النـّو - سليم عبّود

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-12-

اجتاز الممرات الضيقة المحفوفة بنباتات "العلّيق" والقريص. وجد نفسه على تل التويني يحدد النقطة التي يعتقد أنه كان يقف عندها في الأزمنة القديمة ليرقب حركة السفن القادمة والرائحة عند خط الأفق البحري. لم يجرؤ على القول لأبي شهلة بالذي يدور في رأسه.. هو لا يريد أن تنتشر في المدينة تلك الصور التي اختزنها عقله.. سيسمونها هلوسة.‏

رغم أنه لم يقرأ كتاباً تاريخياً واحداً مما كتبه "جبرائيل سعادة" أو أبو شهلة وكثيرون آخرون كتبوا عن الزمن الأوغاريتي.. ومع ذلك فكل ما في رأسه يأتي مطابقاً لما كتبوه وما تقدمه المكتشفات الأثرية. عبر مع أبي شهلة كل الممرات المحيطة بالتل، وفتش عن لقى فخارية.. ثم انحدرا باتجاه ضفة النهر النابتة بأشجار الدلب والحور. فهو يعرف تلك التعرجات الضيقة جداً للنهر. وتراءت له الزوارق الصغيرة تتجه شرقاً.. وتحمل الرجال والبضائع من ميناء الرميلة. أبو شهلة قال له:‏

-فكرتك عن عبور الزوارق باتجاه التل ليست قابلة للتصديق.‏

أخبره الجبلاوي أن بإمكانه أن يتصور مجرى النهر يومذاك.. كان ملء الوادي كله بعمقه واتساعه.. فيبدو خليجاً في بحر.‏

-والدي الحاج محمد الجبلاوي يوم هاجم مع جماعة الشيخ صالح العلي المندوبية الفرنسية الموجودة في القلعة جاء مع الرجال من هنا.. يومذاك كان يصعب على الفارس اجتياز النهر وهو على ظهر حصانه. عبروه سباحة.. ودخلوا المدينة في المساء عبر البساتين المسيّجة بالقصب وأشجار الرمان.. عبروا إلى بهو جامع السلطان.. قرؤوا الفاتحة، وصلّوا العشاء واحتضنوا بعضهم مودعين وأقسموا على النصر أو الشهادة.. ثم هاجموا مقر المندوبية في القلعة.‏

****‏

تقدم الليل ولم يستطع الجبلاوي النوم. ظل قلقاً بشأن زيارتها إلى مكتبه وكيف سيقدمها لزملائه؟!.. ليندا ستصير إذاعة ساخرة.. وتدور بين المكاتب.. لتعلن بما يشبه التندر:‏

"في زيارة الجبلاوي امرأة.. امرأة شقراء!".‏

وستضع للصورة "رتوشاً" كثيرة.‏

ومع ذلك وجد نفسه يهوّن من خطورة المسألة "نحن في نهاية القرن العشرين يا رجل.."‏

جميعهم يستقبلون نساءً. دكران تدخل إليه امرأة وتخرج امرأة. حاول أن يحرر نفسه من هذا القلق..‏

بدأ يضع ترتيبات لجلستها ولحديثها معه. ستكون قبالته تماماً.. وجد أن من الأفضل أن تكون جلستها بعيدة عن طاولته.. وأن يترك الباب مفتوحاً.. وأن يتحدث معها بصوت عالٍ.‏

يجب ألا يترك لدكران وجماعته مجالاً لوضع تأويلات لأحاديث هامسة يمكن أن تدور بينهما.. كل أحاديثه معها ستكون بصوت عالٍ. وعليه أن يختصر اللقاء بعبارات جافة.‏

"هي ستفهمها، وستفهم أنني لست مرتاحاً لاستقبالها".‏

جاءته شادن بفستان نومها الباهت.. جلست إلى جواره، وحلّت ضفائر شعرها بهدوء.. هي لم تحدثه بشيء.. منذ وصل. قرأ في عينيها كثيراً من الأسئلة.. واتهاماً حاداً بشيء لم يستطع تحديده. وقد فشل في زحزحتها عنه.‏

في الصباح قرأ طالعه في الصحيفة المحلية.‏

ظلت شادن تتابع وجهه المنهوك بالقلق، والتساؤلات.‏

"لا أعتقد أن أحداً أخبرها بلقائي مع المرأة". ضرب كفه على جبينه‏

"حتى الآن لا أعرف شيئاً عنها.‏

كان صوت التلفاز يصخب بأغنية غربية، وسمع أصوات الأولاد يضجون معها..‏

كانت الأغنية تتكسر في رأسه كألواح من الزجاج.‏

أدركت شادن تضايقه من صوت التلفاز. قالت له:‏

-اتركهم..‏

-إنها طبول من صفيح.‏

-هم سعداء بها.‏

نهض ووقف في وجه النافذة البحرية.. جاء صوت الموج على الشاطئ ناعساً..‏

ومن غرف الصيادين الصخرية في الميناء جاءه صوت أم كلثوم من آلة تسجيل "أغار عليك من نسمة الجنوب". تمايل رأسه انتشاءً. وأشار على شادن التي لحقت به أن تصغي للأغنية التي امتدت في عروقه.‏

ألا تذكرين يوم أرسلت لك مقطعاً من قصيدة أم كلثوم "سلوا كؤوس الطلا"؟!‏

ووجد أصابعه تمشي على رقبتها، وتتجه إلى الأعلى.. توغلت بين شعرها.. زحفت إليه رائحة البحر.. ذكرته برائحة الزعتر البري.. تراجع بها بعيداً عن النافذة.. سحبها إلى غرفة نومها.. كان السرير مغطّى" بشرشف" زهري ذي دوائر متعددة.. ووجد فيها وجه المرأة التي قابلها في نبع الفوار. وجد صعوبة في محاولته لضم شادن إليه. ظل وجه المرأة يجتاحه.. حدثته شادن عن ضرورة شراء غسالة آلية جديدة، وفرن للغاز برؤوس متعددة، وبرّاد لا يثلج.. وعن حاجة الأولاد للباس جديد.‏

وأن أدهمية لم تذهب في رحلة مدرسية.. اعتذرت بدعوى وجع رأسها.. خجلت أن تقول لهم أن أبي لن يعطيني نفقة الرحلة المدرسية.‏

ترك شادن، وحاول أن يجبر نفسه على الإغفاء.. ظلت أصوات تأتيه. تقلّب في فراشه مراراً.‏

-لماذا لم تنم؟.. في رأسك موالٌ يا جبلاوي.. قله وارتح.‏

-هل تذهبين معي إلى الشاطئ؟‏

-في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟!.‏

-ما الذي يمنعك؟!.. اخرجي نتذكر أيام كنا نهرب، وكانت عيون الحاج محمد الجبلاوي تلاحقنا.. كان يرقبنا بفرح:‏

"بالحبّ تظل حياتكما سعيدة".‏

-وهل خبا حبي لك؟!‏

تهيّأ للخروج.. شاشة التلفاز في الصالة كانت تبث فيلماً من النوع الذي لا يستطيع أن يقبله.. كان مليئاً بالإثارة والعري، وقفت شادن في وجهه:‏

-لماذا أنت مصر على تغطية العالم بقماشة؟‏

-ولماذا أنت مصرّة على ترك تلك التفاهات تخترقهم؟!‏

أقفل التلفزيون سريعاً، وصرخ:‏

-من أجل تلك الأفلام تسهرون حتى الآن؟!.‏

ظلوا صامتين. فكر بتعطيل التلفزيون نهائياً.. وجد أن ذلك مسألة قاسية ستضطرهم إلى ترك المنزل والتفرج عند الآخرين.. وليس ثمة ضمانات من إحضار أفلام ممنوعة.. وأشياء أخرى تصاحبها. وجد رأسه يتفجر.. ترك المنزل ومشي في الليل.‏

عند المقهى البحري التقى بأبي شهلة وقاسم المحمود خارجين من مقهى الميناء. أخبرهما بالذي كانت تبثه المحطة البحرية.‏

-مشاهد تفجر الرأس.‏

قال لمحمود:‏

-ما يجري في الحياة اليومية أكثر تفجيراً للرأس.‏

-أنت تبالغ.‏

-وأنا أراهن.‏

-أنت تكفر.‏

-وأنت.. سيظل عقلك مهووساً بأربعة آلاف عام مضت.‏

تركهما وتابع على الرصيف البحري المتجه شمالاً. في مواجهة نادي النقابة ثمة شباب وصبايا يمشون على الرصيف البحري.. كانوا يتحدثون بوقار.. أدهشه المشهد تمنى لو يعود سنوات طويلة إلى الوراء ليمشي مع شادن. قد ترفض الظهور أمام الناس.. ظل يرقبهم بارتياح.. عبره إلى عمق المدينة النائمة شاب وفتاة.. كان ذراعه يطوق خصرها الناحل.. وجد نفسه يمشي في شارع البحر الذي يخترق المدينة من القلعة باتجاه الغرب.. هذا الشارع عادة لا يعجبه.. يفتقر إلى التنظيم. وتتداخل بوابات منازله بطريقة فوضوية.. وتتناثر أمامها علب القمامة التي تبعث رائحة مقززة وتتقافز منها قطط الليل.. وتصدر نواء حاداً.‏

كانت أضواء المدينة تبدو شاحبة وثمة صمت ثقيل يعبر الطرقات.. وتتقافز أعداد من الجرذان على الأرصفة وحول أكوام القمامة المشلوحة بشكل فوضوي من بوابات المنازل.‏

أحد الجرذان كان ينظر إليه.. اقترب منه ولم يتحرك.. لم تكن عينا الجرذ مخيفتين ولا كريهتين كما أعتقد.. ووجد نفسه مدفوعاً برغبة للإمساك به. تقافز الجرذ بوثبات بطيئة وعاود النظر إليه.. ثم دخل في زقاق جانبي.. تبعه.. أضحكته اللعبة.. من النافذة الصغيرة للمنزل المجاور جاءه صوت صنبور ماء يتصبب.. ورأى من خلف الزجاج ظل رجلٍ وامرأة، لم تكن ثمة مسافة بينه وبينهما.. عرف من حديثهما أنهما خرجا من مغامرة عشقية غير ناجحة. وأنهما لم يكونا منسجمين.. اتهمته المرأة صراحة أنه لم يكن معها.. هو مع امرأة أخرى بعقله.. أعقب كلامها صوت صفعة.. تحولت كلماتها إلى صراخ وشتائم بذيئة.. نقر لهما بإصبعه على زجاج النافذة، وركض في عمق الزقاق المعتم.‏

أضحكته اللعبة.. رغم أنه أحس بالخوف.. وسمع صوت الباب ينفتح، ويخرج رجل هو لم يتبينه في العتمة تماماً.. ابتعد كثيراً في قلب المدينة.. وجد أطفالاً يافعين ينبشون في براميل القمامة.. يجمعون أشياء كثيرة ويضعونها في أكياسٍ من الخيش. كانت أجسادهم نحيلة ومرتعشة. سأل الطفل القريب منه:‏

-ما الذي تجمعه؟‍.‏

-أشياء لأبيعها.‏

-ووالدك يعرف أنك هنا؟‍‍!.‏

-وهو الذي أرسلني.‏

-ماذا يعمل والدك؟.‏

عرض له اسم أبيه ومكان عمله.. تبين له أنه يعرفه، ويعرف أنه يحمل إجازة في التاريخ.. هو وأبو شهلة تخرجا في عام واحد من الجامعة.. كان أبو شهلة يصفه (بالنبيه القليل الحظ). أمسك بورقة مالية وقدّمها للطفل.. رفضها.‏

-أشتري منك كل ما جمعته.‏

-أرفض أن تشفق عليّ.‏

-أنت كأبيك.‏

تلمّس رأس الصبي بعطف، ومشى‏

اكتشف الجبلاوي أن وجه المدينة رمادي أكثر مما اعتقد، وأحزنه قلب المدينة المتفجر بالفقر.. كانت المشاهد الكئيبة تعرض نفسها كجرح سري خجول.‏

كان صوته الداخلي ينبعث كئيباً، وصارخاً.‏

اخترق عدداً من الأزقة الضيقة "ياه! منذ سنوات لم أر هذه المأساوية". بدت الأزقة كخنادق مظلمة، وكالحة ورطبة وأحس بأنه على وشك التقيؤ.. أسرع في مشيته، لكنه ظل حذراً خوفاً من التزحلق على المياه الآسنة أو على قشور البرتقال المتناثرة بشكل فوضوي معلنة حالة من العفونة المقرفة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244