|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-13- جلست في مواجهته مباشرة يفصلها عنه مسافة الطاولة.. لكن أصابعها كانت قريبة منه. وجد نفسه يلقي لها بكل أشواقه.. وأحس بها تزرعه بوهج خاص، وهي تحدثه: -أعترف لك بأنك كنت ذكياً عندما قبلت بأن أزورك في مكتبك. فأنا لم أقدر لك تبريري المنطقي لهذه الزيارة. أحب أن أرى الرجل في وضعه الرسمي. -هذا كل ما في الأمر؟!. تغانجت ضحكتها. -وأن أرى ملامح وجهك في الضوء تماماً. -ماذا تقصدين؟. -أن يرانا كل الناس. -تودين أن أكون في موقف حرج؟!. -لا، ما أريده هو أن تكون شجاعاً أمامهم بقبول صداقتي لك. لم تكن لدى الجبلاوي شهية في امتداد الحوار. فالحوار لم يكن في صالحه.. فهو لا يستطيع، أن يعلن صداقة بينه وبين امرأة. فقوانين المدينة تعلن أن أية علاقة بين رجل وامرأة يكون الشيطان رباطها. هو لا يستطيع أن يخبر الجميع بأن هذه الصداقة نقية وبريئة، وقد لا تكون المرأة في هذا الاتجاه أيضاً. صاحبه قاسم المحمود مقتنع بنظرته إلى المرأة، ولكنه ليس مقتنعاً بأن علاقة يمكن أن تكون قادرة على النمو في جو ينبق بألف اتهام. -قوانين مدينتنا ضيقة يا جبلاوي. -والعمل؟!. -أن نخرج عليها. -أنا لا أستطيع. -ولا أنا. وجه ليندا كان يطل عليهما من الصالة المقابلة.. وفردوس تقصدت أن تحضر إليه لتسأله إن كان أحضر لها كتاب (الميناوي).. وهي تسأله كانت تتفحص وجه (راما) بفضول شديد مما استفز المرأة. -ألم تشاهدي هنا امرأة من قبل؟! تركت فردوس سؤالها بارداً عن كتاب آخر يتحدث عن المدينة دون أن تعلن عن اسم كاتبه، وانسحبت صامتة. لحقت بها ضحكة المرأة. -غريبة! -من؟! -تلك المرأة التي أقحمت نفسها بيننا؟!. كبر القلق في روح الجبلاوي.. لم يجد بداية للحديث الذي رتبه في رأسه.. حتى إنه لم يتذكر شيئاً من الحوارات التي رتبها استعداداً للقاء.. عندما حاول أن يشرب القهوة ارتعشت أصابعه.. خشي أن يسقط الفنجان ويندلق. -هل ستظل غامضاً كقلعة تاريخية؟!. أخرج من أسوارك. اعتقد الجبلاوي أنها تعرف حكاية إحساسه بالانتماء إلى العصور القديمة. رغب أن يحدثها عن المدن الكنعانية، وعن تلك السفن المبحرة في العمق البعيد.. وعن الإله "أيل" الذي يسكن الجبل الأقرع باسطاً كفيه نحو سهول اسكندرونة وسهول "جابالا" المتشعبة نحو الجنوب إلى رفح. جاءه صوتها صاخباً.. اعتقد أن في الصوت بعض الجنون الأنثوي.. هدوء شادن الأمومي يجعله عاشقاً لجنون المرأة.. شادن اقتلعت نفسها من هذا الجنون. حدثته عنها، أقلقه أن اسراراً كثيرة تعرفها عنه توقفت عند ملاحظة اكتشفتها. سألها ما هي؟!. -وأنا أقف في باب مكتبك.. المرأة التي تجلس في المكتب المواجه لك سألتني: إن كنت أرغب بلقاء رئيس المجلس.. هي لم تتوقع أن أطلب لقاءك أنت.. اكتشفت أنك لم تلتق نساءً كثيرات هنا.. وقد أكون الأنثى الأولى التي تأتيك إلى مكتبك. -صحيح. -أكدت للمرأة.. إني أرغب بلقاء الجبلاوي. لم تسألني عن السبب، ولم تسألني من أنا، ولم تحاول أن تخبرك.. كان وجهها غامضاً.. هي ابتسمت.. لم أستطع قراءة ابتسامتها.. هل هي تبتسم مني أو تبتسم لي؟!. لا أدري ما علاقة المرأة بك.. لو سألتني ما الذي اريده منك وقتها. لم يكن في رأسي جواب لهذا اللقاء. -والآن؟!. -بدا لي الأمر أكثر قسوة مما توقعت.. فأنا أشعر بنوع من الإحراج يمارس عليَّ لأول مرّة. لم يعد الشوق الذي لازم الجبلاوي للقائها متأججاً فيه.. جاءت ليندا، واقتحمت عليهما جلستهما، وتقصدت أن تضع فمها على أذن الجبلاوي. لم تقل له شيئاً.. أحدثت صوتاً غير مفهوم وتصنعت ضحكة. ترك نفسه يضحك لها ضحكة بلهاء.. كان لا يريد أن تكتشف المرأة أن ليندا تجاوزت معه حدود الاحترام، الذي يريد الجبلاوي أن تعرفها في علاقاته مع الآخرين. -كما قلت لك. هزّ لها رأسه، وظلت تتابعها ضحكته البلهاء، وهي تخرج. -ما الذي قالته لك؟. -لا شيء. -لماذا ضحكت إذاً؟ -قضية خاصة. -الأمر متعلق بي؟. -أبداً. -لن أصدق.. هي قالت شيئاً يتعلق بي. أقسم الجبلاوي لها بأن ليندا لم تقترب بحديثها منها. هل ستخرج معي!؟ -لا أستطيع. -قل لا أجرؤ. كان الجبلاوي يتنشق رائحة الأنوثة من فتحة فستانها عند الصدر.. وتسري فيه رعشة لذيذة.. كان يعتقد أن مجيء راما إليه هو أمر لم يتم بالمصادفة فالقدر ساقها إليه. -ستأتي إليَّ في المنزل. اكتفى بأن أغمض عينيه لها. بعد أن خرجت (راما) بدأ الجبلاوي يلملم روحه التي تفككت. وجاءه سعيد المحمود.. كان في ضحكته كثير من الخبث. -مدهش يا جبلاوي.. إنها ينبوع من الأنوثة. وجد نفسه يمسك بفنجان القهوة الذي أ أبقته راما على حاله.. فهي لم تأخذ منه سوى رشفة أو اثنتين، امتص بشفتيه القهوة من المكان الذي تركت عليه قليلاً من حمرة شفتيها. -لماذا أنت شارد يا جبلاوي!؟ هو في العادة لا يحب الحديث عن النساء، ولا عن أي أمر يتعلق به شخصياً، ومع ذلك كانت الرغبة فيه تركض للحديث عن راما.. حاول أن يبدأ مع قاسم المحمود حديثاً عن الحب في سن متأخرة. جاءت ليندا وفردوس، وجاء آخرون بأسئلتهم الكثيرة. وكان من خلفهم (دكران) يتقدم بصمت.. عيناه كانتا تشلحان خبثهما في نظرات فضولية. كل نظراتهم كانت تتحرش به، ومن الواضح أن بعضهم كان مكلفاً بمهمة استفزازه. أخبرهم قاسم المحمود بصوت عال: هي أخت فاضل مسعود. ترك مكتبه وخرج. مرّ في السوق التجاري المتجه نحو البحر. كان باعة البسطات يعلنون عن بضائعهم بأصوات قريبة من الزعيق.. حمدوش كان يقف في باب مسمكته.. حيّاه وأراد أن يعبره سريعاً. "تعال نشرب القهوة يا جبلاوي". -مساءً نلتقي. -أريد ألا يكون بيننا أحد.. فثمة حديث هام يخصك. كانت حالة التضجر التي تدفع بالجبلاوي إلى الإحساس بالإرهاق تجعله نزقاً، ولم يجد الوقت مناسباً للجلوس ظل واقفاً في مواجهته. -نعم.. ما الذي تريد أن تقوله. -أولاً.. ستأخذ ما تحبه عيناك من السمك. -آخر الشهر، والحال صعب. -ومتى كان المال بيننا؟!.. أقسم.. -لا تقسم بالطلاق كما تفعل في كل مرّة.. سآخذ من سمك "البلميدا". أكمل حمدوش يمينه بالطلاق أنه لن يأخذ سوى سمك السلطاني، "تبقى يا جبلاوي الأغلى عليّ في هذه المدينة.. وأبوك وجدك كانا مختلفين عن الناس فيها". سريعاً وضع عدداً من أسماك السلطاني في كيس من النايلون وأعطاها لصبيه -خذ هذه إلى بيت عمك الجبلاوي. -ولماذا لا تقم بوزنها!؟ -بوزن أو دون وزن هي واصلة منك. حدثه حمدوش عن المدينة.. وعن حال الصيادين.. وعن أولئك الذين يصطادون السمك بالديناميت.. والشباك الجارفة. -المدينة يا جبلاوي تجف كبحيرة شحت مواردها. رجال دكران هم الذين يرمون الديناميت.. وجماعة الغندور تهرّب إلى المدينة من الأفيون إلى السمك المجمّد.. هم قتلوا المدينة. -من أجل ذلك طلبت مجيئي إليك؟!. -لا، ولكن عليك أن تحتفظ بهدوئك. -وما علاقتي أنا بكل الذي يحدث؟!. -علاقتك.. فإن لم تكن أنت فأولادك. -ما بهم؟!. -يجب أن تفهم أن محمد الجبلاوي أحد رجال الغندور. -أنت تمزح!؟ -هي الحقيقة التي تأكدت منها. -لا يمكن!. -لا تغضب يا صديقي.. لم يستطع الجبلاوي أن يحتمل متابعة الحديث.. واكبه حمدوش إلى الرصيف الآخر -تصرف بهدوء.. لا تجعلني أندم على أني أخبرتك. **** كل شيء كان يدفع به إلى النزق. وجه شادن الذي كان جامداً.. كان يضجره.. ظل كل منهما يتأمل الآخر باستهجان متعمد. لم يكن قادراً على مواصلة هذه الحالة التي تستنفره بقوة. هاجمها بسؤال مفاجئ: -أين ولدك المحترم محمد!؟. -هو في غرفته.. دعه نائماً. لم يعد إلى المنزل حتى الفجر. -يجب أن يظل نائماً، ليسهر الليل مع الغندور. في آخر هذا الزمان.. رجال بيت الجبلاوي بأمرة الغندور. إنها نهاية الزمن. أشهد الآن.. أنها نهاية الزمن. قرأت شادن في وجه الجبلاوي غضباً متفجراً. هي تعرفه تماماً عندما يغضب.. تصير شرايين وجهه منتفخة.. ويصير وجهه متفجراً بلونٍ أحمر ميالٍ إلى الزرقة. -لا تغضب. الغضب ليس في مصلحتك. لم يجبها. دفع بقدمه باب غرفة محمد. صار في مواجهته.. عينا محمد فقط انفتحتا بدهشة وخوف.. نزع الجبلاوي عنه غطاء النوم.. وأسقطه على الأرض.. وأمسك بمحمد من كتفيه وهزّه. -نهاية الجبلاوي أن يكون ولده مهرّباً. وجد الجبلاوي نفسه يسقط على طرف السرير ويروح رأسه إلى الحائط.. كان لا يريد وجه محمد الذي تفجر بالذهول، والخوف. أمسكت به شادن في محاولة لإخراجه.. -أنت ستدفع به إلى الجنون. -وأنا أريده أن يُجن أو أن يموت قبل أن يفعل الذي فعله.. نسي أنه من عائلة الجبلاوي.. على الأقل احتراماً لجده الذي كانت المدينة تقسم بخبزه. لم يتوقع الجبلاوي أن يتجرأ محمد على إعلان تمرده في وجهه: -كل حكاياتك عن "الجبلاوية" مضحكة.. سئمنا منها.. وسئمنا منهم، ومن أنفسنا. أنت لم تقدم لنا سوى النصائح والمواعظ.. الجبلاوية كذا.. الجبلاوية كذا.. يلعن..... وجد الجبلاوي نفسه يندفع إليه.. ووجد كفه تصفعه بقوة.. أمسكت به شادن وأخرجته من الغرفة.. ظل صوت محمد يتابعه. -لن يكون ضربك لي أكثر وجعاً من الفقر الذي جعلتنا فيه.. أنت لم تفكر إلا بنفسك.. بسمعتك.. بسمعة تراث لا فائدة منه.. بقيت مغلقاً عينيك عن كل ما يجري في الدنيا من حولنا.. نهضت مئات القصور في المدينة وامتلأت بالمتاجر.. وأنت تعيش في وهم هذا المنزل الذي لا يضم سوى الخرافات.. سأشلح كل حكايات جدي الجبلاوي الذي قاوم السلطان عبد الحميد.. والحاج محمد الجبلاوي الذي قاوم فرنسا. كل تاريخ الجبلاوية صار مضجراً، وأكل عليه الزمان وشرب. ظل صوت محمد يتضخم في عقل الجبلاوي.. وأحس بمهابته تسقط.. وأن قوة مجنونة تقتلعه من جذوره التي كانت أشبه بصواعد ونوازل تشكلت في كهف صخري عبر زمن طويل، وأنها بدأت تتفكك محدثة ضجيجاً هائلاً. بينه وبين نفسه، اعترف أن عالماً جديداً يتجه بالزمن نحو النهاية.. وجاءه وجه الرجل المغاربي في كهفه الصخري المملوء بدخان المباخر. "تؤلف ولا تؤلفان". كانت شاشة التلفزيون تعرض مشاهد من شوارع إحدى المدن البحرية وتبرز تلك القصور القرميدية القريبة التي تطل من واجهاتها نساء ورجال.. وعلى الشواطئ الرملية كانت تبدو حياةً فاخرة مليئة بالإغراءات، تنهض كأهرامات مملوءة بالشهوة.. سيارات ونساء ومظلات وزجاجات من كحول متعددة الألوان. لم يقو أن يسأل محمداً إلى أين سيخرج، وهو يندفع عبر الصالة راقب شادن تمسك به، في استغاثة أمومية.. وتبكي. -إلى أين؟!. -سأترك المنزل. -ما الذي ستفعله، وكيف ستعيش؟!. -سترين. تركها تبكي.. ويتبعه صوتها الأمومي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |