النـّو - سليم عبّود

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-9-

لم يتمكن الجبلاوي من إزالة حالة الاحتقان التي نشأت بينه، وبين شادن فجأة.. ودون سابق إنذار.. رجّح في البداية أن تكون المكالمات الهاتفية التي جاءته هي السبب. وربما كان حديثه في نومه هو السبب الرئيس.. فقد اكتشف أنها تستمع إليه وهو يقول كلاماً في نومه بصوت عال كان يتحدث به مع فردوس، وناهدة.. وربما لم يتحدث به.‏

عرف منها أنه كان ينشد قصيدة غزلية في امرأة البولمان.. هي لم تسأله شيئاً، قالت في نوع من التلميح "الكلام لا يليق بمستواك".‏

-وهل باستطاعتي أن أحدد نوعية حلمي!؟‏

للمرة الثالثة خلال أسبوع اكتشف أنها تستمع إليه، وأن الحلم نفسه يأتيه.. والقصيدة نفسها تخرج بصوت عال. أراد أن يعترف لها بحلمه.. لم يعثر على بداية للحديث معها بهذا الشأن.‏

في آخر مرة سألته: من هي صاحبة العينين الزرقاوين.‏

في البداية أحس بالارتباك.. لكنه سرعان ما وجد لها إجابة "هذا الحلم يأتيني ككابوس ثقيل".‏

لم تجادله.. لكن وجهها ظل مؤرقاً بتجهم حاد.‏

الأدهمية كانت متألمة بشدة من الحالة الحادة التي نشأت بين أمها وبينه.. طلبت إليه أن يبذل جهداً لإرضائها ومصالحتها "لا يجوز يا أبي أن نتركها في حزنها". أعلن لها أنه لا يعرف سبباً لحالتها، وقلّب علاقاتهما رأساً‏

على عقب. ومع ذلك وعدها باتخاذ خطوات طيبة بشأنها.. فهي المرأة التي أحبها. ناداها ملاطفاً كعادته في الأيام الدافئة التي عبرت منذ الزمن‏

ـ أليسار.. أليسار..‏

جاءه صوتها محزوناً..‏

ـ نعم..‏

ـ أريد أن أشرب القهوة معك..‏

ـ سأعد لك القهوة. وتشربها وحدك..‏

قطع الحوار.. دائماً البداية توصله إلى التأزم..‏

قال محمد: لم تحدثنا يا أبي عن سفرك، هل طلبت لنا سيارة، وفيلا جبلية وشاليه عند الشاطئ؟‏

لم يرتح لهذه المباشرة. واعتبر في سؤاله حالة من اللامبالاة لجيل لا يعرف سوى السيارات، والقشور الفارغة التي تطلقها محطات البحر الفضائية.. فلاذ بالصمت في نوع من الاعتراض على هذه الأفكار...‏

تقصّد أن يعلن أمام شادن عن وعود مفرحة لم يقلها فاضل مسعود له، علّه يفرحها.. فهي لم تسأله حتى الآن عن لقائه بفاضل مسعود. رغم أنه حاول أن يفهم بطريقة غير مباشرة عن سر برودتها بهذا الشأن..‏

تراقص محمد، وجاء عامر، وعادل، وأدهمية أقاموا حلقة دبكة، وأحضروا شريطاً لمطرب غربي، وتراقصوا.... ضج صوت شادن بعصبية...‏

ـ ما هذا الجنون!؟‏

صمت المنزل، وتفرق كل إلى غرفته.‏

تذكر الشريط الفيروزي وامرأة البولمان.. كان وجهها يخترقه بعينين زرقاوين.. وتعبران عبر شرايينه الناعمة نحو قلبه ورأسه.‏

وضع الشريط... وأدار آلة التسجيل.. كان الصوت الفيروزي يناغم حالة الحزن فيه.. اعترف في نفسه أن حالة حب تجتاحه. وإن كان لم يتصور أن أمراً كهذا يمكن أن يشغله. امرأة البولمان صارت تلاحقه حتى في الحلم... يرى في كل ذلك اغتيالاً لقداسة في داخله تجاه علاقته بشادن. صوت فيروز في هذه المرة لم يبعث فيه تلك النشوة العذبة.. وضعه الصوت على حافة البكاء.. وعاد به إلى حالة التفجر.. يغوص رأسه في الزمن الأوغاريتي.. ويضيع عند سفوح تل التويني المزهرة بالزعتر البري.. وظل صوت فيروز يواصل فيه تلك المغامرة الحزينة المعقدة..‏

أقفل آلة التسجيل، ومشى إلى الرصيف البحري، في البداية فكّر بالذهاب إلى نادي النقابة.. تذكر وجه أبي يوسف الذي رحل.. عدل عن النقابة.. واتجه إلى مقهى الميناء.. كان باعة الأسماك يعرضون صيدهم في صناديق خشبية قليلة الارتفاع.. حيّاهم.. كانت وجوههم أيضاً حزينة... شكوا له (دكران) الذي رفض حتى الآن أن يقيم لهم سوقاً لبيع السمك. أحدهم رفع يده نحو السماء..‏

ـ إن شاء الله نراك يا جبلاوي في الموقع الذي نحلم لك فيه..‏

ـ وبماذا تحلم يا سمعان؟‏

ـ البارحة حلمت أنهم أحضروك.. تركوا رأسك في المدينة، وأخذوا جسدك معهم إلى بلاد بعيدة ومدهشة، أعتقد أني سمعتهم يقولون: إلى أمريكا.. هم لم يستطيعوا أن يأخذوا رأسك معهم. بدا ثقيلاً وضخماً.. وعندما استيقظت قلت إن شاء الله سيصبح الجبلاوي رئيس مجلس إنماء المدينة...‏

ارتاح الجبلاوي لهذا التفسير لكنه أظهر له أنها أضغاث أحلام لا أكثر...‏

****‏

على غير عادته جاء كامل الرجوب متأخراً في تلك الليلة إلى مقهى المدينة.. وعلى غير عادته أيضاً، لم يكن راغباً بعرض فلسفته في أمور تخص المدينة ومستقبلها وتاريخها ورفض أن يأخذ كأس النبيذ التي اعتاد أن يطالب به ساعة وصوله. كانت أغنية خليجية حزينة تصدح من المذياع.. ألقى مرفقيه على الطاولة.. واحتضن بأصابعه النحيلة رأسه الموجوع وراح يتابع الأغنية...‏

ـ يجب أن نصب لك كأساً.. النبيذ وحده يغسل أحزانك يا رجوب..‏

ـ كل نبيذ العالم لا يستطيع أن يوقد في داخلي شمعة واحدة..‏

ـ أنت متشائم على غير عادتك..‏

ـ تحجرت كصخرة في مدرج "جابالا".. وتدوسني أقدام وريح ومطر وشمس وبرد"...‏

ـ كعادتك تفلسف الأمور..‏

تنهد الرجوب أحزانه بشأن أولاده، وصلوا إلى مرحلة تجاوزوا فيها رأيه في كل شيء.. فقد السيطرة عليهم.. وأمهم تساندهم في كل آرائهم.. اغتصبت منه قيادة المنزل.. وكرامته. ومع الزمن بدأ يفقد توازنه قال بصوت مبحوح:‏

ـ اكتشفت أن مكتبتي.. وأشيائي كلها ومذكراتي وكل ما كتبته عبر‏

تاريخ طويل قد اختفى.. ما أدهشني أن الأولاد حرقوا كل شيء في‏

المكتبة لوضع أجهزة كهربائية. كومبيوتر وأشرطة وفيديو وأشياء أخرى.. أحدهم يقال إنه بدأ يتعاطى المخدرات... تصور ابن كامل الرجوب... يتعاطى شرب المخدرات!؟.. وصفع جبهته بقوة:‏

ـ لا أستطيع أن أتخيل ذلك..‏

ـ أقم حواراً معهم يا رجّوب..‏

ـ أي حوار سأقيمه؟! الأولاد أغلقوا أمام صوتي آذانهم.. صرت مقتنعاً بقول المغاربي "تؤلف ولا تؤلفان"..‏

قال حمدوش: ليس تفسير ذلك أن العالم في نهايته.. نحن في نهايتنا. كل شيء في المدينة يتغير.. هذا الجيل أحسبه غريباً عنا من عالم آخر.. حتى في هيئته..‏

صب لنفسه كأساً من النبيذ..‏

ـ وأنت يا جبلاوي.. هل أنت حزين الليلة بالعدوى.. هل تخاصمت مع شادن؟‏

ضحك قاسم المحمود:‏

ـ من علائم نهاية العالم أن يتخاصم الجبلاوي مع شادن..‏

احتفظ الجبلاوي بصمته الحزين.. هو الآخر كان متفجراً بأحلام أولاده. محمد لا يعرف سوى تلك الرغبة الجامحة بامتلاك سيارة، سيارة من نوع شبح، وألبسة مطرزة بصور وحروف لاتينية.. وبماركات العطور، هم يدركون أن الجبلاوي عندما يغوص في أحزانه يبدو متجمعاً كقنفذ، وشديد العصبية. تركوه يستمع إلى الأغنية الخليجية.‏

ـ "لم تعلن لنا عن حزنك الحقيقي يا كامل الرجوب؟!"..‏

كان سؤال حمدوش يفتح نافذة في روح كامل الرجوّب. أعلن أن المدينة كلها تحت غيمة رمادية.. تسكب فيه مطرها الحمضي.. وأن كل مفرداته السياسية التي صاغها بدأت تفقد وجودها بدءاً من بيته. "يوسف ولدي يتعاطى المخدرات. كل أحلامي احترقت في لحظة واحدة كبحار اشتعلت النار بمركبه في وسط بحر هائج. لا أستطيع أن أواجه نفسي بكل الذي يحدث"..‏

ـ الأمر عادي، يا رجّوب.. إن أخذت عقله المخدرات خيرُ من أن تأخذه امرأة...‏

ـ هذا كل الذي خرجت به يا قاسم المحمود؟!!‏

ـ يعجبك ذلك.. فكل ما أحتاجه يا رجّوب امرأة أمارس معها هواية رجل شرقي يحب النساء..‏

ـ قل كما تحب.. فراشة تحب الاحتراق.‏

ـ كيفما كان الاحتراق بالمرأة يدهشني..‏

لم يستطع الجبلاوي البقاء.. وجد نفسه بحاجة إلى بعض الوقت للخلود إلى الراحة... على الأقل لوقف تلك الحركة السريعة التي أحدثها حديث الرجوب فيه.. هو نفسه يعاني من تصدعات كثيرة لم تكن في رأسه من قبل.. فتجعله متشجناً بتوتر قلق.‏

أوصى شادن ألا تخبر أحداً بوجوده في المنزل.. هو يريد أن يعتكف أسبوعاً، أو أياماً على الأقل، كان يريد أن يأخذ فسحة من الوقت ليفكر كيف سيتعامل من جديد مع كل الأشياء التي بدأت تزحم جدران رأسه بقوة ضاغطة..‏

علاقته المتصدعة بشادن كانت تؤرقه.. واكتشافه لأول مرة جموح أولاده باتجاه خلق حياة خاصة بهم دون حساب لقناعته..دفعه إلى الاعتقاد بتصدعه السريع، وأن عليه أن يعيد حساباته من جديد معهم حتى أن ما بدأت تكتبه صحيفة المدينة عن دكران كان يجعل رأسه متورماً بضغط خاص.. فدكران يتابع كذبه عبر تصريحات مطوّلة.كامل الرجوب كان حلل كل ذلك واعتبره ناتجاً عن حالة الخوف التي يعيشها من علاقة الجبلاوي بفاضل مسعود. تمنى الجبلاوي أن يتحقق ما يشاع في المدينة عنه... عندها سيطلب من رئيس تحرير الصحيفة نشر صورته في الصفحة الأولى وفي مكان بارز جداً يحيط بها عنوان عريض "الجبلاوي رئيساً لمجلس إنماء جابالا"..‏

الجبلاوي يفتح ملفات الدكران السوداء.‏

المرحلة القادمة ستكون لمعالجة الفساد الذي زرعه الدكران في رؤوس الناس، ونفوسهم، وأن حدائق المدينة ستعود إليها الحياة.. ستزرع بالأزهار والورود.. وسيكون لنوافير المياه في الساحات العامة نصيب هام من الموازنة..‏

كانت امرأة البولمان لا تغادر رأسه.. تأتيه في موجات من الحلم.. وتضرب شواطئ تفكيره..‏

وجد أن بقاءه في المنزل مجازفة كبيرة.‏

في المدينة وضعوا احتمالات كثيرة لاختفائه.. كلها كانت تحمل هذه الإثارة الصاخبة التي انطلقت بعد خبر لقائه بفاضل مسعود... وصلت الأمور في رأيه إلى الحد الذي صارت تشكل فيه أحساساً بالقرف، حتى من تلك المواقع التي يطلقون خبر تسلمه لها.. بعضهم روى أنهم شاهدوه ينطلق في "بولمان".. من "كراج" المدينة إلى العاصمة.. وآخرون أكدوا أنهم شاهدوه في طريقه إلى مكتب فاضل مسعود وآخرون قالوا: الجبلاوي معتكف في منزله ليعدّ دراسات وبرامج عن المدينة قبل أن يتسلم عمله الجديد.. وآخرون نشروا إشاعات عن مرضٍ خطير مفاجئ أصابه..‏

(مصطفى دكران) طلب من حاجبه أن يشيع بين الموظفين في كل المكاتب عن إصابة الجبلاوي بحالة من الاكتئاب لأن فاضل مسعود لم يظهر له الاحترام الذي كان يتوقعه. وأنه اتصل به يتهدده إن تكلم باسمه بين الناس. وأن ليندا استمعت إلى المكالمة كلها.‏

وتقصد (الشرنكا) الوقوف في باب محله المواجه للبحر لنشر خبر اكتئاب الجبلاوي للرائحين وللراجعين على الكورنيش البحري. "يا حرام الجبلاوي.. الرجل مصاب..."‏

ـ مصاب بماذا!؟‏

ـ حالة محزنة.‏

ـ قل يا شرنكا..‏

ويذرف دمعة متصنعة: حالته متعبة.... وعلى الله..‏

أزعج ذلك شادن وأهاجها. محمد طلب الإذن من الجبلاوي بالتصدي له. حاول أن يخفف من الغضب الذي كان يجتاحه.. "لا تفكر به يا بني رأس الشرنكا عند قدمي"..‏

وصلته كل الاحتمالات عن طريق الهواتف التي تلقتها شادن.. وألحت عليه بضرورة أن يخرج إلى المدينة.. فالإشاعات كبرت... وكثرت التكهنات والاتصالات بشأنه..‏

وهي لا تريد أن يكون الجبلاوي محور أحاديث تلوكها ألسنة المدينة.. أعلنت عن رغبتها بأن يسافر إلى فاضل مسعود ليطلب إليه تسلم موقع ليس من أجل أهمية ذلك وإنما لكسر شوكة هؤلاء الذين يطلقون الإشاعات الرخيصة..‏

بعد صلاة الفجر سألته بقلق.‏

ـ لماذا، يا جبلاوي.. مصر على الاعتكاف.. هل ثمة أمر يزعجك تخبئه عني؟!. أنا شادن..‏

قرأ في عينيها قلقاً عليه. وأشياء خبيئة لم تعلن عنها.. أخبرته أن اتصالاً جاء يعلمها بأن الجبلاوي يعيش حالة حب مع غيرها.. أكدت له أنها سخرت من صاحب الاتصال.. عينا شادن لم تؤكدا أنها لم تعط المسألة الأهمية المطلوبة كما ادعت له. ظل صامتاً.. فهي لا يروق لها الحوار عندما يأخذ صفة الإنكار...‏

ـ عليك العودة إلى العمل..‏

ـ لا أرغب به. أنت لا ترغبين بمغادرتي المنزل..‏

عرفت أنه يريد أن يضعها داخل دائرة اتهاماتها. ابتسمت له.. وأحنت رأسه إلى صدرها..‏

ـ ستذهب...‏

****‏

في الطابق السفلي وجد الجبلاوي أن غباراً كثيفاً أصاب اللوحات المغلّفة.. والفخاريات والأشياء الرمزية التي تعود إلى أزمنة بعيدة، وهو يتفقدها فثمة لوحة قديمة جداً لم يكتب عليها اسم الفنان الذي قام برسمها تشير إلى مجيء الناصر صلاح الدين الأيوبي إلى "جابالا" لطرد الصليبيين منها.. بدا في اللوحة الحاج مأمون حمدان بن محمد بن عمران بن جبله بن محمود الجبلاوي جده الكبير، مع حشد كبير من أبناء المدينة يرحبون بالناصر صلاح الدين فكر بتفقد اللوحات كلها.. ووضعها على الجدران...‏

رأى أن ذلك يحتاج إلى أيام لترتيب المنزل، وإعادته إلى ألقه الذي يرى فيه قيمة رمزية..‏

في الآونة الأخيرة واجه أسئلة كثيرة من أولاده.. كانوا يرغبون بتحويل المنزل إلى متجر، ومقهى، ومطعم للمأكولات الجاهزة والسريعة والمشروبات الغازية والمثلجات.‏

ـ علينا يا أبي أن نعمل شيئاً..‏

ـ وذلك ببيع المنزل وشراء سيارة مرسيدس بثمنه؟!‏

تمتلكه رغبة بصفعه "محمد" بقوة على وجهه.... وجد أنه صار أطول منه وأن ذلك سيكون مؤلماً. حاول أن يفهمه أن المنزل يمثل كرامة الجبلاوية سخر محمد من كل ذلك: كرامة!؟‏

ـ ألزم الجبلاوي نفسه على الصمت...‏

كانت الشمس ترسل ضوءها على النوافذ الغربية... منظر الغروب يوقظ في داخله تلك الحالة التي تنقله إلى الماضي.. ليرقب لحظة الغروب المدهشة رغب بتأجيل اهتمامه بهذه اللوحات إلى يوم آخر. ولكنه كان سعيداً، وهو يتصفح هذا الاتساع الذي شهد تاريخ العائلة منذ القدم. وأحس بالاشتياق لمعرفة تفاصيل كل ما في المنزل. عندما خرج من بوابة الطابق السفلي.. وجد في وجهه فراس الغندور بسيارته الأنيقة، وبرفقته سيارة أخرى من نوع"مرسيدس ستيشن" قابله الغندور بلطف شديد توقع الغندور أن يدعوه الجبلاوي لدخول المنزل.. لكنه لم يفعل..‏

ـ ماذا تريد يا غندور... في فمك كلام؟!‏

تلعثم الغندور.. وطلب أن يتشرف بالجلوس إليه في أي مكان يختاره الجبلاوي لأن الأمر هام. كان الجبلاوي لا يرغب في رؤية الناس له مع الغندور...‏

ـ إن كنت تود قول أي شيء قله في الشارع؟!...‏

ـ نؤجل ذلك إلى وقت آخر..‏

بدا فراس الغندور أكثر لطفاً مما تصور، وأكثر مما يقال عنه، أعتقد الجبلاوي أن الناس في المدينة يضخمون أخطاءه.. فهم يتربصون بكل من يصبح لوجوده أثر من أي نوع كان..‏

عندما صعد إلى الطابق العلوي أخبرته شادن أن حمدوش والرجوب، وقاسم المحمود وأبو شهلة، وأبو عيوش اتصلوا بها يريدون أن يأتوا إليه لمعرفة السبب في ابتعاده عنهم وغيابه عن عمله.. وأن تفسيرات كثيرة نجمت عن ذلك بدأت تزعجهم، كانوا قلقين بشأنه فوجدت نفسها تخبرهم بوجوده داخل المنزل. تقصد أن يعلن لها عن امتعاضه من تصرفها.. لكنه في قرارة نفسه كان راغباً أن ينهي هذه الحالة.‏

رن جرس الهاتف. قالت شادن:‏

ـ أعتقد أنه أحدهم..‏

رفع سماعة الهاتف..‏

ـ ألو"..‏

ـ أين اختفيت يارجل!؟..‏

ـ تواعد معهم على اللقاء في مقهى الميناء.‏

****‏

كان المساء مفعماً بضياء قمر شاحب يتماوج قريباً من خط الأفق الغربي.. وأضواء رصيف الميناء تلقي بشفافيتها على الموج الذي يقترب خجولاً من الشاطئ.. فاجأه وجود ليندا في وجهه تمشي على رصيف الميناء.‏

ـ هنا في هذا المساء؟‏

كعادتها ضحكت متغانجة... وأبقت أصابعه داخل كفها:‏

ـ تقصدت أن أراك . حدثتني روحي أنك ستأتي..‏

ـ ربما الدكران أمرك بذلك؟!‏

ـ الدكران يارجل؟! لماذا تتجاهل مشاعري نحوك؟!..‏

انفلتت رائحة ليندا في داخله كرائحة أزهار أشجار "الزنزلخت".. واختلطت برائحة أشنيات الصخور التي تراجع عنها الماء..‏

لم يكن مرتاحاً لوجودها قد يراه أحدهم.. وتبدأ المدينة تعلكه بقسوة "الجبلاوي يرتبط بعشق.. مع ليندا"..‏

استبعد فكرة أن يعاتبها بشان ماقيل على لسانها أنها استمعت إلى مكالمته مع فاضل مسعود.. وجد في المعاتبة نوعاً من التحرش الذي ترغبه.. أعلنت بهدوء عن رغبتها بالتحدث إليه.. اعتذر..‏

ـ هناك من ينتظرني في مقهى الميناء..‏

ـ دكران يضمر لك شراً، وأنا لا أستطيع أن أصمت..‏

ـ دكران كله لا يهمني..‏

ـ ما ينشره عنك يقلقني..‏

اقتربت منه أكثر ..‏

ـيجب أن نفعل شيئاً بشأن دكران.. دكران لا يحب المدينة.. هو لا يحب إلا نفسه في كل يوم ينشر عنك وضع في ذهن كل مفاصل المدينة أنك تسعى لتغييرهم ومحاسبتهم..‏

ـ حدث فاضل مسعّود بذلك..‏

أظهر هدوءه أمام ليندا..‏

ـ كل مايجري لا يهمني..‏

تفاجأ بحمدوش يعبره... أحس بإحراج شديد.. ترك صوتها على الرصيف.. وأسرع للحاق بحمدوش وقفت سيارة الغندور إلى جانبه..‏

ـ أستطيع أن أحدثك؟!..‏

ـ هنا!؟‏

ـ الأمر هام.‏

ـ ماذا تريد؟‏

جاء طلب الغندور ليد أدهمية كطلق ناري في رأسه. صرخ به.‏

ـ ليس عندي بنات لأمثالك.. يا ... يا..‏

ـ ولكني؟!‏

ـ قلت لك ما لدي. فأنا لا يشرفني أن تكون صهراً لي يا..‏

ـ لا تخطئ معي. فكر بذلك.‏

ـ حسمت الأمر تماماً، وإياك أن تعود إلى التفكير بذلك.‏

ـ لمصلحتك ولمصلحة أسرتك أن أكون صهراً لك..‏

جاء جواب الغندور مملوءاً بالمباهاة والاستخفاف.‏

ـ المال يا غندور لا يصنع رجالاً..‏

ـ سنرى..‏

ـ تتهددني يا...‏

تضخمت ضحكة الغندور.. واندلقت على رصيف الميناء..‏

مشى الجبلاوي إلى المقهى.. وطلب النبيذ.‏

كانت ضحكة الغندور تغتال كل مافي داخله من تماسك.. وترسم نهايات محزنة لعلاقته بما يجري في هذه المدينة التي تصخب بجنون.. وهي تتسارع في استعجال نحو موت محتم أعلن عنه المغاربي. جاءته أسئلتهم وممازحاتهم..‏

ـ مابك يا جبلاوي..‏

ـ كأسك يا جبلاوي..‏

ـ لست على الحشيشة!‏

ظلت ضحكة الغندور تفترس كل أفراحه.. شرب... وشرب إلى أن سقط رأسه على الطاولة.. تركه ومشى إلى الميناء. دون رأس. مشى على سطح الماء بين السفن الأوغاريتية التي تتأهب لرفع أشرعتها..‏

مع آذان الفجر وجد رأسه ينهض عن تلك الصخرة التي تواجه بوابة الميناء.. كان لا يزال يتذكر.. أن الغندور قد أطلق عليه رصاصته.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244