النـّو - سليم عبّود

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-6-

وصل الجبلاوي إلى (جابالا) في منتصف الليل. كانت المدينة في عز غفوتها. وأضواء المصابيح الكهربائية تتمدد شاحبة على الشوارع.. وتتوقف واجفة في مواجهة عتمة الأزقة الضيقة التي تفوح منها رائحة مياه الاستحمام لرجال ونساء تنبعث أصواتهم من الكوى الضيقة في الجدران الفقيرة.. وتتراكض جرذان سوداء عيونها وقحة إلى البلاليع وأكياس القمامة المرمية بشكل فوضوي عند أقدام البوابات الخشبية. سائق "تاكسي" ظهر له فجأة عند زاوية الشارع ووقف إلى جانبه.‏

-إلى أين؟‏

أعلن له أن لديه رغبة في السير. خشي أن يكون رجل "التاكسي" من أولئك الذين يحكى أنهم يظهرون في الليل.. ويغتصبون جيوب المارة. مشى على الرصيف المواجه لحديقة البلدية. وضع في حسابه أن أية حركة من قبل سائق "التاكسي" ستجعله يندفع إلى قلب حديقة البلدية.. فهو يعرفها تماماً ويعرف أين بإمكانه أن يختبئ. في طفولته.. كان يأتيها في مساءات رمضان مع شادن، ليتفرج على "الطوبجي" الذي يعلن الإفطار. المدفع لا يزال موجوداً رغم أن البلدية استبدلته بآخر أكثر حداثة.. ولم يعد بحاجة إلى عمليات معقدة حيث يوضع البارود والقماش وفتيل صاعق.‏

تذكر أن "الشلاّ" غضب من عمدة المدينة.. فوضع مقذوفاً في المدفع، ووجهه إلى عمدة المدينة اكتشف (الشلا) أن المقذوف كان خلبياً..‏

قالوا إن "الشلاّ" جن.‏

وجاءت شرطة البلدية وحملته إلى مشفى الأمراض العقلية.. هناك لم يجدوا من سيهتم بأكله وبشربه ولباسه.. فأطلقوه إلى الشارع.. وظل "الشلاّ" مجنوناً.. في داخله يعتقد الجبلاوي أن "الشلاّ" ليس مجنوناً.. فهو استطاع أن يمثل دور المجنون ليهرب من متاعبه.‏

على الرصيف الآخر ثمة رجل يغني بصوت متقطع وركيك.. أجبر نفسه على الاتجاه شرقاً نحو فسحة سينما المدينة.. الرجل الذي كان يغني اتجه إليه، وسأله من بعيد إن كان يحمل تبغاً.. زاد من سرعة مشيه، وأخبره بأنه لا يدخن..‏

-ولا تحمل نقوداً؟‏

-ولا أي شيء.‏

شتمه الرجل:‏

-ما الذي يفعله مجنون مثلك في منتصف الليل؟‏

تمايل الرجل شمالاً، ويميناً، وتمدد جسده على الرصيف.‏

تذكر الجبلاوي أنه يحمل زجاجة ويسكي وأنه لم يحمل الخمور من قبل إلى بيته.. كان لا يريد أن يرى أولاده ذلك.. رغم اعتقاده أن هذه الطريقة لن تستطيع أن تحقق في هذا الزمان ما يريده.. فالمدينة مفتوحة لكل شيء. فلماذا يقيم هذه الستائر، التي بدأت تفقد سماكتها، لتكشف كل خبيء يعتبره فسقاً.. كل الأشياء الفاسقة صارت معروضة على الأرصفة مثل تجارة الفاكهة.. شادن أنبته بقسوة وتقصدت أن يظل صوتها خفيضاً.‏

"ما الذي سيقوله الأولاد إن عرفوا بك؟ تعود مخموراً في نهاية الليل؟!"‏

هزئ منها: "الأولاد.. لم يعودوا قططاً عمياء كما تظنين".‏

فكر أن يقدم زجاجة الويسكي للرجل المخمور.. لكن تذكر أن جماعة مقهى الميناء قاسم المحمود وحميدوش وكامل الرجوب (أبو شهلة) البحارة وأبو عيوش تاجر سوق الهال والزنتوت.. سيسألونه: "ما الذي أحضرته لنا يا جبلاوي؟!" سيرفع لهم زجاجة الويسكي من كيسها المخملي وعلبتها الذهبية ويضعها بمباهاة على الطاولة:‏

"احزروا يا جماعة من أين أحضرت لكم هذه الويسكي الفاخرة؟" سيتركهم يخمنون.. سيفاجئهم بأن فاضل مسعود هو الذي قدمها له شخصياً.. سيفتحها ببطء.. ويأخذ نفساً من رائحتها التي ستعبق في المكان: "الله!" ويصب في كؤوس الجميع "اشربوا.. بصحة فاضل مسعود".‏

اكتشف أن حديقة البلدية خاوية من الورود وأزهار الدفلى، وشتول المنتور، وأن شجرة الورد الأرجوانية التي تتسلق واجهة المدخل الشرقي باشرها اليباس وباشر أشجار. "الكزورينا" الضخمة. كانت سينما "الفردوس" معتمة تماماً حتى اللافتة التي تشير إليها كانت أضواؤها مطفأة. في آخر مرة جاء إلى السينما مع شادن كانا عريسين جديدين.. احتبس أصابعها في كفه.. كانت أصابعها ساخنة، ويصدران فيه ارتعاشه هادئة.. فينجذب إليها بقوة.. وتصير رائحتها فيه كالياسمين ويتدفق تغانجها إلى روحه.. كان الشريط الإخباري الذي يسبق عرض فيلم عنترة العبسي يعرض صوراً عن حرب السويس، وحرب حزيران ومشاهد متفرقة من العالم. بعدها لم تأت إلى السينما. في كل مرة يخبرها عن قدوم فيلم جديد.. تعتذر له.. آخر الأفلام التي أقيمت له ضجة إعلامية كبيرة "التياتانيك" دعاها إليه. أبدت تبرمها "عيب يا رجل.. نحن كبرنا على السينما". "والتلفزيون؟".. كل ذلك تركناه للأولاد.. هل نأكل زمننا وزمن غيرنا؟‏

أدهشه حديث أبي عيوش عن المحطات التلفزيونية التي ترسل لهيبها الساخن بهذا العري الأنثوي القادم. أبو عيوش الذي فقد استقامة ظهره، وأسنانه ونضارة وجهه بفعل السنين حرّق السهر أجفانه. في كل يوم يذهب إلى سوق الهال وينام بين صناديق البرتقال والخضار.‏

"ما بك يا أبا عيوش؟"‏

ادعى: "إنه التعب، والعمر، والمرض"‏

بعد الكأس الخامسة، التي دلقها في جوفه مساء أول أمس في مقهى الميناء اعترف أبو عياش بأن محطة السيكما" أخذت نومه: "من أين يحضرون تلك النساء.. آه يا جماعة لو أن الشباب يعود يوماً.." قال قاسم المحمود ممازحاً "وما الذي ستفعله يا أبا عيوش؟!"‏

"بصراحة.. لأخبر بنات "السيكما" ما يفعله أبو عيوش".‏

في الصباح أعلن أبو عيوش عن رغبته بالذهاب إلى جامع السلطان سأله قاسم المحمود:‏

"هل أعلنت توبتك يا أبا عيوش عن السيكما" ضحك أبو عيوش "الحسنات يذهبن السيئات".‏

في مدخل شارع البحر المنحدر نحو الميناء وجد "كامل الرجوب" في وجهه خارجاً من الزقاق المسقوف الذي يفضي إلى داخل المدينة ذي الوجه الرمادي. منازل هذا القسم من المدينة يعيده إلى أزمنة قديمة مرصوفة بالخوف والفقر. دكران أعلن المنطقة تاريخية لإبقائها على حالها. دكران كان يتهرب من مسؤولية بقائها متخلفة. أعلن له عن رأيه: هذه المنطقة صورة عن واقع مزر علينا أن نستبدله بآخر.. على الأقل من أجل أن تدخل أشعة الشمس إليها. وأصر (دكران) على إبقائها الوجه المشوه للمدينة.‏

لم يكن الجبلاوي راغباً في لقاء الرجوب فهو سيطلق أمامه فيضاً من تنظيراته السياسية.. فقد تأخر به الليل.. وشادن لن تستطيع النوم قبل أن يصل.. حتى الأولاد سينتظرون ومعهم أسئلتهم الكثيرة عن المكتب الذي ينتظره، والسيارة التي وعد بها.. هم لا يرغبون بها إلا من النوع المسمى "الشبح"، ومن شروطهم أن يكون زجاجها "فيميه". كلمة "فيميه" جديدة في قاموس الجبلاوي لم يسمع بها من قبل أن يخبروه بأنهم يريدون سيارة ذات زجاج "فيميه". اعتقد في البداية أنه ماركة زجاج.. لكنه عرف بعد ذلك أنه زجاج معتم يرى الناظر من خلفه ولا يرونه.‏

-الحمد لله على السلامة.‏

-ما الذي يبقيك في الشوارع إلى مثل هذه الساعة من الليل يا رجوب؟‏

قصّ عليه الرجوب حالة الضجر الروحي والجسدي التي تنتابه.‏

-أنت فائض الحساسية!‏

-المهم.. كيف كانت رحلتك.. أخبرني بالذي قاله فاضل مسعود لك.‏

عبرهما الأسطنبولي على ظهر فرس عنابي اللون.. وبلباس جبلاوي قديم.. "شروال، وصدرية وكوفيه، وحزام بطن من الحرير المقصب..) أمير يستيقظ في الحلم ويتفقد مدينته.‏

ضحك كامل الرجوب:‏

-شوف لهذه الشخصية!"‏

-لا ترفع صوتك يا رجل. قد يسمعك!‏

لم يكن في المدينة من يرغب بالاصطدام به. الأسطنبولي لا يتحرش عادة بأحد إن لم يتقصده بأذى.‏

تذكرا يوم كانا في المدرسة الابتدائية.. وجاء الناس في المدينة وطلاب المدارس وموظفوا البلدية وجماعة السرايا في مظاهرة حاشدة من أجل التنديد بفصل لواء اسكندرونة. وجاء "الأسطنبولي" على ظهر فرسه. كل شيء في "الأسطنبولي" كان مميزاً ويعبر عن ذوق رفيع تدهشه الأناقة الشرقية.. شرواله الفضفاض ذو اللون العنابي.. وصدريته المقصبة بخيوط ذهبية.. وقبعته المشغولة بالإبرة، والمطرزة بخيوط من حرير... وبشاربيه الطويلين وخيزرانته التي لها رأس أشبه برأس أفعى الكوبرا.. يظل يحركها في الهواء حركات لولبية وسريعة في نوع من التحدي والاستفزاز لتلك العيون التي تراقبه. اتجه الأسطنبولي إلى المنصة الرئيسة التي تعلو درج السراي ووقف إلى جانب القائمقام.. وعيون الناس تراقبه باندهاش.. كانوا يعتقدون أن الاسطنبولي سيفعل شيئاً ربما سيقوم بمهاجمة القائمقام رداً على اعتقاله في الإسبوع الماضي بتهمة تعاطي المخدرات.. عيناه.. حركاته.. شارباه المتراقصان بغضب كانا يعلنان ذلك. لوح الاسطنبولي بعصاه في وجه الجميع وأخبرهم "أن الاسكندرونة تشتعل في رأسه كمجمر حار". وبكى الإسطنبولي. ووجد المتظاهرون أنفسهم في انفعال وجداني معه. "الاسطنبولي لم يبك من قبل.. كان دائماً كالصخرة القوية.. كان ثمة اعتقاد في المدينة "أن الاسطنبولي يأخذ الحشيش.."‏

وهبط الاسطنبولي بهدوء على درجات المنصة.. وعند بوابة الشارع مسح دموعه وركب فرسه ومشى.. من يومها ظل الاسطنبولي في عيون الناس تلك الوقفة الفروسية.‏

اعتذر الجبلاوي من كامل الرجوب.‏

-تصبح على خير.‏

كانت أمواج الميناء تصخب بقوة، وتجثم زوارقها عند الضفة كقبور الموتى.. أحزنه صمت الميناء.. تذوّق الجبلاوي رذاذ الموج المتساقط على شفتيه.. لا يزال يذكره بطعم شفتي شادن.. يوم كانت شفتاها عاشقتين وساخنتين. في كل مرة يلامس الرذاذ المالح شفتيه تذهب أفكاره إلى الإحساس نفسه رأى نافذة غرفة نومه في ضوء مصباح الشارع. لم يستطع أن يتخيل وجود بناء آخر مكان منزلـه.. لا يزال يعتقد أنه عاش به في الزمن الأوغاريتي، وفي كل الأزمنة..‏

كان الهواء البحري الذي يلفح وجهه طرياً ومالحاً. مسح وجهه بأصابعه.. وتلمس لسانه. كان طعم أصابعه مالحاً وبدأ يتراءى لـه مشهد البحارة الأوغاريتيين.‏

**‏

هي لم تسأله شيئا ًكان الليل متأخراً..‏

تمدد إلى جوارها بصمت.. لم يستطع أن ينام على الجانب المواجه للحائط.. مال بجسده إليها.. كان جسدها يتمدد كجذع شجرة باشره اليباس.‏

لم يشأ أن يدخل معها في حوار هي حسمته منذ البداية بعبارة "دعنا ننام الآن.. والصباح رباح" ألمه أنها لم تسأله أي شيء عن رحلته.‏

كان يتمنى أن يسألها "من سأل عني.. من اتصل بي؟.. ماذا يقولون في المدينة عن لقائي بفاضل مسعود. ما الذي يقوله الأولاد!؟"‏

رأى "الأدهمية تطل من الباب وتتراجع.. هي كانت تريد أن تعرف ما الذي أحضره لها.. هو لم يحضر شيئاً كل ما كان يملكه لهذا الشهر ذهب في رحلة لم يفهم ما الذي ستكون عليه نهايتها. ومع ذلك لم يحزن فحكاية اللقاء جعلت أنظار المدينة تتجه إليه باهتمام. وينشرون عنه حكايات كثيرة. أراد أن يضحك لأن (دكران) زاد خوفه من لقائه بفاضل مسعود. حتى مدير الأحياء البحرية ظريف المحمد الذي لم يسمع به من قبل اتصل مراراً بقاسم المحمود يسأله إن كان الجبلاوي يفكر بتسلم مكانه. وإنه يتمنى أن يخبره باحترامه له وللجبلاوية كلهم.‏

جاءه وجه المرأة التي جلست إلى جواره في "البولمان". زرقة عينيها مختلفة تماماً عن زرقة العيون في "جابالا" وعن زرقة البحر فيها، وزرقة الأفق التي يزنرها.‏

لزرقة عينيها لون آخر واشتهاء آخر.. ظلت أنوثتها تمشي فيه وتفجره بحالة من الاشتهاء‏

-ألا تريد النوم؟‏

ظل وجه امرأة البولمان يدلق فيه أنوثته وعطره، وسخونته. كانت أحلامه تجمع إليها بقوة. لم يشعر الجبلاوي بهذا الجموح من قبل..‏

مشت شفتاه على وجهها.. واحتضنها إليه.‏

-ما بك يا رجل؟!‏

وجد أن المسافة التي تفصلها عنه تضيق.. ويصير ملتصقاً بها.‏

كان جسدها ناعماً وطرياً وترنح رأسه على صدرها.‏

-أنت شديدة الاشتهاء.‏

-هل حصل لعقلك شيء؟!‏

أبعدت نفسها عنه أراد أن يشرح لها أسباب هذه الفورة العاطفية التي تتأجج فيه إليها.‏

-ما الذي حدث لك!؟ اكتشف أن شادن إلى جواره..‏

-نعم الآن.‏

تهدم رأسه، وتناثر على صدرها بارداً.‏

.. جاءته أصابعها تتلمس رأسه المتعب بحنان أمومي.. فاذبل عينيه قريبة من رأسها من الوسادة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244