|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:36 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-21- استلقت شادن في تلك الليلة إلى جانبه.. وأحس بحرارة جسدها تزحف إليه.. حدثته عن السنوات الطويلة التي قضاها راقداً في فراشه.. عرف منها أن أشياء كثيرة تغيرت في المدينة، وأن البحر خرج على الشاطئ.. وطاف في شوارع المدينة.. وتوقف عند بوابة السلطان، خرج السلطان إبراهيم بمهابته من البوابة القوسية يرتدي لباساً أبيض.. كان كله أبيض كرجل من ثلج.. تلمع عيناه كنجمتين، وكان الحاج محمد الجبلاوي إلى جواره.. أقسمت له بالله أنها رأتهما يمشيان معاً.. كان الحاج محمد الجبلاوي يمشي وراء السلطان بمقدار نصف ذراع أو أقل.. اخترقا مقدمة الموج باتجاه العمق، وقالا كلاماً غير مفهوم.. تراجع الموج.. وعاد إلى الشاطئ.. يومها مات المغاربي.. مات المغاربي في اليوم الأخير من الألفية. وجدوا جثته مرمية عند الشاطئ منتفخة ومملوءة بماء البحر. وجاء دكران يتقدم موكب المدينة. أراد أن يدفن المغاربي في بهو جامع السلطان. حمدوش.. تذكره؟!.. حمدوش جاء في تلك الليلة فجأة.. لا أحد يعرف كيف جاء.. ووقف في وجه دكران قال بصوت سمعته المدينة كلها: "المغاربي ليس من مدينتنا.. اتركوه عند الشاطئ" لم يكن الناس مع دكران ولم يكونوا مع حمدوش في تهجمه على المغاربي اختلفوا فيما بينهم على ذلك، وظلت احتجاجاتهم غير معلنة. لم يجرؤ أحد على مواجهة حمدوش.. كان مصمماً على الموت كفارس جاء من أفق السماء. كثيرون قالوا إن حمدوش جاء في تلك الليلة بنداء سماوي." اغتسل وجه الجبلاوي بدموع شادن.. ودب الدفء في كل جسده.. وغفت عيناه بهدوء.. لم تحدثه عن محمد.. لم تقل له شيئاً عن علاقة الغندور بالجبلاوية.. وكيف حدث زواجه من أدهمية.. هي اختارته.. هم أجبروها على القبول به.. كان يريد أن يعرف ذلك.؟! أخبرته أن الغندور تسلّم مكان دكران بانتخاب ديموقراطي، لا أحد رشح نفسه للتنافس معه سوى حمدوش.. لحمدوش كانت زوجة وابنة لا أحد يعرف من أين جاء بهما وأين كانا.. ابنته "عهد" هي الآن زوجة عادل.. تشبه حمدوش تماماً.. لها سمرته، وعينا أمها.. جميلة كحورية.. حكاية الحورية لم تكن كذبة. في الصباح اكتشف أن جسده دافئ.. وأنه قادر على تحريك رأسه في كل الاتجاهات.. وبإمكانه أن ينتصب ليطل من النافذة إلى البحر، ولاحظ التبدل الهائل في شكل الصالة ولون النوافذ، والستائر هو البيت نفسه لكن كل ما فيه بدا مختلفاً. بدا له البحر أزرق غامقاً تظلله سماء داكنة، وتنذر بمطر وريح باردة كانت تدفع بأصابعها القوية النافذة المواجهة للبحر التي بدت شاحبة، ومهزوزة في وجه ريح بدأت تعصف بقوة، وتحدث صريراً حاداً.. بدأ يتضخم في الصالة الواسعة. حاول أن ينهض.. بدأ جسد الجبلاوي يتحرك شيئاً فشيئاً.. وبحركة بطيئة جمع ساقيه.. وأحس بجسده ثقيلاً كجسم حديدي. وعندما احتكت قدماه بالأرض المفروشة "بالموكيت" أحس ببرودته.. وجاءته رائحة المنزل ثقيلة وغبارية. جرّب أن يقول شيئاً، نادى (شادن).. بدأ صوته يخرج ببطء، وثقيلاً كحجر رملي خشن يجرّح حنجرته.. لم تأته شادن كما توقع رغم أن صوته الذي بدا غير صوته ينتشر في المنزل كالصراخ.. واختلط بضجيج الريح التي كانت تهز النافذة. تمنى لو تأتيه شادن ليستند إليها بجسده.. وتترك خصلات شعرها تتماوج على وجهه ورقبته، تذكر يوم فتنته بابتسامتها الطفولية.. زرعت فيه حالة من الإدهاش.. كان يكتشف الحب في عينيها لأول مرة.. وغنى لها قلبه كعصفور. كان في كل يوم يدق على باب منزل أهلها ليسألهم عن شيء، وذلك ذريعة لرؤيتها.. آلمه أنه وحده في المنزل، وخشي من شيء مجهول لم يعرف تحديده، وأحس برغبة جامحة للخروج إلى الشارع رغم إدراكه لوجود عاصفة بحرية قادمة باتجاه المدينة. ولاحظ أن تبدلاً طرأ على جسده.. وهو ينهض.. استند إلى الجدار وحرك قدمه اليسرى إلى الأمام.. ولحق بها قدمه اليمنى.. تفاجأ أنه يمشي.. خال نفسه طفلاً يمشي خطواته الأولى. تقدم وهو لا يزال يستند إلى الجدار باتجاه النافذة المطلة على البحر خشي أن تصطدم قدماه ببعضهما ويسقط.. كانتا ضعيفتين ونحيلتين كشجرتي حور، ومع ذلك تابع طريقه نحو النافذة التي أطل وجهه من زجاجها الغيمي.. اعتقد أن صورة أخرى تطل عليه غير صورته.. ولكنه عندما رفع كفه إلى ذقنه يمشط شعرها الطويل الأشيب المتناثر بفوضوية في اتجاهات متعددة على الصدر.. عرف أن زمناً طويلاً استبدل نضارته التي كانت تفتن (راما) وهي تتجه إليه في عشقٍ ساخن "أريد أن أمتلك فتنة وجهك وحدي". رأى نفسه في زجاج النافذة عجوزاً طاعناً في السن، ومتهالكاً كشجرة محطمة. ظلت صورة راما تتحرش بذاكرته.. هو لم يستطع تذكر ملامحها جيداً.. لكنه يذكر تلك اللحظات الأخيرة التي غادرها فيها.. كانت تستلقي إلى جواره.. وسمع صوت رجل يأتيها في الهاتف يسألها "هو عندك". أخبرته بالإيجاب.. هو قال في الهاتف كلاماً آخر لها. عرف أنه ضحية لعبة.. وأن أمراً خطيراً قد يحدث. لا يعرف كيف لبس ثيابه ومشى. تعلقت به: انتظر.. دفعها عنه بخوف، وظل صامتاً.. وغادر المنزل.. انتظر بعيداً عنه. جاءت سيارتان.. واحدة توقفت، كان فيها الدكران، والغندور والشرنكا.. وأخرى ترجل منها عدة رجال.. ودخلوا المنزل. أحس برغبة كبيرة لمغادرة المنزل.. وأن الهواء بدأ يسكن، وينقطع عن رئتيه.. أدرك أن عليه عدم الاستسلام لشعوره بالضعف، وأنه من الضروري أن يفتح الباب ويخرج.. كانت يداه ترتعشان وهما يمسكان بفتحة الباب، كان بحاجة إلى قوة إضافية إلى قوته لفتحه.. تذكر كيف كان يحمل شادن ويمشي بها.. وتختلط تنهداته الحارة بأنفاسها ويتطاير شعرها على شفتيه في إيقاع تنهدات عناق يمتزج فيه الحب بالشوق. وجد نفسه يبذل جهداً كبيراً في فتح الباب، ويهبط درجات السلم، كانت الريح عاصفة وتلفحه ببرودة صقيعية.. وجد تشكيلة من السيارات الفاخرة تترصف في الساحة المواجهة للطابق الأرضي الذي أزيل سوره الحجري، وتغير لون جدرانه.. البناء كله بدا مختلفاً، واستبدلت شرفاته القوسية بأشكال جديدة أفقدت البناء مهابته التاريخية، وأحس بروحه تبكي.. وجاءه وجه الحاج محمد الجبلاوي.. يمر به صامتاً دون أن يقول شيئاً من خلف الواجهات الزجاجية ذات اللون "الغيمي" وجد أن الطابق السفلي صار مختلفاً. راح يتصفح (اليافطات) المكتوبة بحروف ضوئية متعددة الألوان "سوبر ماركت، سناك بار، متحف الأدوات الشرقية، عطورات، مواد تجميل، أدوات إلكترونية وكومبيوتر" كانت اليافطات تحدث تشققات حادة في رأسه". وتفتح أمامه طريقاً كمغارة معتمة.. تتجه درجاتها إلى الأسفل.. اتجه إلى الرصيف البحري.. كانت الأمواج المجنونة تقذف زوارق الصيادين إلى أعلى باتجاه الجدار الصخري. كان الرصيف الإسمنتي يبدو متشققاً.. حاذر في مشيته كي لا يقع في إحدى التشققات التي كانت تتسع في خطوطها العميقة وتتجه إلى الأسفل نحو أمواج كانت تصخب بقوة.. ويتطاير منها رذاذ مطري ويتساقط فوق المدينة الملفوفة بعباءة رمادية.. حاول أن يتبين شرفاتها القوسية.. بدت معتمة وذات أشكال غريبة، كان كل شيء في المدينة يعكس مشاهد لا يتذكر أنه رآها من قبل.. عند واجهة مقهى الميناء الذي بدا ككهف مهجور يغطيه غبار يلونه بلون الفخار العتيق.. وجد نفسه ينحدر إلى أسفل على الدرج الذي يؤدي إلى صالة المقهى الذي بدأت الريح تفتح نوافذه وهي تصدر صريراً كالصراخ.. لم يجد وجهاً واحداً فيه يعرفه.. ظل ينحدر على درجات سلم حجري طويل.. وجد نفسه في مواجهة موجة بحرية كبيرة تستقبله.. وهزته الريح بقوة.. وتمايل جسده.. سقط جسده في فوهة الموجة البحرية ذات اللون العفني.. أراد أن يصرخ، أن ينادي شادن، وأولاده، وكل الذين عرفهم.. ظل يصرخ.. ويصرخ.. غلّفت المدينة حالة من الصمت، والفراغ.. كانت الموجة تعتصره بقوة. وتضغطه إلى داخل علبة صفيح سوداء.. تمدد فيها على طوله.. وسقط رأسه إلى الوراء.. ثمة نتوء حاد اخترق رأسه من الخلف نحو الداخل.. فكر أن يرفع رأسه إلى أعلى.. اصطدم بجسم ناتئ وصلب اخترق جبهته من الأمام.. وتدفق دم على وجهه.. حاول أن يحرك جسده.. كانت جدران علبة الصفيح تضغطه وتصدر صوتاً كالأنين.. أغمض عينيه، وترك نفسه للموجة التي غمرته تماماً.. وبدأت تتقدم به في شوارع المدينة. التي تملؤها أعلام كثيرة ذات ألوان عديدة.. وواجهات ضوئية بلغات كثيرة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |