|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:36 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-20- فتح عينيه.. كان المطر يتساقط بقوة على زجاج النافذة.. ورأى وجه شادن ملفوفاً بغلالة من سواد.. وكان ضوء المصباح ينوس كفنار مكفّن بضباب بخاري كثيف. أحس بأن زمناً طويلاً مر دون أن يتنفس..، ودون أن يخرج من صمته. أراد أن يتحرك.. أو أن يحرك أصابعه، أو قدميه، أو رأسه.. فكر بالصراخ.. ظن نفسه في كابوس ثقيل يتملك كل أعضاء جسده. قرر أن يقول لشادن اخرجيني من هذا الكابوس، وما الذي حدث لي؟!.. لكنه لم يستطع. المطر الغزير ظل يضرب بقوة زجاج النافذة. تذكر (حمدوش).. جاءه وجهه داخل العاصفة، كان يضحك له "لماذا لا تهرب من العاصفة". "هي فاجأتني." غاب وجه حمدوش داخل أمواج عكرة، وارتطم الزورق بشاطئ صخري ذي نتوءات بارزة كالرماح. أغمض عينيه، وصرخ.. صرخ بقوة.. اكتشف أن صوته ظل جامداً. رن جرس الهاتف. تباطأت شادن برفعٍ السماعة. كان رنين الهاتف يعبر رأسه كالمسامير. نهضت شادن متثاقلة إلى الهاتف.. بدا جسدها أكثر ترهلاً وبخاصة في منطقة الخصر. وإن ثمة تجاعيد عميقة رسمت خطوطها في هيئة أقواس حول العينين، وعند الرقبة.. وازداد بياض شعرها.. صار أبيض تماماً.. وانشلح متروكاً بشكل فوضوي على كتفين ضيقين ونحيلين. كانت لا تختلف عن عجائز المدينة اللواتي يذهبن في نهاية كل أسبوع إلى جامع السلطان ويجلسن عند البوابة القوسية الواسعة، يتأملن اتساع بهو الجامع، ويشردن بنظرهن نحو القبور التي ارتفعت شواهدها الصخرية.. ويتحدثن في أمور كثيرة هي الغالب اجترار لذكريات عبرت. يذكر أن (الأدهمية) أمه لم تكن تحب هذا المشهد التراجيدي المتكرر. كانت تحب الجلوس عند الشاطئ وتأخذه معها، وتواصل التأمل، وأحياناً تعاني من ضيق تنفس، وحالة تشنج كسمكة خرجت من الماء. قبل موتها. طلبت إليه أن يأخذها إلى ميناء الرميلة حيث يبدو أفق البحر أكثر اتساعاً ويحرّض على التأمل. يومذاك بكت (الأدهمية).. وقصت عليه حكاية ارتباطها بالحاج محمد الجبلاوي.. وتحاشى أن يسألها لماذا تعيشين هذه الحالة من القهر على أبي.. وجد نفسه يبكي كطفل صغير على يدها وهي تطلب الموت لتلحق بأبيه الذي تركها وحيدة. صرخ صوته ببكاء "وأنا.. وأنا.." حذّرته بلغة الإشارة أن يظل صامتاً.. وألا ينطق بكلمة واحدة. وظلت تقرأ تعاويذ سرية لم يفهم منها شيئاً . وفي صباح اليوم التالي كانت الأدهمية قد رحلت، وتركت فيه ملامح وجهها متيقظة. كان وجهها في هذه اللحظة يأتيه من كل الجهات. صوت شادن على الهاتف أوقف حالة التمادي التي اجتاحته باتجاه الماضي. -هو يحتاج إلى رحمة الله. رحمة الله له ولنا. أغضبته كلمات شادن.. لم يستطع أن يضع لها سوى تفسير واحد.. هي أنها تتعجل موته لراحتها. كانت شادن ترد على المتحدث باكتئاب وحزن. عرف أنها تعيش حالة إرهاق حقيقي بسببه. ربما لأنه لا يزال حياً، ومرمياً على السرير بهذه الحالة المأسوية. عندما واجهته شادن. كان صمت كئيب يلف وجهها. وصخب صوت "أدهمية" وهي تقترب منها. لم تلفت إليه.. بدت له أكثر جمالاً، ورشاقة.. كان شعرها الخرنوبي مسرّحاً في ضفيرة مجدولة ومرفوعة قليلاً إلى أعلى ثم تنحدر إلى الخلف، كاشفاً عن رقبة ناعمة وطويلة يتدلى منها باتجاه الصدر عقد ذهبي مرصع بأحجار كريمة كانت أمه "الأدهمية" قد تركته له لإهدائه لأول حفيدة لها في يوم عرسها. أثار مشهد العقد في داخله فرحاً. هي طلبت إليه أن يقدمه لابنته يوم زواجها هدية جدتها. تساءل هل تزوجت أدهمية!؟. ورغم أنه رأى فيها وجه أمه.. لكنه أحس بالخذلان. كان يأمل أن تكون مثل الأدهمية أمه مملوءة بالحنان تجاهه. .. هو يعرف أنها كانت مغرمة بشاب من (قريطو) هو يحب هذه القرية الأوغاريتية لأنه لا يزال يعتقد أنه عاش فيها. كانت (شادن) شديدة التضجر من الشاب، وتطالبه بالضغط عليها لتركه.. فهي لا ترى مبرراً لهذا الحب.. فثمة فروق كثيرة، واختلافات كثيرة تدفع بها لرفضه. الجبلاوي كان أعلن لها إن كانت تحبه فلماذا لا تتزوج منه. إن أجمل الحب هو الذي ينشأ بين شابين متقاربين في العمر، والفكر.. "أنت ستدفع بي إلى الجنون" ظل الجبلاوي يحرص على ألا يكسر من روح شادن.. فهي تمتلك مقاييسها الخاصة بذلك "لن أدع ابنتي تسقط في الخطأ الذي سقطت فيه أمها." مرة رآه يمشي إلى جوارها عند الشاطئ.. لم يقترب منهما.. بدأ يرقبهما من بعيد.. كانت الرغبة تدفعه لمتابعتهما بعينيه وهما يمشيان على طول الشاطئ، ورأى شادن ترقبهما بغضب من الشرفة. عندما عادت إلى المنزل.. سألتها أمها "أين ومع من كنت؟". كانت أدهمية جريئة. "تقصدت أن أحضره إلى الشاطئ لتشاهدينه في المرة القادمة سأحضره معي إلى المنزل. احكمي عليه عن قرب. صحة القرار أن يكون ناتجاً عن فهم. تفجرت شادن بغضب حاد.. وتوجهت إلى الجبلاوي: "أرأيت. إنها نهاية العالم". وجد نفسه يضحك "تؤلف ولا تؤلفان" هو لا يزال يتذكر أحداثاً كثيرة.. ووجوهاً كثيرة.. لكنه لم يستطع أن يركز كيف حدث له كل ذلك، وكم من الزمن أمضى في وضعه هذا. أفلتت أدهمية صوت التلفزيون في الصالة الواسعة. كان صوت المطربة التي تغني أشبه بصوت دراجة نارية صاخب. واكتشف أن المكتبة ليست موجودة، وأن بعض اللوحات الجدارية قد اختفت تماماً.. هو لا يتذكرها بالضبط.. لكنه يعرف أن الجدران كانت تزدحم باللوحات الجدارية، حتى أن أمكنة وجودها لا يزال لونه غامقاً ومميزاً عما يحيط بها، بحث عن صورة أبيه مع الشيخ صالح يوم دخلا القلعة لمهاجمة الضابط الفرنسي.. لم تكن الصورة في مكانها.. يتذكر أنه في آخر مرة وضعها على الجدار في مواجهة باب غرفة نومه.. انتابته حالة من الصدمة المفاجئة. وجد الغندور في مواجهته.. الغندور لم يلتفت إليه، وجهه كان جامداً كحجر معتم. أراد أن ينفجر بقوة في وجهه وهو يرقب امتداد أصابعه كأذرع أخطبوط لتمسك بأصابع أدهمية.. وينهض بها، ثم يغادران المنزل.. مودعين بضحكة شادن، التي أخذت وضعاً مسرحياً. كان جسده جامداً وصوته متحجراً في داخله. آلمه المشهد.. كان لديه اعتقاد بأن الغندور صار زوجاً لأدهمية. اعتصر عينيه "آه". لكن صوته لم يخرج. في المساء جاء عامر.. هو الآخر بدا كبيراً، ومهموماً، وابيضّ فوداه. شرب القهوة قريباً منه دون أن ينظر إليه.. وعندما سألته أمه إن كان يريد تناول عشاءه في غرفة الطعام أو في غرفة الجلوس أجابها بعصبية حادة! لا أريد. سألته عن شغله، وحركة السوق، وأسئلة كثيرة عن زوجته وأولاده. هو لم يفهم من تكون زوجته ولا عن طبيعة عمله.. لكنه بدا له مهموماً، ونزقاً. تمنى لو أن أحداً يقترب من سريره ويرفع رأسه إلى أعلى علّه يرى البحر، أو على الأقل يتنسم الهواء المحمل برذاذ ملحي ليملأ رئتيه منه حتى الشبع.. فهو يعاني من اشتياق حقيقي إلى الرذاذ الملحي.. كان يحب أن يتلمس بلسانه طعم الرذاذ على شفتيه وهو في مواجهة البحر.. كان للرذاذ طعم قبلات سرية وطفولية. "قبلات سرية لها طعم رذاذ البحر". استهواه ذلك لكتابة قصيدة.. كانت أفكاره في تلك اللحظة تتجه إلى كتابة قصيدة تتشابك مقاطعها بألوان كثيرة مثل قوس قزحي، على سماء رمادية تنذر بمطر صاخب. أدار عامر التلفاز باتجاه مكان جلوسه.. وتمكن الجبلاوي من رؤية الشاشة التي كانت تعرض نشرة المساء.. هو لم يتمكن من معرفة الوجوه التي كانت تطل عبر الشاشة.. لكن العالم كان مليئاً بأخبار مأساوية. زلازل، وانهيارات مبان، وانفجارات، وقتل، وإيدز. استيقظت فيه فجأة ملامح المغاربي وهو يعلن "تؤلف ولا تؤلفان".. كان بوده أن يسأل إن كانت الألفية الثالثة قد اقتربت أم أنها بدأت.. ظلت وجوه الشاشة تأتيه كالظلال.. ورأى صوراً لمدينة لم يعرفها. كانت شوارعها معتمة، وثمة مصابيح عند الشاطئ مطفأة.. وسمع صوت الموج.. وعرف وجه "الشلا" الذي أطل سريعاً.. أراد أن يناديه.. وجد جسده متيبساً وصوته متحجراً. ظل التلفاز يعرض مشاهد كثيرة ومتنوعة. وظلت شادن في مواجهة النافذة المواجهة للبحر على كرسي واسع وفستانها الشتوي مرفوع إلى الركبتين.. وقد بدت ساقاها متورمتين تماماً داخل جوربين من الصوف السميك يصلان إلى ركبتيها. رن جرس الباب الخارجي. أجبرت نفسها على النهوض بتثاقل شديد.. وتمايل جسدها وهي تمشي.. بدت كأنها مقيدة عند الوركين بحمل ثقيل.. دخل عادل، قبّل يدها.. وانحنت لتقبل طفلاً كان معه.. وطمرته داخل حضنها بحنان كبير.. سأل عادل: -كيف أبي اليوم -على الله. قالت ذلك، وتنهدت بوجع.. ظل جهاز التلفزيون يعرض مشاهد مأساوية من العالم. هو لم يستطع أن يحدد أين مكان هذه المشاهد التي كانت تتخللها فواصل من أغنيات راقصة، وإعلانات تبرز أجساد نساء تتمايل خصورهن كأعواد الخيزران.. واصطبغت شعورهن بألوان كثيرة حمراء وسوداء وشقراء.. إحداهن لونت شعرها باللون الأخضر.. وتركت ألوان الماكياج على وجهها في شكل خطوط قزحية.. فبدت كحمار وحشي مضحك. أراد أن يضحك لكنه لم يتمكن. انحنى وجه عادل فوقه، وقبله. ارتاح لشفتي عادل.. كانتا ساخنتين.. وقرَّب الصبي إليه. "سلّم يا جبلاوي على جدّك". ارتاح في داخله وهو يتأمل الطفل وارتاح أكثر له لأنه يحمل اسمه.. ووجد صورته في ملامحه الطفولية.. فله الغمزة نفسها في شفته العليا عندما يضحك.. كان وجه عادل مليئاً بالاشتياق والحنان. هو يشبه شادن تماماً، لكنه في داخله كان يحمل روح الجبلاوي. يذكر أنه قال ذلك لشادن: "وجه عادل لك وقلبه لي" يومها أصرت على أنه بوجهه وقلبه يشبهها. ومن أجل اختصار الحوار الذي بدا مملوءاً بالإهانة لها كما عبّرت له.. اعترف لها بأنه يمازحها.. وأن عادل بقلبه وشكله لها لأنها المرأة الوحيدة في العالم التي لا تزال تحمل روح حبيبته القديمة "أليسار". مازحته. "مشكلة أليسار أنها أحبت رجلاً يسمونه الجبلاوي". سأله عادل "كيف حالك يا أبي. أنا عادل.. هل عرفتني؟.. وهذا ولدي، الجبلاوي." أغمض الجبلاوي عينيه وفتحهما عدة مرات وسقطت دمعة على خده.. أحس بها تتدحرج ثقيلة اتجاه الأسفل نحو رقبته. أطلق عادل صرخة قوية تعبيراً عن المفاجأة. "ماما.. أبي.. أبي يسمعني" واحتضنه بقوة إلى صدره.. وبكى كطفل.. نهضت شادن.. وتعثرت بكرسي قريب.. كادت تسقط لكنها أسندت جسدها إلى الحائط.. اقتربت من الجبلاوي، وأمسكت بأصابعه واحدة.. واحدة.. لم تستطع أن تقول شيئاً.. تركت رأسها على صدره وبكت .. بكت بغزارة.. كانت تريد أن تعتصر كل أحزانها ومتاعبها وحكاياتها.. لم تستطع أن تقول شيئاً.. ظل البكاء يغلبها.. وظل جهاز التلفزيون يطلق أغانيه الصاخبة بقوة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |