|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-19- عندما غادر منزل راما كان ضوء الفجر يتفتق عند الأفق الشرقي. عند الباب الخارجي طلبت منه إن كان يود السفر لمقابلة فاضل مسعود أن يقوم بإعلامها فهي مستعدة للسفر معه ومرافقته. شتم فاضل مسعود، دون أن يعلن لها عن سبب ذلك، ورغم إلحاحها الشديد لمعرفة حقيقة موقفه من فاضل مسعود.. أراد التخلص من أسئلتها.. بأن جعلها تقتنع أن وجوده معها ينسيه ما هو أعظم من فاضل مسعود. تأملها قبل أن يغلق الباب وراءه. كانت (راما) تبرز عنقاً مرمرياً.. وصدراً مصقولاً كقطعة من رخام.. ومع ذلك اعتبر أن كل ما حدث له معها في هذه الليلة كان لحظة طيش مجنونة.. واتخذ قراراً نهائياً بأن يقطع علاقته بها نهائياً.. عبر الشوارع سريعاً.. وتقصد ألا يلتقي أحداً.. جاءته فكرة بإلقاء نظرة سريعة على ميناء الرميلة.. مشى بمحاذاة الشاطئ، وقطع الفيلات الجديدة المضاءة بفوانيس جميلة تشع أضواء ملونة تنعكس فوق الماء حالمة في مشهد سريالي مدهش. تقرفص فوق صخرة مواجهة للميناء.. ورآهم يتقدمون باتجاه مصب الرميلة في زوارق صغيرة.. وجاءت سيارات أنيقة يقودها رجال ملثمون.. أفرغوا حمولة الزوارق في السيارات التي أطفأت أضواءها.. رأى ولده محمد الجبلاوي بينهم.. كان يقترب منه داخل سيارة تتقدم رتل السيارات. ناداه: -(محمد).. لم يرد.. واصل نداءاته.. صارت السيارة قبالته .. تمهلت قليلاً.. تفحصه محمد ببرود دون أن يقول شيئاً. اندفع باتجاه السيارة (محمد.. محمد.. محمد.) سقط على الأرض.. عبرته السيارة وأطلقت عجلاتها غيمة معتمة من الغبار.. وغمر وجهه بكفيه. مشى متثاقلاً على طول الشاطئ. وتساقط ندى.. وأحس بنداوة ملابسه التي التحمت بجسده. كانت أمواج الميناء تتهادى تحت وهج المصابيح الكهربائية. وكان الصيادون يدخلون الميناء بزوارقهم المحملة بسمك "البلميدا" الأزرق.. ويغنون "هيلا ياريّس". وجاءه وجه حمدوش الذي أطل في الميناء كسراب فوجد نفسه يترنح على المقعد الحجري.. كان يرغب أن يمسك بوجه حمدوش وينتحب.. هو لا يستطيع أن يتنهد الحزن المتفجر في داخله أمام رجل آخر.. حمدوش وحده كان يستمع إليه بصمت ويحتفظ بالذي يسمعه. -محمد الجبلاوي يعمل في التهريب يا جبلاوي. خذ بالك منه. -محمد.. لا يمكن -الغندور يا جبلاوي أغراه بذلك. هو يعرف أن الغندور يريد شيئاً آخر.. يريد أدهمية، تذكر أنه شاهد أدهمية في حوار أكثر من مرة مع (محمد) بالتأكيد هو يحدثها بالغندور. مرة أراد أن يسألهما عن سر هذه الحوارات الصامتة.. رأى في السؤال أمراً مستهجناً.. أعتقد للوهلة الأولى أنه يهوى إحدى زميلاتها، وهي تنقل إليهما مشاعر كل منهما نحو الآخر.. كما كان يفعل أبو يوسف بينه وبين شادن. اعتصر الجبلاوي رأسه بين أصابعه.. عبر الرصيف شرقاً باتجاه المنزل. بدت أحجاره الرملية ذات لون رمادي.. والبوابة الحديدية الخارجية لم تكن مغلقة كما يفترض أن تكون.. توقع أن أحدهم عاد متأخراً من البحث عنه.. وربما أحد الأولاد جاء متأخراً هم لا يهتمون كثيراً لأمر إغلاق البوابة ليلاً.. حتى شادن كانت ترى في ذلك أمراً غير ضروري "فالدنيا أمان يا جبلاوي". أخبرها "أنه في الآونة الأخيرة صارت أحوال الناس صعبة، وفرص العمل قليلة وإن محطات التلفزة تشجع الشباب على ارتكاب السرقات لتأمين متطلباتهم من تبغ، وعطور، ولباس، ودخول إلى المقاهي".. مشى إلى الداخل وعبر أصص الفل التي فقدت نواراتها بقسوة أصابع لم ترحمها. فوجئ بباب الطابق السفلي مفتوحاً على مصراعيه.. وثمة أصوات خفيفة.. وضوء مصباح يدوي ينوس. ورأى "عامراً" بين رجال لم يعرفهم.. لكنهم كانوا شديدي الأناقة.. ويحملون حقائب يد فاخرة.. وثمة لوحات مفروشة أمامهم.. وسمع "عامراً" يساومهم لبيعها.. أراد أن يعبر إلى الداخل.. أو أن يصرخ.. تجمد جسده.. وتجمد صوته.. ثم تمايل قليلاً.. حاول أن يستند.. لكنه لم يقو على مد ذراعه.. سقط بقوة كعمود حجري على الباب.. وتفجر صوت اصطدامه بالأرض بقوة.. ورآهم يخرجون مسرعين.. لامست قدم أحدهم وجهه.. حاول أن يبعد رأسه عن الأقدام التي بدأت تتخطاه.. وعبرته وجوه كثيرة جاءه وجه حمدوش أراد أن يناديه وتجمد صوته في حلقه.. وأحس بلسانه قطعة من حديد صلب.. وجاء عامر.. ولم يقل شيئاً.. وقف مبهوتاً، وعاد الرجال إليه لمساومته عند الباب الخارجي لبيع اللوحات التي تم انتقاؤها.. اختصر الحوار معهم. "أنا أتصل بكم" -نأخذها معنا.. ولن نختلف.!؟ -خذوها.. رآهم يحملونها واحدة واحدة إلى سيارة متوقفة.. كانوا في كل مرة يعبرونه.. وتلامس أحذيتهم وجهه وجسده.. فيرجف جسده.. ويرعش عينيه الباكيتين. جاءه بكاء (أدهمية). وولولات شادن وتبعثرت حوله أصوات مفزوعة.. وظل رأسه بين أقدام كثيرة.. كانت ثمة غيوم، وأمواج، وعتمة تهبط فوقه، وتراقص وجه شادن كظل، وغزت رائحتها أنفه، جرّب أن يفتح عينيه بقوة، كانت العتمة تتداخل مع الموج والغيم.. وراح رأسه يهرول على رصيف الميناء، كلمة واحدة لايزال يتذكرها قبل أن يسقط في تجويف صخري عميق "انتهى" وأعقبها صرخات باكية، ورأى حوله كثيرين.. نظارة الطبيب البيضاء كانت تتسع في وجهه.. وتساقطت جبهة الطبيب عرقاً غزيراً فوقه. قال الطبيب أعتقد أنه مصاب بصدمة قاسية وأنها ربما تودي به. اشتدت صرخات شادن وأدهمية في أذنيه .. وظل وجه عامر متحجراً دون أن يقول شيئاً. سمع صوت سيارات وضجيج، وحركة أقدامهم. -آخر كلمة سمعها كان الطبيب يأمر بنقله إلى المشفى. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |