|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-14- اكتشف قسوة مغادرة محمد المنزل على شادن. حتى أنه لم يحاول أن يتصل بأمه هاتفياً، وهذا ما جعلها أكثر استنفاراً، وعصبية معه.. ظلت تحمله مسؤولية خروج محمد من المنزل وانزلاقه أكثر إلى عالم الغندور.. ورأى في عيون الجميع اتهاماً مباشراً له في ذلك.. حتى عادل الذي كان يتعاطف معه قال له: "كان بإمكانك أن تعالج الموضوع بهدوء أكبر. وجد الجبلاوي في ذلك نوعاً قاسياً من الانهزام الذي بدأ يصيبه.. كان دائماً يجهد نفسه لتبقى أمور عائلته سرية، وكأنها مختبئة عن كل الناس. غياب محمد عن المنزل جعل أموراً كثيرة تتعلق بالأسرة تحت ستار من غبار إن هبت عليه ريح أزالته وأبقت كل شيء مكشوفاً. دكران نظر إليه نظرة لم تعجبه.. توقع أن يسأل عن غياب محمد. ربما سرّب الغندور ذلك له عن قصد، والغندور من أصدقاء دكران السريين. خطر في ذهنه أن يذهب إلى الغندور ليسأله عن محمد، وربما يقوم بتهديده لأنه وراء كل ذلك.. وجد في ذلك أمراً سخيفاً، وضعفاً حقيقياً لا يريد أن يعلنه وجد نفسه في مقهى القلعة يبحث عنه.. توقع أن يراه هناك.. ولم يشأ أن يسأل أبا حمدو عنه. حدثه أبو حمدو عن حياته الجديدة. بدا له مختلفاً كثيراً عما كان عليه. تخيّل رأسه دفتراً من "الشيكات" وأوراق الدولارات و "سندويتش الهامبرغر". لم يشأ أن يقدم له القهوة.. قدم له شراباً آخر له طعم القهوة والحليب ونكهة أخرى لم يميزها.. "ما هذا؟". "إنه الكابتشينو". ضحك الجبلاوي، رغم تضجره الداخلي.. هو لم يضحك لأنه قدم له مشروباً لم يسمع به من قبل.. وإنما الذي أضحكه طريقة أبي حمدو في لفظ "كاباتاشي نو". تردد في سؤال أبي حمدو عن ولده محمد. إن كان يأتي المقهى. كان المقهى يصخب بضجيج الشباب، والأغاني التي تنبعث من جهاز تسجيل ضخم. ويعتم بدخان السجائر. وجد نفسه يمسك بالهاتف ويتصل براما.. أخبرها أنه يود زيارتها في المنزل. -انتظرك. نسي أن يقول لأبي حمدو كلمة وداع، أو أن يقدم له الحساب. رجع من عند الباب واعتذر. وسأله عن محمد. *** اعترفت له راما أنه فاجأها باتصاله.. تركت كلماتها الملّونة بأنوثة شفيفة تلتصق به.. وتركت جسدها يترك رائحته في كل مشاعره. كان الجبلاوي مصراً على الصمت، فرأسه مملوء بحزن صاخب، لكنه لا يقوى على إفلاته أمام أحد. موضوع محمد كان يهزمه. سألته إن كان بإمكانها أن تقدم له شراباً.. ومع ذلك ظل صامتاً. -لست طبيعياً. هل ثمة ما يزعجك حتى الآن.. هو لا يستطيع أن يفسّر كيف جاءت بها المصادفة إليه، كان ثوبها الخفيف الملتصق بجسدها يجعلها أكثر إغراء، واشتهاء، ومع ذلك ظل رأسه يبحث عن حلول لوضعه مع ولده.. ومعها سألته وهي تترك أنوثتها تضج فيه: ما الذي دفعك إلى هذه الزيارة.. أهو الشوق أم ثمة رغبة أخرى؟!". أجبر نفسه على الابتسام لها.. -لا أدري.. كل ما أستطيع قوله أنني وجدت نفسي منجذباً إلى المجيء. -كنت أتذكرك قبل أن تأتي. أحس بلكماتها دفقاً من المشاعر الدافئة. تمنى لو يستطيع أن يدع رأسه المتفجر يغفو على فخذها الذي أبرز فستانها المشقوق إلى أعلى قسماً منه. سألته إن كان يشرب القهوة أو أي شيء آخر تمنى لو يقول لها: لا أريد إلا أن أغفو، وأغفو طويلاً. كان جهاز التلفزيون الذي يبث نشرة الأخبار المسائية يعلن فجائع حقيقية عما يحدث في العالم.. وأعلن المذيع أن كسوفاً كاملاً سيحدث للشمس.. وأن تعليمات ستقدم لاحقاً للمواطنين بهذا الشأن. عاودته فكرة انتهاء العالم.. كان كل شيء في رأسه تلك اللحظة يفقده القدرة على ممارسة الفرح. عندما اقتربت أكثر منه، أحس بها تمارس نوعاً من الاستعراض أمامه.. وتدفقت رائحة عطرها وأنوثتها بقوة إليه.. اكتفى بالتحديق إليها.. لم يكن قادراً على أن يقول لها أي شيء آخر. فمحمد لا يزال يصخب في رأسه.. هو يريد الهروب من واقعه.. يريد أن يقتل كل شيء لا يزال فيه من إرث الجبلاوي.. اعتبر أن أفكاره هي نوع من الاستنفار الذي تعاظم لدى الشباب في هذه المرحلة.. هم يريدون أن يبنوا قصورهم الحالمة على أساس من الوهم.. سألته راما: -هل قرأت الصحيفة المحلية؟. -لا. أحضرت له الصحيفة.. في الصفحة الأخيرة قرأ قصيدة شعرية.. اكتشف أن القصيدة كانت موقعة باسمه. -كيف حدث ذلك؟!. -حفظت القصيدة، وأرسلتها إلى الصحيفة.. وبقيت محافظة على حقوق المؤلف. يجب أن تكون يا جبلاوي شاعر المدينة. -لا أستطيع أن أترك عواطفي مفروشة أمام الناس كبضاعة الأرصفة. -كل الكلمات التي لا تدق على مشاعر الناس من الداخل لإيقاظها هي ميتة. -أنا لم أكتب إلا لشادن. -شادن هي أية امرأة.. مثلي أنا أو غيري.. المهم أن ينسرب دفق كلماتك إلى الروح. كانت راما تعتصر أصابعها قريبة منه وتضحك.. حدثته بالشعر.. وبالفن.. اعتقد أنه يواجه لأول مرّة امرأة من طراز مختلف. -يجب أن تخرج في قصائدك على أزهار الفل، وحكايا الياسمين.. اكتب عن الغاردينيا.. وعن زهرة اللوتس.. ونجمة المساء التي تأتي من الغرب لتعانق قمر الليل القادم من الشرق. كانت عيناها تحتضن وجهه وتثبت فيه دفق أنوثتها لزجاً.. تركت طرف فستانها ينزاح قليلاً ليكشف أكبر مساحة من باطن فخذها. أسند رأسه المتعب إلى الوراء وظل يتأمل وجهها. منذ زمن لم يتأمل شفتين بهذا الشوق.. كان يعتقد أن شفتي شادن أجمل شفتين في العالم وأكثر سحراً واجتذاباً له. لم تعد شفتاها متفتحتين بدفق الحبّ كما يتشهاهما. مع مرور الزمن صارتا قطعتين باردتين من وجهها الأمومي. ذات مرة أحضر لها أحمر شفاه. أمسكت به وقذفته من النافذة نحو البحر. "ما الذي يحدث لك يا جبلاوي؟!". لم يكن الجبلاوي قادراً على الدخول في حوار معها. فقد أغلقت في صمت مكابر كل الأبواب التي تعيد إلى حبهما الحار نبضه القديم. وجد نفسه يسألها: -ما الذي دفعك للتعرف إليَّ؟!. صار وجهها امتلاءً بالأنوثة.. واقتراباً منه. -أحببت أن أكتشفك. عندما رأيتك في "البولمان" خطرت فكرة الاكتشاف في رأسي. كنت أرى أن من الضروري أن تخرج على نظام القولبة". -ماذا تعنين بالقولبة؟!. -كل شيء في حياتك مرتبط بخطوط محددة.. علاقتك بالمدينة بشادن.. بعملك.. بالماضي. كل ذلك محدد بأطر خاصة. أنت تستطيع أن تفعل أشياء كثيرة. -هذا الذي دفعك إلي؟!. -ليس هذا بالضبط.. وجدت في عينيك منذ اللحظة الأولى صفاءً من نوعٍ خاص. أدركت أني بحاجة إليك. المرأة تحتاج إلى رجل تسبح في صفاء عينيه. -إنها الحاجة إذاً؟!. -نعم.. هل تستطيع أن تفسر مجيئك إليّ الليلة.. دون أن تجيب.. فأنا اعرف أن حاجة ما هي التي دفعتك إليَّ الآن.. ليست بالضرورة أن تكون حاجة جسدية. ظل متقمصاً شخصية المتماسك.. بدأ الحوار مع راما يأخذ نوعاً من التفاعل.. أرادت أن تمنح الحوار بعداً عاطفياً.. لم يندفع إليها كما كان يتشهى قبل أن يصل. -ما الذي تريد أن أقدمه لك؟!.. هل تشرب كحولاً. -لا. -ولكنك تشرب؟!. -من أخبرك؟!. -أخبرتك من قبل أني أعرف كل شيء عنك. -هي الرغبة في معرفتي أم التجسس علي؟!. أمسكت بأصابعه واعتصرتها بنعومة. -لا تحمّل الأمور دائماً أبعاداً أكثر من أبعادها الحقيقية.. لماذا لا تقول إنها الرغبة العاشقة لامرأة تريد أن تقتحم حياتك. وجد الجبلاوي نفسه في حالة من الانتشاء العاطفي وهي ترش عواطفها على روحه.. إن ما يفصل بينهما هو مسافة صغيرة من الخوف.. تمنى لو تحضر له كأساً من النبيذ.. هو متأكد أنه في الكأس الثانية أو الثالثة سيتخطى تلك المسافة الفاصلة. عندما قدمت له القهوة تطاير بعض من شعرها إلى وجههه.. وتشابكت ابتسامته بابتسامتها رغم أن الفرصة كانت مؤاتية لتحقيق فكرة خطرت في رأسه لكن ارتعاشة الفنجان في يده أسقطت كل شيء. لم يجد لديه القدرة على انتقاء الكلمات المناسبة لها في تلك اللحظة.. فقط اكتفى بالتنهد. ظلت رائحة راما تتمازج برائحة القهوة.. وظل الجبلاوي يتصنع الهدوء في حركة مدروسة تمرّس عليها. الحاج محمد الجبلاوي علّمه أن يكون مسكوناً بالمهابة عندما يتحدث إلى الآخرين. "الصمت يا بني زينة الرجل". أراد أن يقول: "ولكن الصمت يا أبي يبقي المسافات بعيدة". اكتشف أن الحاج محمد الجبلاوي ومض في عينيه للحظة واختفى. ظلت نظراتها تربكه حاولت أن تعرف طبيعة سفره إلى العاصمة عندما التقته ولماذا يتكتم هكذا على ذلك. نفى أن يكون لسفره أية خصوصية أكثر من حنين خاص لمشاهدة العاصمة. فاجأته بما يقوله الناس عن احتمالات تسلمه موقعاً هاماً في المدينة. اختصر كل اهتماماتها الواضحة في عينيها. -هو كلام. -لا أكثر؟! غيّرت حديثها بسرعة.. لم يتوقع أن تسأله بشكل مباشر: -هل ثمة امرأة في حياتك؟!. -شادن. -لم أقصد شادن. -أبداً. -ولا في خيالك إلى الآن؟!. لفحت وجهه حرارة تنهدها.. ضحك لها في محاولة للهروب من السؤال.. فالأسئلة المباشرة تقلقه دائماً.. وليس من السهولة أن يعترف لها.. هو يدرك أنه مقدم على مغامرة خطيرة.. وأنه لم يجلس إلى امرأة هكذا من قبل.. تصبب جسده عرقاً. قدّمت له علبة المحارم الورقية.. أرادت أن تمسح العرق المتفصد من جبهته. أظهر لها عدم رغبته بذلك. ضحكت وصبّت له في فنجانه ما تبقى من "دولة" القهوة. لم يرفض وإن كان لا يحب أن يشرب أكثر من فنجان واحد.. هو لا يتذكر كيف شرب فنجانه الأول. وجد نفسه يحدثها عن الجبلاوي القديم "الجد" وكيف التقى السلطان عبد الحميد الذي تهدده قائلاً "كل ما سيحدث يا جبلاوي أفندي في "جابالا" أنت مسؤول عنه". وكان بارعاً في تقليد السلطان العثماني. "شوف أفندي جبلاوي.. أنا إذا بيتنظم ولايات "جابلات" كل ولايات حكومات عثماني بتكون منتظمات". رغم أنها ضحكت له كثيراً وتقصدت أن تلقي برأسها إلى كتفه للحظة، وتلامس نعومة خدها وجهه. طلبت إليه أن يحدثها عن حياته. وجد نفسه مرتبكاً وجامداً. -لا أدري ما الذي سأحدثك به.. حياتي عادية جداً. من البيت إلى العمل.. ومن العمل إلى البيت ولا شيء آخر عندي. غيرت مكان جلستها وجلست إلى جانبه تماماً، وازدادت أنوثتها المتفتحة اختراقاً له عبر نظراتها المتوغلة فيه. كان وجهها أكثر تألقاً، فبدت كأنها لم تتخط بعد الخامسة والثلاثين.. أدهشته باندفاعها إليه. حاولت إقناعه دون أن تظهر تقصدها لذلك أنه مختلف عن كل الرجال الذين قابلتهم من قبل. -منذ زمن وأنا أفكر بزيارتك أو التحدث إليك هاتفياً.. وجدت ذلك محرجاً.. لابدّ من جو يمهد لذلك، وأنت المؤطر دائماً بأسس ونظم خاصين بك. في عيد ميلادك وجدت المناسبة فأرسلت لك باقة ورد.. عرفت نوع الورود التي تحب.. كلها تنبت في حديقة منزلك.. وضعت في باقة الورد أزهاراً أخرى من الغاردينيا.. -لماذا الغاردينيا؟. -لرائحة الغاردينيا رائحة القبل العاشقة.. هل جربت ذلك؟!. -لشادن رائحة الفل. وجد أصابعها تقترب من وجهه. توقع أنها ستحتضنه وتقبله طويلاً.. تهيأ لذلك.. سيكتشف إن كان لقبلهما رائحة الغاردينيا.. سقطت أصابعها إلى ربطة عنقه وسوتها.. وجففت العرق عن رقبته. حدثته أنها تقوم بزيارة المدينة من حين إلى آخر. هي تعمل في العاصمة. وأنها امتلكت هذا المنزل من رجل تزوجها ورحل سريعاً بحادث غامض، وأنها لا تحب المجيء عادة إلى هذه المدينة لأنها ترى وجهه في كل شيء. أكدت له أنها عندما التقته في البولمان حسبت نفسها معه.. له نبرة صوتك، وقامتك، وبعض من ملامح وجهك.. أردت أن أفلت صوتي في البولمان وأحتضنك اكتشفت أنني أحلم. اقتربت منه أكثر. -أرى أني بحاجة إلى لفافة تبغ. أشعلت لفافتها واقتربت أصابعها من وجهه. -ما الذي يدفعك إلى التعرق الغزير؟!. لم يجد تفسيراً لذلك.. لكنه يحس بنوع من الاضطراب فهو حتى الآن لا يستطيع أن يفسر أشياء كثيرة.. كيف التقاها لأول مرّة وكيف جاء إليها الآن وما الذي يريده منها أو تريده منه. فكر أن يسألها السؤال نفسه.. توقف السؤال عند شفتيه.. وجد فيه نوعاً من الغباء.. قدمت له علبة المحارم الورقية.. أخذ مجموعة منها وبدأ يجفف عرقه. قرأ ساعة الحائط التي تواجهه وجد أن جلسته قد طالت. -يجب أن أرحل الآن.. تأخرت. هي لم تقل له اجلس وإني مازلت بشوق إليك.. تمنى أن تقول له أي كلام يشعره بوجوده. اكتفت أن قالت له: -أنت طيّب أكثر مما تصورت. اعتقد في البداية أن في قولها نوعاً من الإهانة له، ومع ذلك تقصد أن يبتسم لها. -البساطة فينا آل الجبلاوي وراثة. أضحكها اعترافه. كان بود الجبلاوي أن يقول أشياء كثيرة في تاريخ أسرته.. خشي أن تعتبر ذلك نوعاً من المباهاة الفارغة، وهو يقف في مواجهتها عند الباب. وجد الفرصة مناسبة ليعلن لها عن سعادته بهذا اللقاء. -بهذا اللقاء فقط؟!. -وبالتعرف إليك. -وبماذا أيضاً؟. ارتبك.. ظلت عيناه تنظران إليها بقلق. قبل أن يخرج مدّ لها كفه احتفظت بأصابعه بين أصابعها، وأحس بأنفاسها حارّة لها عبق الغاردينيا.. كان على يقين أنها جاهزة لتترك شفتها له. ومع ذلك لم يجرؤ. سحب كفه مرتعشة من بين أصابعها، ومشى. "اتصل بي.. أو تعال إليّ عندما تشاء". |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |