|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ 11 ـ وهو يدخل إلى مكتبه كان صوت جرس الهاتف يأتيه مستعجلاً.. ـ من؟! "هي بالتأكيد لعبة تريد إحداهن أن تمارسها عليك يا جبلاوي.."، ما الذي يدفع بامرأة إلى مشاكستك على الهاتف...!؟ تخطيت مرحلة الحلم التي تعيشها أية امرأة نحو رجل.. وليس ثمة مايغري بك.. أبو شهلة يمازحك دائماً.. إنك من سلالة الإله "موت" .. أنت لا تعرفه؟!.. "أعرفه، إنه إله القحط والجفاف والموت.. يأتي في كل صيف، فتجف الينابيع والأنهار وينعدم المطر.." ـ لماذا لا تقول شيئاً؟!... ألم تنتظر عودة صوتي إليك؟!.. ورغم شكوكه بشأنها.. فقد سُعد بصوتها يعلن استباقه لاشتهائه إلى أنثى ليس فيها ما يوجعه مثل شادن حاول أن يتذكر أين سمع هذا الصوت.. أجهد نفسه في العثور على قرينة واحدة تأخذه إلى معرفة المرأة التي يأتيه صوتها كنوع من المداهمة، لكنه لم يفلح. ـ ماذا قلت؟ ـ بصراحة .. انتظرت.. ـ ما الذي دفع بك للانتظار؟!.. ـ لا أدري.. ربما هو الفضول، وربما أشياء أخرى؟!.. ـ مثل ماذا؟!.. ـ لا أدري.. ـ أتتوقع أن أكون معجبة بك؟!.. ـ وربما كل مايجري هو لعبة.. مزحة أردت ممارستها على رجل.. ـ لا.. هذا لا أقبله منك.. ـ ما الذي تتوقعين أن أقوله غير ذلك.. ـ قل إني معجبة.. أجيئك عاشقة متيمة.. ـ لا أعتقد أنك.. ـ ولا أعتقد أنك لا تفكر بي.. ـ ما الذي تريدينه.. اختصاراً لهذا الحوار؟!.. ـ أرغب برؤيتك .. وأزهاري سبقتني إليك.. ـ .. أنت "راء"؟!.. ـ ها أنت عرفتني. (راء).. ـ وكيف عرفت أنني أعشق أزهار الفل وقطوف الحبق ونوّار الياسمين؟! ـ ألم أقل لك إني أعرفك وأعرف أشياء كثيرة عنك.. جرأتها أفقدته الرغبة على متابعة الحوار، فهو لم يعد يستطيع انتقاء الكلمات المناسبة لحوار جريء مندّى بالعشق مع امرأة تعرف عنه أشياء كثيرة.. صار أكثر اقتناعاً بأن جهة ما دفعتها إليه.. حاول أن يسقط من رأسه فكرة، أن يكون (مصطفى دكران) أو غيره وراء ذلك.. فليكن.. فهو سيمضي في اللعبة حتى النهاية لمعرفة ما الذي تريده منه. من النافذة كان يأتيه ضوء النهار... أحس بأنفاسها تزحف إلى روحه عبر الهاتف.. ـ أنا والمكتب باستقبالك.. ـ هل ثمة مايمنع لو التقينا خارجه؟!.. أخبرها أن لا مبرر لمثل هذا اللقاء.. والمدينة تعرفه تماماً.. سألته بصوت ناعس: ـ أتخاف عليّ أم تخاف على نفسك؟!.. أعلن لها عن أسفه.. فهو لا يستطيع أن يكون كما تحلم.. فمن الممكن أن يتكوَّن بينهما نوع من الصداقة!.. ـ ولكن المدينة لا تقتنع بصداقة المرأة والرجل.. ـ المهم ماهو رأينا نحن.. لم يكن مقتنعاً بإجابته.. فهو يدرك أن لا أحد في المدينة يستطيع أن يتقبل هذا النوع من الصداقة. جرّبه حتى الآن مع فردوس التي تجنح أحياناً للإبحار بهذه العلاقة إلى مسافة أبعد.. في كل مرة يشعل في وجهها ضوءاً أحمر ويتوثب: "ستوب".. وتضحك.. ـ ستظل ياجبلاوي بطل روايتي التي أكتبها.. ـ وإلى متى ستظلين تكتبين فصولها؟!.. ـ إلى أن تنتهي".. ـ أنا!؟ ـ لا.. حكاية عمر يمر.. .. جاءه صوت أغنية عاشقة يبثها مذياع في مكتب ليندا القريب.. أيقظت الأغنية روحه على المشاعر العشقية التي يعيشها وهو يتحدث إلى امرأة يأتيه صوتها حلواً كقطعة سكر.. ـ سأكون بانتظارك غداً.. كانت الساعة تقترب من الثانية ظهراً.. وبدأ الموظفون بالانصراف. جاءته ليندا تخبره بأنها طلبت نقلها إلى مكتبه.. أحس بجسده يرتعش.. وهو يحاول إزاحة وجهه بعيداً عن أنفاسها التي تقصدت أن تأتيه ساخنة وكأنها نداء حب.. ـ ولكني لا أحتاج إلى أحد في المكتب.. واهتز صدرها في مواجهته.. ـ وأنا لا أحد.. تأمل أنوثتها الناضجة في نظراتها وفي مرحها.. لم تعجبه أطراف أصابعها..كان الطلاء الأبيض على أظافرها يبدو عفنياً... رغم أنه اعترف في داخله بقدرتها على التغانج الأنثوي.. وظل يحتفظ بتماسكه.. فهو لا يريد أن يقيم علاقة مع امرأة مثل ليندا، حتى ولا مع غيرها رغم أن صوت "راء" بدأ يجتذبه.. ويبتعد أكثر به عن شادن.. تقصّد أن يحدثها عن شادن وعن عمق العلاقة الزوجية بينهما.. ظلت نظراتها تزحف إليه.. أسقطت كل حساباته دفعة واحدة.. ـ ومن قال لك أني سأنتزعك من شادن.. أريدك عاشقاً.. من جديد ظل يؤكد لها أن علاقة حميمة تربطه بزوجته، فهي حبيبته الأولى، وأم أولاده، واصلت ليندا أنوثتها في محاولة للدخول عبر أوردته إلى قلبه. حاول أن يقيم أمامها حواجز قوية ومتينة.. فهو لا يريد علاقة عشقية فشادن تختبئ في مشاعره.. حالة من خوف يختلط بالحب.. رأى "فردوس" تأتي إليه.. أزاحت بكتفها ليندا.. وقدمت له وردة جورية حمراء.. أصابته حالة من الاندهاش... فهو لا يتوقع أن السماء ستتساقط عليه نساءً في وقت واحد. وعبر استفزاز عشقي يستنهضه، وهو الذي لم تأته رغبة التفكير بامرأة أخرى قبل أن تظهر له ذات الصوت الأنثوي... والدته الحاجة علمته أن أية علاقة مع امرأة غير امرأته خطيئة.. صاحبة الصوت الأنثوي هي وحدها الآن تقترب منه.. فهي تجتاحه بقوة.. ـ تفضل يا أستاذ جبلاوي.. اخترت لك وردة من الجوري.. نظرت إليه ليندا في نوع من التحدي والمشاكسة.. ـ الأستاذ جبلاوي لا يحب الورود الحمراء، ولا من يحملها إليه.. ـ وأنت من الذي أخبرك بذلك؟! وجد الجبلاوي نفسه محاصراً فهو لا يريد أن يخرج في علاقته مع أي منهما على حدود الزمالة.. رغم أن (فردوس) تزرع فيه كل يوم همسة ناعمة.. فتهزه للحظة، ثم يقتلعها من حدائقه، لم يمد يده لتناول الوردة التي كانت تقترب منه.. تصنع حالة من القلق.. وراح يبحث عن شيء بين أوراقه وفي أدراج طاولته.. ـ ما الذي تبحث عنه؟! أكد لفردوس بأنه متعب وأنه لا يستطيع التركيز الآن في أي شيء، وتمنى أن تتركه وحده، اعتبرت ذلك نوعاً من المراوغة لإبعادها.. غادر المكتب قبل أن تتركه ليحبط إحساسها بأنه يراوغ... أخبرته أنها تقصدت تقديم الوردة له لإهانة ليندا.. ـ أنت تغارين عليَّ؟! ـ أغار على كرامتك.. ـ ولماذا؟!.. ـ ألست بطل روايتي التي أكتبها؟!.. أجبرته على الضحك.. وهو يندفع إلى خارج المبنى.. في الشارع وجد أبا شهلة في وجهه يتأبط كتاباً عن أوغاريت كتبه جبرائيل سعادة.. طلب إليه أبو شهلة أن يرافقه إلى منتزه نبع الفوار.. فهو يفكر بكتابة كتاب جديد عن هذه المنطقة.. فمنذ أعوام كثيرة وجد قناة للمياه من الفخار تنقل مياه عشرات الآبار التي يتصل بعضها ببعض باتجاه جامع السلطان."هناك من يقول إنها قناة رومانية".. وأنا أرجح كما تقول الرواية الشعبية: "إن الأدهمية والدة السلطان نقلت المياه من نبع الفوار إلى مدفن ولدها.. وأقامت حوله جامعاً".. اشترط على أبي شهلة أن يدفع فاتورة الغداء إن ذهب معه.. وجاءهما صوت ليندا من الوراء: ـ أتحتاجان إلى امرأة ظريفة تسعد جلستكما.. تضاحك أبو شهلة: ـ بالنسبة لي ليس ثمة مايجعل جلستي هانئة سوى كتاب، أما هذا الرجل الكنعاني القادم من التاريخ.. لا أدري.. هل تظنين أن في جسده المنحوت من الصخر الرملي قلباً لا يزال ينبض؟.. ـ أعتقد أن دفقاً حاراً لم يأتهِ بعد.. ـ جرّبي أن تبعثي فيه هذا الدّفق.. أعلن الجبلاوي عن استيائه من الحوار.. نظر إليهما باستخفاف، ومشى بعيداً.. لحق به أبو شهلة: ـ ألا تستطيع يارجل أن تخرج على روحك المتأزمة قليلاً؟!.. ـ لا أميل إلى الحوار مع أية امرأة.. وبخاصة مع هذه.. فهي أكثر جرأة على الرجل من زوجته.. ـ سلها.. قد تكون أكثر إسعاداً من زوجة.. أدرك الجبلاوي أن حواراً في هذا الشأن قد يفقده كثيراً من مهابته التي يحرص على أن تظل ألقة.. تركهما، ومشى... لحق به أبو شهلة: يارجل.. تظل قابلاً للكسر السريع كجرة فخارية! كانت الطريق بين المدينة والمنتزه مقفرة من الناس، وتوحي بالوحشة.. ومصابيح أعمدتها الكهربائية محطمة.. أخبره أبو شهلا أن العشاق هم الذين حطموا المصابيح من أجل أن يظل الليل محتفظاً بأسرارهم بعيداً عن أعين الضوء... رغبا بالجلوس في الفسحة الخارجية لمقصف نبع الفوار.. راقت للجبلاوي شمس شباط.. ومنظر أغصان أشجار الصفصاف الناعسة على المجرى المائي الضحل.. في مواسم "السيبانة".. كان الجبلاوي يتقصد أن يأتي قبل شروق الشمس ليحتجز مكاناً لأهله، يطل على النبع مباشرة وفي مطلع الخريف يروح إلى المنطقة المحيطة بتل التويني من الجهة الشرقية وبخاصة في موسم نضوج شجرة الميس الضخمة التي تظلل المزار كان الجبلاوي يتسلقها حذراً وبصمت.. ولكن بعد قراءة الفاتحة في نوع من الاستئذان خشية إغضاب المزار.. مرة جاء مع شادن إلى شجرة الميس، كان الجو خريفياً، وثمار ليمون الزفير بدأت توشيها صفرة برتقالية.. تراكضا تحت أشجار الحور الرومي التي تساقطت أوراقها.. وتقافزا كفراشتين عند النبع... تراشقا بالماء وضحكا... وهما يتجهان إلى شجرة الميس.. فجأة وجد الجبلاوي نفسه وجهاً لوجه مع رجل يرتدي لباساً أبيض... كل مافيه كان يبعث على المهابة.. تجمّد الجبلاوي تماماً في مكانه.... كل ماكان باستطاعته أن يفعله أنه وجد نفسه ينحني إلى يد الرجل الشيخ ويقبلها.. وانسرب إلى فمه طعم اليد المعروقة.. لم يكن مالحاً أو لاذعاً..وتملكه هدوء داخلي لم يشعر بمثله من قبل.. جاءه صوت الشيخ راعشاً.. بارك الله بك".. ائتمر مع شادن بما أشار الرجل الشيخ.. وجلسا قبالته على حجرين كبيرين وفار دخان كثيف من مبخرة كانت في يده.. أعتم الدخان الأبيض الرؤية، وتصاعد بين أغصان الميس... واختلط دعاء الرجل مع حفيف الأغصان.. وحركة الريح التي هبت من أعلى التل.. كان دعاء الرجل كملحمة صوفية سمعها أيام رمضان في جامع السلطان.. عندما انقشع دخان المبخرة كان الرجل الشيخ قد اختفى.. بحثا عنه حول المزار، وفي داخله، وبين أشجار اللوز التي تحيط بالتل فلم يجداه، لم يجرؤا على رواية ماحدث لهما، كانا لا يريدان أن يعرف أحد بسر هروبهما من المدرسة إلى تل التويني... كبرا وظلت الحكاية سراً.. وجد نفسه يروي الحكاية لأبي شهلة.. ـ أنت تتخيل أشياء غامضة يا جبلاوي.. ـ شادن رأت الرجل مثلي.. ـ هي توهمت مثلك.. جاء صاحب المقصف... حدثهما بأن حركة المقصف متجمدة.. الحياة الاقتصادية في المدينة كلها متجمدة. الموظفون يشكلون حركة المقصف، الرواتب صارت هزيلة وحال المزارعين قاسٍ.. قد يأتينا بعض أولئك الذين يعملون في التهريب... هؤلاء مشكلة، فعندما يبتهجون.. يكسّرون كل شيء... ويتقصدون التشاجر مع جلساء المقصف. دكران لم يفعل شيئاً بشأنهم. إن كل ما يجري يتم بمعرفته.. فله حسابه منهم. لم يكن الجبلاوي منجذباً إلى حديث صاحب المقصف.. فهو أسطوانة مكرورة يسمعها من سنوات. ظل ساهماً يرقب ظهر تل التويني المنبسط كسفينة ضخمة تتجه من الغرب إلى الشرق، يطوقها واد عميق. تذكر أنه لم يهتف لشادن.. فقد تعلّم أن يخبرها إن أراد التأخر بالعودة إلى المنزل. تظل تؤكد عليه أن يتصل بها "لا لشيء. من أجل ألا نقلق عليك". "أنا عجّزت يا شادن لا تخافي عليَّ من...". " من أجل ذلك يزداد قلقي عليك. أصبحت كطفل يحتاج إلى الاهتمام". -لا ليس إلى هذا الحد! عبر الفسحة الخارجية إلى الصالة باتجاه الهاتف. كانت في الزاوية البعيدة إلى جوار النافذة المطلة على أشجار الصفصاف امرأة ذات شعر ذهبي.. تخيلها قادمة من شاشة تلفاز.. فهو متأكد بأنها إحدى اللواتي يعرضهن تلفاز محطة بحرية. كانت ابتسامتها تعرش على وجهه ورغم أنثوتها التي تتقصد إظهارها، فلا تبدو من النوع الذي يطلقون عليه في المدينة فتيات الليل. تباطأ في مشيته لينظر إليها بتمعن أكثر.. فهو متأكد أنه رآها من قبل، وجد صعوبة شديدة في وضع نقاط محددة تجعله قادراً على تذكر هذا الوجه الذي ينفلت فيه بقوة. أمسك بالهاتف.. واتصل بشادن، وعيناه ظلتا على المرأة.. أخبر شادن رغبته بزيارة تل التويني مع أبي شهلا "سأتذكرك هناك. تذكرين يوم كنا في التل. ياه.. مر عمر طويل يا شادن". لم تظهر شادن ارتياحاً لمغازلته المتعمدة. سألته: -أنت شربت؟. -أبداً والله. -لماذا تقول ذلك؟! ترك سماعة الهاتف تسقط من يده بهدوء.. لم تأخذ السماعة مكانها الطبيعي على جهاز الهاتف.. أمسكها النادل، وأعادها إلى الجهاز.. ظلت عيناه تشتبكان مع عيني المرأة في نظرة طويلة.. كل ما كان يشغله في تلك اللحظة هو محاولة التذكر أين رآها من قبل. عند الباب الخارجي للصالة أخبره النادل أن السيدة تريد أن تتحدث إليه. رغم شعوره بالارتياح للطلب فقد أحس بالإحراج.. فهو لم يتعود الجلوس مع امرأة في مكان عام وأمام الناس. خشي أن يتصل أحدهم بشادن يخبرها بوجوده مع امرأة.. ربما يتطوع أحد العاملين في المقصف بذلك.. جماعة (دكران) في كل مكان. عندما تحدث صاحب المقصف عن (دكران) بالسوء.. كان الجبلاوي شديد الاعتقاد بأنه يتقصد ذلك لمعرفة ما الذي سيقوله أبو شهلة، وهو بشأنه. رجال (دكران) بارعون في هذه اللعبة. ليندا ستغمز "الجبلاوي غير ما تظنون. الله يسمعنا الأخبار الطيبة! وشادن هي مأزومة من لا شيء" مشى مرتبكاً نحوها.. حاول أن يستعيد الثقة بنفسه.. فسجله العاطفي في المدينة خال تماماً من أية سقطات. أبو شهلة في تنظيراته التاريخية.. يؤكد أن أي لقاء عاطفي هو سقوط. كل أحداث التاريخ بدأت بسقوط عاطفي، وانتهت بهزائم عاطفية. قاسم المحمود قال له: "يا أبا شهلة دعنا من تنظيراتك... فالحياة جميلة ببهدلة عاطفية، وحلو ختامها ببهدلة عاطفية". حمدوش اعترض عليهما معاً. "الحبّ النظيف هو الحياة إنه كل أفراح الدنيا". "حبُّ ونظافة يا حمدوش!" لم تنهض المرأة لاستقباله كما توقع. أومأت إليه للجلوس، ومدّت له يدها -ألا تتذكرني؟!. -أبداً. أصرت على أنه يتقصد تجاهلها.. أقسم لها أنه لا يذكر أنه رآها من قبل. -لا تخش.. فشادن لن تخبر بهذا اللقاء. -أنت تعرفينها؟!. -وأعرف أشياء كثيرة عنك. نفى فكرة أن تكون المرأة التي تلاحقه في الهاتف.. ونفى فكرة أن تكون شادن هي التي طلبت إليها ذلك لتمتحنه.. فشادن لا تعرف أن الجبلاوي سيأتي إلى مقصف الفوار. جلس قبالتها صامتاً.. لم تكن لدى الجبلاوي خبرة في الحديث مع النساء. أحياناً كانت شادن تسخر من محاولاته عندما يقول لها كلمات غزلية.. "لا تحاول.. ستظل خشناً" هي كانت تتمنى لو يستطيع أن يدغدغها بكلمات حلوة.. لكنها تعودت منه على تلك الجدية التي لا يخرج منها إلا نادراً. -هل تذكر وجه تلك المرأة التي سافرت معك إلى العاصمة؟ أعلن باندهاش: -آ.. أنت هي! -نعم. كان عليك أن تتعرف إليَّ من صوتي الذي يأتيك عبر الهاتف. لماذا تظل مشدوداً وأنت تتكلم عبر الهاتف. -وأنت فتاة الهاتف!؟ خشي أن يقول لها إن دكران يمكن أن يكون ربط خطه الهاتفي مع خطه.. وربما جماعة الهاتف.. حاول انتقاء كلمات رقيقة تليق بعذوبة اللقاء. فشل في تذكر مطلع قصيدة كان كتبها لشادن.. وجد نفسه يخبرها أنها ظلت في رأسه.. وأنه تمنى أن يلتقي بها.. فهو سعيد الآن بلقائها. طرح عليها مجموعة من الأسئلة دفعة واحدة: ما الذي جاء بك إلى هنا.. ولماذا جئت؟!.. و.. و.. اكتشفت أن أصابعه لا تزال تحتضن أصابعها.. اعتصرها قليلاً. وتوهجت عيناها ببريق أنثوي. -القلوب عند بعضها. كانت رائحة عطرها تتفاعل في روح الجبلاوي. تدفقت كلماته إليها مشبعة بالرومانسية. هو نفسه لم يصدق أن هذا الفوران العاطفي يخرج من فمه. -أوه.. لم تكن جريئاً في القول كذلك يوم كنا في طريقنا إلى العاصمة. أربكته. -وجهك يضيء في داخلي -أوه.. أنت شاعر!. -إنها فورة صدق المشاعر. رأى نفسه منجذباً إليها بقوة.. وقد تمادى كثيراً فأراد أن يلجم اندفاعه.. جرّب أن تأتي كلماته إليها بطيئة وجافة.. لم يستطع. وظلت نظراتها تتدفق فيه. -سأزورك في مكتبك. -شرف لي. اعتبر أن إجابته جاءت روتينية.. فهو لا يرغب بزيارتها.. ستلاحقه عيون الذين يعملون معه.. وتكبر الحكاية في المدينة.. وشادن ستعلن فجيعتها به.. وقد تصرخ أمام أولادها: -أرأيتم ما الذي يفعله أبوكم؟!. أكدت له ضرورة زيارتها له.. فهي تحب زيارة من تروق لها صداقته في مكتبه. وجد أن لا ضرورة للتمادي معها بعواطف الترحيب أكثر من ذلك. قدّم لها تبريراً بضرورة وداعها الآن. -معي صديق بانتظاري. -رأيتكما معاً عندما جئتما. اقرأ لنا إحدى قصائدك الغزلية. وجد في طلبها محاولة لاختراق تلك العلاقة المقدسة التي تربطه بزوجته. -لا أحفظ الآن شيئاً. أكدت له أنها تحفظ بعض قصائده. -ألا تزال شادن ملهمتك؟!. أحس أنها تحاصره بأسئلتها، وبنظراتها التي ظلت ترسل فيه ارتعاشة حارة.. دفعته إلى التعرق، والارتباك. ضحك لها في محاولة لتبرير انسحابه.. -نلتقي ثانية. -سأزورك. قدّمت له بطاقتها مكتوبة بحروف مذّهبة (راما). وقرأ رقم هاتفها في المدينة. جاءته حزمة من الأسئلة إلى مقدمة رأسه. كان يريد أن يعرف ما علاقتها بالمدينة. لاحظت ارتباكه -ما بك!؟. سأنتظر مكالمة منك. وضع البطاقة في جيبه، وأفرغ ابتسامة طويلة أمامها. أعتقد أنه يحلم فقط.. فهو لا يتصور أن امرأة بهذا الإدهاش تستلطفه، وتجري وراءه في محاولة لاستمالته إليها. حمد الله أن ما يحدث له ليس حلماً.. فراما أمامه بشحمها وأناقتها وعطرها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |