هم أخذوها مني.‏

-من؟!‏

-أولادها..‏

الأولاد صاروا شباباً. وضع محمد بكر أولادي يقلقني.. يريد أن يغير العالم وهو لا يمتلك مفتاح التغيير.. شباب هذه الأيام لا يعرفون ما الذي يريدونه .. حتى أحلامهم ليست وردية كأحلامنا. وعامر لم أكن أراه يدرس ومع ذلك تخرج من الجامعة. التخرج من الجامعة لم يعد مسألة مستحيلة أخبرني أن الاقتصاد الذي درسه يعني فهم ما نريد.. قال لي: "أنا فهمت يا أبي ما الذي يريده أساتذتي.. وهم فهموا ما الذي أريده".‏

وحده عادل يظل بين المدرسة وجامع السلطان. أعتقد أنك سمعت بالسلطان إبراهيم. الرجل كان زاهداً.. ترك الملك والجاه والمال في بلاد فارس.. وحطّت به الرحال في "جابالا".. وجاءت أمه تبحث عنه، فأقامت على قبره جامعاً، ومدت إليه الماء من نبع الفوّار.. الآبار والقناة المائية لا تزال موجودة في كل مدن المتوسط يعرفون حكايته مع السمكة. هي قصة صغيرة. كان يرفو قميصه المتمزق، فسقطت الإبرة في ماء البحر.. فأحضرتها له سمكة.. فدعا لها.. صار لونها أرجوانياً كلون أشرعة السفن الأوغاريتية. الأوغاريتيون كانوا في "جابالا".‏

رغب الجبلاوي أن يحدثه بإحساسه أنه عاش في "قريطو" التي تغفو بين أشجار الحور والصفصاف والدلب عند شاطئ النهر خلف "تل التويني" قبل ثلاثة آلاف سنة.. لكن نظرات فاضل مسعود لم تكن في وضع مشجع له. نهض فاضل مسعود وخرج إلى مكتب داخلي. جاءه رجل القهوة والشاي وقرّب فمه من أذن الجبلاوي.‏

-المعلم لا يحب هذا النوع من الحديث‏

حدثه عن أحلامك، وعن أشياء مفرحة.. وعن وجاهة لم تعرفها، ونسب لك، ومال تكتنزه.. ومشاريع في رأسك قيد الدراسة.‏

فكر بترك المكتب ومغادرة المدينة كلها، فهو لا يشعر بالارتياح لهذا اللقاء الذي جعله ضائعاً. جاءه وجه دكران.. كان مملوءاً بكراهية مقيتة "ماذا فعل الجبلاوي في لقائه مع فاضل مسعود؟! طرده من مكتبه. الجبلاوي ليس صالحاً لشيء.. رجل محنط بالكتب والأفكار القديمة".‏

تأمل فاضل مسعود وهو يأخذ مكانه وراء طاولته الأنيقة.‏

-هه.. ما الذي تريد أن تقوله يا جبلاوي أيضاً.‏

كان الجبلاوي يرغب أن يقول له أشياء كثيرة عن أموره الشخصية رأى أن الفرصة مناسبة لطرح سؤاله إن كان فاضل مسعود يريد الحديث عن شيء محدد. عينا فاضل مسعود المكورتان لم تشجعاه على ذلك. ترك لسانه ينطلق بالحديث عن أموره الخاصة.‏

-منزلنا في مواجهة الميناء.. مكوّن من طابقين مبنيين من الحجر الأحمر الرملي ذي اللون الوردي، وتحيط به حديقة مسورة من الحجر نفسه.. "جابالا" وحدها تعرف هذا النوع من الحجر الذي ينقل من مقالع الشقيفات.‏

الحجر يبدو متوهجاً كشمس الصباح الربيعي. ومع ذلك فالأولاد يريدون إكساء الجدران بحجر كلسي أبيض. هي الموضة. يريدون تغيير شكل البناء كله.. المباني العالية صارت تحيط بنا من الشرق والشمال.. الحمد لله لا شيء يفصلنا عن الميناء..‏

أحس الجبلاوي أن ليس في رأسه كلام آخر. جاءته الشاي. في جرعات قصيرة ومتلاحقة أتى على الكأس كله.‏

-هل أنت مرتاح لمنزلك؟!‏

-لم أفهم ما الذي تريده من سؤالك؟‏

لم يأته جواب فاضل مسعود. حدّق إليه بغيظ معلن ورفع كأس الشاي إلى فمه فوجده فارغاً. وجد نفسه يحطم الصمت.‏

حدثه الجبلاوي عن أحلامه الصباحية، وعن نوافذ البيت المشرعة للضوء والشمس التي تنسكب أشعتها على سهول البرتقال.. وعن تل سيانو والتويني وسوكاس وقريطو وكيف تبدو كمرايا ضوئية مدهشة. كان وجه ميناء الرميلة يحزنه.‏

-هم لوثوه يا سيدي.. شواطئ الرميلة صارت كأثواب الحداد.. المدينة زحفت إلى الرأس الصخري. هناك كان يقف الإله "أيل".‏

-ماذا تقول؟‏

أدرك الجبلاوي أن الماضي بدأ ينفتح في رأسه. وخشي أن يتهمه فاضل مسعود بالجنون.. أجبر نفسه على تناسي صور الماضي التي بدأت تأتيه بقوة.. لكنه فشل في إيجاد حوار جديد.. فلاذ بالصمت.‏

حدثه فاضل مسعود عن الزمن المتجه إلى المستقبل. لم يقل له شيئاً عن الماضي. هو يرى أن العالم يعيش مرحلة جديدة.‏

أراد أن يعلن الجبلاوي احتجاجه على هذه الأفكار التي يطرحها فاضل مسعود‏

هو لا يستطيع أن يفصل في رأسه بين الماضي والحاضر.. هو كيان مكوّن منذ أربع آلاف سنة. ظل حديث فاضل مسعود يهزه كعاصفة، وظل يقاوم.‏

-لماذا لا تجعل من بيتك مشروعاً هاماً؟‏

-مثلاً؟‏

-متحف بحري.. أو متحف للقى الأثرية والفنية يلحق به مطعم وصالة للرقص و..‏

-لا أستطيع أن أفكر بذلك. إن هذا سيفقدني تأملاتي كلها، ومتعة شرب القهوة وأنا أطل من النافذة على أزهار الفل وشجرة الياسمين والميناء الأزرق وسأفقد الشهية لكتابة قصيدة جديدة.‏

كان فاضل مسعود يتأمله بصمت عميق.. وأحس الجبلاوي بالضيق.. لأنه لم يستطع قراءة ما يدور في رأس فاضل مسعود، وأن حواره المستفيض لم يكن موفقاً.. وأن من الضروري أن يظهر له إعجابه بأفكاره.. وبأن لقاءه معه فتح له رؤية جديدة للتفكير.‏

وجد نفسه ينافقه في كثير من الإطراء. وارتاح وجه فاضل مسعود.. وتفتحت ابتسامة عريضة.. ظلت تكبر وتكبر.. وظلت كلمات الجبلاوي المنافقة له تكبر.‏

-ستكتب قصائد يا جبلاوي من نوع آخر. وقد تكون في غير شادن. هل تستطيع أن تسمى قصائد الرجل بزوجته قصائد غزلية؟.‏

لم يترك له فاضل مسعود فسحة للإجابة أو لتسويغ نظراته نحو الغزل الذي يكتبه بشادن كانت تأتيه كلماته في صيغة أوامر.‏

-ستكون المدينة في حياتها القادمة مدهشة..‏

أدهشته اللهجة التي يتحدث بها فاضل مسعود.. لم يستطع أن يميز بين إن كان جاداً في قوله أو في أنه يمازحه لكن لهجته هذه أحس بها تستبيح تلك الدفقات الحارة التي كانت تتماوج فيه. تابع حديث فاضل مسعود فيه اجتياحه:‏

-أخرج من عشقك. استبدل صياغاتك.. وافتح عينيك. هل يخرج الرومان إلى المدرج ليمارسوا رقصهم وعبثهم؟‏

-هم انتهوا منذ زمن طويل يا سيدي.‏

ضحك فاضل مسعود بقوة.‏

-سنجعلهم ينهضون من مدافن التاريخ. كل شاشات التلفزة وشبكات الانترنت في كل اللغات سنجعلها تتحدث: "الرومان ينهضون في جابالا".‏

وجد نفسه من جديد يعترض بقوة:‏

-ولماذا لا ننهض الأوغاريتيين في تل التويني، ومملكة سيانو، وسوكاس، وقريطو التي تغفو على ضفاف النهر بين غابات الحور والصفصاف.‏

-الوجه الروماني أكثر قدرة على مخاطبة العالم الجديد. الأوغاريتيون تاريخ لا أكثر.‏

-والرومان؟!‏

-أنت تتابع المحطات الفضائية؟‏

أراد أن يعترف له بكرهه لهذه المحطات وأنه رفض أن يشتري دشاً.. خشي أن يكون ذلك غير مستحب.‏

-اتابعها يا سيدي.‏

-رأيت هذا التشابك اللوني في كل الأشياء. كله في أساسه يعود إلى الرومان‏

-الأوغاريتيون يا سيدي نبتوا من تراب المنطقة، والرومان جاؤوا إليها غزاة.‏

-عليك يا جبلاوي أن تفهم لغة العصر الجديد.‏

-الأوغاريتيون يا سيدي هم أول من حولوا اللغة إلى أبجدية.‏

-الدولار الآن يكتب لغة العالم الجديدة. لغة الدولار.. عليك أن تتعلمها..‏

وجد نفسه مع فاضل مسعود في موقف مختلف ورؤية مختلفة.. ومع ذلك أحس بضرورة أن يصمت.. صارت عينا فاضل مسعود المدورتان أكثر اختراقاً له.. صمت الجبلاوي.. فقط تظاهر أنه يبتسم لكل الذي يقوله فاضل مسعود وهو يمارس لعبة الوجاهة معه أمام جهاز تصوير اكتشف الجبلاوي أنه كان في مواجهته. طلب إليه أن يتناول معه طعام الغداء.‏

-سأعود إلى "جابالا" سريعاً.‏

-فكر بالذي قلته لك.. هل تفهم ما الذي أقوله لك؟‏

-أفهم يا سيدي.. أفهمه تماماً اعتبر هذا اللقاء فرصة تاريخية لي.‏

بدا وجه فاضل مسعود مرتاحاً لإجابة الجبلاوي. فتح خزانة كانت تبدو جزءاً من الجدار وقدم له ربطة عنق وزجاجة عطر وقميصاً حريرياً وزجاجة ويسكي.‏

"أنا لا أشرب الويسكي يا سيدي".‏

نظرة فاضل مسعود الطويلة الحادة حسمت الموقف بسرعة.. فمد يده وتناول كل الأشياء التي قدمها له.‏

وهو ينطلق خارج مكتب فاضل مسعود أحس أنه تحرر من قسوة هذا اللقاء الذي استنزف أعصابه، وجعله معتصراً، ومنكمشاً كعصفور مرتجف. ظل يراقب المبنى من الخارج، وبدأ يفكر بالذي سيقوله للناس في مدينته. وجد أنه من الضروري أن يقول أشياء من صنع خياله فهو لم يفهم ما الذي يريده منه فاضل مسعود بالتحديد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244