النـّو - سليم عبّود

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ 10 ـ

وجد مكتبه يعبق برائحة النرجس.. وثمة ورود من القرنفل الأحمر في كأس من الكريستال تنتظره. لم يسأل أحداً عن الورد ومن جاء به. توقع أن ليندا هي التي رتبت كل ذلك.. عندما جاءته فردوس وسألته عن رأيه في الورود.. أعرب لها عن ارتياحه.‏

ـ إنه عيد الحب، يا بطل روايتي..‏

ـ ولكن!؟..‏

ـ الموضوع روائي؟!..‏

ـ وقد يكون حقيقياً!..‏

ـ هل تدري أني اشتقت إليك؟! غيابك جعلني أفكر بصعوبة مواصلة العمل هنا.‏

ـ أستطيع أن أعتبر ذلك نوعاً من الغزل؟!‏

ـ لا.. ولكنها أفكار انتابتني في فترة غيابك.. ولم أستطع تفسيرها.‏

كانت فردوس تربكه، وقاوم تلك الرغبة التي استيقظت فيه نحوها. هي أكثر نساء المدينة بعد شادن إغواء روحياً له.. لم يستطع مواصلة التفكير بذلك..‏

"ليس من حقك ياجبلاوي، أن تفكر بهذه الطريقة.. ومع من!؟.. مع فردوس.. المرأة الناضجة..‏

تصفح الأوراق الموضوعة على مكتبه، وتضجَّر من القصيدة التي جاءته مقاطعها متسارعة كدقات الساعة... بدأ يكتب.. كانت كل المقاطع في القصيدة تتداخل بشكل فوضوي داخل شبكة من الأضواء المتزاحمة بالألوان.. رنَّ جرس الهاتف. جاءه صوت نسائي ساخن:‏

ـ كيف حالك يا جبلاوي... ألم تشتق إليَّ؟!‏

ـ امرأة البولمان..‏

ـ آخر قصيدة كتبها وأبقاها في مكتبه كانت بعنوان "امرأة البولمان" فكّر بقراءة القصيدة لها... وجد في ذلك نوعاً من السقوط..‏

ـ اشتقت إليك. أين كنت في الأيام الماضية؟!‏

تمازجت أنوثة ضحكاتها فيه..‏

ـ أحببت أن أقول لك في عيد الحب(كل عام وأنت بخير)..‏

ـ لا أحب هذا العيد...‏

ـ أليس في حياتك حب؟!..‏

ـ أدرك أنها تتحرش به.... ورغب أن تتابع هذا التحرش. خشي أن يكون ثمة من يتنصت عليهما "دكران يفعلها"..‏

ـ بماذا تفكر الآن؟!‏

ـ لم أعرف اسمك بعد..‏

ـ يكفي أنك تعرف شكل وجهي، وتعرف لون عيني، ورائحة عطري، وملمس أصابعي.‏

اعتقد الجبلاوي أن شادن هي التي دفعت إليه بهذا الصوت الأنثوي.. ربما تريد أن تمارس معه لعبة أو أن تتأكد من وفائه لها.. هو لم يصدق هذا الإحساس الذي بدأ يزحمه بالقلق.. فشادن أكبر من أن تفعل ذلك... وثقتها بنفسها تجعلها أكثر ترفعاً على هذا النوع من المزاح.. ومع ذلك ظل هذا الشك يكبر فيه...‏

ـ مضطر أن أغلق سماعة الهاتف..‏

ـ قبل أن تعرف من أنا... وما الذي أريده؟‏

ظل الصوت الأنثوي يمارس لعبته ببرود داخل أعصابه.. رغم أنه بدأ يوقظ فيه إحساساً بوجود امرأة تسكب فيه أنوثتها.. ظل حذراً في حواره معها.. وظل صوتها مملوءاً بدفق من العذوبة الأنثوية...‏

خشي الجبلاوي أن يتمادى... فالأمر في رأيه لا يتعدى لعبة ما أرادتها شادن وربما دكران أو ليندا أو أي إنسان آخر يريد أن يسجل في صفحات سلوكه نقطة سوداء...‏

أغلق الهاتف.. ظل رنين الجرس يضج.. جاءت ليندا مع ابتسامتها..‏

ـ لماذا لا ترد؟‏

ـ أحدهم يطلب الرقم خطأ..‏

ـ هل أستطيع أن أجيب؟..‏

ـ لا..‏

كان فستان ليندا أكثر إبرازاً لقسم واسع من صدرها ذي اللون الحليبي..‏

أدركت أنّه ينظر إليها باشتهاء، فأحنت رأسها وظهرها قليلاً باتجاهه على الطاولة في حركة مسرحية تقصدتها.. فبرز قسم من مقدمة بطنها وبعض صدرها...‏

لم يكن الجبلاوي يمتلك نحوها من قبل أية مشاعرعشقية،ولم يفكر يوماً أن يسقط في حبائل امرأة. استغرب كيف يحدث معه كل ذلك الآن.. أم أنه تنبه فجأة إلى ليندا، التي تتعمد أن تدلق أنوثتها أمامه... فثمة اشتهاء مختزن فيه.. ينمو الآن.. ويحدث حالة من الارتجاج في قناعاته وأفكاره. لم يفكر أن يمنح عشقه لأية امرأة، ولكنه رغب أن يمارس وجوده العاطفي الآن مع امرأة.. أية امرأة تستطيع أن تتقدم فيه بأنوثتها. هو يدرك أن (ليندا) تخصصت باقتناص الرجال المهمين... فهوايتها أن يرتبط اسمها باسم رجل تتحدث المدينة عنه كرجل مهم... أي نوع من الاهتمام...‏

يروى أن الاسطنبولي حاز ذات يوم على اهتمام ليندا، وأعجبت بطريقة حياته، كان يخترق شوارع المدينة كل مساء على ظهر جواده إلى جانبه سيف ذو قبضة ذهبية.. فيبدو الاسطنبولي كفارس قادم من التاريخ.‏

عاتبته (ليندا) لأنه تركها عند الميناء.‏

ـ ليس أمراً عادياً أن نقف مساء عند الشاطئ معاً..‏

ـ أنت تخاف من الناس!..‏

ـ ما رأيك لو التقيتك بعيداً عن الناس؟!‏

ظل صامتاً. أدرك أن ليندا وضعته داخل قفص ضيق..‏

لم يجد الكلمات المناسبة للرد،وأحس بأن كل ما فيه بدأ يتصدع.. وأجبر عواطفه التي كانت تتأجج على الانكماش...‏

شكت له مللها من أشياء كثيرة تحيط بها، ومن المدينة، ومن "دكران" الذي يتقصد ابتزاز جسدها... هي لا تريد أن يكون جسدها سلعة (لدكران) أو لغيره. ولا تريد أكثر من صداقة رجل ناضج ومحترم. بصراحة يعجبني الرجل الذي...‏

ـ الذي ... ماذا!؟‏

ـ لا أريدأن أقول..‏

رغم أن عطرها بدأ يقترب منه أكثر وأن أنوثتها مشت في كل عروقه فإنه أجبر نفسه على تخطي هذا الحريق الذي أشعلته..‏

ـ أنت من عالم آخر يا جبلاوي.. نوعك هو الذي يجتذبني الآن إليه. فأنت لا تندلق رخيصاً، تظل رصيناً، ومتماسكاً، أنا غير ما يفكرونه بي. ألا ترى ذلك!؟..‏

هزَّ لها رأسه بالإيجاب..‏

ـ أدرك أنك وحدك تتفهمني..‏

أراد أن يسألها "ما الذي تقصدينه بكل ذلك"... رأى في السؤال مباشرة حادة.. ومربكة: هو نفسه بدأ يرتبك..‏

ـ ما الذي يدور في رأسك يا جبلاوي!؟.. أقرأ كلاماً على شفتيك..‏

وجد نفسه يدخل معها لعبة الاشتهاء من جديد...‏

ـ هل ثمة رجل بعينه يعجبك؟!..‏

ـ بالتأكيد.. وربما تسألني من يكون؟!‏

وجد أنها تقترب بجرأة من النقطة التي أرادها أن تصل إليها..‏

ومع ذلك توقف.. أصبح هو نفسه أمام النقطة (الصدمة)...‏

مواجهتها له بهذه الصراحة قد تصل به إلى حدود الانفجار في وجهها، أو الاستسلام لها.‏

أوقف محاولة التحرش بعواطفها.‏

ظل وجه ليندا يقترب منه أكثر.. ورأى أحلامه كلها تتبعثر على شفتيها، وأمام بياض صدرها الذي بدأت مساحته تتسع. وتكبر كملعب كبير، وراح يتراكض فيه.. ويتطاير شعرها الخرنوبي إلى وجهه حدثته عن أشياء خاصة..‏

ـ أنا كأية امرأة كانت تحلم برجل يغفو رأسها على زنده...‏

الرجل الذي تزوجته لم يكن رجلاً طبيعياً.. أمضيت معه زمناً..‏

جاءني رجل من بلاد النفط. تزوجته. كان غنياً، وإن كان يكبرني كثيراً.. روضت نفسي للعيش معه. حظي كان سيئاً مرة أخرى.. وكل ماكان يريده مني أن أترك له جسدي لتتنزه فيه أصابعه وعيناه.. بدأت روحي تتكسر.. ومع الأيام وجدت نفسي أهرب بجسدي وروحي وأعود...‏

ـ محزنة حكايتك!‏

ـ ومع ذلك عليَّ أن أضحك.. عرفت أن المرأة عندما تبكي تصبح مثل كيس من القمامة... يجب أن تضحك، على الأقل لكي لا يشعر الآخرون بانهزامها..‏

رنَّ جرس الهاتف.‏

ـ لماذا لا ترد على الهاتف!؟‏

ـ دون أن يأذن لها أمسكت بسماعة الهاتف.. وسألت "من!؟"..‏

ـ صوت امرأة يطلبك؟!‏

ـ شادن!؟‏

ـ أبداً. هي امرأة أخرى.‏

ـ لا أريد أن أرد..‏

ـ ولكني أخبرتها بوجودك هنا..‏

أحس بشجاعته تتهدم. "هذه المرأة لماذا تطاردك يا جبلاوي؟!.. لماذا تأتيك عيون النساء وأنت على الحد الفاصل بين الشيخوخة والسقوط!؟..‏

كان شديد الاعتقاد أن امرأة البولمان دقت بوابة قلبه بأصابع أنوثتها.. قلبت حياته. قاسم المحمود شديد التأكيد على أن "المرأة العشيقة هي الربيع الذي يجعل الحياة أكثر اشتهاء"..‏

ـ لماذا لا ترد!؟‏

أمسك بسماعة الهاتف وتهدج صوته:‏

ـ نعم. من!؟...‏

ـ لماذا تحاول الهروب مني!؟..‏

لم يجد الكلمات للرد عليها.‏

ظلت عينا ليندا تغوصان في وجهه نحو الداخل.. تعبران عبر العينين إلى تجاويف الرأس نحو الدماغ. تريد أن تقرأ مايدور الآن في رأسه بشأن المرأة التي تحدثه..‏

ترك السماعة تسقط.‏

ـ هي تشاكسك!؟..‏

اندفع نحو الباب الخارجي. تبعه رنين الهاتف..‏

ولحق به صوت ليندا "الهاتف من جديد يا جبلاوي"..‏

****‏

لم تظهر شادن ارتياحها، وهي تفتح الباب له..‏

ذهب في ظنه إلى أنها تعرف حكاية الصوت النسائي الذي يلاحقه..‏

كان يحتاج إلى حوار معها يعيد إلى حياتهما الزوجية نوعاً من التوازن الذي اهتز فجأة ودون مقدمات منذ لقائه بفاضل مسعود. اعتبر أن المشاعر العشقية التي انتابته هي التي غيرت من طبيعة علاقته بشادن، فجعلته يرتكب أخطاء لفظية في نومه.. لكنه لا يشعر بالذنب حيال ذلك.. فامرأة البولمان ليست وحدها تتداخل في رأسه.. فأحلام أولاده بسيارة فاخرة، ومنزل جديد، وأنماط جديدة للحياة، وسهرهم الليلي حتى الصباح في متابعة المحطات البحرية، وحكايات المدينة عنه، وعن دكران.. كل ذلك جعله شديد القلق..‏

قدّم لها زجاجة عطر اشتراها للمناسبة. استهجنت تصرفه..‏

أنت لم تفعلها من قبل..‏

ـ ها أنا أفعلها..‏

ـ كانت لغيري!؟...‏

وجد من الضروري أن يصمت..‏

ما يزعجه بشادن أنها لاتحاوره بشكل مباشر.. عليه أن يكتشف من الحوار ما يدور في رأسها... وأحياناً قد يخطئ في تقديره.. فيتجه فكره إلى أمور أخرى... فيشكل ذلك له أمامها نوعاً من الاعتراف.. قد تستعمله شادن متى شاءت..‏

ومع ذلك كانت لديه رغبة كبيرة في أن يسألها مباشرة عن علاقتها بالصوت النسائي الذي جاءه في هذا الصباح:‏

ـ "هي ستنكر معرفتها به يا جبلاوي.. وعندئذٍ ستضيف قضية إلى ملف قضاياك التي تمسك بها"..‏

نظرات شادن تظل قاسية على وجهه.‏

هي تقرؤه.. كل مايجري في رأس الجبلاوي يبدو لها على وجهه كندبة بارزة..‏

ـ لماذا عدت إلى المنزل مبكراً!؟..‏

ـ أشعر بصداع حاد..‏

ـ لا يبدو عليك ذلك..‏

وضحكت. لم يرتح لضحكتها.. كان فيها كثير من الاتهام له... وربما الاستخفاف أراد أن يصرخ في وجهها... أن يفجر أي شيء.. وجود أدهمية في المنزل جعله يصمت..‏

ـ غداؤك على الطاولة إن أردت.‏

مشى باتجاه غرفة نومه. لم تسأله: "لماذا لا تذهب لتتناول طعامك"..‏

منذ تأزم الموقف بينهما.. أحس بأنه يفقد صوته في وجهها، وفي المنزل كله..‏

كان لا يريد أن يعلن استسلامه، ولكنه أحب بألا يفجر موقفاً لا مبرر له على الأقل في هذا الوقت الذي يرى أنه يفقد فيه التواصل الممتع مع شادن...‏

لم تعد تزرعه كعادتها بحنانها ومشاعرها.. وكثيراً ماكان ينسجم معها في تمثيل دور الابن المطيع الذي يرغب بمزيد من الحنان الذي يتصاعد في أوقات متباعدة ليأخذا اتجاهاً آخر.. فتنسى أمومتها.. وتستيقظ فيها مشاعر الزوجة الدافئة.. ويصير لها دفء مختلف، وطعم مختلف، ورائحة أنثى تتدفق عشقاً.. فتستسلم له بعمق، فتداعب حواسه كلها.. وتلهب مشاعره بكلمات راعشة بالاشتهاء..‏

فكر أن يبدأ معها محاولة للاقتراب منها..‏

وجد كل نوافذ العاطفة فيها مغلقة.. وأن عاصفة تعلن عن قدومها، دخل إلى غرفته وأدار جهاز التسجيل القريب من سريره المطل على الميناء. غنت فيروز" عالروزانا".. وحدها فيروز توقظ فيه رائحة البحر، وصهيل الموج ورائحة تلك المرأة التي دخلت حياته بجنون غير متوقع...‏

مع الزمن صار صوت فيروز جزءاً من عقله العاطفي.. عندما يصفو له الجو مع شادن يدير لها جهاز التسجيل بأغنية فيروزية.. جرَّب أن يرفع صوت آلة التسجيل.. جاءه صوتها حاداً...‏

ـ لماذا رفعت صوت الراديو؟!..‏

أضعف صوت الأغنية وراحت عيناه تلتقطان حركة الميناء.. والكورنيش البحري، فكر بالنوم.. لكنه لم يستطع.‏

في المساء وجد نفسه مع البيت كله في حوار عاصف..‏

بدأ الانفجار بإعلان تضجره من صوت جهاز التلفزيون الذي كان يبث أغنية غربية.. كانت تضج في رأسه كالزعيق..‏

ـ أنتم كالمجانين.. مايجري جنون!..‏

وجد وجوههم جاهزة لإعلان تمردهم على أوامره.. محمد كان يتأهب لإعلان تأففه من البيت كله.. قرأ في وجه شادن نفورها من غضبه الذي اندلع فجأة.‏

لم تقف شادن معه ولا مع أولادها.. وجهها لم يكن يعلن حيادية في هذا الموقف. هو يعرفها أكثر رفضاً لهذه الأغاني الصاخبة.. مع الزمن يئست من حوارها معهم.. فهي لم تصل إلى نتيجة بتغيير آرائهم... فلاذت بالصمت.. كانت أحياناً تعلن عن تضجرها بهدوء.. فيضعفون صوت التلفاز قليلاً من أجلها.. ولكنه لا يلبث أن يرتفع.. فتترك الصالة وتدخل إلى غرفتها فتقرأ كتاباً، أو تستمع إلى أغنية قديمة من أغاني اسمهان، أو ليلى مراد، أو أم كلثوم.. وتأتيها أدهمية في بعض الأوقات فهي تخفي تبرمها بذوق أمها "هذه الأغاني دقة قديمة"...‏

فتبتسم شادن في تبرم..‏

ـ جيل!..‏

شادن لم تقف في الحوار المتفجر إلى جانبه..‏

حتى، نظراتها لم تظهر تعاطفها معه. فالتهب غضبه أكثر..‏

محمد خرج على صمته المعتاد..‏

ـ أنت تفجرنا بغضبك.. وملاحظاتك الدائمة يا أبي. أنت لا تفهمنا..‏

ـ تقصد أني صرت مضجراً لكم!؟..‏

صمت محمد... كان في صمته نوع من الاتهام له بتخلفه عن فهمهم..‏

سأل بتحدٍ:‏

ـ قولوا ماذا تريدون...‏

جاءه اقتراح عامر مباشراً..‏

ـ دعنا نحوّل الطابق السفلي إلى محلات تجارية..‏

ـ انتظروا إلى أن أموت...‏

قالت أدهمية:‏

ـ يابابا... حياتنا صعبة هكذا.. الناس في المدينة تغيرت أحوالهم... ونحن...‏

أراد أن يخبرهم بما يريده الغندور منه... وجد في ذلك جرحاً لمشاعر أدهمية التي لم يصلها خبر طلب الغندور ليدها منه. لمَّح لهم أن بعض الناس الذين تغيرت أحوالهم ليسوا أكثر من صدأ..‏

قال محمد: ولماذا لا نكون نحن من هؤلاء. فأنت لا تزال تعيش بحلم تاريخك..‏

امتدَّ تمرد محمد إلى عامر... هو الآخر أظهر امتعاضه من ملاحظات الجبلاوي ولكن بطريقة أكثر هدوءاً... فقد أراد أن يخلق نوعاً من الحوار الهادئ مع أبيه يستطيع للوصول به إلى حالة من التوازن بين موقفي أخيه محمد ووالده:‏

ـ يا أبي لكل زمان لغته.. ورجاله.. وأنماطه.. ماكنت تراه غير طبيعي صار طبيعياً..‏

ـ الحرام يظل حراماً.. والقيم ستبقى هي القيم..‏

اكتشف الجبلاوي لأول مرة أن ثمة شرخاً كبيراً بين موقفه من الحياة وموقفهما.. أجبر نفسه على الاستماع لهما حتى النهاية مع اعتراضه المبدئي على طرحهما.. فهو لا يريد أن يدخل في حالة يفقد فيها زمام السيطرة عليهما تماماً...‏

الحاج محمد الجبلاوي كان يفعل ذلك معه، وجه محمد الجبلاوي الذي جاءه في تلك اللحظة أخرجه تدريجياً من حالة التشنج التي كانت تسيطر عليه..‏

رغم أنه وجد نفسه معهما في دائرة الاتهام بالقصور عن فهم مايحدث لهم، أو ما يحدث في المدينة من جنون، البارحة أخذته رغبة لاكتشاف المدينة كلها من نهر الرميلة شمالاً إلى نهر الفيض جنوباً كانت أسطحة المنازل مزروعة بصحون الالتقاط، وفي الشوارع جنون سيارات، ودراجات نارية، ووجوه كلها في حالة عصبية. في كل يوم يكتشف أن وجوه الناس وحركاتهم، وطريقة حوارهم تصير أكثر نزقاً، واقتراباً من التحدي.. لم يعد يتنشق تلك الطيبة والبساطة من وجوه الناس ومن عيونهم تأتيه نظراتهم كالصدمة. حمدوش قال له:‏

ـ "كل شيء يجري باتجاه معاكس لتفكيرك. تحاصرنا أزمة اقتصادية تضيق حولنا في كل يوم.. في النهاية سنكون معتصرين إلى حدِّ الموت..".‏

أجبر نفسه على تصنع ابتسامة في وجوههم.. رغم أن وجه شادن بدا متعباً وعصياً على الفهم..‏

ـ وما الذي نستطيع فعله أيها السادة!‏

قال ذلك ببعض السخرية. رغم الابتسامة الباردة التي تقصدها..‏

ـ نحوِّل الطابق السفلي من بيتنا إلى مطعم صغير يقدم الوجبات السريعة.. ووجبات جاهزة، ونقيم جناحاً لمتحف صغير لممتلكات العائلة القديمة.. القادمون من الغرب يحبّون الأشياء القديمة لاقتنائها كتحف في منازلهم..‏

ـ نبيع ذكريات الجبلاوية.. نبيع أجدادنا؟!..‏

ـ لماذا هذا الربط بين تلك المتروكات التي يغطيها الغبار وبين ما تسميه قداسة الأجداد..‏

ـ ما أسميه أنا.. وهل هو غير ذلك!؟..‏

وجد نفسه يشن عليهم غارة غضب جديدة.. فهو لم يستطع الإمساك بهدوئه معهم حتى النهاية..‏

كان محمد في بدايته صورة عنه.. يحب القراءة، وشديد الإعجاب بتاريخ الجبلاوية.. ومتلهفاً ليعرف كل شيء عن تاريخ المدينة، وعلاقة الجبلاوية بهذا التاريخ.. كان لديه اعتقاد أكيد بأنه سيكون صورة عن جده الحاج محمد الجبلاوي..‏

مدير الثانوية طلب الجبلاوي وأخبره أن محمداً رغم صغر سنه يحمل عقل رجل ناضج..‏

"هكذا أنتم الجبلاوية دائماً.. تولدون وعقولكم عقول حكماء.. وذاكرتكم تظل مشتعلة كفنار بحري"...‏

عبارات مدير المدرسة التي تدفقت إلى روحه كهبة عبق الفل البلدي الذي يسيِّج حديقة بيت الجبلاوي جعلته يمتلئ بثقة بمستقبل العائلة في المدينة..‏

لا يستطيع الآن أن يصدّق حدوث هذا التحول الهائل في حياة وسلوك وأفكار أبنائه..‏

ـ لماذا لا نبيع هذه الكتب التي تملأ خزانة الصالون.. ما الفائدة منها. دعنا ندفع بها إلى سوق السبت..‏

جاءه سؤال عامر كنفط على نار..‏

حاول أن يتماسك، ويظهر حالة من الرغبة في متابعة الحوار معهم... على الأقل يجب أن يذكرهم بالذي تعنيه المكتبة له..‏

وما الذي تعنيه كل حجرة في هذا البناء، وتلك المتروكات المختزنة في الطابق السفلي.. وما قرأه في مذكرات جدة الجبلاوي الذي استدعاه السلطان عبد الحميد إليه..‏

ـ جدّكم الجبلاوي.. رفض الخضوع للسلطان عبد الحميد.. .رغم إدراكه لقسوة أحكامه.. فالسلطان عبد الحميد كان مستبداً وجائراً.. كان يثقل قدمي معارضيه بأحجار ثقيلة ويلقي بهم في وسط البحر..‏

كان الجبلاوي مفتي المدينة.. قدّم استقالته من منصب الافتاء كنوع من الاحتجاج على سلوك السلطان. هذا القرار كان يكلف كثيراً.. ومع ذلك غامر ووقف موقفاً رجولياً ينسجم مع رأي الناس في المدينة. عندما مات أصر كثيرون على دفنه داخل مسجد السلطان تقديراً له على مواقفه. أبو الحاج محمد الجبلاوي.. قال لهم: "الجبلاوي يدفن بين قبور أهل المدينة.. كما كان معهم في حياته سيكون معهم في مماته..‏

علَّق محمد في نوع من التجاوز الأدبي على تلك القيمة الأخلاقية التي أراد الجبلاوي إبرازها..‏

ـ كان جدي مخطئاً إذ تحول منصب الإفتاء إلى آخر.. عندما يترك الإنسان موقعه يفقد كثيراً من كرامته.‏

وكثيراً من هذا البريق الذي يسمونه احترام الناس له.‏

المثال خالي مهران.. بعد أن ترك موقعه في الجيش ما الذي حدث؟!.. صار الناس يمرون غير مبالين به.. يصطدمون به كتفاً بكتف، حتى كلمة صباح الخير.. مساء الخير التي كان يقرؤها في عيونهم ويسمعها قوية في أذنه ذات يوم اختفت.. بالتأكيد هو الآن يعاني من عقدة هذا الانهزام..‏

وجد الجبلاوي نفسه محاصراً، بحوار أولاده، وأنه لا يستطيع أن يصمد طويلاً في حوار يفضي في النهاية إلى حالة من التجرؤ لتجاوز كل ماكان يزرعه فيهم من قيم. وبعد ذلك إلى هزيمة مرة يفقد بعدها السيطرة عليهم.. أخرج من أحد الأدراج صورة لأبيه الحاج محمدالجبلاوي مع الشيخ صالح العلي، وبعض المقاتلين ساعة دخولهم إلى قلعة المدينة ومهاجمة مقر الضابط الفرنسي.. تأملها دون أن يقول لهم ما تعنيه له من قيمة. ثم أعادها من جديد إلى الدرج. كان وجه شادن يواجهه بصمت.. أراد أن يدخل إلى روحها في محاولة لكسر حالة الصمت التي بدأت تتيبس مع مرور الوقت كأشجار الغازولينا التي كانت تملأ حديقة البلدية..‏

حول حديثه إلى شادن، وتقصد أن يكون صوته خفيضاً.. فهو لا يريد أن تتسع دائرة الاحتجاج حوله..‏

ـ ترين كل هذا الذي يحدث؟!.. أهو نوع من الاحتجاج على واقعهم؟!..‏

أخبريهم إن كنت باستطاعتي أن أقدم لهم أكثر من ذلك! فأنت تعرفين البئر وغطاءها..‏

فأنا أرغب مثلهم أن تكون ليّ سيارة خاصة بي، وشاليه عند الشاطئ، وفيلا جبلية.. أمضيت عمري كله وأنا أحلم أن يكون عندي بيت جبلي صغير جداً، استظل ببرودة فيئه صيفاً.. وتكونون معي خارج المدينة وخارج ضجيجها... أنا مثلكم أتشهى وأحلم، لكني أعرف حدود حلمي.. هي حدود صغيرة للحلم.. بين الحلال، والحرام.‏

أراحه من الداخل صمتهم وهو يلقي إليها بقناعاته..‏

اعتقد أنه ربح الجولة.. وأنهم اقتنعوا أن الجبلاوي رجل قيم ومبادئ..‏

وأن عليهم أن يرفعوا رؤوسهم به..‏

واجههم بسؤال مباشر.. جاءهم في نوع من التحدي..‏

ـ ما الذي أستطيع فعله من أجلكم أكثر مما فعلت!؟..‏

لم يتوقع أن يخرج إليه صوت شادن بهذا التمرد الحاد.‏

ـ ما الجدوى من كل هذه المحاضرة التي ألقيتها عليهم بنجاح؟! سل نفسك إن نجحت في تحقيق موقف الأب القدوة؟!"..‏

ـ أعتقد... وأنت تعرفين ذلك!..‏

ـ هذا اعتقادك... هل سألت محمداً.. كبير أولادك عن سبب غيابه الدائم عن المنزل في كل مساء... وإلى أين يذهب، وقبل ذلك.. هل عرفت لماذا ترك الجامعة، وعامر.. هل تعرف كيف تخرّج. ولماذا يظل عادل مملوءاً بعصبية ورثها عنك.. وأدهمية..هي على الدرب مثلهم.. تظل دائمة الحلم، تحلم بسيارة، وحلي وثياب فاخرة، عائلة كلها مملوءة بأحلام فجائعية..‏

ـ وأنت ما الذي صنعته لوقف هذا الجموح.؟!‏

ـ تركتهم لمحاضراتك عن (الجبلاوية) في كل يوم يأتيهم التلفاز بألف محاضرة.. والشارع بألف محاضرة.. المدينة التي تشغلك لم تعد تشغلهم.. هم لا يفكرون إن كان الجبلاوي يتسلم مجلس إنماء المدينة أم دكران.. أم الشرنكا الكلب... هم يفكرون بأنفسهم.. هذه حقيقة. أولاد المدينة كلهم ليسوا أحسن حالاً منهم.. هؤلاء هم المدينة القادمة.. وأنت وغيرك لا تزال تعتقد بأن كل شيء يجري في الاتجاه الذي تريده..‏

وجد نفسه بحاجة إلى أغنية فيروزية تستنبت فيه الفرح المدعوس بقسوة كلماتهم..‏

وأن يختصر تلك الاندفاعة التي تتعمدها شادن..‏

لأول مرة يراها مصرة على إدانته وأمام أولاده.. هو يعرف شادن جيداً.. فثمة أمر يجرحها في العمق يدفعها لنزف مشاعرها بهذه العصبية...‏

نهض باتجاه النافذة المواجهة للبحر في الصالة الواسعة..‏

تأمل زورقاً قادماً من جهة الغرب، والنوارس البيضاء التي كانت تغوص في قلب الماء من علٍ وتنفر سريعاً إلى أعلى..‏

لم يرقه منظر البحر..‏

كان لونه رمادياً، حزيناً...‏

وجه شادن كان يحرضه على البكاء، لا شيء يحزنه أكثر من هذا الوضع المتأزم الذي تعيشه شادن، والآن دون أن تعلن له عن أسبابه، فهو لايستطيع أن يتجاوز تلك الحالة التي بدأ يعبر عنها بينه وبين نفسه بأن محنة حقيقية لم تواجهه من قبل بمثل هذه القوة التي بدأ يخشى أن تعصف نتائجها ليس بعلاقتهما كزوجين وحسب... وإنما بالأسرة كلها..‏

لحق بها إلى غرفة نومها.. لم تكن باكية كما توقع.. كانت تقف جامدة في مواجهة صورة الحاج محمد الجبلاوي... وعيناها تبحران عميقاً في ذهول داخل الصورة.‏

فرش ذراعه وراء عنقها، وتلمَّس بهدوء شحمة أذنها اليسرى، هو يدرك! كم كان لمداعبته هذه من صدى طيب في نفسها... كان يتقصّد ذلك للدخول معها في حوار أو الشروع في تأجيج مشاعر غافية.. تركت لأصابعه حرية الحركة بالتوجه إلى رقبتها وشعرها من جهة الخلف. لم تضحك له، ولم تلقِ برأسها إليه كعادتها ولم تقل له تلك العبارة المحببة إليه، وهما في لحظة صفاءْ "أنت كل شيء محبب، وغال عليّ في هذه الدنيا"..‏

سقطت أصابعه... وسقط جسده كله حزيناً على كتفها..‏

وظلت جامدة في مواجهة صورة الحاج محمد الجبلاوي.‏

لاحظ أن تصرفات غريبة بدأت تظهر على تصرفات (أدهمية) فهي تظل في مواجهة النافذة.. لترقب حركة الناس والسيارات على الرصيف أحب أن يرقب ذلك دون أن تشعر به، وفكر باللحاق بها في طريقها إلى المدرسة. لم يخطر بباله أن يكون للغندور أية صلة بها. ولاحظ حواراً طويلاً، ومتكرراً يتم بينها وبين أخيها محمد. اعتقد في البداية أنها محاولة من محمد لتكليفها بمهمة إيصال رسالة أو كلمات إلى إحدى زميلاتها.. وصرف النظر عن سؤال أدهمية في الأمر.. وشادن لم تكن مستعدة للدخول معه في حوار حول ذلك. جاءه عبر الهاتف صوت أبي شهلة:‏

ـ ما الذي يبقيك في المنزل..... أم أنها أوامر شادن؟!‏

ـ وإلى أين سأذهب، كل شيء في روحي كئيب...‏

نصحه أبو شهلة بممارسة رياضة المشي في الهواء الطلق عند الشاطئ، والتأمل لتهدئة أعصابه.‏

ـ نحن ياجبلاوي كثوب بالٍ من أين جاءته الصدمة تمزقه.‏

ـ نلتقي قبالة نادي النقابة...‏

أحب أن تسمعه شادن وهو يتحدث مع أبي شهلا على الهاتف لتعرف إلى أين يتجه خارج المنزل..‏

هو لا يريد أن تزداد تأزماً بشأنه. هو لا يستطيع أن يصدق أنه ينزرع في رأسها شبهة حوله، وبخاصة مع امرأة‏

رجَّح أن تكون حالة من الاكتئاب تعبرها... فهي على مشارف سنِّ له هذه الحالة من الاكتئاب والنزق نظراتها ظلت تتوجه إليه باتهام لم يستطع أن يجد له تفسيراً محدداً..‏

فهي لم تمارس معه مثل هذا الغموض من قبل.. كان يقرؤها عادة عن ظهر قلب، ويقرأ ما الذي يمكن أن تقوله قبل أن تنطق به، وهي تستطيع أن تمارس معه هذه القراءة التي صارت مع الزمن أمراً عادياً، ومستحباً.. لأنها كانت تختصر كثيراً من الحوارات التي يمكن أن تنشأ وينشأ عنها اختلاف في وجهات النظر أو تقود عادة إلى حوارات عبثية لا مبرر لها...‏

وجد نفسه يتوجه إليها باللوم ـ تغيَّرت كثيراً يا شادن!‏

ـ كنت أشبه بقطة عمياء..‏

أحزنته إجابتها وأغضبته. أجبر نفسه على الصمت. خشي أن يقول أية كلمة تجعل علاقته بها أكثر توتراً..‏

هبط درجات السلم الحجري، ولم يتأمل كعادته ورود الحديقة، ولم يسأل أدهمية التي واجهته قادمة من المدرسة شيئاً. هي استوقفته لتسأله إن كان بإمكانها أن تقدم طلباً إلى مؤسسة إعلانية تريد فتيات لإعلانات التلفزيون.. فجّرته في الداخل بغضب ليس له نهاية "أدهمية.. فتاة إعلان!؟".. ومع ذلك أجبر نفسه على الصمت. اكتفى بالنظر إليها غاضباً.‏

تغانجت حوله: "هي مهنة جيدة وأنا أحبها"..‏

وجد نفسه يصفعها بقوة ويشتمها.. كل ما حدث بينه وبين شادن بدا له عادياً. كلمات أدهمية جاءته كالصدمة.. ورأى جسده يتمايل باتجاه الحائط..‏

وراقب بألم كيف غطّت وجهها منه، وربما من ألم الصدمة. وركضت الدرج صاعدة كان يحتاج إلى وقت إلى الاستراحة جلس على حافة حوض الفل، وكان بحاجة إلى البكاء الحاد..‏

****‏

وهو يقطع الشارع إلى الرصيف البحري كادت سيارة تصدمه. اعتذر من السائق.‏

ـ ولكنني كنت أرتكب بك جريمة.. ومن؟!.. الجبلاوي!‏

أحس بأنه يحتاج إلى أن يتمدد طويلاً في مواجهة الشاطئ.. فهو متعب جداً، ورأسه ثقيل ومتضخم... فهو لم يخطر بباله أن تأتي فتاة من أسرة الجبلاوي لتطلب أن تكون فتاة موديل..‏

لم يستطع الجبلاوي حتى تخيل كلّ ذلك يحدث في أسرته. فهو لا يستطيع منذ الآن أن يشمخ برأسه... فابنته ترغب بالعمل فتاة موديل..‏

وتخيلهم يقولون كلاماً آخر ينهش في شرفه وكرامته..‏

ـ انتبه إلينا يارجل...‏

ظل تفكيره متعلقاً بأدهمية.. تساءل بقلق كيف جاءتها الفكرة؟‏

عزا السبب إلى تلك الساعات الطويلة التي تقضيها أمام التلفاز في متابعة المحطات البحرية.‏

أمسك به مهران من ذراعه..‏

ـ مابك سارح ومذهول!؟.. لا تقل إن أختي شادن هي السبب.. "فجابالا" كلها لم تنجب امرأة مثلها؟!..‏

استفزه كلام مهران.... لكنه تمرس على إخفاء ألمه.. هو لا يريد أن يعرف أحد في المدينة شيئاً عن وجعه الداخلي وكان مستعداً للبكاء للتعبير عن الانهزام الذي يكبر فيه.. تأمل وجه مهران بصمت..‏

كان الجيش بالنسبة (لمهران) حلماً منذ طفولته. واستمراراً لتقليد عائلي قديم نما فيه... وهو طفل في المدرسة كان يكتب على جدران مدرسة عز الدين القسام "المقاتل مهران"، وأحياناً يصف نفسه طياراً، وفي كتابات أخرى يكتب البحّار مهران. وذهب بعد الثانوية إلى الجيش مندفعاً بحب حياتها الصعبة إضافة إلى عشقه للوطن ولاقتناعه أن الجيش ضمان له ويوفر له الكرامة التي تجعله مرفوع الرأس وتجعله امتداداً لآخرين من أسرته كانوا في هذا السلك..‏

فأحد أجداده وصل إلى رتبة لواء، وكلف بمهمة قائد جيوش السلطنة العثمانية في المغرب العربي، وآخر هو عزمي مهران الجبلاوي وصل إلى رتبة عقيد في منطقة البلقان، أما محمود محمد سعيد عمران عزمي الجبلاوي فكان قائد لواء عندما دخل الملك فيصل دمشق... فانضم إلى قوات الثورة.. وعندما زحف الجنرال غورو نحو ميسلون كان إلى جانب يوسف العظمة وقاتل معه واستشهد إلى جانبه.‏

كان مهران أكثر شباب أسرة الجبلاوية حماساً لبقاء العسكرية فيهم.. فانتسب إلى سلاح البحرية وعمل قائداً لمجموعة زوارق صاروخية، ويؤكد أنه كان مع جول جمال يوم هاجم البارجة.. كل منهما كان له مهمة قتالية... ويحزن مهران لأن جول اكتسب شرف الشهادة ولم يكتسبها هو..‏

دعاه إلى فنجان قهوة في شرفة نادي النقابة..‏

وجاء أبو شهلا مع حديثه الفلسفي الذي بدأه مباشرة.. بأن كل مايجري في المدينة يضعنا في خانة الغرباء...‏

فهو لا يفهم كل مايجري.. فعقول الأبناء غير قادرة على فتح نوافذ أمام كلمات الآباء وتجاربهم. كان مهران عاشقاً للحديث عن حياته العسكرية. قاطع أبو شهلا.. وحدثهما كيف اشتبك مع سلاح البحرية الإسرائيلي الذي حاول أن يحقق إنزالاً عسكرياً في منطقة (الباصية) قبالة قلعة المرقب.‏

وكيف أصاب يومذاك سفينة القيادة للقوات المهاجمة.. وإصابات مؤكدة في زورقين. كانت معركة كبيرة وأكد على أن أقسى معارك المصير القادمة ستكون في البحر..‏

ـ فاضل مسعود يبشر بأن البحر سيكون بحر سلام..‏

ـ هه.. صاحبك فاضل مسعود .. يجهل التاريخ..‏

شرب مهران قهوته بسرعة، واعتذر لمتابعة رياضته..‏

منذ أحيل مهران إلى التقاعد ظل مواظباً على تقاليده العسكرية (استيقاظ مبكر ـ رياضة صباحية ـ إفطار ـ مطالعة ـ رياضة مسائية ـ مطالعة ـ نوم مبكر) عرض على مجلس إنماء المدينة أن يضع نفسه تحت تصرفه لتدريب أبناء المدينة. دكران رئيس المجلس سخر منه..‏

"تريد أن تحوّلنا إلى عساكر، وتؤسس منا جيشاً؟!"..‏

غمز الرجال الجالسين حوله.‏

ـ يجب أن نترك لطموحات الجبلاوية السيطرة علينا، السيطرة عقدتهم.‏

ـ أراد مهران أن يفهمه أن المدينة تحتاج إلى رجالها للدفاع عنها. لكن حمدوش الذي نهض من بين الجميع كفاه ذلك..‏

اخترق الجبلاوي مع أبي شهلا الحي الشمالي باتجاه ميناء الرميلة... كانت الفيلات المواجهة للبحر مباشرة تسكب نفاياتها على الشاطئ، وتفوح رائحتها بقوة، فتحدث فيه حالة من التقيؤ والقرف.. وتدافع من هذه الفيلات عدد من الشبان راكبي الدراجات النارية وانقذف الحصى من تحت عجلاتها بقوة وتناثر في مساحة واسعة، إحدى الحصيات أصابت وجهه.. وجد نفسه يتلمس مكان الإصابة، وانحدر خيط من الدم، على أصابعه، فانحنى إلى الأرض، وجاء أبو شهلا ليضغط بكفه مكان الجرح لوقف النزيف. كان الشعور بالألم يكتسح مساحات من روحه. لا أحد من ساكني الفيلات أعلن له عن استنكاره لما حدث..‏

صهلت ضحكاتهم بقوة...‏

دار راكبو الدراجات حوله دورتين، ثم انفرد كل منهما في اتجاه.‏

في طريق العودة لم يسلك الجبلاوي طريق الشاطئ.. غاص في المدينة عبر التفرعات الشارعية الضيقة....‏

من بوابة منزل بسيط.. جاءه صوت..‏

ـ جبلاوي .. مابك؟!‏

حاول أن يشرح له كيف حدث له ذلك، وجد في ذلك تفجيراً جديداً لحزنه، اكتفى بالقول: "كما ترى".‏

أجبره على الدخول، وأصرَّ الرجل على استنطاقه لمعرفة كيف حدث ذلك، كان يريد أن يعرف إن كان ثمة أحد هو الذي فعل ذلك قصداً، وأصرَّ الجبلاوي على الصمت، أبو شهلا فصل المسألة بأن أخبره بأن حصى جاءته من حيث لا يعلم..‏

وجاءت زوجة الرجل.. مسحت الجرح ووضعت عليه مرهماً وشريطاً لاصقاً..‏

تشاغل الجبلاوي بالتفرج على فتيات الإعلان اللواتي كن يعرضن نوعاً من الماكياج على إحدى المحطات التلفزيونية. إحداهن كانت منفوشة الشعر وقد ظهر قسم كبير من كتفيها وأزاح الفستان الأبيض الشفاف قسماً كبيراً من فخذها.. أغمض عينيه بقوة أمام هذا التفجر الحاد من التخيلات...‏

لم يكن قادراً على البقاء في مواجهة هذا التلفاز.. تظل الأدهمية في برأسه.. فهو لا يصدق أنها طلبت إليه أن تكون فتاة إعلان، ولا يستطيع أن يصدق تجرؤ الغندور على طلب يدها، ومع ذلك حاول أن يخفف من حالة الاحتقان الغاضب المتكّون فيه والذي كان يكبر في طريقه للانفجار.. وهو يخترق المدينة نحو الميناء..‏

****‏

كانت شادن متكئة على الصوفا في صالة الجلوس... ترتدي قميص نوم رمادي باهت يعكس حزناً على وجهها... وتضع على رأسها "إيشارب" حريري ورثته عن أمه التي تفننت في شغله بيدها..‏

ألقى عليها تحية المساء.. أجابته بصوت بارد، توقع أن تسأله لماذا تأخرت.. أو أن تنظر إلى وجهه لترى الجرح المغطى بلاصق بلاستيكي.. لكنها لم تفعل.. وسمع وقع خطوات أدهمية تهرب من المطبخ باتجاه غرفتها.‏

وجد أنه من الضروري أن يفتح مع شادن حواراً جاداً. فكل البيت يتأزم بتأزمها..‏

"يجب أن يضع شادن في صورة الخطر الذي تتسببه بتصرفاتها، وآراء الأولاد التي بدأت تخرج على الأصول وتنذر بأشياء خطرة.. فهم وصلوا إلى نقطة فاصلة على مشارف الخروج على كل شيء. عادل وحده من بينهم حتى الآن لا يزال يحتفظ بصمته وهدوئه.. كان يقترب أحياناً من الجبلاوي ليسأله بصوت موجوع. مابها ماما!؟‏

لم يكن يتوقع أن سؤال عادل سيكون موجعاً له.. فهو لا يستطيع أن يدخل معه في حوار حول علاقته بشادن ولا يمتلك القوة الأدبية لمصارحته بحقيقة مايجري. كان في كل مرة يسأله فيها يجيبه "هي مكتئبة" كان يعرف أن إجابته لم تكن مقنعة، لكنه لم يكن يمتلك إجابة بديلة، كان عادل في مواجهته يبحث عن كتاب لقراءته حاول أن يوجهه نحو ابن رشد وابن خلدوان، أو نحو ما كتبه الفارابي في أبحاث شتى.. وإلى شعر المتنبي.. يظل عادل مشدوداً إلى كتب الأحساب والأنساب في مدينة "جابالا"...‏

وإلى حكايات جده الجبلاوي القديم.. فهو يظهر اعتزازاً كبيراً بموقفه من السلطان عبد الحميد، ترك عادل البحث عن الكتب وسأله عن حكاية الحاج محمد الجبلاوي في وجه الضابط الفرنسي الذي يحكم المدينة..‏

لم تكن لدى الجبلاوي رغبة في الكلام. ظل يفكر بأمره مع شادن..‏

تأمل الأفق الغربي. لم تكن في البحر ثمة سفينة أو زورق صيد. هرب إلى غناء صياد.. مواويله كانت حزينة.. سقط رأسه على حافة النافذة..‏

ـ ما الذي يؤلمك؟!‏

ـ وجد شادن في وجهه..‏

ـ لا شيء..‏

ـ ماذا أصابك!؟..‏

تلمست وجهه. رأى في عينيها ذاك البريق القديم يتوهج.. ويوقظ في داخله دفئاً حاراً..‏

ـ ما الذي حدث لك!؟..‏

أعتقد أن سؤالها يمهد له لفتح حوار معها.. على الأقل يفسح له المجال ليقول مايرغب به.وجد أن حواراً بشأن الأولاد قد يكون الأكثر أهمية بالنسبة لهما الآن..‏

أدهمية أوقعت في داخله حالة من الصدمة القاسية. "فتاة إعلان!؟"..‏

صرف النظر عن ذلك.. فالحوار قد يقودهما إلى حالة من التصادم.. وخلق حالة من التفجر من جديد..‏

ـ لاشيء..‏

لم تكن لديه قدرة على اجتذاب لهفتها العاشقة إليه.. فقد غادرتها هذه اللهفة منذ زمن بعيد.. كانت لهفة شادن في البداية تأتيه في شكل اشتعال جميل "حبيبي .. سلامتك..." لم تقل له شيئاً من ذلك تلمَّست الجرح...‏

بعض من هذا الاشتعال جاءه.. لكنها لم تكن مستعدة لأن تحتضن رأسه... وتقبل جرحه..‏

ـ شادن.. لماذا تظل علاقتنا مشدودة... وكأننا على وشك الانفجار؟!..‏

تركت نظراتها تمسحه ببرود ثم سألته:‏

ـ من المسؤول عن كل الذي حدث ويحدث؟!‏

ـ الأولاد تغيروا كثيراً يا شادن.. وأنت الأم..‏

وجد أصابعه تتلمس شعرها.. تركت رأسها له، ولكنها لم تقل شيئاً.. اعتبر ذلك حالة من الانفراج.. أحس بأنفاسها تمشي إليه..‏

استعاد في ذاكرته صورة شادن القديمة... كانا معاً يطيّران الطائرات الورقية... وعندما تتعانق طائراتهما في الهواء... يضحكان دون أن يكون لهذا الفرح الطفولي أبعاد أخرى.. مع الزمن يتنامى حبهما كشتيلات الحبق ويكبر، وتعبق في مشاعرهما...‏

كان يحبها، تتقافز إلى جواره عند الشاطئ كفراشة ربيعية ويأتي زملاؤهما في الحي للعب معهما.. يظلان وحدهما بعيداً عن الجميع.. ينقلان إلى الجور الصخرية الجافة ماء وإصبعيات صغيرة من السمك البحري ويرقبان فرح الأسماك وهي تتقافز..‏

يذكر أنه حدثها أول مرّة بحبه عند المقعد المواجه للميناء.. وقطف لها باقة من الأزهار البرية... ومشى معها على الشاطئ الصخري.. حكى لها عن تل التويني..‏

أخبرها أنه سكن التل منذ القديم..‏

"ستأخذني معك ذات يوم إلى هناك"..‏

كان كل سكان المدينة يعرفون أن بيت شادن هو جزء من الاستطالة العمرانية لبيت الحاج محمد الجبلاوي.. يفصلهما سور حجري عريض ومرتفع.. فيتقافز الجبلاوي على الجدار.. وتضحك له شادن وتشجعه على النزول إلى ساحة دارها...‏

يلعبان... ويقيمان بيوتاً وحدائق من فل وياسمين وحبق..‏

ذات يوم سمع والدها يخبر أباه..‏

"الجبلاوي شديد التعلق بشادن"..‏

"لماذا لا يكونان لبعضهما؟... دعهما يكبران على الحب"..‏

تقافز الجبلاوي فوق السور إليها كعادته.. ورمى نفسه بين أزهار الفل وقطوف الحبق كان يريد أن يخبرها بالذي سمعه. كان مصمماً أن يجعل هذه الرغبة لدى أبيه حقيقة. سأل عن شادن. أخبرته أمها (خرجت إلى الشارع)... عرف أنها ستكون في حديقة السلطان إبراهيم كعادتها.. هو لا يحب الجلوس في الحديقة.. يرى نفسه منجذباً إلى شاطئ البحر لمراقبة الموج والبحث عن الأصداف البحرية.. كان العقد الصدفي الذي صنعه من أجلها معه استقبلته ابتسامتها..‏

حدثها عن حوار والديهما.. لم تضحك كما اعتقد.. ولم تظهر له فرحها.. ظلت محتفظة بهدوئها.. بحث عن كلمات جديدة.. وجد كل الكلمات التي استحضرها في طريقه إليها اختفت. أمسك بالعقد الصدفي ووضعه حول رقبتها. تقصد ألا يلمس وجهها.. تركت لأول مرّة رأسها على صدره.. وسمع دقات قلبه تكبر وتعلو.. ورأى مئات الجنود بقبعاتهم الحمراء يمشون في المدرج الروماني..‏

ويتطلعون إليه.. وأحس بجسده يرتجف.. وينز عرقاً..‏

مشيا معاً إلى جامع السلطان.. سادن الجامع ابتسم لهما، عند الضريح وجد كفها في كفه..‏

وأمسك بأصابعها. أراد أن يقول لها: "أحبك".. وجه سادن الجامع كان في مواجهتهما..‏

تضاحكا، وركضا في فسحة الجامع وخرجا من الباب الشمالي.. في مواجهة مقهى الساقي المقامة عند واجهة بستان البرتقال وخط القصب الطويل.. قطف لها بعض الأزهار البرية وقصَّ عليها حوار والديهما.. وتضاحكا بقوة.. وعلى الشاطئ المقفر وجد نفسه يقبل وجهها بحركة لا شعورية.. بكت وابتعدت عنه. لم تعد بعدئذٍ تلتقي به. أمه قالت له: "والدة شادن أخبرتها بأن لا ضرورة لحديث الجبلاوي مع شادن.. هما يكبران الآن.. وعندما يصبحان في سن الزواج، فالنصيب بيد الله..".‏

كان يرسل إليها تطلعاته وهي تعبر الشارع إلى المدرسة.. وأحياناً يكتب لها رسائل عاشقة.. بعضها يجد جرأة في إعطائها لها.. وبعضها الآخر ظل يغفو في دفاتر مذكراته..‏

عندما تزوج من شادن قرأتها..‏

"كل هذه الكلمات العاشقة لي؟‍!"..‏

أقسم لها أن مافي داخله نحوها أكبر من كل الكلمات..‏

"لا أحد يشاركني بمشاعرك"..‏

ـ "ولن يكون"..‏

تلمس شعرها الخرنوبي، وجد أن الشيب بدأ يلونه في مناطق متفرقة، ويكسبها نوعاً من الوقار.. وتحركت... أصابعه إلى كل وجهها..‏

ـ أحبك يا شادن..‏

رن جرس الهاتف، جاءه الصوت الأنثوي..‏

ـ هل اشتقت إليَّ؟‍!..‏

أحس بالارتباك.. كانت شادن ترقب وجهه.. أشار إليها أن تأخذ منه سماعة الهاتف.‏

ـ من؟‍.‏

ـ امرأة...‏

ـ ما الذي تريده؟‏

ـ لا أدري..‏

ـ سلها أنت..‏

ترك لها سماعة الهاتف، وتصنعت ضحكة..‏

ـ اعتقدها كانت تريد رجلاً..‏

ـ الأولاد كبروا.. ربما هي تريد أحدهم..‏

ظلت أصابعه تواصل المشي على شعرها.. ووجهها الذي بدأت تزحف إليه التجاعيد، وجد أن جمال وجهها بدأ يصيبه العطب.. ويفقده كثيراً من جاذبيته. لفت انتباهها إلى ضرورة الاهتمام بنفسها.. ليس من أجله، وإنما من أجل مكانتها الاجتماعية كزوجة، وأم، اندلع صوتها في حالة من التمرد...‏

ـ لا يهمك سوى أن أتزين وأتبرج لك.. هذا كل مايشغلك!؟؟"..‏

رن جرس الهاتف من جديد... استمر رنين الهاتف.. جاء عادل يسأل: لماذا لا يرد أحد؟‏

سحب أصابعه عن وجه شادن... وظل يرقب من سيكون على الهاتف..‏

ضحك لهما عادل: الهاتف من أجلي..‏

لكنه لم يتحدث... وأغلق سماعة الهاتف...‏

****‏

فاجأه زملاؤه ببعض باقات الورد... واكتشف أن من بينها باقة من أزهار الفل والياسمين وقطوف الحبق وبعض أزهار الكاردينيا الملونة.. وبطاقة كتب عليها:"عيد ميلاد سعيد"..‏

كانت البطاقة موقعة بحرف "ر".أخذ في استدارته شكل قلب صغير.. وجاءته شادن كعادتها كلما مرّ عيد ميلاده... مشت عيناها على كل الورود... توقفت عند قطوف الحبق.. وقرأت البطاقة.. ذبل وجه شادن كزهرة.. لفحتها ريح حارقة.. وأطبقت على ابتسامتها. عرف مايدور في رأسها. أراد أن يقسم لها بأنه لا يعرف من أرسل البطاقة.. لكنه كان مقتنعاً أن من أرسلها يعرف أي نوع من الورود يحب. أعتقد أن شادن تمارس معه دوراً مسرحياً.. فهي وحدها تعرف مايحب من ورود.. باعتقاد شادن الآن كما يفضح وجهها أنه هو الذي سرّب إلى امرأة ما محبته لهذه الورود...‏

رغم أن وجهها أحزنه ودفع به إلى نقطة الاتهام.. لكنه ترافق مع فرح داخلي اخترقه كضوء معلناً ابتهاجه باكتشافه أن شادن لا تزال تغار عليه.. احتفظت شادن بصمتها.. لكنها كانت جاهزة للانفجار في أية لحظة، من أجل ذلك، تقصد ألا يخطئ بكلمة واحدة تكون الصاعق المتفجر..‏

.. ليندا سألتها إن كانت تريد قهوة أم شاي... اعتذرت منها..‏

ـ لا أشرب شيئاً...‏

أرادت ليندا أن تفتح معها حواراً.. ربما لتفجير غيرتها أو لإقامة نوع من العلاقة معها.. لكنه كان شديد الاقتناع أن ليندا بخبثها، كانت تميل إلى التخمين الأول...‏

وجاء قاسم المحمود متضاحكاً..‏

ـ اعتقدنا أنك أحضرت لنا السكاكر والكاتو..‏

لم تستطع نبرة صوتها إخفاء حالة الغضب التي اشتعلت فيها...‏

ـ تركت السكاكر لزوّار المنزل..‏

لم يكن الجبلاوي قادراً على التركيز بكل ما يحدث حوله.. جاءه كثيرون من زملائه في العمل، وتحلق إلى جانبهم بعض المراجعين.. وجد نفسه مضطرباً.. وقدّم لهم شادن..‏

ـ شادن زوجتي..‏

تصنّع تشاغلاً ببعض الأوراق المشلوحة أمامه، وفي أدراج طاولته.. كان حفيف الأوراق بين أصابعه يفجّر حالة الصمت التي تتسع.. وتتكاثف... وتحوّل المسافة بينه وبين شادن إلى كتل ناتئة وعالية..‏

ـ ما رأيك أن نخرج معاً‏

ـ سأعود إلى المنزل..‏

ـ أذهب معك..‏

ـ ابق هنا... قد تأتيك "ر" أو قد تتصل بك..‏

ورن جرس الهاتف.. الصوت الأنثوي نفسه.‏

ـ كل عام وأنت بخير.. وصلتك باقة الورد التي تحبها؟!‏

.. لم يعرف ما الذي سيقوله: كانت شادن ترقب وجهه وأحس بالارتباك. ونفرت دماؤه حارة إلى وجهه وسقطت سماعة الهاتف..‏

لحق بشادن التي تركت الغرفة وخرجت.‏

أرادت أن تستوقفه للعودة إلى مكتبه، ولكنه رفض.. ظل إلى جانبها يمشي وحرص على أن يظل صامتاً. كانت تأتيه تحيات المارة.. بعضهم كان يرغب بالحديث معه.. فينفر منهم.‏

سألها عن رأيها بأن يذهبا إلى مقهى بحري.. وأن يتناولا طعام الغداء معاً خارج المنزل.‏

قالت بجفاء:‏

ـ لم أتعلّم على ذلك.. ربما تعودت أن تأخذ غيري..‏

ـ لم تتكلمي هكذا من قبل!..‏

ـ عندما تتغير المقدمات.. تتغير النتائج..‏

ـ نتحاور في المقهى..‏

ـ بيتي أكثر احتواء لي..‏

ـ الأولاد هناك..‏

ـ أهذا الذي يزعجك؟!.. أنت لم تفكر بهم..‏

ـ المقهى يكون أكثر إغراءاً وانفتاحاً للمناقشة..‏

ـ "ر".. علمتك على الحوارات الرومانسية..‏

انتقى كلماته بهدوء.. وأرسلها ناعمة أكثر مما يحدث في حالات الحوار العادية معها..‏

وتحاشى الدخول في عالم الأسئلة التي بدأ يفجرها الموقف..‏

في الشارع الضيق المنحدر نحو البحر ظلت تأتيه نظرات الناس وتحياتهم.. حاولت الاستخفاف به:‏

ـ عندما يعرفون أنك عدت مراهقاً سيغيرون من نظرتهم إليك. ابن الحاج محمد الجبلاوي يتصرف كمراهق!! أنا لن أعاقبك.. المدينة هي التي ستعاقبك.. أنت تنبش قبر جدك الجبلاوي القديم!..‏

في المنزل جلس في مواجهتها..‏

ـ نسيت أنك زوجة... فأنا لم أعد في حياتك منذ زمن طويل..‏

ـ ما الذي تغير بي.. وأنت الذي أخذت عمري وشبابي؟!‏

ـ صرت أمّاً.. الأمومة هي التي أخذتك.. وصبرت..‏

ـ أليسوا أولادك؟!..‏

ـ وأنا؟!..‏

ـ أنت؟.. تريد عشيقة،... لا زوجة.. و"راء"؟!‏

حاول أن يخلق معها لغة جديدة تستطيع إطفاء النار المشتعلة فيها.‏

ـ أريد شادن الجميلة، التي كانت تتقافز في حياتي كفراشة..‏

ـ كانت!‏

ـ وما زالت..‏

ـ اكتشفت أني كنت مغفلة..فأنا لم أنتبه قبل الآن إلى كل ماكان يجري..‏

بدأ الجبلاوي يتلذذ بلعبة الحوار التي بدأت تميل لصالحه.. فقد اكتشف أن شادن لا تزال في عمقها امرأة.. ربما هي الآن امرأة منزوعة الشهوات، لكنها الآن بفعل صدمة الغيرة المفاجئة تعود امرأة أكثر تهشماً.. وأنها بدأت تواجه تحدياً وربما انهزاماً يفضي بها في النهاية إلى التلاشي.. وأنها لا تختلف كثيراً عن أية امرأة تفجرها الصدمة. قرر أن يعمل بكل جهده لإعادة الأجزاء المهشمة من روحها الداخلية إلى وضعها الطبيعي عبر مصارحة حقيقية. كان يريد أن يعيدها إلى وضعها الطبيعي أماً لا أكثر.. فهو سيفشل في إعادتها زوجة، وحبيبة، إن ذلك قد يرضيها.. لكنه لا يستطيع أن يضمن قدرته على الإمساك بها خارج حدود الصدمة التي أكدت بامتحان بسيط جداً أن شادن غير قادرة على التحمل. عندما جاء عامر وأدهمية ظل صامتاً. أخبرته أن الأولاد يعرفون أنهما متخاصمان وأنها لم تشأ أن تخبرهم عن السبب.. فهي لا تريد أن تسقط احترامه فيهم.. أقسم لها بصوت خافت أن كل ما يجري هو مسرحية لا يعرف بدايتها ولا نهايتها..‏

جاءه صوت أذان الظهيرة من جامع السلطان... تركته ونهضت... عندما لحق بها إلى غرفة أدهمية، وجدها تصلي. تركها، ومشى باتجاه الشاطئ.. وجد نفسه يمشي طويلاً بين مينائي الرميلة والفيض.. ووقف أمام النصب التذكاري للسباح محمد زيتون.. هو يتذكره جيداً ويتذكر كيف رآه يسبق كل السباحين في سباق طويل بين "لاتاكيا وجابالا".. يومها زرع فيه الرغبة في أن يصبح سباحاً..‏

جرَّب السباحة أشهراً.. وجد نفسه في النهاية وكأنه يطارد وهماً.. ففي المدينة كان كثيرون يتمرنون على السباحة. نصحه الحاج محمد الجبلاوي بمواصلة كتابة الشعر.. لأنه الأقرب إلى روحه.. ومع ذلك لم يكتب الشعر إلا في شادن وحدها.. فقد سرقت منه القدرة على كتابته بامرأة أخرى.. قاسم المحمود يقول دائماً: "الشعر امرأة"...‏

ـ ولماذا لا تكتب الشعر.. وكنت تكتبه قبل الآن؟!‏

امرأة البولمان سألته لماذا لا يواصل كتابة الشعر..‏

ـ كيف عرفت؟..‏

أخبرته المدينة كلها تذكره شاعراً، المدينة بحاجة إلى شاعر..‏

ـ يتغزل بها؟!‏

ـ لا.. يعزف على رموش أجفانها..‏

ـ أنت شاعرة..‏

ـ لا.. أبحث لأكون عاشقة..‏

ـ ولماذا؟؟‏

ـ لأصبح شاعرة..‏

وجد نفسه في سينما الفردوس يحضر فيلماً سينمائياً.. لم يسأل عن عنوان الفيلم أو عن مضمونه.. فقد أراد أن يقتل الوقت لا أكثر.. منذ عشرين عاماً لم يدخل إلى السينما.. كانت المقاعد الحديدية تنز برودة من عشرين عاماً والمقاعد نفسها.. ووجد نفسه يغط في نوم عميق أثناء عرض الفيلم رغم زعيق الأولاد والشبان الصغار الذين كان يملؤون الصالة.. تنبه على صوت صاحب السينما يوقظه.. وجد الصالة فارغة..‏

ـ الجبلاوي..!‏

ـ اشتقت إلى حضور فيلم سينمائي..‏

ـ وهل أعجبك!؟‏

ـ جاءني النوم بقوة..‏

أتذكّر كيف كنا نأتي إلى السينما...‏

.. التلفزيون اختطف من السينما كل شيء. فهي لم تعد قادرة على دفع فاتورة مصاريفها..‏

ـ ما الذي تفكر أن تفعله بها؟‏

ـ سأتركها للمدينة تراثاً..‏

كان الجبلاوي حريصاً على العودة إلى المنزل مبكراً.. كانت محتويات المتاجر تندلق إلى الأمام وتدفعه بعيداً عن الأرصفة إلى قلب الشارع الذي تزدحم فيه سيارات.. وعربات ذات الثلاث عجلات ودرّاجات هوائية وآلية وكان عليه أن يظلّ حذراً وهو يدخل منطقة القلعة. كان المدرّج الروماني معتماً وتتناثر أحجاره كأشباح سوداء اقتربت من الشارع تترصده..‏

ومن الجهة الغربية كانت ثمة أبواب متاجر جديدة تفتح في جدار المدرج لم يستطع تأمل المشهد طويلاً.. فأرعشه خوف وبدأ يتخيل أشباحاً تتقافز من المدرج باتجاهه... وجد نفسه يركض وهو يدخل حارة البحر.. وعندما اقترب من المصباح المشتعل في مواجهة بناء حديث.. تلفت إلى الوراء ومشى ببطء. كان يريد أن يخفي خوفه أمام رجال يقتربون في ضوء مصباح هزيل.. أحدهم استوقفه:‏

ـ كم الساعة الآن!؟..‏

ـ وجد سؤال الرجل بارداً وسخيفاً.. دون أن ينظر في ساعته..‏

قال: "العاشرة"‏

لم يقل الرجل شيئاً.. كان الجبلاوي يعتقد أن سؤاله نوع من التحرش به..‏

عندما فتح الباب رأى شادن في وجهه. لم تكن غاضبة كما توقع لم تتجه إليه بسؤال واحد.. فقط أخبرته أنها كانت قلقه بشأنه.. وأن حمدوش وقاسم المحمود وأبا شهلة سألوا عنه.. أراد أن يسألها في نوع من الممازحة و"راء" ألم تسأل عني؟!.. تراجع عن رغبته عندما أضاءت أمامه غرفتهما.. وأشعلت شمعة في قالب الكاتو الذي حضّرته له ونام وجهها على ذراعه..‏

ـ عام سعيد..‏

أحس بجسده متعباً وحزيناً وبدا الميناء البحري مهجوراً.. وثمة ضوء مصباح كان يتماوج على سطح الماء... صارت أكثر التصاقاً به... وهرب تفكيره كله إلى الصوت الأنثوي الذي أيقظ فيه مشاعر مضطربة بين الضوء والعتمة..‏

ورأى السفن الأوغاريتية تدخل الميناء.. كانت وجوه البحارة سمراء كخبز الحنطة الذي تنتجه قريطو.. واصل غناء البحارة فيه تقدمه، مع رائحة الخبز.. واستيقظ على صوت شادن يحتضنه بقوة: "تظل حبيبي"..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244