النـّو - سليم عبّود

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-15-

في مقهى الميناء كان ثمة صمت قلق. هو لم يسمع صخب الجالسين كما يحدث في كلّ مرّة...‏

تعلقت به عيونهم وهو يدخل.. قرأ في وجوههم قلقاً مستنفراً عقد ما بين حاجبيه وظل ينتظر ما الذي سيسفر عنه هذا الوجوم الكئيب. اعتقد أن أمراً أصاب أحد أفراد عائلته أو أن حادثاً مؤلماً حل بالمدينة. لم يجرؤ أن يسأل ما الذي يحدث.. تقدم باتجاه الطاولة التي يجلس إليها قاسم المحمود وأبو شهلة وكامل الرجوب، وأبو عيوش والقاضي، وسعد المحامي وصاحب المقهى وبعض البحارة.. هم لم يرحبوا به كعادتهم في كل مرة.. ولم تصخب ضحكاتهم، ولم يرفعوا كؤوسهم تحية له.. ظل يتهيب لسؤال مباغت.. أو لخبر مباغت له. لم يكن احمرار عيني المحمود في هذه المرة يعود إلى كمية النبيذ التي دلقها في جوفه، ثمة قطرات من الدمع انفلتت على وجهه.‏

-ما الذي حدث؟.‏

حاول الرجوب أن يقول شيئاً.. وأن يحتفظ بتماسكه.. سقط رأسه على الطاولة وبكى.. ضج صوت الجبلاوي.. صار صراخاً:‏

-ما الذي حدث يا جماعة؟.‏

-حمدوش لم يأت الليلة.‏

-وما الذي يقلق في الأمر؟‏

-هب النوّ فجأة وحمدوش في عرض البحر. عاد البحارة كلهم ولم يأت.‏

اندفع حزنه مثل بركانٍ تفجر فجأة.. وضج نحيب في داخله خشي أن يظهره.‏

-حمدوش! إنه البحر الغدار!‏

في زمن قصير شرب أبو شهلة والرجوب كل منهما الكأس الرابعة وظلا صامتين. أبو شهلة لأول مرّة يلوذ بالصمت، ويترك تنظيراته في السياسة والتاريخ والمجتمع.‏

-أبا شهلة.. قل شيئاً.. أي شيء.‏

-لست خائفاً على حمدوش، يا جبلاوي.‏

-كيف؟.‏

-هو سعيد الآن برفقة حورية البحر.. ألم يحدثكم دائماً عن حورية البحر وعشقه لها؟!. هو الآن معها في البحر الواسع.. بعيني اللتين سيأكلهما الدود ذات يوم.. أراه الآن مع حوريته.‏

-أنت سكران يا أبا شهلة.‏

-وأنتم مجانين.‏

لم يستطع قاسم المحمود والبحارة المغموسين بحزن متفجر بالقلق والهياج تقبل حديث أبي شهلة.. أراد المحمود أن يمسك به متقصداً الاشتباك معه.. وقف الجبلاوي بينهما.‏

-ألم تسمع ما يقوله المجنون؟!.. أين نحن وأين هو؟!.‏

قال أبو شهلة ببرود.‏

-هذا ما أراه أنا، أخبرتكم به.‏

قال الجبلاوي:‏

-ليس الوقت مناسباً لمزاحك.. الحزن على حمدوش، لا يعبر عنه بمثل تلك السخافات.‏

تثاءب أبو شهلة ببرود وخرج من المقهى.. جاء النادل وفتح زجاجة نبيذ جديدة وضع الجبلاوي كأسه على "تربيزة" صغيرة، وراح يتأمل بصمت عتمة البحر.. كانت أمواجه تصخب بقوة. تخيل أن أساطيل أقوام البحر تقتحم الشاطئ، ويهبط منها رجال كثيرون ثيابهم من حديد أسود.. ووجوههم شقراء وحمراء، وليس في عيونهم ثمة بريق للفرح.. رأى حمدوش مسوقاً بينهم.. توقفوا أمام منزل آل الجبلاوي.. تقدمت مجنزرة ضخمة ودفعت السور الحجري بقوة.. تساقطت أحجاره الرملية على أزهار الفل وشتلات الحبق، وتقدمت باتجاه جذع الياسمينة.‏

-لاه..؟!.‏

-جبلاوي.. ما بك؟!‏

اكتشف الجبلاوي أنه في كابوس.. نهض وغادر المقهى. على الرصيف جاءه الرذاذ الملحي صاخباً. كانت الريح تحمل الرذاذ إلى قلب المدينة.. ابتعد عن الرصيف البحري، ودخل حديقة منزله.. وجد أن شجرة الياسمين تهتز بقوة كشراع سفينة.. خشي من السقوط وظل وجه حمدوش متفجراً في رأسه.‏

-لماذا تأخرت؟!.. تأخرت كثيراً.‏

في الآونة الأخيرة كانت شادن تتقصد أن تسأله عن سبب غيابه.‏

-لست صغيراً.. فأنا رجل أعرف متى أذهب ومتى أعود.‏

-قلقنا بشأنك.. والنّو يحيل جوّ المدينة إلى عاصفة.‏

-كنت في مقهى الميناء.‏

-عادل بحث عنك ولم يجدك بينهم.‏

-وأنا الآن قادم من هناك.‏

-أين كنت قبل المقهى؟.‏

بدأت شادن تحاصره بأسئلتها.. فلديه اعتقاد بأن شادن ترى بقلبها الأشياء قبل وقوعها.. وتستطيع أن تقرأ كل شيء بشأنه ولاسيما إن كان الأمر يتعلق بعلاقته بها.. عندما ذهب لمقابلة فاضل مسعود لم تسأله شيئاً.. اكتفت بسؤال واحد كان محدداً بشكل يوحي بأنه سؤال موجه إلى متهم.‏

-من الذي جلس إلى جوارك في البولمان وأنت ذاهب.‏

...واستنفرتها باقة الورد التي جاءته في عيد ميلاده والصوت الأنثوي الذي جاءه عبر الهاتف.. تصنع الغضب.. مشى بعيداً عنها باتجاه النافذة. كان لا يريد أن يدعها تقرأ ملامح وجهه. أراد أن يغيّر الحديث.‏

-حمدوش المسكين لم يعد مع البحارة.‏

-ألم يعرف بقدوم النو؟!.‏

-لحمدوش عقل مجنون.. قبل ذلك بيوم واحد رقص وغنى، وشرب وفي النهاية سقط متهالكاً وبكى.. كأنه كان يقرأ طالعه، حدثنا عن حوريته.‏

-وحوريتك أنت؟!.‏

-في عقلك شيء ما.. إني أخاف عليك من الجنون.‏

لاذت شادن بصمت كئيب.. وظلت تهز رأسها متقصدة متابعة برنامج تلفزيوني كان يتحدث عن الكسوف المقبل".‏

جثم الجبلاوي طويلاً عند النافذة يصغي لصفير الريح وصخب الموج، وفي ضوء مصابيح الرصيف البحري كان الصيادون ينتظرون حمدوش عند الشاطئ.‏

ترك رأسه على حافة النافذة. رأى حمدوش بينهم يصرخ.. كانوا يريدون أن يفصلوا رأسه عن جسده.. ظل حمدوش يصرخ، ويلوّح بيده له.. أحس بيد شادن تهزه.‏

"جبلاوي.. ما بك!؟".‏

فتح عينيه على سعتهما اكتشف أنه في حلم.‏

وأحس برأسه متورماً، ومضغوطاً بأشياء كثيرة لا يعرف كيف تشكلت ككرة من أكياس النايلون المرمية أمام محلات البقالة.. انفتح الباب.. وأطل عامر.. رحبت به ابتسامة شادن:‏

-تأخرت يا ماما. وجد نفسه يحتج‏

-عامر لا يسأل أين كان.. أنا وحدي يجب أن يُسأل.‏

-عامر شاب له عمره وأصدقاؤه.. وأنت..؟.‏

-أنا مجنون!.‏

-قصدت أن لك وقارك ومهابتك، وعليك الاحتفاظ بهما ورغبت بأن أذكرك من أجل ألا تفعل به كما فعلت بأخيه.‏

وانتحبت شادن بصوت مهزوم وطفقت تولول على محمد الذي لا يعرف عنه أي خبر. ولولات شادن انطلقت في وجهه كرصاصة أصابت مشاعره.‏

-أنت ستضيعهم واحداً بعد الآخر.‏

وتخيل الحاج محمد الجبلاوي يخرج من واجهة المكتبة.‏

لم يكن يضع طربوشه على رأسه كعادته.. لم يقل له شيئاً.. وضع رأسه على شرفة النافذة الحجرية وبكى.. بكى بصمت، وكأنه اختزن كل بكائه إلى هذه الساعة.‏

عندما فتح الجبلاوي عينيه وجد النافذة قد انفتحت ودخلت ريح عاصفة.. انفرشت الستائر تصطخب في جو الصالة.. وسقط "فاز" فخاري أحضره الجبلاوي الجد من الآستانة يوماً. وزعقت شادن:‏

-ما الذي يحدث لنا يا رب؟!‏

أراد أن يحتضن شادن إليه.. أبعدته عنها بنزق‏

-كل شيء يتبدل في هذا المنزل!‏

-ستظلين مسكونة بالوهم.‏

ترك رأسه من جديد على حافة النافذة المفتوحة على الميناء.. كان البحر يعربد.. ورأى رجال البحر يتقدمون بسفنهم نحو الشاطئ.‏

****‏

توقفت الريح العاصفة مع يوم جديد للشمس التي لم تطلع كعادتها.. ظلت خلف الغيوم ترسل أشعتها الخجولة.‏

وغفت أمواج البحر.. وانتشر الصيادون وشرطة المدينة على طول الشاطئ.. كان دكران يعلن أن حمدوش مات أو قذفته الأمواج إلى الشاطئ أو ابتلعه البحر.‏

لم يستطع الجبلاوي أن يقف بين الناس المتحلقين على الشاطئ في مواجهة الميناء.‏

الشرنكا كان غير مهتم بما يجري.. سأله إن كان يرغب بتناول القهوة عنده في منشأته المواجهة للشاطئ. لم يلتفت الجبلاوي إليه. أخبره الشرنكا أن (دكران) سيأتيه، وأن طبقاً من الكنافة سيكون ساخناً بانتظاره.‏

-هذا هو الهم الآن لك ولدكران!؟‏

-ولماذا نقتل أنفسنا من أجل الرجل!؟ هو مات.. وانتهى.‏

مشى في الزقاق الذي يفضي به إلى قلب حارة البحر منذ زمن طويل لم يدخل إلى قلب هذه الحارة.. كان يفضل الابتعاد عنها.. فرائحة الرطوبة التي تخرج من نوافذها الضيقة والمتلاصقة كانت تشعره بالزكام.. جاء صوت امرأة.. كان صوتها مبحوحاً. في البداية لم يأبه للصوت.. اعتقده نوعاً من التحرش به.. ولكن صوت المرأة كان ينطق باسمه مباشرة.. تلفت باتجاهه.. ثمة امرأة تلف جسدها الطويل الممشوق بعباءة سوداء في مواجهته.. كشفت له عن عينيها العسليتين وقسم من وجهها.‏

-أنت لا تعرفني.. أنت الجبلاوي.. حمدوش كان حدثني عنك.‏

-حمدوش!! أين هو؟!.‏

-هذا ما أردت أن أسألك عنه.. حمدوش هو كل شيء لي في هذه الدنيا.‏

لم يشأ الجبلاوي أن يدخل معها في حوار مفصل حول ما الذي يعنيه حمدوش لها..‏

امتلأ وجهها الحليبي وعيناها العسليتان بالحزن. لم تبك.. ظلت متماسكة وهي تحدثه عن حمدوش أنا وحمدوش حكاية لا أحد يعرفها. أنا الحورية التي كان يتحدث عنها!.‏

-أنت!؟‏

اكتشفت أنها لم تستطع أن تقول شيئاً جديداً.. وتناهب صوتها حزن مبحوح.. ارتمى رأسها إلى الحائط المجاور كموجة صاخبة.. وسقط غطاء رأسها على كتفيها..‏

وبرز شعرها الخرنوبي يتغانج حول وجهها. بسرعة أعادت الغطاء إلى رأسها، فثمة صوت بكاء بدأ يتفجر.‏

انسحبت سريعاً.. نسي أن يسألها من تكونين، وأين يمكنني أن أجدك..‏

ظل يرقبها إلى أن اختفت في الزقاق الذي يخترق البيوت القديمة وظلت تفوح رائحة مياه الغسيل. عبره رجال.. لم يقولوا له شيئاً.. ولكن عيونهم كانت مشتعلة باستغراب لا يريحه.. وتوقع أن يتقصدوا سؤاله عن سبب وجوده في هذا المكان. تحرك بسرعة في اتجاه معاكس وعبر باتجاه قلب المدينة.‏

فكر بزيارة أبي شهلة مدرس مادة التاريخ في ثانوية المدينة هو يأتي إلى المدرسة يومياً رغم أنها أغلقت أبوابها. كان يحب أن يمضي أوقاته في مكتبتها التي لا ترى زائراً غيره.. فالجميع في المدرسة عزفوا عن المطالعة بمن فيهم مديرها الذي أسرته كغيره التلفزة، وراح يتخيل معها كيف يصير اللون الأحمر أخضر والأخضر مزهراً، وكيف يمكن أن تصير الألوان كلها بركة من سواد أو من بريق.. المهم أنه رتّب نفسه وخرج من دائرة همومه. المدير استقبل الجبلاوي بحرارة. عند المدخل الرئيس المخصص للمدرسين. أحد الطلاب الذين جاؤوا لحضور دورة دراسية تقصّد أن يصطدم بمديره.‏

-أرأيت أجيالنا يا جبلاوي؟!.‏

لم يترك للجبلاوي مجالاً للحديث في أي أمر.. فقد تنقل سريعاً في نقده المعتاد من واقع المدرسة الذي صار فوضوياً ككومة من ورق قذفتها الريح في ساحتها الواسعة، إلى واقع السور المحيط بها والذي صار ظهراً لعشرات الأكشاك.. وكيف يختلط صوت المدرسين مع أصوات الباعة الجوالين وأصحاب البسطات.‏

جاء أبو شهلة.. أمسك بالجبلاوي، وسحبه دون استئذان باتجاه الشارع..‏

-لنودع الرجل على الأقل.‏

-اتركه وتنظيراته.. نحن في هذه المدرسة نمتلك حرية التنظير.. وطلابنا يمتلكون حرية التصرف.‏

في ساحة السوق المجاور للثانوية عبرت سيارة (دكران) الجديدة.. لم يكن هو فيها.. كان يبدو خلف المقود صبي لم يتعد الخامسة عشرة، بشعر طويل، ومرتب، يشلح ذراعه من النافذة ويظل رأسه يدور في كل اتجاه في محاولة لجذب انتباه كل الذين في الشارع. ومما شجع الجبلاوي على هذا الاعتقاد الأخير.. هو محاولة الصبي التحرش بالواقفين على الرصيف في انتظار السيارات التي ستنقلهم إلى قراهم.. أبو شهلا لم يستطع إخماد غضبه.. شتم (دكران) وسمع الصبي صوت شتائمه.. تلفت إلى أبي شهلة.. ثم أوقف السيارة وترجل.‏

-من يشتم؟!‏

ظل أبو شهلة صامتاً.‏

شتم الصبي أبا شهلا أمام الذين تكوّموا لاستطلاع ما يجري. حاول الجبلاوي أن يمسك بالصبي المندفع.. انفلت منه.‏

-أعرفك يا جبلاوي.‏

-نتحاسب.‏

في الجانب الملاصق للأكشاك اختلطت رائحة البرتقال والقهوة والسلق البلدي بنداء الباعة وضجيج السيارات والوحل الذي تكوّم منذ البارحة بسبب المطر الذي تساقط غزيراً.‏

قال أبو شهلة:‏

-دكران ترك المدينة للسماسرة والتجار.‏

لم يجب الجبلاوي.. وظل صامتاً.. ظلت عيناه تتصفحان بقلق كل ما يجري في الشارع.. تأمل مئذنة السلطان الحجرية.. رغب أن يصعد إليها.. كما كان يفعل في صغره. كان يريد أن يعيد مشاهدة المساحات الواسعة التي كان يطل عليها في كل الاتجاهات.‏

يذكر أنه في طفولته رأى من المئذنة جزيرة قبرص.. كانت جبالها تبدو ناهضة إلى أعلى بقوة وبلون النحاس. وهو في طريقه جواً ذات يوم إلى سالونيكا في اليونان عبر فوق الجزيرة.. بعد ثلاثين عاماً.. رأى الجزيرة كما رآها من المئذنة.. هي نفسها. ظل مملوءاً باعتقاد أنها قطعة انفصلت ذات يوم من شاطئ أوغاريت.. كانت تملؤه رغبة كبيرة لزيارة هذه الجزيرة التي يعتقد أنها مملوءة بسحر خاص.‏

"حمدوش كان وعده في بداية أيلول: جهز نفسك لزيارة الجزيرة.. نساء قبرص يا جبلاوي مثل سمك السلطاني أبيض على أحمر.. على.. جمال مدهش". حوريتي التي أحدثك عنها يملؤها سحر قبرص بنبض أنثوي.‏

-هي من الجزيرة.‏

ارتجف صوت حمدوش.‏

-لا. أقصد.. هي تحب الإبحار إلى هناك.. وأحياناً تأتي إلى الشاطئ هنا.‏

تذكر أنه أخبره بمجيئها إلى جزيرة الحمام مقابل الأقرع.‏

وجه حمدوش.. لا يغادره. تساءل.. هل تكون الأمواج ألقته على شاطئ تلك الجزيرة أو أن رجال البحر اختطفوه هناك. جاءته هذه الفكرة كقنبلة تفجرت فجأة فيه.‏

كل شيء وارد. غندور المهرّب لا يحب حمدوش، يعرف أنه وحده اكتشف كل أعماله طرح أمره مرات على دكران.‏

"الغندور يأتينا بالسموم لقتل أبنائنا.. الغندور يأتينا بالطعام الفاسد. الغندور يحمل مال المدينة إلى خارجها.. الغندور متورط في أمور كثيرة".‏

جرّب أن يقيم حواراً مع أبي شهلة عن محاضرته التي سيلقيها في المركز الثقافي عن "العولمة الثقافية".‏

ماذا تقصد بالعولمة الثقافية يا أبا شهلة؟!‏

لم يكن راغباً بالحوار.‏

اختصر كل شيء "تعال غداً مساء إلى المحاضرة".‏

عبرتهما دراجة نارية، تقصد سائقها عبور بركة الماء الموحلة بجنون.. تشظى الماء، وانشلح على الجانبين.‏

أصاب الماء الموحل ثياب أبي شهلة.‏

-إنه أحد أقزام العولمة الثقافية. عرفتها؟!.‏

كان الجميع في الشارع يتملكهم الوجوم، وعلائم الاستهجان على وجوههم عاد سائق الدراجة ليمارس من جديد لعبة الجنون في بركة الوحل. لم يجرؤ أحد على مخاطبته. كان شرطي البلدية يرقبه بلا مبالاة.. وعندما أحس بنظرات الناس تلاحقه أمعن في تحديهم بنظراته الساخرة وهو يمارس ألعابه.. ابتعدا من طريقه في زقاق ضيّق.. هناك صاحب محل الأدوية الزراعية.. صبّ لهما الشاي وجلسا في مواجهة حركة الشارع. كان عشرات رجال الجمارك في الشارع. صاحب المحل الزراعي قال لهما (هم يعرفون كيف يسوون أمورهم).‏

عندما عاد الجبلاوي إلى مكتبه وجد كثيرين يخرجون ويدخلون من، وإلى مكتب دكران. جميعهم كانوا يقدّمون له التهاني بسيارته الجديدة.. لم يدخل معهم.. ليندا أحضرت له القهوة، وأخبرته أن رئيس المجلس تلقى تقريراً سريعاً يؤكد أنك استهجنت شراءه لسيارة فاخرة.‏

أدرك أنها تحاول استدراجه إلى موقف ضد دكران.. أراد أن يقابل ذلك بالسخرية.‏

-لا يهمني أية سيارة في حوزته..‏

ولكن يهمني أية عشيقة الآن لديه.‏

-ماذا تقصد.‏

-أخاف عليك.. فالسيارة الجديدة تحتاج..‏

-وحياتك.. دكران وسيارته لا يساويان مسماراً في حذائي.‏

-سأذهب إليه لأخبره..‏

-تعال معي لتسمع ذلك في أذنك .‏

أمسكت بيده. أفلت نفسه منها. وسقط خلف طاولته يتفحص صدرها الذي أبرز فستانها قسماً منه.‏

****‏

كانت عينا "شادن" ترقبان ملامح وجهه في محاولة لقراءاتها.. والدخول إلى عمق هذه الملامح. كانت نظراتها تحمل كثيراً من الاتهام المباشر له.‏

-لماذا لا تجيب على الهاتف؟!.‏

لحظة واحدة والموقف قد يتفجر بينهما فهو لم يعد يطيق هذه الحالة التي بدأت تستفز أعصابه بقوة وتثير قلقاً فيه لم يعرفه من قبل وبخاصة أن ذلك بدأ ينعكس على البيت بأكمله، وعلى علاقته بزملائه وبعمله.. في الآونة الأخيرة قال له رجوب: ما الذي يحدث معك يا رجل، فأنت دائم التفكير، كثير الشرود هل ثمة ما يشغلك؟!.‏

هو لم يستطع أن ينكر ذلك. رغب أن يخفي أمره بادعائه القلق على حمدوش. وفاض بحديث طويل عن وجود احتمال باختطافه من جماعة الغندور.‏

أراد أن يعلن عن غضبه من محاولاتها الدائمة بوضعه داخل دائرة الاتهام دون أن تصرّح بنوع الاتهام الموجه إليه. وجد من الضروري أن يقلب ذلك على رأسها. سألها:‏

-لماذا كنت البارحة مع (أدهمية) بزيارة المغاربي.. أهي نهايتك.. عند رجل مشعوذ؟!..‏

نفرت صوتها في وجهه‏

-مشعوذ!؟‏

-مشعوذ.. ودجّال.‏

-أنت تكفر يا رجل. وصلت بك الأمور إلى حد الكفر!‏

شتم المغاربي..أمسكت به.‏

رغب أن يقول لها "شكوكك بشأني ليست في محلها. أنت تغيّرت.. يعرف أنها لن تعترف.. ستظل متكتمة على مشاعرها الداخلية بشأنه. ستخبره بوضوح أنها ليست مهتمة لكل الذي يفعله. هي حزينة فقط من أجله.. من أجل سمعته.. وسمعة العائلة. الجبلاوية لا يعرفون الخيانة.. ولا يبررونها تحت أي ظرف كان "بالضرورة، أو بغيرها". فالضرورات عندهم لا تبيح المحظورات.‏

هي تمسك بالحوار دائماً من هذه الزاوية. ويرى نفسه محاصراً في النهاية بجملة من النصائح.‏

يظل الهاتف يواصل رنينه.‏

-الهاتف.‏

تقصّد أن يكون عصبياً في إجابته.‏

-قلت لك ألف مرّة.. الهاتف لا يعنيني.‏

كان مدركاً أن شكوك شادن تعززت أكثر بشأنه، لأنه يرفض الإجابة.. رأى في مصلحته أن يرد على الهاتف مع اقتناعه أن "راما" على الخط. هو لم يرد أيضاً على هواتفها التي جاءته في مكتبه. اضطر إلى فصل خط الهاتف تماماً. لا يريد أن يسقط رغم الرغبة الجامحة فيه إليها.‏

-ألو.‏

-لماذا تتهرب من الإجابة؟.. أريد رؤيتك لأمر هام، وإلا سأضطر للذهاب إليك.‏

أغلق سماعة الهاتف، وظل متظاهراً بالغضب..‏

-لا أستطيع أن أتحمل هذه المشاكسات.‏

برمت شادن وجهها معبّرة عن سخريتها من تعليقه..‏

صوت ليندا يحمل إليه نوعاً من التهديد. تخيّلها في المنزل وجهاً لوجه مع شادن. راما هي الأخرى طلبت إليه أن تأتي لزيارته.. أعلنت له عن رغبتها برؤية شادن، "أحب أن أكون على صلة بتلك المرأة، التي أحبها الجبلاوي وعاش معها. وكيف استطاعت أن تأكل عقله!؟.".‏

على طاولة الغداء أخبرته برغبتها في زيارة ضريح السلطان.. ودون أن يدخل في حوار معها عن أسباب الزيارة.. أوضحت له أن العائلة يرتبط تاريخها بتاريخ هذا الولي.‏

فالجبلاوي القديم كان يقول دائماً: "سنظل في خير طالما بركة السلطان إبراهيم فينا، وأن عليها أن تتضرع إليه من أجل إعادة محمد إليها". أراد أن يخبرها إن كانت تريد رؤية ولدها فلتذهب إلى الغندور.. رأى في ذلك نوعاً من الامتهان لكرامتها. سألته بشكل مباشر: "ما رأيك في الزيارة إلى مقام السلطان؟".‏

-"وهل يهمك رأيي".‏

-وهل أنا خارجة على رأيك؟.‏

أدرك أن الموقف قد يتفجر كما يجري عادة في أية لحظة.. في كل مساء يهرب من عينيها المتفجرتين بحزن عميق ترفض الإعلان عنه باتهامات مباشرة.‏

يذهب إلى مقهى المدينة. ما يقلقه هو حزنها الصامت.. وتعليقاتها الخاطفة، التي تعبر عن رفض لشيء فيه يقلقها. تمنى لو أن حكاية فاضل مسعود لم تكن.. عادل قال له:‏

-لماذا دخل الشيطان إلى حياتنا مذ سافرت.. أشياء كثيرة تغيرت فينا.. تغيرت في علاقتك بأمي.. وبنا؟!.‏

لم يكن راغباً في حوار عادل.. هو لا يريد أن يضع نفسه أمام أولاده في موضع المتهم. هو دائماً يربح كل حواراته مع الآخرين.. لكنه لا يجد لديه الرغبة لحوار أولاده.. فهي تموت فيه سريعاً بفعل الشعور بأن أي حوار بينه وبينهم هو تجاوز لخطوط أبوة يريد أن يبقيها منيعة كما كانت بينه وبين الحاج محمد الجبلاوي.‏

فكّر أن يصارح أولاده بحقيقة اللقاء مع فاضل مسعود وأن يعلن حقيقة اللقاء لسكان المدينة.. هو دخل اللعبة. هم أجبروه على دخولها.. أقرب أصدقائه حمدوش وقاسم المحمود وأبو شهلة، وكامل الرجوب وفردوس.. جميعهم لديهم القناعة بأن أمراً هاماً ينتظره، وفي ضوء ذلك تغيرت أمورهم معه. الدكران والشرنكا، وربما الغندور لم يفكر بأدهمية قبل الآن.. اعتقد أن (راما) هي أيضاً اندفعت إليه بهذا الإحساس فليس ثمة ما يجذبها إليه كرجل أكثر من تلك الدعاية التي صارت تكبر.. وتكبر حوله وهو لا يستطيع الإفلات منها.‏

تصرفات أولاده وأحلامهم، صارت قائمة على كذبة هو لا يجرؤ على تكذيبها حتى أمامهم. لا يريد أن يخرجهم من أحلامهم.. وجد أن عليه أن يبدأ معهم بهدوء.. وأن يعلن لزملائه عن رفضه لكل ما عرضه عليه فاضل مسعود.. فاللعبة التي أجبروه بها يجب أن تنتهي.‏

وجد الفرصة مهيأة له للخروج من المنزل، وهو يغسل يديه، نظر في المرآة، وجد ذقنه سيئة الحلاقة، فكّر بحلاقة ذقنه وترتيب أموره، لكنه أحجم عن ذلك. توقع أن ذلك سيزيد من شكوك شادن بشأنه، وأن هذا الترتيب بحسب شكوكها هو تحضير للقاء مع صاحبة الصوت الذي يأتيه عبر الهاتف..‏

فكر بالذهاب إلى صالون "أبو نعوم".‏

من عادته لا يحب دخول صالونات الحلاقين.. أبو نعوم يفرش أمامه نشرة أبناء المدينة تتضمن أخبار الأحياء والأموات وما يدور في الخبايا والزوايا وبما تهمس به المدينة وما لم تهمس به.‏

بعد أن أدخل أبو نعوم الهاتف إلى صالونه.‏

"صالون الأكابر" كما كتب على واجهته.‏

.. صار يحدد لزبائنه موعد حلاقتهم عبر الهاتف. كان شديد الاعتداد على تأكيد مواعيده معهم.. مع كل اتصال كان يخبرهم.‏

"في المستقبل.. سأحجز لكم مواعيدكم على شبكة الأنترنت".‏

"هذا إن طال الله بعمرك".‏

"سيظل.. أبو نعوم لن يموت أبداً."‏

كان أبو نعوم شديد الاعتقاد بأنه لن يشيخ أبداً.. يرفض الاعتراف بأن الزمن يزحف إلى كل جسده، فهو يؤكد دائماً لزبائنه، وكأنه يريد أن يهرب من مخاوفه "أنا.. كما أنا منذ أربعين عاماً".‏

-وكم عمرك الآن يا أبا نعوم؟‏

-ليس المهم كم هو عمري.. المهم أني لا أزال قوياً وفي عز الشباب.‏

لم يستطع الاتصال بأبي نعوم.. كان الهاتف يشير إلى توقفه عن العمل..‏

مشى إليه مخترقاً أزقة المدينة القديمة التي تظل مليئة بالرطوبة، ورائحة المجارير التي تفور أحياناً في شكل رشح يخرج إلى أرضية الزقاق الرطبة.‏

-ماهي آخر أخبار حمدوش؟!‏

لم يترك له مجالاً للإجابة.. همس في أذنه رغم خلو الصالون من الزبائن، يقولون: إن حمدوش اختفى مع امرأة من خارج المدينة كان يلتقيها ويأخذها معه إلى البحر، وأنه أشاع حكاية الحورية.. لأن بعضهم رآها معه!.‏

-وما الذي يجبره على الاختفاء!؟‏

-هذا الأمر لم أفكر به.. صحيح لماذا يختفي إن كان معها!؟ هناك من يقول إن حمدوش كان يهرّب مواد ممنوعة..‏

-وصدّقت؟!‏

-هم قالوا..‏

ظلت تتدفق أسئلة نعوم:‏

-وماذا عن فاضل مسعود!؟. يقولون إن الرجل بحث معك شؤون المدينة، وأنه طلب إليك إقامة مشاريع تجارية وصناعية وسياحية معه.. وأن ثمة قرابة، أو علاقة قديمة بين جدك الذي قاتل ضد الحكومة العثمانية وجده. ويقولون...‏

قاطعه بشدة:‏

-ويقولون.. يا رجل اسكت.. فقد تفجر رأسي بأسئلتك!‏

صمت أبو نعوم قليلاً.‏

كان وجهه في المرآة يعكس حالة من الانكماش، والغضب فهو لم يتعوّد على أن ينهره أحد.. فهم يتركونه يتحدث كما يشاء فيأخذ راحته، وينطلق في أحاديث كثيرة كما يحلو لـه، ومع ذلك احتفظ بأعصابه. رشّ على رأس الجبلاوي قليلاً من الماء.‏

-سيشوار أم دون سيشوار!؟‏

أضحكه السؤال.‏

-سيشوار يا رجل!؟.‏

-البارحة اشتريت واحداً. الناس تريد ذلك.. هم مجنونون بالصرعات. مَنْ علمتهم مسك مقص الحلاقة صاروا ملوك الصالونات الأنيقة. أناقة الصالون أهم من أناقة الحلاقة. إنه جنون المظاهر يا جبلاوي.‏

وجد نفسه يتفحص سقف الصالون، اكتشف أن طلاءه تساقط وانتشرت عليه "لطع" عفنة أحدثتها رطوبة الارتشاح المطري، وفي الزوايا حيث تلتقي زوايا الجدران تنتشر شبكات العنكبوت التي تراكم عليها مع مرور الزمن غبار أسود، وقصاصات شعر ناعمة، وغبار، وبقايا طلاء متساقط، فبدا المشهد مقرفاً.‏

ظل أبو نعوم يتحدث عن جاذبية الصالونات الحديثة وتفاهة المنجذبين إليها.‏

-"بانكي، ومانكي!!". لا أعرف من أين يأتون بهذه الصرعات عليَّ الطلاق.. إن كل هؤلاء لا يعرفون كيف يمسكون بالمقص.‏

ظل يواصل همسه الخافت:‏

-أصحاب هذه الصالونات لا يؤتمنون على شيء.. منحرفون.. أنت ترى شعورهم الطويلة، وتفوح روائح عطرهم حادة كعطر النساء.. هم..‏

أراد الجبلاوي أن يغيّر موجة الحديث باتجاه آخر.‏

-حدثنا عن تلك المرأة اليونانية التي التقيتها في سالونيكا.‏

هو يعرف أن تلك المرأة اليونانية لا تزال حية في ذاكرته. لا يخفي ذلك عن زبائنه، يظل يحدثهم عن خيباته المريرة بسبب تركها إلى أن وجدوا أنفسهم متعاطفين معه في قصة حب، رغم إدراكهم أن غالبية الرواية من نسيج خياله، وأن تفاصيلها تختلف أحياناً من مرة إلى مرة أخرى ولكثرة ما حدث زوجته.. وجدها تتفجر في وجهه. ليتك أخذتها وارتحت منك!.‏

يا رجل.. فلقتنا. مرة اشتكته للجبلاوي.‏

((-هذا الرجل مجنون بحكاية اختلقها وصدقها.‏

اتركيه في شأنه مع خيالاته..‏

-صرت أحس بالسالونيكية موجودة بيننا.))‏

أعاد الجبلاوي السؤال‏

-ما قصة السالونيكية؟‏

-بعد تلك السالونيكية، لا توجد نساء.‏

استمع الجبلاوي إلى حكايته التي يعرفها بتفاصيلها لكن إضافات جديدة وكثيرة طرأت على الحكاية.‏

كان أبو نعوم في كل مرة يحدثه فيها عن تلك المرأة يضيف إلى الحكاية تفاصيل جديدة، وعواطف جديدة.. وتبحر في عينيه دمعة.. وأحياناً تسقط ساخنة على وجه الجبلاوي.. في هذه المرة تدفقت عواطف أبي نعوم حارة. وسيطرت عليه انفعالات حادة.‏

-أنت تبكي!‏

لأول مرة يعترف أبو نعوم أنه يبكي، الشباب الذي عبره.. ويعترف بضعفه..‏

-كان عليّ أن أبقى في تلك المدينة.‏

وسيطر صمت طويل. لم يرغب الجبلاوي بزيادة حالة الاشتعال التي اندلعت فيه بقوة. تركه، ومشى.‏

كان يعرف أن عليه أن يتواجد في مقهى الميناء بعد الغروب.‏

(دكران) سيكون هناك للبحث في أمور اختفاء حمدوش بناء على طلب من البحارة الذين تقدموا بكتاب شديد اللهجة يطلبون فيه من دكران البحث في موضوع اختفاء حمدوش.‏

لم يكن البحارة قادرين على تحقيق موقف فاعل، الجبلاوي اتصل ببعضهم لتحقيق هذا الموقف. دكران ظل يتساءل عن الكيفية التي جمعت البحارة.. ووضعته معهم في حالة مواجهة مباشرة، فأطلق اتهاماته إلى الجبلاوي بواسطة الشرنكا الذي جاء ليخبره أن "دكران" طلب إليه أن يقول أشياء كثيرة عن الجبلاوي.. ولكنه رفض.‏

-ولماذا تخبرني يا شرنكا.‏

لأنني أحترمك.‏

-ولكنك قلت أشياء كثيرة عني من قبل!؟.‏

-أخطأت.. واطلب السماح. اعتبرني عبداً لك. هل تريدني أن أفعل بدكران أي شيء!؟.‏

تجاوز الشرنكا باستخفاف.. كان لا يزال الوقت مبكراً.‏

فكّر أن يتصل بـ (ليندا) ويفهم منها ما الذي تريده منه وهي تحاول الاتصال به في المنزل. هي الأخرى تريد أن تنافق. "هذه اللعبة صارت مضجرة لي". كان شديد التصميم على أن يكشف الغطاء أمامها عن كذبة خلقها لقاؤه بفاضل مسعود.‏

حكايته مع فاضل مسعود رتبت عليه أعباء نفسية لا يستطيع تحملها فهو لا يستطيع أن يعيش حالة من الانفصام في شخصيتين مختلفتين وهو الذي أراد أن يبقى إنساناً عادياً.‏

كلمات الناس، واهتمامهم به.. بدأت تزرع فيه إحساساً بتقمص شخصية رجل مهم.‏

توقف أمام متجر "نعمان بعيتي" زميل دراسته.. يعرفه مهتماً بالمطالعة، وبمتابعة الأخبار والقضايا السياسية.. ويقال إنه كان ينتمي إلى أحد الأحزاب السرية، ويوزع المنشورات. اعتقل عدة مرات، وترك الدراسة قبل أن ينهي الثانوية، ولم يجد وظيفة له. سجله السياسي ليس كما ترغب الجهات المهتمة بالتوظيف.‏

فوجئ الجبلاوي به يحدثه عن تلك المرأة التي كانت معه في باص البولمان. لم يكترث كثيراً بحديثه.. كان يعتبره نوعاً من المراوغة السياسية، وربما ليشعره بأنه يعرف قضايا كثيرة ذات طابع سري، وأن أحاديثه لها صفة توثيقية. أراد الجبلاوي استفزازه سأله متى أطلقوا سراحك.. وقبل أن يجيب، أراد أن يفهمه أن ثمة شبهات تدور حول ارتباطاته مع جهات معادية. ورغم أن نعمان بعيتي بدا متأثراً ومنزعجاً بما قاله الجبلاوي، فقد استمر بأسئلته:‏

-من كانت يا جبلاوي؟‏

-ومن أخبرك بها!؟‏

-المدينة كلها تحدثت عن امرأة جميلة شقراء.. ذات عينين زرقاوين كانت معك في مقعد واحد. البارحة كان (دكران) يقول لرجال جاؤوا إلى مكتبه.. طبعاً بصيغة المزاح عن تلك المرأة وأنك شربت القهوة معها في كأس واحد.. وجلستما في الاستراحة حول طاولة واحدة".‏

كانت المرأة الشقراء تتقدم صورتها في رأسه..‏

ودفعته رغبة جامحة لمشاهدتها. هو يريد أن يفهم منها ما الذي تريده منه بالضبط.‏

لم يشأ أن يتصل بليندا من متجر نعمان بعيتي خشي أن ينشر الخبر في منشور، فهو لا يزال على صلة بهذا التنظيم السري الذي يعتمد تضخيم كل شيء.‏

سأله عن زيارته لفاضل مسعود وعندما ظل الجبلاوي صامتاً. روى له نعمان حكايات وروايات عن اللقاء. سأله الجبلاوي:‏

-هكذا دائماً أنتم. تخترعون حكايات من خيالكم.‏

-ولكنها الحقيقة.‏

كان الجبلاوي ممتلئاً بالضجر وهو يعبر الشارع الممتد من أمام السرايا القديمة باتجاه الشمال. تذكر يوم كان يأتي إلى تلك السينما الصغيرة. لم يكن يقطع تذكرة.. ينسل بين الداخلين ويجلس في الصف الأمامي. مراقب التذاكر كان يحاول إخراجه وعندما يمر صاحب السينما يطلب إلى قاطع التذاكر استبقاءه.‏

"اتركه.. عناد الجبلاوية لا يقاوم".‏

ويرتاح الجبلاوي لذلك، وكان يذكر كيف كان يأتي والده إلى السينما.. يدخل كرجل مهيب ذي عينين حادتين.. ويختفي الجبلاوي تحت المقاعد إلى أن تطفأ الأضواء.. ينسل متراجعاً إلى الوراء، ويخرج من الباب الخلفي.‏

مرة كان يتهيأ للهروب استوقفه صاحب السينما وأحضره إلى الحاج محمد الجبلاوي، توقع أن يصفعه على وجهه أو أن يقول له شيئاً.‏

يوم ذاك توكأ الحاج محمد الجبلاوي على عصاه ونهض واقفاً.‏

وشلح يده اليسرى على رقبة الجبلاوي ولم يقل شيئاً.. مشى بصمت باتجاه الباب الخارجي.. وجد الجبلاوي أنه صار طويلاً إلى حدود كتفي والده وهو يمشي إلى جانبه بصمت وخوف.‏

خرج الحاج محمد الجبلاوي إلى الشارع وهو لا يزال يلتفع بصمته ومهابته كان مستعداً لقبول أي نوع من العقوبة المهم أن يخرج الحاج محمد الجبلاوي على صمته:‏

توقف في مواجهة الجبلاوي.. وتدفق صوته دافئاً:‏

"أريد أن ألفت انتباهك إلى أهمية أن نكون صريحين مع بعضنا. أنت لم تقل لي أنك ستذهب إلى السينما، ولم تخبرني أي فيلم ستحضر. في المرة القادمة أخبرني.. فقد أذهب معك".‏

اجتاز الجبلاوي بوابة خان بيت عامر الذي كان يأتيه أهل القرى ومعهم حميرهم.. يضعونها في الخان ويتسوقون احتياجاتهم. بعضهم كان يربط حماره إلى الأسلاك الشائكة المحيطة بجدار القلعة، وأحياناً يأتي رجال شرطة البلدية ويبدأ حوار حاد بينهم وبين أصحاب الدواب ينتهي في الغالب بتنبيه رجال شرطة البلدية لهم بعدم العودة إلى ذلك.. فمظهر الحمير قرب قلعة سياحية لا يليق بمظهر القلعة وبمستوى المدينة. يوسف الزنتوت قال لهم: "هل يتوقع السياح أن يشاهدوا إلى جوار القلعة سيارات فاخرة!؟. وجود هذه الحمير عامل جذب للسياح.. أنتم لا تعرفون ذلك".‏

قال له كبير شرطة البلدية "ومن أين جاءك كل هذا الفهم؟"‏

-الفيلم الذي عرض منذ أسبوعين كان يعرض كيف يأتي السياح إلى أهرامات مصر ويركبون الجمال والحمير والخيول ويدفعون لأصحابها مالاً.‏

-إن جاؤوا. سنجيء بك لنعرضك عليهم بدلاً من الحمير.‏

اشتبك الزنتوت مع كبير شرطة البلدية في معركة كلامية حادة.. انتهت بسوقه إلى السرايا بتهمة الاستخفاف برجال الحكومة وهم يؤدون واجبهم، وجاء الحاج محمد الجبلاوي وطلب مقابلة مسؤول السجن.. وبعد جهد تم إخراج الزنتوت.. عند الباب أعلن بصوت عال: "شوها الحكومة!؟"‏

أراد الشرطي الذي يقف في الواجهة اعتقاله بتهمة إطلاق الشتائم.. دفع به الحاج محمد الجبلاوي للهرب..‏

لا يزال الزنتوت يذكر ذلك، ويترحم على الحاج محمد الجبلاوي‏

"لولا ذلك الرجل الطيب لبقيت في السجن حتى اهترأت عظامي. الحكومة مثل المخرز في العين لا تقاوم."‏

كامل الرجوب يخالفه الرأي "الحكومة الظالمة يجب أن تقاوم بقوة" ويضحك الزنتوت "يا عمي اتركني من ثوريتك.. انت ما شفت كيف سحبوني إلى السجن من أجل ربط حمار إلى الأسلاك الشائكة.. هل تعرف أن عدد التهم التي وجهت إليَّ من عريف المخفر كانت أربع عشرة تهمة.. ولو وصل الأمر إلى الرتبة الأعلى منهم لازداد عدد التهم.‏

كان الزنتوت في واجهة محله رغم خلو الشارع من المارة. كعادته ذكره بالحادثة وترّحم على الحاج محمد الجبلاوي.‏

سأل الجبلاوي: لماذا هنا والمدينة مغلقة!؟‏

-أحببت أن أتمشى في هذا الجو الهادئ.‏

-إن شاء الله سنأكل حبات الملبس؟!‏

-ولماذا يا زنتوت.‏

-يقولون أنك ستصبح في موقع دكران.‏

وهناك من يقول ستكون في موقع أكبر من موقع دكران نفسه.‏

ترك الزنتوت، لم يشأ أن يقول له شيئاً. أحس أن لا مجال للإفلات من شباك الحكاية التي تكبر حوله.‏

في حديقة السلطان رغب الجبلاوي بالاستلقاء على أحد المقاعد المتناثرة بشكل فوضوي.. فقد كان متعباً.. فهو لم يأخذ قيلولة الظهيرة كعادته.. كان الغبار المتراكم على المقاعد، وبقايا قشور فاكهة وأوراق السلوفان التي تغلف البطاطا المقلية "شيبس" والآيس كريم يظهر وضعاً مقرفاً.‏

أكثر من مرة قال "لدكران". حديقة السلطان تحتاج إلى عناية ومسطحات خضراء تزرع بالورود.. ووضع حراس لحمايتها من عبث "الزعران" الذين يأتونها كالجراد فيكسرون المقاعد، وغراس الأشجار.. وأحياناً يتجمع فيها الشبان الصغار الهاربون من مدارسهم للتهيؤ لملاقاة فتيات ثانوية البنات المجاورة أثناء انصرافهن.. وفي يوم الجمعة يتجمعون قبل أن يندفعوا إلى ملعب كرة القدم. لافتعال مشكلة مع مشجعي الفريق القادم لمباراة فريق المدينة المحلي.‏

كان ضجيج المتواجدين في الحديقة يدفعه للخروج منها..‏

لكنه رأى "شادن" مع عادل يقتربان من بوابة الحديقة، ويعبران باتجاه جامع السلطان.‏

اقترب ضجيج الصبية منه، خشي على نفسه من أن يشتبكوا معه بملاسنة كلامية تؤدي في النهاية إلى الإساءة إليه. هرب منهم بخطوات سريعة إلى مقهى القلعة. كانت موسيقا غربية صاخبة تملأ المكان المملوء بدخان اللفائف، والنراجيل، وثمة شباب وفتيات يدخلون ويخرجون متفجرين بالضحك، وترشح من ضحكاتهم وكلماتهم حيوية عبثية لا تعرف المبالاة. وغالباً ما يشكل الداخلون والخارجون عند الباب الخارجي دوائر صغيرة تضج بالضحك، والصياح، والسباب المقيت، والسخيف.‏

وجد الجبلاوي صعوبة في اختراق هذه الدوائر.‏

هم كانوا يتقصدون البقاء في أماكنهم لخلق نوع من السد البشري، فقد كان يعجبهم أن يجد الداخل أو الخارج صعوبة في الدخول أو الخروج. أحدهم أفسح له:‏

"عم جبلاوي.. تفضل. أين محمد.. نحن لا نجده في هذه الأيام!؟".‏

تأمل وجه الشاب المرسوم بعناية.. ذقن خفيفة، متروكة في نهايتها بشكل طليق، وقد بدأ شعر رأسه وكأنه قبعة بواسطة مثبت الشعر، و"الجل" الكثيف الذي بدا كطلاء سميك.‏

"ألست ابن كامل الرجّوب!؟"‏

-نعم‏

تخطاه، وعبر إلى الداخل في وسط الدخان الكثيف، والأضواء المتفجرة بألوان فاقعة.. وفي الضجيج المنبعث من ستريو ضخم وثرثرة الشباب المتكومين بشكل فوضوي حول الطاولات. كان أبو حمدو بكامل أناقته، وهو يضع سيجاراً كوبياً بين شفتيه الغليظتين فبدا كرجال العصابات في الأفلام المصرية.‏

-لماذا تضحك؟!‏

لم يقل له إن منظرك هذا هو الذي يضحكني قال له:‏

-أضحكني ابن كامل الرجوب.. أرأيت كيف يبدو.. وأبوه يمارس التنظير ليلاً ونهاراً فقط.‏

-لم تر شيئاً بعد.. كل شيء يتغير، وأنت مغمض العينين.‏

سأله عن ابنه (محمد الجبلاوي) إن كان يأتيه إلى المقهى. أخبره أنه لم يشاهده منذ زمن طويل، وأن كثيرين يسألون عنه. أنتم (الجبلاوية) تظلون موضع اهتمام الآخرين. تذكر كيف كنت بالنسبة لنا جميعاً محور صداقة. المحروس محمد يذكرني بك. هو يشبهك في كل شيء.‏

جلس أبو حمدو في مواجهته وطلب له زجاجة كولا وعلبة محارم ورقية وقنينة ماء معبأة. وأبدى دبلوماسية عالية المستوى في طريقة استقباله والترحيب به.‏

قرَّب أبو حمدو كرسيه منه.. فضجيج الموسيقا كان يدفعه لرفع صوته. عرف منه أن المدينة تتحدث عنه كثيراً في هذه الأيام بعد لقائه بفاضل مسعود، وأن ذلك يستدعي أن يفهم الجبلاوي كيف يجب أن يعمل لمصلحته، ولمصلحة المدينة وهذا يستدعي وجود أناس يفهمون في مسائل "البزنس".. هو عليه أن يأمر.. وبعدئذ لا علاقة له بشيء. القانون يعفيه من المساءلة.. فهو لم يفعل شيئاً.‏

لم يشرب الجبلاوي (الكولا) رغم إلحاح أبي حمدو. وظل يتأمل اللوحات الجدارية التي تبرز صور نساء شقراوات.. بعضهن بلباس البحر وبعضهن الآخر في أوضاع مريبة.‏

-لماذا لا تشرب الكولا؟!‏

-أريد قهوة دون سكر.‏

استطال حديث أبي حمدو إلى مسائل كثيرة وأجبر الجبلاوي نفسه على الصمت فهو لا يريد أن يدخل في حوار يقوم على تخيل يطرحه أبو حمدو.. والذي تمطى حديثه أكثر ليصل إلى موضوع تحويل بيته إلى سوبر ماركت، ومقهى ومطعم للمأكولات السريعة والجاهزة "أنا أخبرت ولدك محمد بذلك.. لا تقدم أنت شيئاً. اترك الأمر لي، أنا جاهز. نحن أخوة. مشروع دولاري هام.. وهام جداً. ماذا قلت!؟.‏

شرب قهوته سريعاً.. عند الباب سأله مرة أخرى:‏

-ماذا قلت!؟ فكر.. هذا مشروع هائل.‏

كان الشارع المحيط بالملعب مزدحماً بالناس والسيارات ورجال الشرطة لتنظيم دخول المتفرجين لحضور مباراة بكرة القدم بين فريق "جابالا" بلباسه ذي اللون الأزرق البحري وفريق آخر.. كانت حرارة المتدافعين لحضور المباراة عالية.. فبذل رجال الشرطة جهداً كبيراً في وقف حركة التدافع التي اتسمت بالفوضى.. وفتّش رجال الشرطة عند البوابة الداخلية الذين عبروا البوابتين الأولين إن كانوا يحملون أحجاراً أو عصياً أو سكاكين أو أدوات حادة.. فمباراة الأسبوع الذي مضى، كانت فجائعية.. فقد ضرب حكم المباراة واشتبك المتفرجون مع لاعبي الفريق الآخر.. وأصيب عدد منهم ونقلوا إلى المشفى، وتم توقيف عدد كبير من الجمهور، كان من بينهم عامر الذي أقسم للجبلاوي بالله وبرحمة جده الحاج محمد الجبلاوي أنه لم يحرك ساكناً، وإن الشرطي تقصده ظلماً.‏

ابتعد عن المنطقة سريعاً.. أراد أن يعبر إلى منطقة المنازل الحديثة المجاورة للملعب، فهو لا يعرف بالتحديد إلى أين سيذهب.. ولقاؤه مع (دكران) لم يحن بعد.. ورغم إحساسه بالتعب تابع طريقه ليخترق المدينة شمالاً ثم ينحدر كما تخيل باتجاه البحر.. ليتأمل الغروب.. أبو شهلا يؤكد له أن رياضة التأمل هي من أكثر الرياضات الذهنية تأثيراً على الصحة النفسية.‏

وجد نفسه في مواجهة (راما) تماماً..‏

كانت تطل من الشرفة.. عندما أحنت رأسها إليه.. أدهشه بياض صدرها الذي أفسحت فتحة الفستان لعينيه الدخول نحو العمق، وبدت واحدة من حلمتي ثدييها سمراء شديدة الاشتهاء. استيقظت في داخله رغبة جامحة إليها. لم يجد في الشارع من يلجم فيه هذه الرغبة التي تتصاعد. هي لم تحدثه.. أومأت له بيديها.. وجد نفسه عند بوابة المنزل..‏

وقبل أن يطرق الباب.. كانت في وجهه مباشرة.. وترتدي روباً مفتوحاً عند الصدر.. ومشقوقاً من أعلى إلى أسفل.. عندما مدّت يدها لمصافحته.. انفتح الروب من الأسفل.. ليبرز جسداً رخامياً تحت قميص زهري شديد الشفافية يجعل القسم البارز من جسدها مشتعلاً بأنوثة طاغية. تقصدت أن تقترب منه.. وأحس بالارتباك.. كانت رائحة عطرها تنفذ بقوة إلى داخله.. ويتألق وجهها البيضاوي.. ويصير شعرها الأشقر هفهافاً ومسترسلاً.. وتطايرت خصلات منه إلى وجهه.‏

أغلقت الباب.. كانت إضاءة الصالة قوية، وتبعث فيه حرارة مضجرة. سألته إن كان قادماً من عند الحلاق.‏

سألها باستغراب: كيف عرفت؟!.‏

ترقرقت ضحكتها كمجرى مائي ناعس.‏

-ثمة بعض الشعر على كتفك.. لماذا لا تغيّر قصة شعرك!.‏

-كيف!؟‏

-اجعلها أكثر رومانتيكية، وشبابية‏

-لرجل خمسيني.. ما الذي سيقوله الناس!؟‏

-مازلت شاباً يا رجل.. وأفضل من الشباب‏

ظلت أصابعها تمشي على شعره.. وقفت عند أذنه.. تلمستها في نوع من المداعبة، واقترب صدرها منه.. وأحس أن ثمة عصافير تنقره بقوة في منطقة الصدر.. فأغفى عينيه قليلاً بانتشاء.. وتشمم أنفه رائحة رقبتها.. ووجد جسده كله يقترب منها. جمع كل قواه في محاولة للسيطرة على الجموح الطاغي الذي يدفعه إليها. لتطويق خصرها الناحل.‏

منذ زمن طويل يجد فيه هذا الاشتياق لتطويق خصر امرأة.‏

شادن لم تعد تمتلك خصراً.. تركت خصرها يتشكل بكتل من اللحم، فهو يستغل أية مناسبة ليحدثها عن ضرورة الإبقاء على خصرها ناعماً.. وعندما يندس معها في السرير تتكور فتصبح كتلة لحمية لها ذراعان وقدمان.. وتطارده بأسئلتها الكثيرة.. وتحكي له عن متاعبها اليومية مع الأولاد.. فيجد نفسه في حالة إغفاء نفسية ويصير وجه شادن مشحوناً بالقلق: "أنت لا تهتم بي"‏

ويتقصد إصدار شخير خافت لا يلبث أن ينطلق قوياً في تصاعد مقصود.. فتتركه لتعود إلى المطبخ لتناول وجبتها التي نسيتها.. أو لغسيل الصحون التي تركها الأولاد.‏

وعندما تعود تنبعث من ثيابها رائحة طعام ورائحة عرقها.. وهي تمد جسدها البارد إلى جواره.‏

-لماذا تحاولين الاتصال بي دائماً!؟.‏

-أنت تتهرب من الرد على الهاتف؟!‏

لم يكن الجبلاوي يعرف حباً بعد شادن.‏

ربما كان في أحايين كثيرة يتشهى كغيره امرأة تعجبه، ولكنه في النهاية كان يرفض الاستسلام لرغبته. قاسم المحمود يظل يتحدث باشتهاء كبير عن المرأة "أنت يا جبلاوي عدو ما تجهل. جرب مرة واحدة. عليك أن تغيّر سريرك"‏

مرة قال له ممازحاً "غيّرت سريري يا قاسم المحمود بسرير أمريكي واسع ومريح ومع ذلك لم يتغير الأمر معي."‏

تأمله العتال باستخفاف "أنت تتغابى.. أم أنك..‏

"ماذا تقصد؟!"‏

ـ غيِّر المرأة التي في السرير."‏

ترك أصابعه معها..‏

وترك لها جسده.. كان لجسدها دفؤه الخاص، وعبقه الخاص، ولخصرها لدونته الخاصة.. راح يستكشف بأصابعه كل جسدها.. ومشت أنفاسها في كل شرايينه.‏

جاءه وجه شادن وهي تعبر إلى داخل السلطان‏

-أوه‏

-ما بك!؟‏

-لا شيء.‏

تراجع عنها.. وجلس على أريكة مفردة لا تتسع لشخص آخر..‏

ومع ذلك جلست إلى جواره على طرف الأريكة‏

-عليَّ أن أعود. تذكرت موعداً مع "مصطفى دكران".‏

-دكران!؟‏

-نعم‏

-تشرب القهوة أولاً. ما رأيك أن تشرب كأساً من الويسكي!؟‏

-لا أشربه‏

-جربه‏

-في مرة قادمة‏

-ماذا فعلت في لقائك مع فاضل مسعود؟‏

مشى السؤال في رأسه كسيخ حديدي محترق.‏

-لماذا لم تجب على سؤالي بشأن فاضل مسعود؟‏

-لا شيء‏

-وتخفي عني‏

-ما الذي سأخفيه.‏

-لماذا لا تتسلم مكان (دكران)؟‏

-لا أريد شيئاً.‏

نهض، كان يريد أن يختصر الحوار كله، ويظل رأسه مصدوماً بسيخ حديدي حاد.‏

عكست عيناها رغبة كبيرة في اجتذابه إليها.. هو لم يكن خارج هذه الرغبة، لكنه وجد ذلك أمراً مروّعاً يسقطه في بركة ضخمة وعميقة مملوءة بقطران أسود يفور بقوة في غليان ساخن، وأن "شادن" تتهمه بالخيانة. هي لم تقل له صراحة مرة واحدة "أنت متهم"‏

بعد غياب ولدها محمد الجبلاوي صارت عيناها أكثر ذبولاً، وأكثر غموضاً. لم يعد يستطيع قراءتها.. صارت نظراتها تمتزج بالحزن، والشك، والغموض، فبدت كامرأة أسطورية قادمة من الحلم لتمارس عليه حالة "كابوسية" ضاغطة.‏

استجمع كل تماسكه وهو ينتزع نفسه من كلماتها ونظراتها اللزجة بأنوثة صاخبة. تركت فتحة روبها تتسع ولمع جسدها أكثر في وجهه.‏

-لا أدري لماذا وحدك في هذه المدينة اجتذبتني إليك!. في وجهك صفاء لم أره في غيرك.‏

في لوحة جدارية رأيت وجهك.. وجهك نفسه.. تعال.. تعال معي سأريك إياها.. سحبته إلى غرفة نومها بدت له مدهشة وفاتنة ومضاءة بمصابيح ملوّنة يبرز من بينها اللون الزهري المتداخل مع اللون الأزرق فينفح فيه جواً مدهشاً يذكّره بفيلم حضره عن أجواء شهريار في ألف ليلة وليلة.. تفقد عدداً من اللوحات الجدارية.. إحداها كانت تضم عاشقين يتداخلان في حركة سريالية.. ويكشفان عن حالة عناق حميمية.‏

-أعجبتك!؟‏

وجد شفتيها تقترب منه..‏

ابعد شفتيه عنهما.. سقطت قبلاتها على وجهه. ظلت ممسكة به.. وظلت أصابعها تتندى سخونة ولزوجة على وجهه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244