|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-18- افتتاحية رئيس التحرير في الصفحة الأولى من صحيفة "جابالا" لم تعجبه كعادته.. هي تظل في العموميات ولا تدخل التفاصيل باتجاه الجذر ومع ذلك بدا له الأمر عادياً لكن ما أزعجه هو تلك الدعاية التي تصدرت الصفحة الأولى لمساحيق ومعاجين التنظيف.. كانت فتاة الإعلان تشبه تماماً (أدهمية) أمسك بسماعة الهاتف واتصل بشادن.. سألها عن الأدهمية. أجابته بلهفة. -ما بها.. ماذا حدث لها!؟ -لا شيء. هل هي في المدرسة؟ -قلبي يحدثني بأن اتصالك ينذرني بشيء سيئ يتعلق بها. -أبداً. مجرد سؤال خطر في بالي. حجب الجبلاوي وجهه بالصحيفة عندما جاءت (ليندا) ومعها القهوة. أخبرته أنها في آخر الليل تذكرته.. أمسكت بالهاتف واتصلت به.. جاءها صوت شادن.. أغلقت سماعة الهاتف في وجهها. وأنها كانت تريد أن تتحدث إليه في أي شيء يخرجها من قلقها الداخلي. استمعت إلى أم كلثوم.. أكدت له أن صوت أم كلثوم بعث فيها الرغبة الجامحة لمشاهدته.. فكرت بالسير في شوارع المدينة نحو الميناء.. خشيت أن يعترضني أحد سكارى الليل. هذا النوع من الرجال لا احبهم.. هم مهزومون في دواخلهم. -النساء لا يعشقن الرجال المهزومين. -مصطفى دكران كان في مقهى الميناء مهزوماً. أضحكته رغماً عنه، وأمسك منها فنجان القهوة. قصت عليه حكاية صديقتها التي تزوجت وأجبرها زوجها على أن ترتدي جلباباً أسود يغطي عينيها ووجهها: -هو لم يأتها كما يأتي الرجل المرأة.. انتفضت في وجهه.. وتركت المنزل. ادعى أمام أهلها أنها ليست عذراء. دفع بها الموقف إلى الطبيب الذي قرر بوجود عذريتها. تخيلته كجرذ خائف داخل كومة بشرية تريد أن تسحقه. صدرت منه رائحة الخوف كريهة ومقيتة. ومع ذلك أطلق الحكاية في المدينة كلها.. لم يكن أمامها إلا أن أعلنت انتحارها. -وماتت!؟ -ولكن قهرها انتقل إلى أسرتها كلها. رجال المدينة يتجاهلون مشاعر المرأة.. هم مشغولون في جسدها لا أكثر.. يرسمون قناعاتهم على مقاسات رغباتهم تنحسر متى يشاؤون.. وتنفرش كما يرغبون.. المرأة العشيقة.. غير المرأة الزوجة.. أحزنته مشاعرها التي استفاضت بقوة.. كانت ليندا تبدو امرأة مهزومة.. ورأى في وجهها حالة من الاكتئاب خلف طبقة سميكة من المساحيق. -لا دلق فنجان القهوة في جوفه دفعة واحدة. ثم أسقط رأسه على الطاولة. لم يكن يعتقد أن الحياة معقدة بهذا الشكل.. في كل يوم يكتشف حالة الانهزام التي تكبر. (راما) هي الأُخرى مهزومة من الداخل رغم أنها تبدو كسفينة تريد أن تدخل بحاراً واسعة باتجاه مغامرة.. هي تريد أن تهرب كما بدت له من أحزانها الداخلية تحت ستار سميك بعيداً عن الأعين. وشادن مهزومة.. هي لا تريد أن تعلن عن انهزامها.. تعتقد أن صمتها هو الذي سيخرجها من حالة الانهزام التي تعيشها جاءته فردوس.. امطرته بأسئلة كثيرة.. لم يجرؤ على رفع رأسه.. كان يحاول أن يوقف حزنه الذي تفجر بصمت. كانت فردوس تمشط مشاعره الداخلية بحنان حقيقي دون أن تقول شيئاً. عيناها كانت تتدفق فيه ببريق خاص. هذه المرأة يحب فيها هدوء نظراتها، وحواراتها عندما تتحدث بمسائل الفكر والتاريخ.. هي لا تثير فيه شهية الاشتياق إلى أنوثة امرأة.. يراها قريبة من روحه. كثيراً ما ينتابه إحساس الرغبة بالجلوس إليها طويلاً، هو يخشى ما سيقوله الناس. مرة صارحها بذلك.. أخبرته أنها تمتلك الإحساس نفسه. رغم أن شادن تحترمها وترى في حالتها قصة محزنة، ومع ذلك فهي من الداخل لا تميل إليها.. هي لم تصرّح بالسبب كعادتها تجاه الأشياء. ولكنه كان مقتنعاً بأن السبب يعود إلى كونها امرأة مؤهلة لعشقه. رن جرس الهاتف.. أخبرته فردوس أن صوتاً نسائياً يطلبه. عرف أنها (راما). وجد نفسه يسألها مباشرة -من أين أحضرت لوحة الميناء!؟. -ولماذا تسأل!؟ "لأنها تخصني.. هي من خصوصيات أسرتي قبل قرون". -أنت تمزح!؟ -أقول لك الحقيقة. -أنت لست طبيعياً. هي من تاجر لوحات. -هنا؟. -أبداً. هو ليس من المدينة كلها. -سأعيدها إليَّ -في هذا الصباح أرسلتها إلى بلد أوروبي. هي لوحة نادرة.. وسيكون ثمنها كبيراً. إنه الشرق. وجد نفسه يترك سماعة الهاتف تسقط. سألته (فردوس): "ما موضوع اللوحة" نفخ، وتنهد: "الجبلاوي الجد" -ما به -صار بالمزاد العلني في أسواق العالم -لم أفهم شيئاً. أحنى رأسه، واستند بمرفقيه على الطاولة ذات السطح البلوري. تظل اللوحة الإعلانية في وجهه. لملم أطراف الصحيفة وجمعها بقسوة داخل كفيه.. وقذفها ككرة بين قدميه. تذكر أنه من الضروري أن يعيد الصحيفة إلى وضعها لحملها معه إلى المنزل. يجب أن يصرخ بأعلى صوته في وجه شادن "انظري أيتها السيدة الوقورة إلى ابنتك. في نهاية هذا الزمان حفيدة الجبلاوي فتاة إعلان." لم يستطع البقاء في المكتب. ظلت صورة "أدهمية" تطارده كشبح مرعب.. دفعته أفكاره إلى التفكير بعمل ما يمنعها من ممارسة هذا العمل الذي يعصف بمكانة "الجبلاوية" ويجعلها مضحكة المدينة. كان الشلا في مواجهته عند بوابة الميناء. يحاول بقضيب من الحور الرومي أن يحفر في صخرة بحرية.. أضحكته حركة (الشلا) الذي اكتشف أن الجبلاوي يراقبه. -أحاول كتابة اسمي على الصخر -عليك أن تحضر إزميلاً من حديد أو فولاذ ضحك "الشلا".. أراد أن يظهر سخريته من فكرة الجبلاوي. نهض حتى صار في مواجهته، وانفرشت ذقنه الطويلة الموشاة بشيب يميل نحو الزرقة. "النحت بالعيدان الخشبية يعلم الصبر يا جبلاوي" لم ينتظر الشلا ليكمل حديثه. هو يعرفه.. عندما يفيض بالكلام.. ينطلق لسانه مسرعاً، وبصوت عال، ويبدأ بخطاب طويل ويحملق بعينين مكورتين كبيرتين يطل منهما خوف هارب إلى البعيد. لم يجد شادن في المنزل.. ولم يجد أحداً من أولاده. دخل غرفة نومه.. وأطل من النافذة على الميناء.. كان يصغي لهدير الموج.. وجاءه صوت حمدوش بعيداً.. ورأى (الحورية) كخيال غيمة يمشي على الموج، ويبتعد. رنّ جرس الهاتف. كانت شادن على الخط تخبره بأنها ستتأخر في بيت أخيها. أعلن لها عن تأففه من تركها المنزل.. -أليس هذا ما تريده!؟. -من أخبرك بذلك!؟. -حركاتك توحي بذلك. وجد أن عليه وقف هذا الحوار المتصاعد.. -هل تريدين شيئاً آخر!؟ -لا. وجد نفسه مدفوعاً برغبة جامحة للاتصال بـ "راما". منذ زمن لم يستعمل الهاتف، فهو شديد الاعتقاد بأن دكران يتجسس على مكالماته لمعرفة ما الذي سيكون بينه وبين فاضل مسعود.. فكر بالذي يمكن أن يقوله لـ"راما".. وكيف يمكنه أن يكون صريحاً معها على الهاتف ليعلن لها عن اشتياقه.. ففي آخر مرة أغلق سماعة الهاتف في وجهها.. سيعترف لها أن مزاجيته هذه تعود إلى معاناة داخلية تتسبب بنزقه المفاجئ. خرج إلى الشرفة المتعرشة بالياسمين.. كانت الأعمدة الحجرية المنتهية بتيجان منحوتة على شكل أوراق التوت. وجد نفسه ينكّس رأسه في خشوع حقيقي. وجاء وجه الحاج محمد الجبلاوي.. كان يبرز من بين الأوراق.. ويتقدم نحوه، ووجنتاه بارزتان تحت طربوش محاط بشال حريري مطرز بخيوط ذهبية. عبره وجه الحاج محمد الجبلاوي.. ودخل المنزل. مشى وراءه ثم اختفى عنه.. وجد رأسه يسقط متعباً على وسادة سريره.. النهار انتصف.. ولم يأت أحد إلى المنزل. فكر أن يتصل بشادن أو ان يذهب إليها لإحضارها.. وجد أن تصرفه سيكون موضوعاً للتندر أو الاستهانة به.. شادن نفسها ستقول إن الجبلاوي لا يطيق البقاء في المنزل من غيري. هي لن تأتي بشيء جديد، فحقيقة الأمر كذلك. جاءه صوت ليندا عبر الهاتف تخبره أن فاضل مسعود اتصل ويطلب منه أن يسافر إليه غداً لأمر هام.. وسيكون بانتظاره مساءً. رغب أن يقول لها إنه لا يستطيع السفر، وإن فاضل مسعود كله لم يعد يعنيه وإن كل ما يفكر به الآن لا يتجاوز مسائل خاصة به وبأسرته التي بدأت تتفكك كجسد ميت.. وجد أن النتائج المترتبة على هذا التصريح ستكون ليست في صالحه ولا في صالح أسرته التي يعمل على أن يكون لها وجود مميز في هذه المدينة التي تقشر وجهها، لتأخذ وجهاً آخر. ليندا لم تحاول مغازلته عبر الهاتف كعادتها.. لكنها أخبرته بأن غيابه عن المكتب أحزنها.. فهي تعودت أن تقطف في كل يوم ابتسامة من ابتساماته الرقيقة التي تنفذ إلى روحها مباشرة كعبق زهر البرتقال. وذكرته أن المحطة القادمة من البحر ستبث برنامجاً خاصاً عن الحب.. الحب الذي يجعل الجسد يصهد بقوة. أقفلت ليندا الخط الهاتفي وجد نفسه ضائعاٌ وتتقاذفه أفكار عديدة، ومضطربة.. أحس أنه فشل في علاقته بشادن ومع أولاده.. كبروا، وصارت له مشاكل، وقضايا مستعصية بالنسبة له على الأقل.. والمدينة كلها لم تعد تعجبه.. هي تضيع في زحمة الحياة، والأخطار.. كل شيء يتجه نحو بوابة الخروج من تقاليد المدينة التي يعرفها. صرخ بأعلى صوته وبشكل لا إرادي. يا حاج محمد الجبلاوي. اكتشف أنه يصرخ في فراغ. "قرأ تعويذة" الحاج محمد الجبلاوي التي كان يقرؤها ساعة تضجره. وقرأ سورة الفلق بعدها.. تتناهبه رغبة ذكورية إلى امرأة رسم صورتها في رأسه دائماً. هي تشبه "أليسار" أميرة الساحل ابنة "مقّان" الأول ملك صور. هذه المرأة التي تأتيه من التاريخ دائماً تدهشه. يتخيلها تجلس على كرسي الحكم إلى جانب أخيها (بيجماليون). وحدها "أليسار" بذكائها وأنوثتها وجمالها تستطيع أن تغمض بهدوء شديد هذه الرغبة المتيقظة فيه. في البدء فكر "براما".. هي لا تحمل شيئاً من ملامح (أليسار) التي يفوح عبقها فيه كوردة جورية حمراء.. فكر بالاتصال مع "شادن.. هي أقرب الوجوه التي تشعله. مجيء ولده الأول محمد الجبلاوي استبدل شادن بامرأة أخرى تماماً، لم تعد أليسار المزروعة في روحه. فتش في دفتر الأرقام الهاتفية عن رقم أخيها "مهران". في أسفل الصفحة.. اختلط عليه الرقم مع رقم آخر.. دق الرقم الذي اعتقده صحيحاً.. جاءه صوت أنثوي شديد العذوبة. سأل عن شادن.. طوقه الصوت الأنثوي بعذوبته. "أنت تسأل عن شادن.. أي نوع من الغزلان تحب؟!" أعاد الاتصال جاءه صوت مهران سأله عن شادن. أراد مهران ممازحته "ألا تستطيع العيش من دونها!؟". وتحدثت إليه شادن.. أدرك أنها تتقصد أمام مهران أن يكون حديثها ناعماً، وكلماتها منتقاة بودية. رغب أن يوجه إليها بعض غزله المشتعل بالشوق إليها. وجد نفسه يقول "أحبك يا أليسار؟". -رجعنا إلى أليسار؟ -أريدك أن تأتي اشتقت إليك. -سأتأخر. اترك المنزل كعادتك، ولا تنتظرني. جال في غرف المنزل وتوقف في مواجهة المكتبة. أخرج كتاب "الأسفار في أخبار الأنفار" لمؤلفه محمد بن أحمد البكار. قرأ فيه أدعية تذكر بعد صلاة الاستسقاء (في السنوات التي ينحبس فيها المطر، وينتشر الغبار، وتتوسع علائم الكدر بين البشر). أعجبه هذا السجع الذي كان ينغم به السحرة والعرافون. الحاج محمد الجبلاوي حدثه عن أبيه، وأبوه عن جده.. أنه انحبست الأمطار في زمن الناصر بن صلاح الدين فأحضر سبعة من رجال الدين العظماء الذين لم يخطئ أحدهم خطيئة إلا حاسب نفسه عليها. فالأول كان يمشي إلى جوار حقل فعلقت اصبعه بنبتة حمص فاقتلعها.. فأمسك بسكينه الحادة واقتطع أصبعه. والثاني كان يصلح حذائه الجلدي فمرت زوجة ابنه بالقرب منه فتلفتت عينه إلى ساقها التي شمرتها في يوم موحل، فوضع المخرز في العين التي رأتها. والثالث كان يهرع من الصلاة إلى الصلاة وقلبه معلق في المسجد والرابع دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين والسادس كان يأكل بعد جوع دام أسبوعاً كسرة من الخبز اليابس فمر به رجل يقول: من مال الله: أطعمه كسرة الخبز فقال ثانية من مال الله فأعطاه كوفيته وفي الثالثة خلع له ثيابه كلها وبقي عارياً من دون ثياب. أما الرجل السابع فكان يحمل الماء على ظهره ويمشي في الطريق المؤدية إلى الصحراء ليسقي العطاش. ألقى الجبلاوي جسده المتعب على كرسي في مواجهة الميناء.. كان بصره معلقاً إلى الصيادين وهم يصلحون شباكهم.. تذكر حمدوش.. ووجد الجبلاوي نفسه يسقط على شرفة النافذة.. كان اصطدام رأسه بالحجر الرملي للشرفة موجعاً.. وتكونت كدمة صلبة.. بدأ يفركها بهدوء في محاولة لإزالة الاحتقان الذي أصابها. تذكر أن محمود الجزار كان يدق جبهته في كل صباح بحجر رملي لتبدو زرقاء من أثر السجود.. ثم يبيع لحم الخراف بلحم البقر.. ويقسم بالله أنه لحم ذكور الخراف التي ذبحت وسلخت بإشراف مسلخ المدينة. مرة وجده يسلخ بقرة ميتة ويضعها في سيارة لبيعها. "ماذا تفعل يا جزار!؟" ارتعد الجزار: اسلخ البقرة للحصول على جلدها. لم يصدقه الجبلاوي.. تركه.. وتقصّد أن يشعره بأنه غادر المكان، وبدأ يرقبه من بعيد.. بعد أن انتهى من سلخها بدأ بتقطيعها وتحميلها في سيارته. أخبر بعض الناس في المدينة بما فعله الجزار. لم يصدقوا "لا يفعلها الرجل.. حرام.. فهو لا يبرح المسجد!" فتش في جيوبه كلها عن رقم فاضل مسعود.. اتخذ قراراً بالاتصال به وإبلاغه بأنه لن يذهب إليه.. فهو لا يعرف ما الذي يريده منه.. فقد تعكرت حياته في المدينة، وتفككت علاقته بزوجته وأولاده، وإن كل علاقاته لم تعد كما كانت نقية وصافية. فالنفاق الذي يواجهه يقذفه بقوة كأحجار رملية مدببة. .. تذكر أنه رمى بطاقة فاضل مسعود مع مجموعة من الأوراق في هذا الصباح بسلة القمامة. أفرغ سطل القمامة على أرض المطبخ.. وفتشه.. صارت أصابعه لزجة، وذات رائحة كريهة وسال على الأرض ماء لزج وقاتم. اصطدمت أصابعه بقطعة من الزبدة المرمية بين كومة من المحارم الورقية.. أحس بالقرف.. أعاد إلى السطل محتوياته.. ومسح بخرقة قماشية الماء اللزجة التي تركت بقعاً لزجة على الأرض.. ورغم أنه غسل كفيه بالماء والصابون إلا أن رائحة الزبدة العفنة ظلت تفوح في أنفه. رن جرس الهاتف.. تمنى أن يكون أحد أصحابه ليطلبه إليه.. رفع السماعة.. جاء صوت امرأة. سأل الصوت إن كان الجبلاوي هو الذي يتكلم، أكد لها أنه الجبلاوي بشحمه ولحمه وهو مستعد أن يستمع إليها إن كان ثمة ما تريد قوله.. وأن عليها أن تخبره أولاً من تكون فهو لا يستطيع أن يضيّع وقته بمشاكسات عبثية. ظلت أنفاسها تأتيه عبر الهاتف في شكل تنهدات خجولة وحزينة.. وبعد ذلك تقطّع صوتها ببكاء خافت حاولت إخفاءه لكنها لم تفلح. سألته إن كان ثمة أحد من الأسرة إلى جانبه وإن كانت باستطاعتها قول ما تريد. أكد لها أنه لأول مرة منذ سنوات يكون في المنزل وحده، ولكنه يعتذر عن استقبال أية امرأة إن كانت تود زيارته. أجبرتها كلماته الأخيرة على أن تطلق ضحكة قصيرة وخجولة: -لا أود الذهاب إليك. بعده لن أفكر برجل آخر. -من هو هذا المحظوظ؟!. أخبرته أنها لا تستطيع إطالة الحوار لأن ثمة وضع خاص يحيط بها وهي تتحدث إليه.. أرادت فقط أن تسأله ما الذي يعرفه عن غياب حمدوش الذي تجاوز الشهرين ولم يعثر أحد له على أثر، وهي لم تسأل أحداً غيره. وأنّها رأته مرة في الزقاق وسألته عنه. -أنت حورية البحر!؟ لم يعرف كيف سيبدأ معها الحديث.. كان لديه رغبة أن يعرف منها عن علاقته بها.. وما نوع هذه العلاقة، وكيف بدأت، ولماذا ظلت سرية إلى الآن.. وجد نفسه أمام مئات الأسئلة دفعة واحدة. خجل أن يدخل معها في كل هذه المسائل.. فقد تعتقد أنه يريد الدخول إلى تفاصيل ليست من صلاحيته معرفتها، وعلاقته بحمدوش تحتم عليه أن يحترم هذه الخصوصية التي تربطه بحورية. -كيف أحوالك الآن!! -لا أستطيع أن أخبرك الآن. دع ذلك للزمن.. أعيش الآن حزني أريد أن أفهم أي شيء عن حمدوش الآن. -لا نعرف عنه جديداً. جاءه صوت بكائها.. وانقطع الخط الهاتفي. بعد أن ترك الهاتف أحس بأن الفضاء الداخلي للصالة الواسعة يدور.. وخشي أن يسقط.. ترك جسده يهبط على الأريكة المقابلة لجهاز التلفاز.. وانهار رأسه على الحائط. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |