|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-16- غامت في مقهى الميناء موجة من الصخب، وتهامس بعض الصيادين في الأطراف شتائم بذيئة بحق مصطفى دكران، وهذا ما اعتبره بعضهم اختراقاً لمهابته، ورغم قامته القصيرة التي بدت متكومة خلف الطاولة مثل كومة من الخيش فقد كان صوته حاداً، من خلال وجه بدا أكثر عبوساً وتجهماً عما هو معتاد في أيامه العادية، فقد كان الصيادون أكثر صخباً وتمرداً وقد كانت إدانتهم له مباشرة وجريئة، وهذا لم يحدث من قبل.. ففي المرات الماضية كان الصيادون عندما يفقدون أحدهم يحمّلون قيادة الميناء مسؤولية ذلك.. لكن غياب حمدوش استفزهم جميعهم.. ونبشوا له مسائل كثيرة تتعلق بمظهر الشاطئ، ووضع مَصّدْ الميناء، والفنار الذي ينطفئ عند أول هبة ريح، وأحياناً بسبب هروب العاملين فيه.. فهم إما نيام أو يهربون، وأحياناً يكون المناوب في الفنار سكران. وقد روى بعضهم أشياء فاحشة تتم في الفنار، وأن دكران سمع بكل ذلك ولم يحرك ساكناً.. تحلّق عدد من الصيادين حوله، واكتشف أن فيهم شراً نحوه.. وتقدم أحدهم من الصفوف الخلفية ليتهمه بشكل مباشر -أنت الذي تتهاون في كل ذلك.. لأنهم أزلامك." طلب الجبلاوي من الجميع الالتزام بالهدوء -بهذا الشكل لن يكون هناك إمكانية للحوار (رائف أديب المحمودي)، ونعمان بعيتي التاجر طافا على الجميع ووزعا عليهم بياناً مكتوباً بخط الكومبيوتر يربط بين عودة حمدوش وإعلان (مصطفى دكران) استقالته. قوَّض البيان حالة الهدوء التي سادت قليلاً، وجاء صوت مصطفى دكران متقطعاً يحمل بعض التهديد والتلميح بأن وراء هذا البيان أيادٍ خبيثة، ومدسوسة لتخريب وحدة المدينة وأن مصطفى دكران بصفته الشخصية كونه صديقاً حميماً لحمدوش وهو بصفته الرسمية يشغله هذا الأمر أكثر مما يشغل الآخرين وبخاصة أولئك الذين يزاودون بقوة في هذه المسألة. تقدم كل من (رائف أديب المحمود ونعمان بعيتي) إليه -نحن لا نزاود.. نحن نطالب. والناس هنا يعرفون أنك وراء كل ما يجري في هذه المدينة. كانت (ليندا) التي جاءت لكتابة محضر جلسة كما أراد مصطفى دكران تتظاهر بالابتهاج كلما نظرت إلى الجبلاوي.. وربما هذا ما شجع كثيرين في الصفوف لإعلان حالة من الصخب غايتها التشويش على كل ما يجري بغية إفشال الاجتماع وإظهار مصطفى دكران بمظهر المنفلش وغير القادر على ضبط ما يجري، حتى أن بعض الصيادين كانوا يتهيؤون للتشمير عن سواعدهم للدخول في مواجهة بالأيدي مع شرطة المدينة الذين انتشروا على جوانب المقهى وفي الواجهة وعند الشاطئ ومعهم أسلحتهم.. ووقف (العتال) ملّوحاً أمام الجميع بيده مطالباً لهم بضرورة الاحتفاظ بالهدوء.. وأشار على مصطفى دكران أبعاد هذه العناصر المسلحة التي تشكل استفزازاً لأبناء المدينة الذين جاؤوا لبحث طريقة تساعد في العثور على حمدوش، ووضع ترتيبات مستقبلية تمنع فقدان أحد بهذه الطريقة الفاجعة.. فالمدينة خسرت رجلاً من أكثر رجالها صلابة وشجاعة. سادت حالة من الهدوء.. وانتقل الحوار، إلى حديث عن مطالب أخرى تتعلق بإضاءة المدينة، وشبكات الكهرباء، والهاتف، ورجال المرور الذين يقفون على مفارق الطرق ويمارسون نوعاً من الابتزاز، وإلى شرطة البلدية التي شوهت المدينة بالسكوت على المخالفات التي تتوالد في كل يوم في مكان جديد. أشار مصطفى دكران لرجال الشرطة بالانسحاب، والاختفاء تماماً.. لكن غالبية الحاضرين كانوا يعتقدون أن الرجال المسلحين اختبؤوا في أماكن غير مرئية. امتدح الجبلاوي فكرة الاجتماع كما طلب إليه، مصطفى دكران وكما كان يقتنع هو.. وأراد أن يمهّد للدخول في قضايا الاجتماع ببعض الإطراء.. فأعلن أن مصطفى دكران هو أولاً وأخيراً واحد من أبناء المدينة. جاءه صوت من أقصى المؤخرة في المقهى "هذا كلام؟!.. لا تخيب ظننا بك يا جبلاوي." كاد الجبلاوي يتورط ويعلن غضبه في وجه الرجل لكن فكرة لمعت في رأسه.. فطلب من صاحب الصوت أن يتقدم ويعلن رأيه أمام الجميع بشكل جريء وبحرية تامة وإلا فإن الأصوات التي تنطلق من هنا وهناك دون أن يعلن أصحابها عن أنفسهم هي عادة ليست جريئة، وأهل جابالا لا تنقصهم الجرأة. سادت حالة من الاسترخاء جو الاجتماع من جديد.. وارتسمت على وجه (مصطفى دكران) ابتسامة واسعة. لم يتجرأ الجبلاوي على ذكر دكران ثانية، عمد إلى عرض مطالب الناس في المدينة كما يفهمها وكما يتوقعها وأراد أن يضيف إليها بعض ملاحظاته.. كان الجبلاوي يصنفها واحدة واحدة.. مشكلة مشكلة وطلب إلى ليندا كتابتها ووضعها في صيغة جدول أعمال لعرضها مباشرة على اجتماع مجلس إنماء المدينة واتخاذ القرارات الناظمة لها مباشرة. أبدى مصطفى دكران استعداده لكل ذلك، وأصدر قراراً سريعاً بشكل شفوي يقضي بأن يرأس الجبلاوي لجنة يشكلها بنفسه للإشراف على تنفيذ كل ما طرح بشرط واحد هو أن يحتفظ بحق استصدار كل ما يتفق عليه في ضوء الإمكانات التي يمتلكها وفي إطار القوانين النافذة والناظمة لكل ذلك. جاء صاحب المقهى بناء على طلب مصطفى دكران ووزع الشاي على الجميع.. خيم السكون في جو المقهى الذي امتقع بدخان اللفائف. وأحس الجبلاوي أن مصطفى دكران قد انتزع من تحته البساط مباشرة فالرجل ربط به كل شيء.. المدينة لن تتساهل معه إن فشل في مهمته. أعلن اعتذاره عن رئاسة اللجنة لأسباب صحية، ولأسباب أخرى سيعلن عنها أمام المجلس. فانفجر جو الاجتماع من جديد. وتقدم رجل عجوز من الصفوف الخلفية يرتدي عمامة صوفية داكنة ويتوكأ على عصا من السنديان.. وعندما اقترب من طاولة مصطفى دكران.. رفع عصاه وهزّها في وجهه. -ما فعلته يا دكران لعبة خبيثة. مارس دكران طريقة في النظر إليه استهدفت تصغير الرجل والاستهزاء به -أنت لا تريد أن يكون الجبلاوي مسؤولاً عن تلك اللجنة؟ -هل تركت له شيئاً؟! عاد جو الاجتماع إلى الصخب. أحنى الرجل العجوز رأسه وعاد من جديد إلى الصفوف الخلفية قامت (ليندا) فجأة وأعلنت اقتراحها أمام الجميع بضرورة تفويض الجبلاوي بكل القضايا المطروحة على أن يتقدم بكل ما يراه مناسباً إلى لجنة مجلس المدينة لتأخذ صيغتها القانونية.. دون أن يكون لأحد حق الاعتراض بعد الموافقة بالأكثرية. وافق الجميع على الاقتراح.. همست ليندا في أذن الجبلاوي "أرأيت أهميتي بالنسبة لك. كنت قد طلبت منك اللقاء بي قبل الاجتماع ولكنك لم تمتثل. ومع ذلك أرى نفسي مدفوعة إليك". -من أية ناحية؟ -لا تتخابث.. ومع ذلك.. كما تعتقد! كانت كلمات ليندا تأخذه إلى (راما) فهو يعترف بأنه لم يكن يتصور أن امرأة تستطيع أن توقظ فيه هذا النوع من صخب الحب. هو ليس حباً بحسب تفسيره.. هو حالة التجاء إلى امرأة تمنحه دفء مشاعرها.. متنكرة بالحب.. منذ التقاها أول مرة وهو في حالة تحايل حقيقي على مشاعره. انفض الاجتماع.. ومشى كثيرون على الرصيف البحري، واقترحت (ليندا) على الجبلاوي ومصطفى دكران والعتال زيارة الميناء. انتصبت ليندا بقامتها ومشت ملتصقة بالجبلاوي.. تقصدت ليندا الالتصاق به أكثر عندما بدت شادن من الشرفة في ضوء المصباح الكهربائي المتوهج أمام مدخل الميناء ولامست بكفها كتف الجبلاوي في حركة مقصودة لإغاظة شادن.. التي انسحبت من الشرفة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |