البعد الخامس - طالب عمران

رواية من الخيال العلمي - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-5-

عانيت كثيراً في طفولتي.. تلك المعاناة، جعلتني أنغمس بالقراءة والإطلاع على أمهات الكتب حتى أنني في سن مبكرة، كنت أحمل ثمار ثقافة الأجيال السابقة.. كان الموضوع الذي يشغلني هو (الموت) هل ننتقل بعد موتنا إلى عالم آخر؟ أم أننا نموت هكذا كما تموت النباتات؟ بالطبع لأنني كنت مؤمناً بالله إيماناً قوياً، فقد كنت أعرف أننا ننتقل إلى عالم آخر بعد الموت، وكنت متيقناً من وجود الثواب والعقاب.. لذلك بدأت بقراءة الكتب الدينية، وكتب التصوّف، حتى توصّلت أخيراً إلى فهم عظمة الخالق عزّ وجلّ.. والقوّة الكبيرة التي أعطاها للإنسان ولم يعرف كيف يستثمرها.. وتردّد في خاطري دوماً بيت الشعر هذا:

وفيك انطوى العالم الأكبرُ

 

أتحسب أنك جرم صغيرٌ

بدأت أدرك أن هناك عوالم تحيط بنا، لا نستطيع الوصول إليها.. وبدأت منذ ذلك الحين البحث في سرّ الحياة.. حضرت الكثير من جلسات ما يسمّى بتحضير الأرواح وهي ليست أرواحاً وإنما أجساماً موجيّة واقتنعت أخيراً أن الجلسة الناجحة تنقل المجتمعين إلى عالم تلك التموجات.. بدأت أتقن فنّ استحضارها بدءاً من الفنجان المتحرّك فوق لوحة كتبت عليها الأحرف الأبجدية والأرقام من الصفر إلى التسعة، إضافة لكلمتي نعم ولا.. وقد اختلطت المعلومات التي كان الفنجان يقرؤها بحركته فوق الأحرف، حتى أنني رفضت تصديقها أحياناً لكثرة المعلومات المتناقضة.. وأيقنت أنها تموجات فيزيائية ربما لها علاقة بجسم الميت وتأثيراته..

أما الطريقة الثانية وهي طريقة الوسيط فكانت أكثر إقناعاً.. وفي حالة نجاح الوسيط في حمل اللوحة المستحضرة في داخله تكون المعلومات أكثر دقة واتقاناً.. أما الطريقة الثالثة وهي مستنبطة أو مطوّرة من طريقة الوسيط، فيظهر فيها الجسم الموجي متجسّماً للحظات يمكن أحياناً لمسه والإحساس بمادته وليست له علاقة بالروح ] ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً[

(قرآن كريم)

راقبت انخفاض وزن جسم المحتضر قبل أن أصبح طالباً في الجامعة.. ومع بدء دراستي الجامعية بدأت معرفتي تزداد وضوحاً.. كنت أسأل نفسي كثيراً عن سرّ تخريب الخليّة الحيّة ووجدت جواباً اقتنعت فيه وهو أن الخليّة الحيّة النباتية تتخرّب تلقائياً بقلّة الماء والغذاء ومضي الزمن، أما الخلية الحيوانية فتتخرب بالمرض والجوع والتخمة والعدوانية.. وربما كانت الغريزة هي التي تملي على الحيوان ما يفعل أما بالنسبة للإنسان فالوضع مختلف..

الإنسان هو المخلوق الذي اصطفاه الله عز وجل من بين كل المخلوقات فالذي يخرّب خلاياه ليس شيئاً واحداً، إن غذاؤه من اللحم الحيواني يؤثر على أنزيمات الخلايا.. وهناك الأنانية والحقد والحسد والعدوان آه يا إلهي.. توصلت إلى هذه المعلومات وأنا أرى المتصوّف الذي لا يأكل سوى القليل القليل من طعام لا يغذّي بدنه، أقصد ليس به الراتب الغذائي الضروري للجسم.. ويعيش على الماء أحياناً.. إن هذا المتصوّف لا يصاب بالمرض.. وتكون قوته خارقة..

إنه الطريق إلى المعرفة، الوسيلة الحقيقية للسموّ بالإنسان، عن الصراعات والأحقاد.. حيث لا يرى الذي يسلك سبيل المعرفة أمامه سوى النور الذي يضيء له السبيل ليتعرف على الكون وخفاياه وينبذ من نفسه الشرور والعدوان.

وفي أحد الأيام.. وكنت في مخبر تشريح الجثث، وقد أخذت أذناً بالدخول إليه من الجامعة، بسبب تفوّقي.. وكانت هناك جثة جديدة انضمّت للعنبر.. كانت جثة شاب نحيل.. بدا فتيّاً جميلاً..

سأبدأ تشريح هذه الجثة من الدماغ.. يا إلهي، إنني أشفق على هذا الشاب الأسمر.. سبحان الله، ما الذي أودى به إلى هذه النهاية التعيسة.. يقولون في تقريرهم عن حالته، إنه توفي نتيجة إعطاءه دماً فاسداً بعد أن فقد كثيراً من الدم.. قطع شريان يده ليموت.. حاولوا إسعافه ولم ينجحوا.. يا إلهي ما هذا؟

إن جبهته دافئة، معقول؟ ولكن قلبه لا ينبض..

شعرت بالخوف حين ذلك.. ولكن لماذا الخوف؟ أيخاف الإنسان من واقع هو الموت؟ إن حرارة جسمه تزداد رغم أن قلبه ما زال متوقفاً، حمدت الله أنني لم أبدأ بتشريحه، وبدأت أضغط على صدره بشكل منتظم حتى بدأ قلبه ينبض.. لولا دفء جبهته لكنت الآن قد نشرت الجمجمة لأصل إلى الدماغ. الحمد لله عاد إلى الحياة وبدأ يتأوّه وسمعت صوته أخيراً كان يتكلم العربية بلكنة أجنبية واضحة وهو يرتجف من البرد.. أخرجته من المشرحة إلى الجو الدافئ في الخارج وأسندته على أحد المقاعد الحجرية.. ثم انتبهت إلى أنه كان عارياً تماماً.. ولم أدر ما أفعل.. ثم خطرت لي فكرة إلباسه أحد الأرواب الطبية المعلقة في المشرحة.. وحين عدت إليه وجدته ممّدداً فاقد الوعي بذلت جهداً كبيراً لإلباسه (الروب) الطبي ثم خرجت به من الحرم الجامعي وكان الوقت متأخراً، ورغم معرفة الحارس الليلي لي فقد أوقفني، وقد أعتقد أنني أسرق الجثة، وحين حكيت له ما جرى ساعدني في حمله إلى عربة أجرة يجرها حصان كانت تقف قرب باب الجامعة..

وفي المشفى نقل الشاب إلى العناية المشدّدة وأحضر بعض الأطباء من بيوتهم لمعاينة حالته.. وفي اليوم التالي زرت المستشفى وتحادثت مع الشاب:

-حمداً لله على سلامتك

تكلم بلكنته الأجنبية:

-من أنت؟ ولماذا تزورني أنا لا أعرفك؟

-أنا حامد.. أنقذتك من المشرحة.

-مشرحة؟ ماذا تعني هذه الكلمة؟

كان غير عربي لم يفهم الكلمة:

-كنت مريضاً جدّاً.. أنقذتك من الموت؟

-لا أذكر شيئاً، كأنني كنت أحلم..

-طمأنني الأطباء على حالتك.. هل اتصل بأهلك؟

-أهلي؟.. ليس لي أهل هنا.. أنا غريب عن بلادكم..

-ومن أين أنت إذن؟ وماذا تفعل في بلادنا؟

-أنا من الهند، أدرس اللغة العربية

-آه.. فهمت.. على كل حال إذا رغبت سأتصل بالسفارة؟

-لا.. لا.. أرجوك..

-طيب.. وماذا تريد؟ هل أحضر لك شيئاً؟

-أتتحدث الإنكليزية جيداً؟

-بالطبع..

-سأعطيك هذا الرقم، اتصل به في الصباح واطلب الكلام مع (مينا) أسمعت؟ قل لها (زيدي) مريض وسيلقاك بعد أن يتمم علاجه.

استغربت منه الأمر.. ولم يكن الهاتف منتشراً في ذلك الوقت، كان نصف آلي، يقتصر استخدامه على بعض السياسيين وسفراء الدول الأجنبية.. وكان عدد أجهزة الهاتف محدوداً.. ولم يكن من الصعب معرفة صاحب الرقم المطلوب.. كان المدير التجاري لشركة إنكليزية اتخذت مقرها العاصمة وتعمل في توريد التوابل والقطن والمبادلة بسلع أخرى.

كان المدير التجاري هندوسياً متعصباً، وكانت (مينا) ابنته الوحيدة بين خمسة شبان.. رفض فكرة تزويجها من (زيدي) الشاب المسلم.. وقد هدّده والد (مينا) بالقتل إن استمر في ملاحقته (لمينا) ومنع ابنته من الخروج حتى لمدرسة اللغة العربية التي تنتسب إليها.. وضاقت الأحوال بالشاب وظلّ يحوم حول منزل الفتاة ليراها، فأشفق عليه أحد الخدم وجمعه بها.. وعرف الأب باللقاء فصمم على إعادة ابنته إلى الهند وتزويجها من ابن صديقه وعرف (زيدي) بالخبز فجنّ جنونه.. وفي ساعة شؤم قطع شريان يده بعد أن أرسل لها رسالة وداع، وحين استلمت الرسالة خرجت عن صوابها وحاولت الخروج للبحث عنه لولا مجيء أبيها المفاجئ.. فأرسلت رسالة قصيرة مع أحد الخدم تخبره أنها لن تكون لغيره في الوجود ورجته إنقاذ نفسه وإلا قتلت نفسها.. ولم تصل الرسالة له.. إذ أنه كان قد فقد الكثير من دمه ونقله أحد الجيران إلى المشفى حيث حاول الأطباء إسعافه دون نتيجة..

بعد خروج زيدي من المستشفى أصبحت واسطته للاتصال بـ (مينا) وقد علّمته العربية جيداً، وعرفته بأبحاثي في سرّ الحياة، وتابع (زيدي) دراسته في الطب بدلاً من اللغة العربية بناء على نصيحتي.. وبالطبع ساعدته في الهرب مع (مينا) إلى بيروت حيث تزوجا هناك، وحتى لا تثار فضيحة لوالدها اضطر الأب للاعتراف بالزواج بعد أن اتهمته إحدى الصحف الصادرة في بيروت بناء على معلوماتي بالتعصب.

تابعت وزيدي أبحاثنا معاً في سرّ الحياة، وقد نبغ (زيدي) في دراسة الطب، وتوصلنا معاً إلى عقار تمكنّا بواسطته من تجديد النشاط الخلوي في الجسم، وخصوصاً الخلايا النبيلة في الدماغ.. وهذا ما جعلنا نقوم بأمور تبدو خارقة..

 

 

E - mail: aru@net.sy

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244